Share

فقدان الذاكرة

Author: Sabrina
last update publish date: 2026-04-06 21:26:57

استيقظتُ ببطء، وعيناي بالكاد تتأقلمان مع الضوء. كان كل شيء يبدو غريبًا. صدري ينبض بألمٍ خافت، عضلاتي متيبسة، وعقلي غارق في ضباب كثيف. لم أستطع تذكّر… أي شيء. اسمي؟ اختفى. الحادث مع جوت؟ مجرد كابوسٍ متشظٍ. كل فكرة كانت تنزلق من بين أصابعي كالماء.

حاولتُ الجلوس، فدار العالم من حولي بعنف.

أين أنا؟ من أنا؟

حاولتُ استدعاء أي شيء—ماضيّ، تدريبي، حتى إحساسي بجسدي—لكن لا شيء. فراغٌ تام. ثقوب سوداء حيث ينبغي أن تكون الذكريات. ارتجفت يداي وأنا ألمسهما، آملًا في شرارة مألوفة. لا شيء.

حرارة خافتة تحرّكت تحت جلدي. لم تكن مؤلمة—فقط موجودة. كجمرٍ مدفونٍ عميقًا في صدري، يتنفس ببطء، بصبر. انقبض قلبي. تلك الحرارة بدت مهمة. خطيرة. مألوفة… ومع ذلك، لا أفهمها.

قبضتُ يديّ بإحكام.

سيطر عليها… أيًا كانت… سيطر عليها.

ترنحتُ واقفًا، ساقاي ضعيفتان، وعقلي يركض بلا اتجاه. همستُ لنفسي، وكأن الكلمات غريبة على لساني الجاف: "أنا… لا أعرف… لا أستطيع… لا أتذكر… أي شيء. من… ماذا… كيف…؟"

كانت الغابة من حولي كثيفة، أشجار شاهقة وجذور متشابكة. بالكاد يتسلل ضوء الشمس عبر الأغصان، متناثرًا على الأرض في خطوط متكسرة. لم أستطع تذكّر إن كنت قد مررت من هنا… أم أنني استيقظت فحسب، كشيءٍ أُلقي في هذا المكان. كل خطوة غير مؤكدة. كل صوت أعلى مما ينبغي. حفيف أوراق. طائر بعيد. غصن ينكسر في مكانٍ ما.

لمستُ رأسي، وأخذت نفسًا بطيئًا. ركّز… يجب أن أركّز.

لفت انتباهي تحركٌ خافت. تجمّدت. الظلال بين الأشجار تحرّكت—ليس كحركة الريح. شيء ما تقدّم، وانعكس ضوء الشمس على معدن.

توترت عضلاتي تلقائيًا، جسدي يتحرك قبل أن يلحق به عقلي.

قطع الصمت صوتٌ ناعمٌ مرح: "أوي… هل أنت بخير يا صديقي؟"

استدرتُ بسرعة.

كانت تقف على بعد خطوات قليلة، نصفها مختبئ بين الأوراق. فتاة—في مثل عمري تقريبًا، ربما أصغر بقليل. شعرها بني مربوط بشكلٍ فضفاض، وخصلات تتساقط حول وجهها. عيناها بنفسجيتان لافتتان، تلمعان بالفضول.

ثم لاحظتُ الباقي: أذنا حصان… وذيل.

حدّقتُ فيها. عقلي رفض استيعاب الأمر.

مالت رأسها، واهتزت إحدى أذنيها. "آه… مرحبًا؟ تبدو وكأنك رأيت شبحًا."

لم أجب. لم أستطع. انفتح فمي قليلًا ثم أُغلق. نظري يتنقل بين أذنيها، وذيلها، ووضعيتها البشرية الطبيعية—كأن هذا أمر عادي.

عبست قليلًا، ثم ضحكت بخفة. "حسنًا… هذه ردة فعل جديدة."

ابتلعتُ ريقي بصعوبة. "…ما…؟" كان هذا كل ما استطعت قوله.

اقتربت خطوة، وحذاؤها يسحق الأوراق برفق. توترتُ، واشتعلت الحرارة في صدري مجددًا. لاحظت ذلك، فرفعت يديها بسرعة. "اهدأ، اهدأ. لن أؤذيك. استرخِ. أنت بأمان."

أمان… بدت الكلمة غريبة.

نظرتُ حولي، ثم إليها. "أين… أنا؟"

رمشت. "لا تعرف؟"

هززتُ رأسي ببطء. "لا أعرف أي شيء."

تغير تعبيرها—اختفى المرح، وحلّ محله فضول حاد. أخذت تدرسني بعناية.

"همم… هذا يفسر النظرة."

"أي نظرة؟"

"كأن روحك أعادت التشغيل دون تحميل الملفات."

حدّقتُ بها.

ابتسمت. "أمزح… نوعًا ما."

انحنت قليلًا لتكون بمستوى نظري. "هل تستطيع الوقوف؟"

"نعم… أظن."

"جيد. ما اسمك؟"

ضربني السؤال بقوة. انقبض صدري، واشتد الصداع. اسمي… بحثتُ في الضباب… لا شيء.

"أنا…" انكسر صوتي. "…لا أتذكر."

تجمدت. "أنت جاد؟"

أومأت. الخجل يحرق حلقي. "لا أتذكر اسمي… ولا أي شيء آخر."

حدّقت بي للحظة، ثم وضعت يديها على خصرها. "حسنًا… هذا غريب. ليس مستحيلًا… لكنه غريب."

بدأت تدور قليلًا. "فقدان الذاكرة يحدث أحيانًا. خصوصًا مع اندفاعات الطاقة."

تيبست. "طاقة…؟"

نظرت إليّ بحدة. "حتى هذا لا تتذكره، أليس كذلك؟"

"…لا."

تنهدت. "كما توقعت."

ثم ابتسمت مجددًا. "حسنًا، أولًا—"

أشارت إلى نفسها بفخر. "اسمي تيفا."

"تيفا…" كررتُ الاسم. كان سهلًا، يرسخ في ذهني بسهولة.

"وبما أنك بلا اسم الآن…" قالت وهي تفكر، "سنمنحك واحدًا."

اتسعت عيناي. "يمكنك فعل ذلك؟"

"ولِمَ لا؟ الأسماء مهمة. لا يمكننا أن نناديك بـ (يا أنت) طوال الوقت."

درست وجهي بعناية. "تبدو كـ… آرين!"

"…آرين؟"

"نعم. بسيط. مناسب لك."

تردد الاسم في صدري. "آرين…"

لم تعُد الذكريات، ولم يظهر أي وضوح مفاجئ… لكنه لم يكن اسمًا خاطئًا.

"…حسنًا. آرين."

صفقت بيديها مرة واحدة. "تم الأمر. والآن—لننطلق."

بدأت الغابة تخف كثافةً كلما صعدنا، لتحل الصخور محل الأشجار. منحدرات حادة، ومسارات ضيقة تتطلب توازنًا دقيقًا في كل خطوة. كنت أتعثر بصعوبة، عضلاتي تصرخ، وقلبي يخفق بعنف.

ثم… تحركت الظلال.

أكثر من ظل. عشرات الكائنات خرجت من الشقوق، أنيابها مكشوفة، ومخالبها حادة. اشتد صدري، واستجابت تلك الحرارة في عروقي بشكلٍ غريزي.

ابتسمت تيفا. "مزعج… لكن يمكن التعامل معه."

سحبت سيفها الضخم—أكبر من جسدها تقريبًا—وكان المعدن يطنّ بخفوت. شرارات كهربائية رقصت على حافته.

انقض أول مخلوق. تحركت كالصاعقة، تضرب، وتمزق الهواء مع كل ضربة. سقط واحد… ثم آخر… ثم ثالث.

كان أحدها مختلفًا. صدره مخترق بسيف قديم، أسود، منقوش برموز غريبة.

نظرت تيفا إليّ. "…آرين، أمسك."

رمَت السيف نحوي.

أمسكتُ به غريزيًا. اندفعت الحرارة في داخلي. لم تكن مؤلمة—بل منظمة. الأنماط الحمراء على النصل توهجت بخفوت، دافئة… صبورة.

اندفع وحش آخر. لوّحت بالسيف.

انفجرت ألسنة اللهب من النصل.

أصبتُ الهدف. وسقط المخلوق.

ضحكت تيفا. "أرأيت؟ تتعلم بسرعة."

توقفنا نلتقط أنفاسنا، بينما تراجعت بقية الكائنات إلى الغابة.

أشارت تيفا إلى الطريق الضيق أمامنا. "هذا هو الطريق الذي سننزل منه. عمره ملايين السنين. شُقّ قبل ظهور الممالك… قبل أن تُعرف هذه الأرض باسم أيرينريتش."

نظرتُ للأسفل. "من المدهش أنه لا يزال قائمًا."

"حتى الآن فقط." قالت، وأذناها تتحركان بحذر. "حافظ على توازنك… ولا تسقط."

ازداد الانحدار. الرياح تعصف بنا. الصخور تنزلق تحت أقدامنا. كل خطوة كانت تحتاج تركيزًا كاملًا.

فجأة، اهتزت الأرض.

تجمدت. "هل شعرتِ بذلك؟"

"…نعم." قالت تيفا.

اهتزاز آخر. ثم—تشقق.

انفصل جزء من الطريق، وانفجر الغبار في الهواء.

اتسعت عيناها. "أوه—لا!"

"اركض!" صرخت.

انطلقنا، بينما الطريق ينهار خلفنا. انزلقت، تدحرجت، واصطدمت بالصخور. كاد السيف أن يفلت من يدي.

سقطنا على حافةٍ سفلية بعنف.

امتلأ الهواء بالغبار. أذناي تصفران. رؤيتي مشوشة.

"تيفا…؟" سعَلت.

نهضت، تزيل الغبار عن ملابسها، وتضحك بخفوت. "حسنًا… هذه طريقة سريعة للنزول."

تنفستُ بصعوبة، ناظرًا إلى الطريق المدمر فوقنا. "و… البحيرة؟ كم تبعد؟"

"لا تزال بعيدة." قالت، وذيلها يتحرك. "لكننا أقرب من القمة. تلك هي بحيرة إيمورا—البحيرة الرئيسية في هذه المنطقة. سنقابل شخصًا هناك. ليورا. تذكر هذا."

رمشتُ، محاولًا استيعاب كل شيء—الحرارة في صدري، السيف في يدي، الفتاة التي تقاتل الوحوش بسهولة، والطريق القديم الذي اختفى خلفنا.

هذا العالم… كان واسعًا. خطيرًا.

والآن… أنا جزء منه.

التفتت إليّ تيفا، وعيناها حادتان. "مستعد؟ سنواصل. هذه مجرد البداية."

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • همس الظلام   مساراتٌ متفرقة.

    في هذه الأثناء، بعد أن نفضتُ أنا وتيفا الغبار عن ملابسنا أثر القتال، قطعت تيفا الصمت قائلةً بنبرةٍ متذمرة:«الأشخاص الذين نصادفهم مرهقون للغاية، وغباؤهم لا يُحتمل. إنهم لا يدركون حتى مع من يتعاملون. هذا الغباء يثير أعصابي حقًا.»قالت ذلك وكأنها تكاد تخنق أولئك الرجال.تنهدتُ بخفة وقلت بهدوء:«لا داعي لأن تنفعلي بسبب مجموعة من الرجال. انسِ الأمر ولنعد إلى ليو—»لكنها قاطعتني فورًا بنبرتها المرحة المعتادة، بينما تحركت أذناها قليلًا:«أنت ممل جدًا! أنت لا تقل صرامةً ومللًا عن ليورا!»ثم تابعت وهي تعبس:«ما رأيك… همم… أن نذهب لمقابلة شقيقة الكونت؟ تبدو امرأةً طيبة وقد ساعدتنا، على عكس أخيها الكبير، الغارق في القوانين وما إلى ذلك.»نظرتُ إليها دون أن أشعر بأي انزعاج، ثم تنهدت وقلت:«لن أذهب هكذا لأتحدث معها دون سبب. إن أردتِ الذهاب، فاذهبي وحدك. لدينا أمور أكثر أهمية—»نظرت إليّ وكأنني ارتكبت أمرًا فظيعًا.«ماذا؟! لن أذهب وحدي! إن وقعتُ في مشكلة، فستتورط معي. وعلى أي حال، لا أحتاجك. أنت وليورا مملّان للغاية!»استدارت وهي عابسة.تنهدت وبدأت أسير مبتعدًا لأتعرف أكثر على لونيث وسكانها. التفتت

  • همس الظلام   الفولاذ والقرارات السيئة

    للحظةٍ بعد أن تحدث الرجل ذو الوجه المليء بالندوب، ساد الطريق الضيق بين التلال سكونٌ متوتر وغير طبيعي. بدا أن الرياح التي كانت تهمس بين الأعشاب الطويلة قبل دقائق قد ترددت الآن، وكأن الهواء نفسه أدرك أن شيئًا خطيرًا قد استقر في المكان. كنت أشعر بثقل عدة أقواس مصوّبة نحونا، وصوت احتكاك الجلد والمعادن الخافت يذكّرني بأن هؤلاء الرجال فعلوا هذا من قبل. لم تكن سرقة عشوائية نفذها حمقى يائسون؛ مواقعهم كانت مدروسة، وتباعدهم مقصودًا، وطريقتهم في مراقبتنا تحمل صبر من يعتقد أنه يملك الأفضلية بالفعل.أما تيفا، فلم تبدُ منبهرة.وقفت خطوة أمامي على الطريق، بوضعيةٍ مريحة قد توحي لأي شخص لا يعرفها بأنها لم تلاحظ الأسلحة المحيطة بنا. إحدى يديها على خصرها، والأخرى تزيح خصلة شعرٍ عن وجهها بلا اكتراث. تحركت عيناها البنفسجيتان ببطء من لصٍ إلى آخر، تعدّهم بهدوء جعل ابتسامة الرجل ذي الندوب تتلاشى قليلًا.عقدتُ ذراعيّ بشكلٍ خفيف، وأخذت أتفحص المجموعة أيضًا—المسافات، التوازن، زوايا الأقواس، وعدم استواء الأرض قرب الصخور. كانوا سبعة، وربما ثمانية إن كان أحدهم ما يزال مختبئًا خلف المرتفع. الطريق ضيق، والتلال على ا

  • همس الظلام   نزهةٌ سارت على نحوٍ خاطئ

    لبضع لحظات بعد أن رفعت تيفا يديها نحو السماء وسألت بشكلٍ درامي أيّ نوعٍ من الأقدار لعننا برفقة أشخاص مثل ماغنوس وفيسبيرا، ساد صمتٌ غريب في فناء قلعة لونيث. لم يكن صمتًا فارغًا حقًا، بل كان ممتلئًا بردود أفعالٍ غير منطوقة تنتظر أن تنفلت. مرّ النسيم بخفة فوق الأرضية الحجرية، حاملًا معه رائحة خفيفة من الغبار والحديد العتيق من رفوف التدريب القريبة، بينما تمايلت الرايات الطويلة المعلّقة على جدران القلعة ببطء فوق رؤوسنا.حاولت—صدقًا حاولت—ألا أضحك.لكن تعبير تيفا جعل ذلك شبه مستحيل.وقفت هناك، وعيناها البنفسجيتان ضيقتان وهي تحدّق في السماء وكأنها تتوقع من الكون نفسه أن يعتذر عمّا نحن فيه. كانت يداها على خصرها بثبات، وكتفاها منحدرتين قليلًا في إحباطٍ مبالغ فيه، وجعلها هذا الموقف كله تبدو كشخصٍ اكتشف للتو أن الكون قرر شخصيًا إزعاجه.أدرت رأسي قليلًا بعيدًا عنها، وغطّيت جزءًا من فمي بيدي وأنا أحاول كتم ضحكتي.«تعلمين،» قلت أخيرًا، محاولًا الحفاظ على هدوء صوتي، «لو دخل أحدهم الآن دون سياق، لظن أنك تعرضتِ لخيانةٍ شخصية من القدر نفسه.»أنزلت تيفا ذراعيها ببطء والتفتت نحوي، ونظرت إليّ بنظرةٍ تجمع

  • همس الظلام   بين القانون والفضول

    ساد صمتٌ قصير في هواء الليل بعد أن رفعت تيفا يديها نحو السماء وتمتمت بشكل درامي:«أيّ نوعٍ من الأقدار هذا؟»كانت المشاعل على جدران القلعة تومض مع النسيم الخفيف، وبدا الفناء هادئًا بشكل غريب رغم كل ما حدث خلال الساعات القليلة الماضية. فركتُ مؤخرة عنقي، محاولًا ألا أضحك على بؤس تيفا، وفي الوقت نفسه أتساءل كيف انتقلنا بطريقةٍ ما من كوننا سجناء في الزنزانة إلى الوقوف خارج القلعة مع شقيقة الكونت نفسها، نتحدث عن أطلال قديمة وتنانين.أما تيفا، فلم يكن لديها أي نية للهدوء. أنزلت يديها ببطء من السماء، وضاقت عيناها البنفسجيتان قليلًا وهي تحدّق في فيسبيرا بشكٍ مبالغ فيه.«لا، بجدية،» تابعت وهي تشير بين القلعة خلفنا والمرأة الواقفة أمامنا بهدوء، «أريد فقط أن أفهم منطق هذا الكون. أحد الأشقاء يدير المملكة وكأنه كتاب قوانين منحوت في الحجر، والآخر يتسلل إلى الزنازين ليلًا لإنقاذ مجرمين حتى يتمكن من إجراء مقابلات معهم حول أطلال سحرية. بدأت أظن أن القدر يحمل لنا ضغينة شخصية.»لم تبدُ فيسبيرا منزعجة. بل إن لمحة خفيفة من التسلية لمعت على وجهها. بدّلت وقفتها قليلًا وضمّت ذراعيها، وكأنها تفكّر في شكوى تيفا

  • همس الظلام   أخت الكونت

    كانت الزنزانة الواقعة أسفل القصر أكثر هدوءًا مما توقعت.لم يكن هدوءًا باعثًا على الراحة—أبدًا—بل كان هدوءًا ثقيلًا خانقًا، من ذلك النوع الذي لا يوجد إلا في الأماكن تحت الأرض. كانت الجدران الحجرية تحتفظ بالبرودة كأنها ذكرى عنيدة ترفض الرحيل، وكان الهواء يحمل رائحة خفيفة من الحديد الرطب والغبار العتيق. كل صوت كان يتردد بصورة مبالغ فيها، حتى إن أبسط حركة بدت أعلى مما ينبغي.أسندت ظهري إلى الجدار الخشن وأطلقت زفيرًا بطيئًا، محاولًا تجاهل البرودة التي تتسلل عبر ملابسي.على الجانب الآخر من الزنزانة، كانت تيفا تفشل تمامًا في فعل الشيء نفسه.كانت تتحرك بلا توقف منذ نصف ساعة، تدور في دوائر غير منتظمة كحيوان محبوس لا ينوي أبدًا تقبّل قفصه. ومع كل بضع خطوات، كانت تقفز بخفة، وطاقة مضطربة تشع منها، بينما انعكس ضوء المشاعل الخافت على عينيها البنفسجيتين اللتين بدتا أكثر انزعاجًا من المعتاد.تمتمت قائلة:"أقسم، إن أبقونا هنا مدة أطول، فسأفقد صوابي."جلست ليورا بهدوء على المقعد الضيق قرب الجدار، مستقيمة كما هي دائمًا، وكأن وجودها في السجن أسفل القصر ليس سوى أمر مزعج بسيط في يومها. لم ترفع نظرها حين تح

  • همس الظلام   خنق الكونت؟ يا له من اقتراحٍ جنوني!

    أُغلِقت الأبواب الثقيلة لقاعة الحكم خلفنا، تاركةً صدىً خافتًا ظلّ يتردد في صدري. كان هواء الليل البارد يلتصق بجلدنا بينما كنا نسير عبر الممر الطويل، والحراس يحيطون بنا في صمتٍ دقيق، ودروعهم تُصدر طنينًا خفيفًا مع كل خطوة محسوبة. شعرتُ بتيفا تتحرك بجانبي، وذيلها يلامس ذراعي، بطاقةٍ مضطربة تكاد تنفجر. قالت تيفا: "لا أصدق أنه قال ذلك فعلًا. كان يتحدث وكأنه يُحاضر المملكة كلها." قلتُ: "لم يكن مجرد محاضرة… كان يقصد كل كلمة. كل حرف كان أثقل من الحديد." بقيت ليورا صامتة، عيناها للأمام، ويداها متشابكتان بهدوء. كان الحجر البارد تحت أقدامنا يبدو بلا نهاية، كأن الممر يريد ابتلاعنا. ظلال المشاعل كانت ترقص على الجدران، تجعل التماثيل تبدو وكأنها حية. قلتُ: "هل تظنين أنه سيتغير يومًا؟ أو يكسر القواعد قليلًا؟" سخرت تيفا: "مستحيل. هذا ماغنوس فاليمونت. القانون يجري في دمه. لن يسمح بكسره لأحد… حتى لعائلته." وصلنا إلى الساحة المركزية، حيث امتدّت السماء فوقنا. كانت النجوم تلمع ببرودٍ بعيد، كأنها تراقب كل خطوة. انعكس ضوء القمر على الصقيع فوق الحجارة، ناشرًا وهجًا باهتًا. شعرت بثقل حضور الكاونت، رغم غي

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status