LOGINبعد الصدمة التي تركتها كلمات سامح...لم يعد أحد قادرًا على التفكير.أو الكلام.أو حتى ترتيب ما يحدث.إذا كان سليم آخر شخص رأى حسن حيًا...فهذا يعني أن نصف الحقائق التي عرفوها طوال السنوات الماضية قد تكون كذبة.جلس محمود في ركن الغرفة واضعًا رأسه بين كفيه.بينما انشغل رامي وسامح بمراجعة الأوراق والرسالة من جديد.أما عمر...فلم يبقَ في الغرفة.خرج إلى الشرفة الصغيرة الملحقة بالمنزل.كان الليل قد عاد ليسدل ستاره على الحقول.والهواء يحمل برودة خفيفة.لكنها لم تنجح في تهدئة النار المشتعلة داخله.كان يفكر في حسن.وفي خديجة.وفي السنوات التي سُرقت منها.ثم أغلق عينيه.وتخيل للحظة ماذا كان سيحدث لو لم يبحث خلف تلك الصورة القديمة.لو لم يفتح ذلك الصندوق.لو لم يدخل حياتها أصلًا.ربما كانت ستظل تعيش نفس العذاب.وحدها.شعر بألم أشد من إصابته.ألم فكرة أنها حملت كل هذا وحدها.كل هذه السنوات.في الداخل...كانت خديجة تنظر إلى الباب الذي خرج منه.منذ ساعات وهي تشعر أنه يريد الحديث معها.وهي أيضًا.لكنها كانت تهرب.لأن هناك كلمات تخيف أكثر من الرصاص.وكلمات إذا خرجت...لن يمكن إعادتها مرة أخرى.وأخير
لأول مرة منذ أيام طويلة...ناموا دون سماع أصوات مطاردة.دون خطوات رجال يقتربون.ودون خوف من باب قد يُكسر في أي لحظة.كان المخبأ الذي أخذهم إليه سامح عبارة عن منزل ريفي قديم يقع وسط أرض زراعية بعيدة.بسيط.هادئ.ومنعزل عن العالم.لكن الهدوء لم ينجح في تهدئة أحد.خصوصًا خديجة.كانت تقف أمام نافذة صغيرة مع أول خيوط الفجر.تنظر إلى الحقول الممتدة أمامها.بينما عقلها يرفض التوقف عن التفكير.كلما أغلقت عينيها...عادت الكلمات.رسالة والدها.اعتراف محمود.خيانة الشاذلي.وكشف سامح.والأصعب من كل ذلك...عمر.التفتت نحو الأريكة الموجودة في آخر الغرفة.كان نائمًا أخيرًا.بعد أن نجح سامح في إحضار طبيب يثق به بعيدًا عن المستشفيات.أكد الطبيب أن إصابة الرأس خطيرة.لكنها ليست مميتة.بشرط الراحة.ابتسمت خديجة بمرارة.وكأن عمر يعرف أصلًا معنى الراحة.اقتربت منه بهدوء.وجلست على المقعد المقابل.كانت هذه أول مرة تراه نائمًا.نائمًا حقًا.دون قلق.دون استعداد دائم للقتال.بدا أصغر سنًا.وأكثر هدوءًا.فشعرت بوخزة مؤلمة داخل قلبها.كم مرة كاد يخسر حياته بسببها؟كم مرة وقف بينها وبين الخطر؟وكم مرة تجاهلت ما
قبل ما ندخل على بيت حسن، لازم فعلًا نجاوب على سؤال مهم: سامح عرف مكانهم منين؟ لأن لو سيبناها من غير تفسير هتبقى ثغرة في الأحداث. الأفضل يكون عنده سبب منطقي مرتبط بحسن نفسه، مش مصادفة.الكتابةالفصل السابع والثلاثون الجزء الأوللم ينطق أحد بعد كلمات سامح الأخيرة."في حد دخل بيت حسن."كانت الجملة كافية لتسحب الهواء من صدورهم جميعًا.وقفت خديجة فجأة.كأنها نسيت تعبها وخوفها وكل ما مرت به.— مين؟هز سامح رأسه.— معرفش.قالها بصدق هذه المرة.— لكن اللي متأكد منه إن البيت كان تحت مراقبتي.انعقد حاجبا عمر.حتى رامي نظر إليه باستغراب.— تحت مراقبتك؟أخرج سامح هاتفًا صغيرًا من جيبه.ثم فتح صورة التقطتها كاميرا مراقبة.ظهرت سيارة سوداء متوقفة أمام البيت.وصورة لرجل يرتدي قبعة ويخفي معظم ملامحه.شحب وجه محمود.أما الشاذلي...فتغيرت ملامحه للحظة قبل أن يسيطر على نفسه.لكن عمر انتبه.انتبه جيدًا.وقال بحدة:— إنت عرفت الراجل ده.التفت الجميع نحو الشاذلي.أما هو فصمت.ثم قال:— مش متأكد.ضحك كريم بسخرية.— يعني عرفته.لكن عمر لم يكمل الحديث.كان هناك سؤال أهم.نظر إلى سامح.— وإنت عرفت مكاننا منين
لم يكن ضوء السيارات هو ما أثار القلق في نفوسهم.بل الهدوء الذي سبق ظهوره.ذلك الهدوء الغريب الذي يسبق الكارثة أحيانًا.وقف الشاذلي بين الأشجار وهو يحدق في الأضواء البعيدة.اختفت من وجهه كل آثار السخرية المعتادة.وبدا لأول مرة رجلًا مطاردًا فعلًا.لا رجلًا يطارد الآخرين.قال بصوت منخفض:— مش قدامنا غير عشر دقايق بالكتير.رفع رامي رأسه.— متأكد؟أومأ الشاذلي.— عادل مش بيقرب بالشكل ده إلا لما يكون عارف هو رايح فين.شعر محمود بانقباض في صدره.لأنه يعرف صحة هذا الكلام.عادل لم يكن من النوع الذي يتحرك بعشوائية.بل من النوع الذي يصنع الفخ أولًا.ثم يترك ضحيته تمشي إليه بنفسها.أما خديجة...فكانت ما تزال ممسكة بالرسالة.لكن تركيزها لم يعد على الكلمات.كان على عمر.منذ دقائق فقط كان يحاول الوقوف.أما الآن فكان جالسًا مستندًا إلى الشجرة وعيناه مغلقتان.وكأن مجرد البقاء مستيقظًا أصبح معركة مستقلة.اقتربت منه بهدوء.وجلست بجواره.— عمر.فتح عينيه بصعوبة.— نعم؟حاول أن يبدو طبيعيًا.لكن صوته خرج أضعف مما أراد.شعرت بوخزة حادة داخل قلبها.كانت ترى أمامها الرجل الذي ظل طوال الأيام الماضية يحمي الج
استقبلهم الهواء البارد بمجرد خروجهم من الباب الخلفي.لكن أحدًا لم يشعر به.كان الأدرينالين يطغى على كل شيء.الخوف.التعب.الألم.ركضوا عبر الأرض الخالية الممتدة خلف المخزن.كانت أشبه بقطعة أرض مهجورة تتخللها أعشاب يابسة وأشجار متناثرة.وفي الأفق ظهرت أنوار طريق جانبي بعيد.كان رامي في المقدمة.يتحرك بسرعة وهو يبحث عن أي طريق آمن.وخلفه كريم ومحمود.أما عمر...فكان أبطأ من الجميع.رغم محاولاته المستميتة لإخفاء ذلك.شعرت خديجة بالأمر منذ أول عشر خطوات.كانت تسمع أنفاسه الثقيلة.وترى جهده في الحفاظ على توازنه.وفي كل مرة يتعثر فيها قليلًا...كانت تشعر وكأن قلبها هو الذي يسقط.التفتت إليه أثناء الركض.فوجدت ملامحه أكثر شحوبًا.حتى إن الضوء الخافت المنعكس من القمر جعل وجهه أقرب إلى البياض.— عمر...قالتها وهي تلهث.رفع عينيه إليها.وحاول أن يبتسم.لكن الابتسامة خرجت باهتة ومتعبة.— أنا كويس.نظرت إليه بضيق.حتى في هذه اللحظة ما زال يكذب.لكنها لم ترد.لأن الوقت لم يكن يسمح.في الخلف...بدأت أصوات الرجال تتعالى من جديد.لقد اكتشفوا طريق الهروب.قال رامي بصوت مرتفع:— أسرعوا!ثم أشار إلى مجم
"أنا فعلًا مخبي عليكم حاجة."كانت آخر جملة قالها محمود قبل أن يعلن رامي وصول عادل.ومنذ تلك اللحظة...لم يعد هناك وقت للكلام.ولا للمواجهة.ولا حتى للغضب.داخل المخزن المهجور...ساد توتر خانق.بينما كانت أصوات الرجال بالخارج تقترب شيئًا فشيئًا.أما عمر...فجلس مستندًا إلى الحائط.يحاول إخفاء حقيقة واضحة للجميع.أنه لم يعد بخير.لاحظت خديجة شحوب وجهه للمرة الثالثة خلال دقائق.والعرق البارد الذي بدأ يغطي جبينه.اقتربت منه بهدوء.ثم جلست بجواره.همست:— رأسك وجعاك؟حاول الابتسام.— بسيطة.نظرت إليه بضيق.— عمر.أغلق عينيه للحظة.ثم قال مستسلمًا:— أيوة.شوية.كذبة سيئة لأن الألم كان يضرب رأسه بعنف مع كل حركة.لكن آخر ما يريده الآن...أن يزيد خوفها.في الجهة الأخرى...كان رامي يراقب المكان من نافذة مكسورة.بينما وقف كريم عند الباب.يحاول سماع أي حركة بالخارج.أما محمود...فبقي جالسًا وحده.ينظر إلى الأرض.وكأن شبح الماضي عاد ليجلس أمامه من جديد.قطع عمر الصمت أخيرًا.— كمل.رفع محمود رأسه.— إيه؟— اللي كنت بتقوله.قبل ما نوصل هنا.ساد الصمت.ثم تنهد محمود طويلًا.وقال:— أبو خديجة مكانش







