Mag-log inبالرغم من غضبها السابق من قاسم، إلا أنها، بوجود شويي وليان، نسيت مخاوفها وغضبها مؤقتًا. كانت مشتاقة إلى ليان كثيرًا، خاصة أنهما تشاركتا معًا بعض الأحداث الأليمة، وعاشتا الخوف ذاته، وإن اختلفت تفاصيله. سألتها بإشارة من يدها: — هل كنتِ بخير ؟ أومأت ليان برأسها، وراحت تشرح لها أنها كانت في دير للراهبات، وأنهن اعتنين بها جيدًا، ولم يصبها أي سوء طوال فترة فراقهم. تنفست ماسة براحة. فقد أوهمها البارون بأنها في مكان خطر، وأنها قد تتعرض للأذى في أي لحظة. كانت هناك الكثير من الأحداث التي لم تسأل عنها قاسم. ربما لأنها، وصلت إلى النهاية دون أن تفقد أحدًا من أحبائها، فاختارت أن تتجاوز ما حدث بدلًا من الغوص في تفاصيله. لكن الفضول تملكها الآن، وأصبحت ترغب في معرفة كل شيء. كيف نجا قاسم من الموت، بعدما رأته بعينيها تحت مشرط الطبيب؟ كيف وصلت الشرطة؟ وماذا حدث للشاحنات المحملة بالبشر؟ كانت الأسئلة تتزاحم في رأسها حين اقترب قاسم ومعتز، وسمعا آخر ما تفوهت به. ساد الصمت لحظة. التقت عيناها الفضوليتين بعيني قاسم، ولم يكن فيهما الغضب الذي اعتاد أن يراه خلال الأيام الماضية. اقترب وجلس أمامها، مح
جلس قاسم في الحديقة، يراقب نافذتها من بعيد ... لم يبتعد كثيرًا... أو ربما لم يكن قادرًا على الابتعاد أكثر. أسند رأسه بين كفيه، بينما ظلت صرختها تتردد في رأسه.كان غاضبًا من نفسه؛ فقد حذّره الطبيب، ومع ذلك اندفع خلف اشتياقه إليها وكأنه نسي تمامًا كم كانت جراحها عميقة.لم يكن يؤلمه أنها دفعته، بقدر ما آلمه الخوف الذي رآه في عينيها.كان يريد أن يكون أمانها... فإذا به يصبح للحظات مصدر خوفها.تنهد بمرارة، ثم رفع رأسه.لا فائدة من الندم الآن، عليه أن يصلح ما أفسده. كان جزء من كبريائه يذكّره بأنها زوجته، وأن ما حدث بينهما لم يكن، في نظره، سببًا كافيًا لكل هذا الجفاء... لكنه كان يعرف في أعماقه أن خوفها أهم من كبريائه.فجأةاعتدل في جلسته على الفور، وأخرج هاتفه واتصل بصديقه معتز، وكله أمل.وصله صوته الساخر عبر الهاتف - آه الصديق الطالح يتذكرنا عند المصالح ... ماذا تريد ؟! بادره قاسم برجاء:- معتز... أنقذني!سرعان ما تحولت نبرة معتز الساخرة إلى الجدية، وتسرب القلق إلى صوته:- ماذا يحدث؟! هل أصابك مكروه؟رد قاسم بنبرة درامية جادة:- إن تأخرت... لن تجدني حيًا!شتم معتز بتوتر، وصاح:- اللعنة
ربما كان هذا الخبر هو الأفضل والأجمل منذ أسابيع طويلة ثقال، خبرٌ طالما تاق له قلبه وانتظره بفارغ الصبر. حينما غادرا متجهين لزيارة الطبيب ، لم تُحادثه بحرفٍ واحد، ولم تتكرم حتى بإلقاء نظرة نحوه. كان يوجه لها الأوامر بهدوء فتطيع دون أن تنبس ببنت شفة. كان يعلم أنها غاضبة من طريقة إرغامه لها على تناول الدواء، لكنه لم يملك خياراً آخر؛ فكل ما كان يهمه ويشغل باله هو أن تتعافى وتسترد عافيتها بأسرع وقت ممكن. بعد أن أنهى الطبيب جلساته المغلقة معها، خرج ليُخبر قاسم بنبرةٍ مطمئنة: - "إنها تستجيب للعلاج بشكل ممتاز، وبدأت بالفعل بلمس مخاوفها ومواجهتها بشجاعة. إن استمرت على هذا المنوال وواظبت على زيارتي والالتزام بالعلاج، فستغدو قادرة على التعامل مع ذكرياتها الأليمة وتجاوزها. كاد قاسم ان يطير من السعادة بعد سماعه لهذا الخبر ... فحالما تتماثل للشفاء تماما سيغادران بالطائرة الى تركيا . رمقها قاسم بطرف عينيه، ليجدها شاردة، تركز نظراتها الحائرة على نقطة ما خلف النافذة، وكأنها في عالم آخر. قطع الصمت مُتسائلاً برفق: - "هل تذهبين لشرب شيء بارد ، او ساخن ربما ؟" لا إجابة ... سوف تقتله ب
كانت تأتي بعض الأيام النادرة... التي يتأملها قاسم طويلًا، ويكاد يصدق أن كل شيء انتهى، وأن ماسة بدأت تستعيد نفسها من جديد.لكن...ومن دون سبب واضح، كان كل شيء يتغير فجأة.قد تتوقف في منتصف حديثها، وتحدق في الفراغ طويلًا، كأنها تستمع إلى صوت لا يسمعه أحد سواها.أو تلتفت خلفها بسرعة، وكأن شخصًا ناداها.وأحيانًا كانت تنظر إليه بريبة مؤلمة، تبقى عيناها معلقتين بوجهه لدقائق، وكأن عقلها يحاول التعرف إليه من البداية.لكن أكثر ما كان يخيفه...تلك اللحظات التي تصبح فيها هادئة أكثر مما ينبغي.تجلس أمام النافذة لساعات طويلة، لا تبكي، لا تبتسم، ولا تنطق بكلمة واحدة.فقط تحدق في الأشجار وهي تتحرك مع الريح.كان يخشى تلك السكينة أكثر من نوبات بكائها.لأنها لم تكن سكينة...بل فراغًا.فراغًا حذره الطبيب منه، وأخبره أن العقل أحيانًا يختار الهروب حين تصبح الذكريات أثقل من الاحتمال.ومع ذلك...كانت هناك لحظات تمنحه الأمل.حين تستيقظ ماسة بكامل وعيها، ترتب السرير، وتساعده في إعداد الفطور.وحين يقترب منها ، يناولها دواءها مع كأس الماء، فتأخذه منه بابتسامة خجولة وتهمس:- شكرًا.في تلك اللحظات...كان يشعر بأن
استيقظت بذاكرتها فارغة لا تحمل شيئاً مما عايشته ليلة الامس . توقفت عابسة أمام باب غرفتها. نظرت إلى القفل المكسور باستغراب، . - ماذا حدث لقفل باب غرفتي؟! كان قاسم يقف في المطبخ. لم ينم إلا ساعات قليلة متقطعة، ومع ذلك لم يرغب ان يهمل وجباتها اذ فقدت الكثير من الوزن لذا عمد لتحضير وجبة الافطار لاجلها . كان يقلب الطعام بيدٍ بطيئة، بينما يراقبها من طرف عينيه، مدركا بأنها لا تتذكر شيئا مما حدث في الليلة الاولى لها في المنزل . رفع رأسه إليها للحظات. ثم قال بهدوء: — حطمته. اتسعت عيناها. — حطمته؟! أطفأ الموقد، وجفف يديه بالمنشفة قبل أن يتجه نحوها. — نعم. نظرت إلى الباب مرة أخرى، ثم عادت إليه باستغراب. — لماذا فعلت ذلك؟ توقف أمامها. كانت هناك إجابة كثيرة تدور في رأسه... أنه خاف عليها. أنه أمضى الليل يتخيل ماذا كان سيحدث لو تأخر دقيقة واحدة. أنه لم يحتمل فكرة أن تبقى خلف باب مغلق تصارع خوفها وحدها. لكنه اكتفى بأن قال: — لأنني لم أعد أريد أن يكون بيني وبينكِ باب مغلق. صمتت للحظة. فأكمل بصوت أكثر هدوءًا: — عندما تخافين... عندما تحتاجين إليّ... لا أريد أن اضطر إلى تحطيم أقف
لم تكن معركة قاسم لاستعادة ماسة هي الأصعب...بل كانت تلك التي يخوضها كل يوم مع جراحٍ لا تُرى، وجروحٍ لا ينفع معها دواء.فماسة...ورغم أنها بدت، في ظاهر الأمر، بخير، لم تعد يومًا إلى طبيعتها، ولم تستعد تلك الفتاة التي عرفها قبل كل ما حدث.كانت تعيش عالقة بين عالمين...عالمٍ تحاول بكل ما أوتيت من قوة أن تُقنع نفسها بأنها نجت منه، وآخر يرفض أن يتركها، فيقتحم يقظتها، ويتسلل إلى أحلامها، ويعيدها إلى ذلك الجحيم كلما ظنت أنها بدأت تتعافى.كانت تضحك أحيانًا...تشاركه الحديث.تساعده في إعداد الطعام.حتى إن أحدًا يراها قد يظن أن الحياة بدأت تعود إليها.لكن قاسم وحده...كان يرى ما تخفيه خلف تلك اللحظات الهادئة.كان يرى الشرود الذي يسرق عينيها فجأة.والخوف الذي يمر على وجهها للحظات حين تسمع صوتًا مرتفعًا أو ترى شخصًا غريبًا يقترب منها.كان يعلم...أن ماسة لم تعد من هناك تمامًا.أن جزءًا منها ما زال عالقًا في ذلك المكان الذي حاول هو بكل قوته إخراجها منه.وفي معظم الليالي...كان يستيقظ على صرخةٍ تمزق سكون المنزل.صرخة تختلط فيها الاستغاثة بالرعب، حتى يخيل إليه أن أحدًا يؤذيها في الغرفة المجاورة.في
اتسعت عينا ميرنا بصدمة وهي تستمع لماسة. - أنتِ مجنونة! لماذا خرجتِ بالدراجة دون إذنه؟! تنهدت ماسة وكتبت بسرعة في دفترها: - لم أقصد إثارة المشاكل... لكنه يستفزني دائمًا. ابتسمت ميرنا بحالمية وهي ترمي نفسها فوق السرير. - ليت أحدًا يستفزني مثل قاسم... ذلك الرجل خطير بشكل رائع! رمقتها ماسة ب
نهض قاسم صباحًا من نومه... نظر إلى الساعة فوجدها الحادية عشرة قبل الظهر... لقد نام بالأمس كالقتيل... نهض بسرعة من فراشه... بدا البيت هادئًا جدًا، يبدو أن ماسة أيضًا لم تستيقظ بعد... تذكر نظراتها إليه بالأمس... فقد بدت كطفلة ضائعة ترجو أمان والديها... زفر قاسم مقتحمًا المطبخ بنشاط... سوف يعد إفطارً
توقف الزمن في عقل قاسم عند كلمات عمه الأصغر القذرة. شعر ببركان ينفجر في عروقه، ولم يعِ بنفسه إلا وهو ينقض كالمجنون على ياقة عمه، كابساً على عنقه بيد، ورافعاً يده الأخرى بقبضة حديدية مهشمة، كاد يطيح بها برأسه لولا صرخة عمته الهستيرية التي هزت جدران صالة العزاء. اندفع عمه الأكبر بسرعة، وبصعوبة بالغة
استيقظت ماسة في وقت متأخر من الصباح بعد ليلة جافاها فيها النوم كلياً. جلست إلى مكتبها وخطت رسالة طويلة تفيض بالشوق إلى والدتها الحبيبة، لكنها تذكرت أنها لا تعرف العنوان . ( لا بأس ستسأل قاسم عن العنوان حين تراه ) هبطت إلى الصالة، ولتتفاجأ بالطفلة الصغيرة زهرة، حفيدة لطيف وسارة، تركض وتمرح في الأنح







