LOGINلم يستوعب آدم كلمة واحدة مما دُار في مناقشة المناقصة ؛ كان ذهنه مُعطلاً تماماً، وعيناه الشاخصتان تلاحقان حركات شهد المتزنة بجوار خصمه اللدود. قطع يحيى هذا الصمت المخيم عليه بنبرة تحمل من الاستفزاز أوجَه، حين التفت إليه مستفسراً: — «ما رأيك يا آدم بيه؟ هل أنت معنا في هذه الشراكة أم لك رأي آخر؟». لم يجبه آدم عن المناقصة، بل أدار رأسه نحو شهد بثبات جليدي، ونطق بأمرٍ حاد قاطع يقطر بالاستعلاء: — «أحضري لي ماءً!». تدخل يحيى فوراً وبلهجة دبلوماسية حاول بها حمايتها من تحكمات آدم: — «من فضلكِ يا شهد، أرسلي أحد العمال ليجلب الماء لآدم بيه». لكن شهد ابتسمت ببرود، وقالت بلهجة عملية ومستقرة: — «سأحضره بنفسي لآدم بيه.. لا مشكلة». تحركت بخطوات واثقة، وعادت بعد لحظات تحمل زجاجة ماء وكوباً زجاجياً شامخاً. اقتربت من مقعده، وانحنت أمامه بتمهل أظهر إتقانها لدورها الجديد. فتحت الزجاجة بهدوء، وصبت الماء في الكوب بتركيز، وما إن رفعت يدها لتمد الكوب نحو قبضته، حتى أفلتته سريعاً بحركة متقنة ومفاجئة ، لينسكب السائل البارد بكامله غزيراً على صدره وقميصه! تجمّد الم
مرّ أسبوع كامل منذ أن وطأت قدم شهد مقر شركة "يحيي للإنشاءات" بصفة سكرتيرة خاصة ليحيى. وطوال تلك الأيام، اكتشفت جانباً مختلفاً تماماً في هذا الرجل؛ لم يكن فقط الشخص الماكر الذي يحيط نفسه بالشبهات ، بل كان رجلاً حازماً، دقيقاً، وله وزن وثقل كبيران في السوق العقاري . كانت شهد تراقبه وتسجل كل تفصيلة عمل في صمت، تمتص الخبرة وتستوعب آليات إدارة هذه الامبراطورية بسرعة فائقة. وفي المقابل، لم يكن يحيى غافلاً عنها؛ بل كان يرقبها بعين صقر لا تنام . ألقى أمامها بذكاء خبيث ملفات ومعلومات ذات أهمية بالغة ليختبر مدى إخلاصها وجدارتها بالثقة، فدهشه ما رآه. كانت شهد نموذجاً للانضباط والاجتهاد ؛ تناقشه في تفاصيل التقارير بوعي ودقة وكأنها تعمل في هذا المجال منذ سنوات، مما أثار إعجابه وجعله يتيقن من كفاءتها. دنت شهد من مكتبه بخطوات متزنة، وقالت بنبرة عملية واثقة: — «يحيى بيه، موعد اجتماعك مع أعضاء مجلس الإدارة بعد ربع ساعة». رفع يحيى رأسه من بين الأوراق ، وأومأ بنظرة فاحصة: — «حسناً يا شهد.. احضري معكِ أوراق المناقصة الجديدة. هل جهزتِ التقارير جلياً كما ط
في بهو الفندق الهادئ، وقفت حور أمام موظف الاستقبال بنبرة حازمة ولكنها لا تخلو من التوتر، وسألت عن رقم الغرفة التي يقطن بها عامر. وبذكاءٍ ودهاءٍ أنثوي، طلبت حجز الغرفة المجاورة له مباشرة. صعدت عبر المصعد الخاص، ودخلت إلى غرفتها الجديدة لتضع حقيبتها وتلتقط أنفاسها، ثم خرجت بخطوات متسارعة ووجه يطفح بشوقٍ صادق. وقفت أمام بابه، وترددت لثوانٍ معدودة قبل أن تطرق الباب بأسلوبها الرقيق المتتابع. فتَح عامر الباب بملامح مجهدة، ولكن ما إن وقعت عيناه عليها حتى اتسعت حدقتاه بذهولٍ تام؛ تلاشت قسوته المفتعلة في لحظة، ونطق باستغرابٍ لا يخلو من اللهفة: — «حور؟! ماذا تفعلين هنا في هذا الوقت؟!». ارتسمت على شفتيها ابتسامة دافئة وساحرة، وقالت بابتهاجٍ طفولي يحمل اعتذاراً غير مباشر: — «اشتقتُ إلى حبيبي.. فجئتُ لأراه!». لم تنتظر منه إذنًا بالدخول؛ بل خطت إلى الداخل برقة ودلال، وأغلقت الباب خلفها بثقة، تاركةً عطرها يتخلل أركان الغرفة. تغيرت ملامح عامر، وتسللت ابتسامة حنونة رغماً عنه إلى شفتيه ، وسألها بنبرة دافئة يملؤها الشغف: — «هل اشتقتِ إليّ حقاً يا حور؟».
اعتدل يحيى في مقعده الدوار ، واستند بساعديه على المكتب العريض، شاخصاً بصرَه نحوها بدهشةٍ لم يستطع مداراتها . ارتسمت على شفتيه ابتسامة نصر خبيثة، متسللة من خلف قناع الرصانة المفاجئ، ونطق بنبرة تقطر بالاستعلاء والمكر: — «لقد جاء الرد أسرع مما توقعتُ بكثير يا شهد! تفضلي، اجلسي». لم تتحرك شهد من مكانها، وظلت واقفة بقامة منتصبة ونظرات حادة كالسيف. تابع يحيى وهو يشابك أصابعه ببطء: — «أنا أعلم جلياً أن علاقتنا سادتها المشاحنات وليست على ما يرام، ولكن بما أننا سنعمل معاً تحت سقف واحد ، فلا بد أن نضع الخلافات الشخصية جانباً ونطوي صفحات الماضي . وأنا أؤكد لكِ.. إذا أخلصتِ في العمل معي وأثبتِ ولاءكِ، ستصلين إلى مناصب عليا لم تحلمي بها يوماً. . ولكن، سنبدأ الآن بمهام السكرتيرة الخاصة لمكتبي، حتى تثبتي كفاءتكِ وجدارتكِ بالثقة». ردت شهد بثبات صلب ونبرة جافة خالية من أي انفعال، ناظرة في عينيه مباشرة دون أن ترمش: — «حسناً يا يحيى بيه.. لا تقلق من هذه الناحية إطلاقاً. أنا أعرف تماماً كيف أفصل بين العمل والحياة الخاصة، وستجدني عند حسن ظنك في كل ما يُسند
وصلت شهد إلى البناء الشاهق لشركة «البنداري للإنشاءات»، تتدافع في صدرها أنفاس حارقة مشتعلة بجمر القهر والخديعة. لم تكن ترى أمامها؛ نظرات العاملين المتفاجئة بملامحها الشاحبة وعينيها المنتفختين من البكاء لم تثنِ خطواتها السريعة المنتقمة. صعدت عبر المصعد الخاص كأنها مقتحمة، وما إن وطأت قدماها الطابق العلوي حتى وجدته خالياً على غير العادة؛ كان مكتب السكرتيرة مهجوراً بعدما أجلاها آدم بقراره الصارم صباحاً. لم تطرق الباب.. بل دفعته بقوة وعنف، لتندفع داخل المكتب الفاره. كان آدم منغمساً في مراجعة بعض الأوراق الرسمية برفقة مستشاره القانوني . تفاجأ باقتحامها المباغت، وتجمدت عيناه الصقريتان عليها بحدّة شلت الحركة في أرجاء الغرفة. وقفت شهد ثوانٍ معدودة صامتة، تنشج بحدة وسط نظرات المستشار المرتبكة، فرفع آدم يده بهيبة وقار، ومحتفظاً بتمسكه وجموده القاسي أشار للمحامي بالخروج . ما إن أُغلق الباب خلف المحامي ، حتى تلاشى القناع الهادئ، ووقف آدم كالإعصار المدمّر، واندفعت شهد باتجاهه دون خوف ، وعيناها تلمعان بتحدٍّ جريح. امتدت يده كالكلاب الفولاذي ، وقبضت على ذراعها بقوة أ
أخرجت شهد هاتفها بأصابع مرتعشة وقلب ينبض في حنجرتها. حدقت في الرقم لثوانٍ وهي تصارع ترددها، ثم همست بلوعة لنفسها: «من حقي أن تسمعني يا آدم.. من حقي دفاعي الأخير عن نظافتي في عينيك». ضغطت على زر الاتصال، ووضعت الهاتف على أذنها وهي تتنفس بجهد. كان آدم في طريقه للسيارة عبر ممر الشاليه المعتم، حين أضاءت شاشة هاتفه باسمها: "شهد". تجمدت خطواته في الظلام، واستشاط غضباً عارماً جعل أوردة عنقه تتفتح كالأسلاك المشتعلة. حدق في الاسم بشرارة حارقة، ودمدم بصوت كالفولاذ المغلي: — «ولديها الجرأة أيضاً للتطاول والاتصال؟! أم يا ترى اخترعت كذبة جديدة لمصيبتها وتريد تغفلي مرة أخرى؟!». لم يرد.. ترك الهاتف يرن بغلّ ، وحين أعادت الاتصال بلهفة خائفة، ضغط على زر الإغلاق بعنف ، ثم أوقف تشغيل الهاتف نهائياً ورمى به على المقعد المجاور . وفي زاويتها القاسية، سقطت يد شهد بالهاتف، وألقته بجوارها على الفراش ، وانكفأت على وجهها تغرق في نوبة بكاء مريرة تمزق الأضلع، حتى غلبتها الدموع ونامت من شدة الإعياء والحسرة. مع بزوغ شمس اليوم التالي، وصل آدم إلى مقر الشركة بملامح جافة وهيبة مر







