Share

هل أنقذت حبيبتك فقط في حادث سير ؟ فلا تبك على موت ابنك
هل أنقذت حبيبتك فقط في حادث سير ؟ فلا تبك على موت ابنك
Author: نار بريّة

الفصل 1

Author: نار بريّة

"سيد تالد، ما زال موقع الحادث خطيرًا، لا يمكنك الدخول الآن."

"لقد تواصلنا مع فرق الإنقاذ، وستصل سيارة الإسعاف حالاً."

"سيد تالد..."

"ابتعدوا عن طريقي! إذا تأخرنا وحدث لها أي مكروه، فسأجعلكم جميعًا تدفعون حياتكم ثمنًا لذلك!" وسط الضجيج الذي كان يعلو كهدير الأمواج، اخترق صراخه الغاضب أذن جوري، فأخذ وعيها يعود إليها ببطء بعد إغماء الحادث.

بصعوبة، أدارت رأسها، فرأت على مقربةٍ منها ذلك القوام الطويل المألوف، وهو يركض نحوها بخطوات واسعة، كمنقذٍ نزل من السماء.

فاضت عينا جوري بالدموع من شدّة الفرح.

بعد الحادث، كانت محاصَرة داخل السيارة المنقلبة منذ وقت لا تعرف مدّته.

كانت تظن أن تالد لن يأتي.

قبل وقوع الحادث بقليل، كانت قد تشاجرت معه.

ففي الليلة السابقة، كانا قد اتفقا على اللقاء في الشركة، لكن تالد ألغى الموعد فجأة بعد تلقيه مكالمة هاتفية في الصباح، ثم تجاهل كل اتصالاتها. وعندما وقع الحادث، استخدمت آخر الطاقة المتبقية من بطارية هاتفها لتُرسل موقعها على وجه السرعة إلى مساعده الخاص.

كانت تظنّ أنه، كعادته، سيتجاهل رسائلها.

لكنها لم تتوقّع...

"يا صغيري… ما زال هناك أمل... جاء أبوك..."

نظرت جوري إلى الدم الذي كان لا يزال يتدفّق بلا توقّف من جسدها، وهي تتشبّث بآخر خيط من الأمل.

تجاهلت الدوار والغثيان، وحاولت أن تنادي باسم تالد، لكن ما إن فتحت فمها حتى أدركت أن صوتها أجشّ، لا يكاد يُسمَع.

لكن لا بأس، لقد وجدها بالفعل. رفعت ذراعها الواهنة بكل ما تبقّى لديها من قوّة، محاولة أن تلوّح له...

وفي اللحظة التالية، مرّ تالد من جانبها مباشرة، دون أن يتوقّف، واستمرّ في السير.

تجمّدت جوري في مكانها.

ظنّت أنه لم يتعرّف عليها.

اليوم لم تكن تقود سيارة عائلة الفيضي العتيقة، فقد أخذتها شقيقة زوجها في الصباح. هذه السيارة كانت هدية من والدتها، ونادرا ما تقودها، ومن الطبيعي ألّا يتعرّف عليها.

لم يكن لديها وقت للتفكير، استجمعت كل قوتها، ونادت باسمه.

لكن النزيف المتواصل كان قد استنزفها تماما، فخرج صوتها واهنا كطنين بعوضة.

لم يسمعها تالد، ابتعد أكثر فأكثر، حتى توقّف أمام السيارة البيضاء المتسبّبة في الحادث.

وقبل أن تدرك جوري ما يحدث، فتح باب السيارة، ثم حمل امرأة ترتجف بين ذراعيه.

كانت ترتدي معطفًا طويلاً يبرز قوامها النحيل، وتفيض رقة بهيئة هشة تُثير الشفقة في قلب كل من يراها.

وحين رأت جوري وجهها، شعرت وكأنها سقطت في هوّةٍ جليدي.

كانت ثريا حازم، حبيبة تالد الأولى.

تذكّرت فجأة كيف كانت تلك السيارة تغيّر مسارها بلا توقّف، ثم لحقتها بجنون، دون أن تترك لها أي فرصة للتفادي.

والآن، كانت متوقّفة بهدوء على جانب الطريق، كطفلة مظلومة ومصابة.

وصاحبتها...كانت بين ذراعي زوجها.

لم تكن جوري في حالة تسمح لها بالتساؤل عن سبب عودة ثريا المفاجئة من خارج البلاد، ولا حتى التفكير في تلك الصدفة الغريبة التي جعلت سيارتيهما تتصادمان.

كل ما أرادته...كان إنقاذ طفلها.

"سيد تالد، هناك شخص آخر داخل تلك السيارة!"

بينما كانت جوري تحاول بيأس أن تضرب زجاج نافذة السيارة، كان أحد حرّاس تالد قد لمح حركة داخل السيارة، وشعر بأن السيارة تبدو مألوفة، فهتف دون وعي.

عندها، أدار تالد رأسه.

كان وجه المرأة داخل السيارة ملطخا بالدماء، والدم الأحمر يتدفّق من جسدها بلا توقّف، مما جعل حالتها بدت في غاية الحرج، ومع ذلك، كان لا يزال بالإمكان تمييز ملامحها الجميلة تحت الدم.

بدت مألوفة قليلا.

توقّفت خطوات تالد للحظة، وكاد أن يقول شيئًا، لكن ثريا أطلقت أنينًا خافتًا من الألم بين ذراعيه.

"ثريا مصابة، أرسلوا رجالكم فورا لتمهيد الطريق نحو المستشفى."

لم يعد تالد يهتمّ بأي شيء آخر.

"لكن، سيد تالد..."

لم يُكمل الحارس جملته، إذ أسكته نظرة تالد الجليدية فورًا وقال:" حسنًا."

شاهدت جوري بعينيها كيف لم يتوقّف نظره عليها سوى لحظة عابرة، ثم حمل ثريا بخطوات واسعة وعاد بها إلى السيارة.

"تالد، أنقذني! أنقذ طفلنا..." حاولت جوري الصراخ، لكن ما إن فتحت فمها حتى اندفع الدم ليسدّ حلقها.

لم يعد أحد يلتفت إليها.

انطلقت سيارة تالد مسرعة، تحمل ثريا بعيدًا.

تابعت جوري السيارة وهي تبتعد شيئًا فشيئًا، تشتّت بصرها للحظة، وفي اللحظة التالية، اجتاحها ألم ممزّق كالسيل الجارف.

لم تعد قادرة على الصمود، أظلم كل شيء أمام عينيها، وسقطت مجددًا في غيبوبة تامّة.
Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • هل أنقذت حبيبتك فقط في حادث سير ؟ فلا تبك على موت ابنك   الفصل 30

    كانت رنا تتجاهل جوري متعمدة، وتُظهر سعادةً مبالغًا فيها وهي تتحدث مع ثريا. ظنّت أن جوري ستقترب كعادتها لتقدّم لها الهدايا.بل وكانت قد أعدّت نفسها مسبقًا لتلقيها ثم رميها جانبًا، كي تُظهر لثريا أنها لا تطيق جوري.لكن مرت عدة دقائق، ولم تتقدم جوري من مكانها.اختلست رنا نظرة جانبية نحوها، لتراها بعد دقيقتين تجلس بهدوء على الأريكة القريبة، وكأن الأمر لا يعنيها.ولاحظت أيضًا أن جوري لم تحمل سوى كيس هدية واحدًا فقط. ومن شكله لم يكن يبدو أنه موجه لها.استغربت رنا للحظة.هل كانت الهدية صغيرة إلى درجة أنها خبأتها في جيبها؟لكن لا...ففستان جوري اليوم لا يحتوي على جيوب أصلًا.لم تعد تتحمل، فسألتها: " جوري، أين هديتي؟"لم تتوقع جوري هذا السؤال المباشر، وتوقفت لحظة قبل أن تقول: " لم أُحضّر شيئًا.""لم تحضّري؟"اشتعل غضب رنا فورًا.وكأن جوري لاحظت تغير نبرتها، فأضافت بنبرة هادئة: " أنتِ في العادة لا تحبين الهدايا التي أقدّمها. ظننتُ أنه حتى لو أحضرتُ شيئًا، ستلقينه جانبًا في النهاية."وعند سماع ذلك، خمد غضب رنا فجأة.لأنها بالفعل فكرت قبل قليل بالطريقة نفسها.وتسلل إليها شعور بالضيق والحرج معًا.ش

  • هل أنقذت حبيبتك فقط في حادث سير ؟ فلا تبك على موت ابنك   الفصل 29

    في الحقيقة، كانت جوري قد اعتادت على كل ذلك منذ زمن بعيد.فالعلاقة بين رنا وأخيها تالد كانت دائمًا جيدة. فكان تالد يكره جوري، وكانت رنا بدورها لا تكنّ لها أي ود. وكان تعليقها اللاذع يظهر كلما رأت جوري.كانت رنا تسخر منها باستمرار، وتقول إنها لا تليق بتالد، وإنها مجرد دخيلة بينه وبين ثريا.في البداية، كانت جوري تتأذى فعلًا.ومن أجل كسب ودّ رنا، حاولت بكل الطرق ممكنة معرفة ما تحبه، فكانت تبتاع لها الهدايا، وسافرت إلى الخارج لتجمع لها توقيعات والمقتنيات التي تعشقها من المشاهير.وكانت رنا تأخذ الهدايا، لكنها لم تُظهر يومًا أي امتنان. بل كانت تكتفي بابتسامة ساخرة، وتقول لها: " لا تظني أني لا أفهم نواياك الصغيرة.""ولا تعتقدي أن مثل هذه الطرق يمكن أن تجعلني أقف في صفك. مهما فعلتِ، ستبقين الدخيلة بين أخي وبين أختي ثريا، ولن أقف إلى جانبك أبدًا."ولأجل ذلك، كانت جوري تحزن كثيرًا.لكن مع مرور الوقت، بدأت تتجاوز الأمر شيئًا فشيئًا.والآن، وهي تسمع كلمات رنا مجددًا، لم تعد تشعر بشيء تقريبًا.دخلت الغرفة بثبات، وألقت تحية لائقة على من فيها كعادتها.وما إن رأتْها رنا، حتى تغيّر وجهها فورًا، وقلبت عي

  • هل أنقذت حبيبتك فقط في حادث سير ؟ فلا تبك على موت ابنك   الفصل 28

    بعد أن أنهت جوري غسل وجهها وترتيب نفسها، كان لا يزال أمامها وقت طويل.وحين وجدت نفسها فجأة بلا شيء يشغلها، لم تعرف للحظة ماذا تفعل. فاستسلمت لفراغها، ثم تمددت على السرير.ربما لأن ما حدث خلال اليومين الماضيين كان أكثر مما تحتمله، فما إن أغمضت جفنيها حتى غفت بسرعة.وعندما استيقظت مجددًا، كان الوقت قد بلغ ظهر اليوم التالي.نهضت جوري من السرير وهي لا تزال نصف واعية، لكن ما إن وقفت حتى شعرت بألم حاد في قدمها.عندها فقط لاحظت أن إصبع قدمها الصغير، الذي اصطدم بشيء الليلة الماضية دون قصد، قد تورّم واحمرّ.وبما أنها كانت قد وعدت بالذهاب لاحقًا إلى دار الفيضي، لم يعد هناك متسع من الوقت لزيارة المستشفى.لذلك عالجت الأمر سريعًا ببعض الدواء، ثم خرجت من المنزل.في العادة، لم يكن تالد يحب العودة معها إلى دار عائلته. والآن وقد أصبح الطلاق وشيكًا، رأت جوري أنه لا ضرورة لانتظاره.ذهبت أولًا لتأخذ الهدية التي كانت أعدّتها مسبقًا لجدة تالد الفيضي، ثم توجّهت مباشرة إلى ورشة الصيانة لاستلام سيارتها، تلك التي أهدتها لها والدتها، وتعرّضت لحادث قبل مدة قصيرة، لكنها أصلِحت الآن. وقادتها مباشرة نحو دار الفيضي

  • هل أنقذت حبيبتك فقط في حادث سير ؟ فلا تبك على موت ابنك   الفصل 27

    فكرت جوري قليلًا.فعلى الرغم من طلاقها من تالد، إلا أن فترة التهدئة لم تنتهِ بعد، وبحسب القانون فهي ما تزال تعدّ زوجة ابن عائلة الفيضي.وما طلبه تالد، لا يُعدّ مبالغًا فيه.وفوق ذلك، كانت جدة الفيضي لطيفة معها دائمًا، بل وكانت تستحق منها زيارة بسيطة.لم ترفض جوري وقالت: "حسنًا، سأكون هناك."استمع تالد إلى نبرة صوتها المطيعة، بينما انخفضت عيناه نحو الملفات الموضوعة أمامه.الملفات التي سلّمه إياها بادي تُظهر أن جوري تعيش في أقدم وأفقر حيّ سكني؛ حي قديم وبائس، وحتى ظروف السكن فيه سيئة للغاية.وعندما قرأ ذلك، ضحك من شدّة الغضب.يرسل لها شهريًا ما يقارب أربعة آلاف دولار كتكاليف معيشة، ولكنها تنتقل لتعيش في مكان كهذا.هل كانت تفعل ذلك عمدًا؟هل تريد استدرار تعاطفه؟ أم أنها تترك للناس فرصة للحديث من خلفه، ليقولوا إن زوجة تالد تعيش في هذا البؤس؟مهما كان السبب، فقد وجد الأمر ساخرًا للغاية.ومع ذلك، قرر أن يمنحها مخرجًا.وسألها بتعالٍ وكأنه يمنّ عليها: "أليس لديكِ ما تريدين قوله أيضًا؟"ما الذي تريد قوله؟تأخرت جوري قليلًا قبل أن تفهم مقصده: " لنغتنم فرصة الغد ونخبرهم بشأن ما بيننا."ما بيننا؟

  • هل أنقذت حبيبتك فقط في حادث سير ؟ فلا تبك على موت ابنك   الفصل 26

    خشيت السكرتيرة أن يرفض بادي، فضمّت كفّيها معًا كمن يتوسّل، وهمست: "أرجوك أرجوك."لم يستطع بادي إلا أن يوافق، فهزّ رأسه قائلًا: "سأوصلها بنفسي. عودي إلى عملك."تنفست السكرتيرة وكأنها نالت عفوًا عامًا، ثم هرولت مبتعدة بكعبيها العاليين، وكأنها تخشى أن يغيّر رأيه في أي لحظة.هزّ بادي رأسه بامتعاض، ثم عاد نحو باب المكتب. وبينما كان على وشك أن يطرق الباب، تذكّر فجأة ما قاله له تالد قبل وقت قصير.كان تالد قد أوصاه بأن كل ما يتعلّق عائلة السامي، يتعامل هو بنفسه.فكّر قليلًا. ثم رأى أن الأفضل ألا يُغضب السيد تالد مرة أخرى.فأنزل يده، واستدار مبتعدًا....منزل عائلة السامي."حقًا؟ هل أكدت عائلة الفيضي الاستثمار؟"كان ياسر جالسًا على الأريكة، وما إن تلقّى خبر نجاح الاستثمار حتى قفز من مكانه فرحًا."رائع! شكرًا لكم، وبلّغوا السيد تالد شكري أيضًا. هذا المشروع سينجح بلا شك، ولن نخيّبه هذه المرّة."وبعد أن كرّر الشكر أكثر من مرة، انتظر بابتسامة أن يُنهي الطرف الآخر المكالمة أولًا.نزلت هالة من الدرج وهي ترتدي ثوب النوم بعدما سمعت الضجّة في الأسفل. وما إن رآها ياسر حتى أسرع نحوها، وحملها من خصرها غير

  • هل أنقذت حبيبتك فقط في حادث سير ؟ فلا تبك على موت ابنك   الفصل 25

    عندما سمع بادي كلام تالد، شعر أنه فهم أخيرًا سبب سوء مزاجه اليوم.يبدو أن السيد تالد والسيدة جوري تشاجرا مجددًا.لكنه اعتاد الأمر منذ زمن.فبسبب أمر زواجهما، ظلّ تالد يحمل في نفسه ضيقًا دفينًا، ولم يُظهر يومًا وجهًا طيبًا لجوري.ومع ذلك، حتى لو تجاوز تالد الحدود، لم تكن جوري تثور أو تحتج، بل كانت تبتلع مشاعرها بصمت.ولهذا، مهما ساءت الأجواء بينهما، كانا يعودان في اليوم التالي إلى أسلوب تعاملهما المعتادة.لقد وصل زواجهما إلى نوع من التوازن الدقيق.وعلى خلاف شكوك الآخرين وتوقعاتهم بانهيار الزواج، كان بادي يشعر، لسبب يجهله، أن زواجهما سيستمر طويلًا.خصوصًا أنه يعرف طباع رئيسه جيدًا؛ فلو كان هذا الزواج لا يعجبه حقًا، لما استمر إلى الآن."كيف تسير إجراءات إيجاد السكن الجديد لثريا؟"وبينما كان غارقًا في أفكاره، سمع بادي صوت تالد يسأله.فأجابه بسرعة: "لقد وجدنا شقة مناسبة كما طلبت الآنسة ثريا، وتمّ شراؤها ونقل ملكيتها باسمها."" جيد." أومأ تالد برأسه.تردّد بادي قليلًا، ثم تذكّر أمرًا فقال: "بالمناسبة يا سيدي، بخصوص زوجتك، لقد حصلتُ على عنوان الشقة التي استأجرتها مؤخرًا. هل تودّ إلقاء نظرة؟"

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status