INICIAR SESIÓNأغلق سليم الهاتف ببطء.ظل ينظر إلى الشاشة للحظات...ثم وضعه فوق الطاولة.جلس الرجل الذي أمامه في صمت.كان المحاسب.وجهه شاحب...وعيناه لم تعرفا النوم منذ أيام.قال سليم دون أن ينظر إليه:ــ الاجتماع خلص؟أومأ المحاسب.ــ أيوه.ــ احكي.تنفس الرجل ببطء.ثم بدأ يسرد كل ما حدث...عدد الحاضرين...عدد الغائبين...الملفات التي وزعها فؤاد...وطريقته في الكلام.لم يقاطعه سليم.كان يستمع...ويجمع الصورة داخل عقله.حتى انتهى المحاسب.ساد الصمت.ثم سأل سليم سؤالًا واحدًا.ــ مين أكتر واحد كان خايف؟تعجب المحاسب.ــ يعني إيه؟رفع سليم عينيه إليه.ــ الناس وهي بتكدب...بتعرف تخبي كلامها.لكن الخوف...محدش بيعرف يخبيه.فكر الرجل قليلًا.ثم قال بثقة:ــ فؤاد.عقد سليم حاجبيه.ــ متأكد؟ــ لأول مرة...كان بيتكلم وهو بيبص في وشوش الناس.كأنه بيدور على خيانة.ابتسم سليم.ابتسامة صغيرة...لكنها كانت كافية.ــ يبقى بدأ يشك.خفض المحاسب صوته.ــ في مين؟رد سليم بهدوء:ــ في الكل.ولما الراجل يبدأ يشك في الكل...يبقى خلاص...خسر.في الوقت نفسه...كان عمر يجلس مع المستشار داخل غرفة المكتب.الرسالة...والمفت
لم يكن المكان يشبه مخابئ المجرمين التي اعتاد الناس رؤيتها في الأفلام.شقة أنيقة...داخل عمارة حديثة.في حي هادئ.لا حراسة ظاهرة.ولا سيارات فارهة.ولا رجال يحملون السلاح.كل شيء يوحي...أن من يسكن هنا رجل أعمال عادي.داخل غرفة واسعة...جلس كامل أمام طاولة خشبية.أمامه ثلاثة هواتف.وجهازي كمبيوتر محمول.وحقيبة سفر سوداء مفتوحة.كان يرتب محتوياتها في هدوء شديد.جوازا سفر.بطاقات مصرفية.مبالغ كبيرة بعملات مختلفة.ووحدة تخزين إلكترونية صغيرة.رفعها بين أصابعه.نظر إليها طويلًا.ثم ابتسم ابتسامة باهتة.همس:ــ دي آخر حاجة...لو ضاعت...يبقى كل اللي بنيته راح.فتح درج المكتب.وأخرج ولاعة معدنية.أشعلها.ثم ألقى داخل وعاء حديدي مجموعة من الأوراق.راقب النار وهي تلتهمها...دون أن يهتز له جفن.رن أحد الهواتف.نظر إلى الشاشة.الاسم...فؤاد.ظل الهاتف يرن حتى توقف.لم يمد يده إليه.بعد ثوانٍ...رن مرة أخرى.ابتسم كامل بسخرية.ثم قلب الهاتف على وجهه.وقال لنفسه:ــ لأول مرة...تحس إنك لوحدك.صح يا فؤاد؟عاد إلى ترتيب الحقيبة.وكأن شيئًا لم يحدث.طرق الباب ثلاث طرقات قصيرة.نهض كامل.اقترب من الب
لم ينم أحد في البيت الآمن تلك الليلة.كانت رسالة حسن لا تزال فوق المكتب.أما المفتاح النحاسي...فكان يستقر داخل كيس شفاف صغير وضعه عمر بعناية، بعدما ارتدى قفازًا طبيًا.ابتسمت خديجة ابتسامة خفيفة.ــ حتى دلوقتي... لسه بتفكر بعقلية المحقق.رد عمر وهو يغلق الكيس:ــ شكلها بقت عادة.أي حاجة ممكن يبقى لها قيمة...لازم نحافظ عليها.جلست خديجة أمام الرسالة مرة أخرى.لكن هذه المرة...لم تكن تقرأها بعين الابنة.بل بعين مديرة الحسابات التي اعتادت مراجعة التفاصيل الصغيرة.قالت فجأة:ــ فيه حاجة غلط.رفع عمر رأسه.ــ في الرسالة؟أومأت.ــ بابا عمره ما كان بيكتب كلام زيادة.كل كلمة عنده لها وزن.اقترب منها.أخذ نسخة مصورة من الرسالة، بينما بقي الأصل أمامها.قال:ــ وريني.أشارت إلى سطر واحد."آخر أمانة."قال عمر:ــ ماله؟ابتسمت خديجة.ــ بابا ما قالش... "آخر دليل."ولا قال..."آخر سر."قال..."آخر أمانة."ساد الصمت.ثم بدأت تتكلم ببطء، وكأنها تفكر بصوت مسموع.ــ الأمانة... بتتسلم لصاحبها.إنما الدليل... بيتسلم للنيابة.رفع عمر عينيه إليها.بدأ يفهم.ــ يعني إنتِ شايفة إن المفتاح...مش هيودينا لم
كان الليل قد انتصف...لكن الضوء داخل المكتب لم ينطفئ.وقف فؤاد أمام النافذة الزجاجية المطلة على المدينة.في السنوات الماضية...كان يحب هذا المنظر.كان يشعر أن كل تلك الأضواء...تقع تحت نفوذه.أما الليلة...فلم يرَ سوى ظلام كثيف.طرق الباب.ــ اتفضل.دخل أحد رجاله على استحياء.وقف منتظرًا الإذن بالكلام.دون أن يلتفت إليه، قال فؤاد:ــ اتكلم.ــ يا باشا...لسه محدش عرف يوصل لكامل باشاساد الصمت.استدار فؤاد ببطء.نظر إليه بعينين ثابتتين.ــ يعني إيه محدش عرف؟ارتبك الرجل.ــ التليفونات كلها مقفولة...والأماكن اللي كان بيروحها...مفيش فيها حد.اقترب فؤاد خطوة.ــ والسواق؟ــ مختفي.ــ الحرس؟ــ كل واحد بيقول كلام غير التاني.تجمد وجه فؤاد.ثم أشار للرجل بالخروج.خرج الرجل مسرعًا.وأغلق الباب خلفه.بقي فؤاد وحده.اقترب من مكتبه.فتح الدرج السفلي.وأخرج ملفًا صغيرًا.كان يحتفظ به منذ سنوات.ملف لا يعرف أحد بوجوده.قلب صفحاته ببطء.حتى توقف عند صورة قديمة.هو...وكامل...قبل أكثر من خمسة عشر عامًا.نظر إليها طويلًا.ثم قال بصوت بالكاد يُسمع:ــ معقول تعملها يا كامل؟رن الهاتف.نظر إلى الشاش
أغلق عمر باب السيارة بنفسه.ووضع الصندوق المعدني فوق المقعد الخلفي برفق...كأنه يخشى أن يهتز أكثر مما ينبغي.أدار المحرك.لكن السيارة لم تتحرك.ظل ينظر في المرآة الأمامية للحظات.ثم قال دون أن يلتفت:ــ بص حواليك كويس يا رامي...رفع رامي عينيه يتفحص الشارع.كان خاليًا.ورشة مهجورة...عدة محال مغلقة...ورجل عجوز يجلس أمام منزله يحتسي الشاي.لا شيء يثير الريبة.قال بهدوء:ــ مفيش حد.ظل عمر صامتًا.ثم تنهد.ــ يبقى نمشي.انطلقت السيارة ببطء.لم يتحدث أحد.كان كل منهما غارقًا في أفكاره.وبعد دقائق...كسر رامي الصمت.ــ تفتكر فيه إيه جوه الصندوق؟ابتسم عمر ابتسامة خفيفة دون أن يحول عينيه عن الطريق.ــ لو حسن كان عايز حد غير خديجة يشوفه...ما كانش خباه بالطريقة دي.هز رامي رأسه.ــ معاك حق.ثم عاد الصمت مرة أخرى.في البيت الآمن...كانت خديجة تقف أمام نافذة غرفتها.تنظر إلى الحديقة الصغيرة في الخارج.منذ خرج عمر وهي عاجزة عن التركيز في أي شيء.حاولت أن تعود إلى دفاتر والدها.لكن الكلمات بدت ضبابية.دخلت أمها تحمل كوبًا من النعناع.ابتسمت وهي تراها واقفة.ــ لسه مستنياهم؟أومأت خديجة.ــ حاس
لم يكن حسن يترك وراءه ورقة بلا معنى.هذه الحقيقة...كانت أول ما أدركته خديجة وهي تقلب صفحات الدفتر القديم للمرة العاشرة.أغلقت عينيها للحظة.ثم أعادت فتحهما وهي تحدق في الجملة التي كتبها والدها بخطه المعتاد:"لو الأرقام لخبطتك... ارجع لأول ميزان."همست لنفسها:ــ أول ميزان...مش أول دفتر...ولا أول حساب...لا...أول ميزان اتعمل بعد افتتاح الورشة.اتسعت عيناها فجأة.أمسكت هاتفها بسرعة واتصلت بعمر.كان عمر يجلس مع رامي والمستشار داخل غرفة صغيرة في البيت الآمن.أمامهم خريطة للتحركات الأخيرة التي رصدها رجال المراقبة.قال المستشار:ــ في حاجة بتحصل داخل الشبكة.بس لسه مش قادرين نحددها.رد رامي:ــ رجالة كامل بقوا يتحركوا أقل...وده مش مريحني.رن هاتف عمر.نظر إلى الشاشة.ابتسم ابتسامة خفيفة.ــ خديجة.رد فورًا.جاءه صوتها متحمسًا على غير عادتها:ــ عمر...أنا عرفت يقصد إيه.اعتدل في جلسته.ــ إيه اللي عرفتيه؟ــ بابا مش بيكلمني عن الدفاتر...بابا بيكلمني عن ميزان المحل.ساد الصمت.ثم أكملت:ــ فاكر ميزان الخشب القديم اللي كان في الورشة؟عقد عمر حاجبيه.كان يتذكره جيدًا.قطعة حديد ضخمة تعود







