LOGINهناك لحظات...لا يدرك الإنسان أهميتها إلا بعد أن تنتهي.لحظات قصيرة.هادئة.عادية جدًا.ثم يكتشف بعدها...أنها كانت آخر لحظات الأمان.لم تسحب خديجة يدها.ولم يسحب عمر يده أيضًا.جلسا متقابلين.في صمت.لكن الصمت هذه المرة لم يكن فارغًا.كان ممتلئًا بأشياء كثيرة.أشياء لم تعد تحتاج إلى كلمات.كانت الساعة تقترب من الثانية صباحًا.وأضواء الشقة كلها مطفأة.إلا مصباح صغير فوق الطاولة.انعكس ضوؤه الخافت على وجه خديجة.فلاحظ عمر الهالات السوداء أسفل عينيها.والإرهاق الذي تحاول إخفاءه منذ أيام.فقال أخيرًا:— لازم تنامي.ابتسمت بخفة.— وإنت؟نظر إلى الملفات أمامه.ثم عاد إليها.— بعد شوية.رفعت حاجبًا واحدًا.— الكدب حرام.ولأول مرة منذ ساعات...ضحك.ضحكة حقيقية.قصيرة.لكنها وصلت إلى عينيه.فشعرت خديجة بشيء دافئ داخل قلبها.كان عمر قليل الضحك أصلًا.وأقل منه أن يضحك أمام الناس.فكيف بها هي؟سكتت قليلًا.ثم قالت بصوت منخفض:— عمر؟— نعم.ترددت.ثم سألت:— إنت بتخاف؟رفع رأسه إليها.— من إيه؟ابتسمت ابتسامة صغيرة.— من أي حاجة.ظل ينظر إليها للحظات.ثم قال بهدوء:— زمان لا.شعرت بشيء يتحرك داخل
احيانًا...لا يأتي الخطر وهو يطرق الباب.بل يقف في الجهة الأخرى...ينتظر فقط اللحظة المناسبة.داخل مكتب عمر...لم يتحرك أحد لثوانٍ طويلة بعد انتهاء المكالمة.كانت كلمات محمود ما تزال معلقة في الهواء."أول شركة اشتغل فيها حسن بعد الجامعة."نظر عمر إلى الورقة مرة أخرى.ثم إلى محمود.— متأكد؟هز محمود رأسه ببطء.— متأكد.ثم مرر يده على وجهه.— حسن حكى لي عنها مرة.— زمان جدًا.— قال إنها كانت شركة صغيرة وقتها.— وبعدها فجأة كبرت بشكل غريب.عقد رامي حاجبيه.— وغريبة ليه؟أجاب محمود:— لأن رأس مالها وقتها كان ضعيف.— لكن فجأة بقى عندها فروع وصفقات بالملايين.ساد الصمت.لأن الجميع فهم ما يفكر فيه الآخر.غسيل أموال.أو شيء قريب منه.لكن قبل أن يتكلم أحد...رن هاتف عمر.هذه المرة كانت خديجة.شعر بانقباض مجهول في قلبه.لا يعرف لماذا.لكنه رد فورًا.— خديجة؟جاءه صوتها متوترًا قليلًا.— عمر...انتصب في مقعده.— في إيه؟— فيه عربية واقفة من الصبح تحت البيت.تبادل عمر ورامي النظرات فورًا.واختفت الراحة من وجهيهما.— عربية إيه؟اقتربت خديجة من النافذة بحذر.وأزاحت الستارة سنتيمترًا واحدًا فقط.ثم
في بعض الأحيان...لا يكون الخطر في الرصاصة.ولا في السكين.ولا حتى في المطاردة.الخطر الحقيقي...هو أن تقترب من الحقيقة أكثر مما ينبغي.في صباح اليوم التالي...استيقظ عمر مبكرًا على غير عادته.لم ينم سوى ساعات قليلة.كانت أوراق القضية متناثرة فوق طاولة غرفة المعيشة.وصورة حسن ما زالت أمامه.كأن الرجل يراقبه بصمت منذ الليلة الماضية.مرر يده على وجهه بإرهاق.ثم التقط فنجان القهوة البارد.لكنه توقف فجأة.عيناه استقرتا على كلمة واحدة داخل الملاحظات."عبد الرحمن عزت"الاسم أصبح يطارده.محامي حسن.صاحب التوكيل.الرجل الذي اختفى بعد وفاة حسن بأسابيع.زفر عمر ببطء.ثم أمسك هاتفه.واتصل برامي.— صباح الخير.جاءه صوت رامي النعسان:— لو دي مكالمة شغل فأنا مريض.ابتسم عمر رغم توتره.— قوم يا مريض.— عندنا شغل.ساد الصمت لحظة.ثم تغير صوت رامي فورًا.— جديد؟— هقابلك في الشركة.— وعايز كل حاجة تقدر تجيبها عن عبد الرحمن عزت.— حتى لو معلومة قديمة.— تمام.أغلق عمر الهاتف.لكن قبل أن يضعه جانبًا...تردد قليلًا.ثم ضغط اسمًا آخر."خديجة"رن الهاتف مرتين.ثم جاءه صوتها.دافئًا.ومتثاقلًا من النوم.— ص
اختفت الابتسامة من وجه عمر فورًا.وكأن أحدًا أطفأ الضوء الذي عاد إليه منذ دقائق.بينما كانت خديجة ما تزال على الخط.تسمع نصف الحديث.وتشعر أن قلبها بدأ ينقبض من جديد.اعتدل عمر في جلسته.— مين؟جاءه صوت أحمد فؤاد جادًا.على غير عادته.— الاسم موجود في التوكيل.— بس قبل ما أقولك...— لازم تيجي بكرة الصبح.انعقد حاجبا عمر فورًا.— ليه؟ساد الصمت لثانية.ثم قال أحمد:— لأن الموضوع أعقد مما كنا متخيلين.وأغلق الخط.نظر عمر إلى الهاتف للحظات.ثم زفر ببطء.وفي الطرف الآخر...كانت خديجة تنتظر.— عمر؟انتبه لصوتها.— أيوة.— حصل إيه؟فرك جبينه بإرهاق.ثم قال:— لقوا اسم صاحب التوكيل.توقفت أنفاسها.— مين؟ابتسم بمرارة.— معرفش.— أحمد رفض يقولي في التليفون.ساد الصمت بينهما.لكن هذه المرة...كان صمتًا مليئًا بالتوتر.شعرت خديجة أن النوم أصبح مستحيلًا.وكذلك عمر.وبعد دقائق طويلة...انتهت المكالمة أخيرًا.لكن أحدًا منهما لم ينم.في صباح اليوم التالي...استيقظت خديجة على غير عادتها مبكرًا.كانت متوترة.بشكل واضح.حتى أمها لاحظت ذلك أثناء الإفطار.— انتي منمتيش؟هزت رأسها.— شوية.نظرت إليها أمه
عادوا إلى البيت...لكن أحدًا لم يشعر أنه عاد فعلًا.كانت الخيبة تسير معهم.تجلس بينهم.وتحتل كل زاوية في المكان.وضعت أم خديجة الطعام على المائدة.وأجبرت الجميع تقريبًا على الجلوس.— كفاية تحقيقات ومطاردات.— محدش هيتحرك قبل ما ياكل.عادةً كان كريم سيعلق.أو يطلق مزحة من مزحاته السخيفة.لكن حتى هو كان صامتًا.جلسوا حول المائدة.لكن عقولهم كانت في مكان آخر.عند الخزنة.عند الصورة.وعند السؤال الذي يطاردهم جميعًا.من فتحها؟رفعت خديجة الملعقة.ثم أعادتها إلى الطبق مرة أخرى.لا تشعر بالجوع.ولا بأي شيء.لاحظ عمر ذلك من الطرف الآخر للمائدة.لم يقل شيئًا.كعادته.لكن بعد دقائق...قام بهدوء.واتجه إلى المطبخ.ظنت أم خديجة أنه يبحث عن الماء.لكن عندما عاد...كان يحمل كوب عصير.ووضعه أمام خديجة مباشرة.من دون كلمة.ثم عاد إلى مكانه.رفعت رأسها نحوه.مستغربة.فقال وهو ينظر إلى طبقه:— من الصبح مش أكلتي حاجة.ارتبكت للحظة.ثم قالت بعناد خافت:— مليش نفس.رد دون أن يرفع عينيه:— اشربيه برضه.كريم كتم ابتسامة صغيرة.بينما ليلى نظرت بينهما بسرعة.ثم انشغلت بطبقها وكأنها لم تلاحظ شيئًا.أما خديجة..
لأول مرة منذ أيام...نامت خديجة.لكن النوم لم يكن راحة.بل كان هروبًا مؤقتًا.استيقظت فجأة.تلهث.وقلبها يضرب بعنف داخل صدرها.استغرقت ثوانٍ حتى أدركت أنها في غرفتها.في بيتها.وأن كريم عاد.وأنها ليست وحدها.لكن رغم ذلك...ظل ذلك الشعور يضغط على صدرها.شعور ثقيل.غريب.كأن شيئًا ما ينتظرها اليوم.شيئًا سيغير كل شيء.نظرت إلى الساعة.السابعة صباحًا.نهضت ببطء.ثم اتجهت إلى الشرفة.فوجدته هناك.عمر.واقفًا وحده.يحمل فنجان القهوة.وينظر إلى الشارع الصامت أسفل البناية.كان مرهقًا.بدرجة واضحة.ورغم ذلك...لم ينم.اقتربت دون صوت.لكنه شعر بها.كعادته.فالتفت.وتقابلت عيناهما.وللحظة...لم يتكلم أحد.فقط نظرات.ونفس التعب.ونفس الأسئلة.ثم قال بهدوء:— منمتيش كويس.ابتسمت رغمًا عنها.— باين؟نظر إلى عينيها.— جدًا.خفضت بصرها.لأنها تعرف.تعرف أن وجهها أصبح كتابًا مفتوحًا أمامه.وهذا كان يخيفها أحيانًا.قبل أن تتمكن من الرد...رن هاتف عمر.نظر إلى الشاشة.ثم اعتدل واقفًا.وكيل النيابة أحمد فؤاد.أجاب فورًا.ومع أول جملة سمعها...اختفت بقايا النعاس من عينيه.— تمام يا فندم.— إحنا نتحرك حا







