LOGINتلبدت أجواء بهو السرايا الرئيسي بغيمة كثيفة من التوتر والترقب، وتحولت الرخامات البيضاء التي شهدت قبل لحظات إنقاذ الحاجة نبيلة إلى ساحة معركة مفتوحة. لم يعد هناك مجال للمواربة أو الأقنعة؛ فقد هبطت ميرال درجات السلم بخطوات متسارعة، حانقة، يشتعل وجهها بحمرة الغيظ والغل بعدما رأت مخططها الدنيء يتهاوى ويتحطم كشظايا الكأس الملقاة على الأرض. كانت تتقدم وعيناها تقدحان ببرود وحشي انكسر أمام صمود سلطانة الجبل.
وقفت ميرال في مواجهة ليلى وسط البهو، وكانت تتنفس بحدة، ترفع رأسها بكبرياء "البندر" الزائف وتنظر إلى ليلى بعيون مليئة بالاحتقار والوعيد، وصاحت بنبرة حادة هزت جدران السرايا: "أنتِ فاكرة نفسك إيه يا ليلى؟! حتة حرمة جاهلة جاية من ورا البهائم بـ تتحداني أنا؟ بـ تكسري الكأس في وشي وعاملة فيها الحارس الأمين؟! السرايا دي كلها بـ اللي فيها هتهد فوق روسكم، وقاسم بتاعك خلاص ورق جنونه ومحوه من الدنيا في يدي، مش هتلحقي تتباكي على موته وموت العجوزة دي!" لم تهتز ليلى أنملة واحدة أمام هذا السيل من السباب والتهديدات؛ بل كانت تقف كالطود الشامخ، عيناها تلتمعان بطاقة الجبل وعنفوان الصعيد، تفيضان بكبرياء امرأة تدافع عن بيتها وعرضها ودمها. تقدمت نحو ميرال بخطوة ثقيلة اهتزت لها الأرض، وصوتها يخرج رزيناً، قاطعاً كحد السيف: "خسئتي يا بت الملجأ يا لقيطة! فاكرة إننا لساتنا نايمين على ودانا ومش عارفين حقيقتك النكسة؟ قاسم جاب خبرك وعارف إنك زرعة وسخة زرعتها المنظمة وسطنا عشان تسرقي الأرض! عاد جاية بـ سمك لحد عتبة الدار وبـ تقولي جنون؟ الجنون الحقيقي هو اللي هتشوفيه دلوق بـ عينك!" وقبل أن تستوعب ميرال الكلمات أو تدرك أن سرها قد كُشف تماماً، تحركت ليلى بلمح البصر، وبحركة صعيدية أصيلة مفعمة بالشهامة والغيرة الحارقة على دار الراوي، رفعت كفها القوي وهوت به على وجنة ميرال. رن صوت الصفعة القوية في أرجاء السرايا المظلمة، قلمٌ صعيدي حامٍ، يحمل غضب السنين وطهارة الأرض، طار معه كبرياء ميرال البندري وغطرستها الزائفة، لترتد للخلف خطوات وتترنح، واضعة يدها على وجنتها التي صُبغت باللون الأحمر القاني، وشعرها الحريري الفاخر قد تناثر على وجهها في مظهر يفيض بالكسرة والمهانة أمام الخدم والحراس الذين وقفوا يشهدون إذلال الحية. استدارت ميرال بجسدها، وعيناها تشعان بجنون حقيقي بعدما تحطم كبرياؤها تحت أقدام ليلى، وصرخت بصوت مشروخ، هستيري، ملأ ردهات السرايا بالرعب: "يمين بالله ما هرحمك يا ليلى! وحياة كل نقطة دم سالت في الجبل لـ أخلي نجع الراوي ده ينزف دم من أوله لـ آخره! جوليا والمنظمة مش هيرحموا حد، والسرايا دي هتتحرق بـ اللي فيها وفوق راسك وراس قاسم المجنون! الموت جايلكم وبـ أيدي أنا، ومش هسيب فيكم نفاخ نار!" لم تتراجع ليلى بل تقدمت نحوها مجدداً، وعيناها تثبتان ميرال في مكانها برعب روحاني قائل: "أعلى ما في خيلك وخيل أسيادك اركبيه يا ميرال! السرايا دي ليها رب يحميها وليها سلطان ع يرجع يقطع رقابيكم كلكم، والدم اللي بـ تتوعدي بيه.. هيكون دمك إنتِ وأسيادك الأغراب على صخور الجبل ده!" شق موكب قاسم الراوي غبار طريق نجع الراوي الوعر تحت سترة الليل الآخذ في الانقشاع، حيث كانت العجلات تدور بـجنون يسبق الزمن، وكأنها تسابق أنفاس المؤامرة التي تركت خلفها البندر يحترق بخيبته. كان قاسم يجلس في المقعد الأمامي وعيناه مثبتتان على أضواء السرايا التي بدأت تلوح في الأفق كحصن صامد وسط عتمة الجبل، ويده قابضة بـعنف وقسوة على الحقيبة الجلدية السوداء التي تحوي المستندات والوثائق الممهورة بأختام الدولة والمنظمات الدولية؛ الورق الجديد الذي لا يقبل الشك أو التأويل، والذي يثبت بالدليل القاطع أن "ميرال" ليست سوى نبتة شيطانية غريبة متبناة، ليمحو بـه نسبها الزائف للعايلة، ويلغي بـموجبه عقد زواجها وصكوكها القانونية وكافة ادعاءاتها في الميراث والحجر بالكامل. التفت سليم نحو قاسم وهو يضغط على مكابح السيارة لتتوقف بـقوة أمام البوابة الحديدية العملاقة للسرايا، وصوته يخرج حاداً يحمل وعثاء السفر ولهفة الوصول: "الحمد لله على الوصول يا سلطان.. وصلنا بـ السلامة والورق اللي في يدك ده عاد هو الحبل اللي هيتلف حولين رقبة الحية ورقبة أي حد وقف وراها في البندر أو في النجع هنا." ترجل قاسم من السيارة كالإعصار الهائج، والعباءة الصعيدية التي أعاد ارتداءها لتغطية ملابس البندر تطير خلفه كجناحي عقاب، وعيناه تقدحان بشرار الغضب والعشق الممتزجين في صدره؛ الغضب من الغدر الذي حيك في ظلام السنين، والعشق الجارف الذي يدفعه دفعاً لـلاحتماء بـسلطانته "ليلى" التي تركها تواجه الذئاب بـمفردها. شق ردهة السرايا بخطوات ثقيلة ومزلزلة، والمسدس الثقيل يلمع عند خصره، وخلفه سليم يحمل بقية الدفاتر والأدلة التي تكسرت عليها مخالب منظمة "جوليا". وعند عتبة بهو السرايا الرئيسي، حيث كانت الأنفاس لا تزال مضطربة بفعل المواجهة الأخيرة، وقفت ليلى وهي تلتفت نحو الباب بجسدها المنهك وعينيها اللامعتين بـطاقة الجبل التي لم تنطفئ بعد. تلاقت عيناها مع عيني قاسم في لقطة حبست الأنفاس؛ رأى في وجهها شموخ النصر وآثار دماء الكأس المحطم وصفعة ميرال، ورأت في عينيه لهفة الأسد العائد لحماية عرينه. لم ينطق قاسم بـكلمة في البداية، بل تقدم نحوها بـخطوات عاصفة، واندفعت هي نحو صدره لـيلتحم الجسدان في ضمة جنونية عنيفة، ضمة ذابت فيها كل المؤامرات والمسافات، وامتزجت فيها أنفاسهما الساخنة بـعطر العشق الصعيدي الذي ولد من رحم النار، ليثبت لها بـجسده ودقات قلبه المتسارعة أنه عاد لينتزع الوجع من قلبها إلى الأبد. رفع قاسم رأسه بـبطء، ويده لا تزال تلتف حول خصرها النحيل بـتلمك شرس، ثم التفت نحو الخدم والحراس المحتشدين بـذهول، ورفع الملف الورقي عاد في الهواء، وخرج صوته جهورياً، قاطعاً كحد السيف يهز أركان السرايا: "اسمعوا وعوا يا رجال الراوي ويا حريم الدار! اللعبة انتهت والحية النكسة اتكشف سترها واصل! الورق ده من بكرة الصبح هيكون قدام النيابة والخلق كلهم.. ميرال مش ابنة عمي ولا تجري في عروقها نقطة دم واحدة من عيلتنا، دي لقيطة زرعتها المنظمة وسطنا بـ ورق مزور عشان تسرق الأرض والدهب. جوازها باطل، وصكوكها تحت رجلي، والبلد دي مالهاش غير كبير واحد وسلطانة واحدة واقفه في ضهري!"عجّت ساحات السرايا الشاسعة وجنبات نجع الراوي ببهجة عارمة دوت أصداؤها في كبد الليل، وانقشعت تلك الغُمّة الثقيلة التي جثمت على صدور العباد لشهور. انطلقت الزغاريد الصعيدية الحارة، المتلاحقة والقوية من حناجر النساء فوق الأسطح وفي الردهات، لتشق سكون الجبل العتيق كأناشيد النصر المؤزر. تزينت أسوار السرايا بالمشاعل المشتعلة وفوانيس الضياء التي بددت كل بقعة عتمة كانت تختبئ فيها مؤامرات الأفاعي، وتبدلت ملامح الوجوم التي ارتسمت على وجوه الخدم والحشم إلى ابتسامات رضا وارتياح بعد زوال خطر ميرال وخيانة فوزية التي طهرت الأرض من دنسهما.وفي ساحة الذبح الكبرى الملحقة بالدوار الخلفي، تراكض رجال النجع المخلصون مشمرين عن سواعدهم السمراء المفتولة تحت ضوء النيران المشتعلة في الأجران. كان قاسم الراوي يقف بطوله الفارع وكبريائه الطاغي وسط الحشد، مرتجلاً بين رجاله بعباءته المقصبة بالذهب التي تفوح بعطر الهيبة والانتصار، والمسدس الثقيل يلمع بوقار في جعبته. أشار بيده القوية وعصاه الأبنوسية نحو الماشية والذبائح، وخرج صوته جهورياً، رخيماً يحمل كرم السلاطين وشهامة أهل الأرض:"اذبحوا يا رجال!.. أريحوهم واطع
اجتمع كبار وعواقل نجع الراوي في ليل صامت شديد البرودة، داخل المقعد الكبير الملحق بالسرايا، حيث كانت جدرانه الحجرية العتيقة تفوح برائحة الهيبة والتاريخ. تصاعدت أعمدة الدخان الكثيف من نراجيل الشيوخ والمجالس وعقدت الوجوه الصارمة الحواجب تحت عماماتها البيضاء، خيم وجوم ثقيل على الحضور، فلا أحد كان يفهم سر هذا الاستدعاء العاجل بعد منتصف الليل، سوى أن هناك أمراً جللاً يهدد كيان النجع.جلس قاسم الراوي في صدر المجلس كطود شامخ، ترتسم على ملامحه الأبنوسية القاسية علامات النصر والدهاء، بينما كان سليم يقف خلفه كظله الحارس، يده قريبة من مقبض سلاحه. وعلى الجانب الآخر من المجلس، كانت ميرال تجلس مدعومة ببعض الأوراق المزورة، تحاول جاهدة الحفاظ على قناع البرود والغَطرسة البندرية، رغم أن رجفة خفية في أطراف أصابعها كانت تفضح ذعرها المكتوم من نظرات قاسم التي لم تفارقها.في اللحظة التي استقر فيها الصمت، وقف قاسم بطوله الفارع، وبحركة مسرحية حاسمة ألقى بالملف الجلدي الأسود وسط الطاولة المستديرة التي يتجمع حولها كبار النجع. ارتطم الملف بالخشب ليحدث دوياً جفل له الحضور. التفت قاسم إلى شيوخ القبائل وعو
قال قاسم وعيناه تثبتان اللواء في مكانه:"عارفك زين يا رفعت بيه.. عارف إنك اللواء اللي قبضت ملايين من منظمة جوليا عشان تبيع ناسك وبلدك، وعارف إنك الغطاء الكبير اللي واقف ورا ميرال والكلاب الأغراب عشان تلووا دراع قاسم الراوي بـ قضية الحجر والجنون. الملف اللي قدامك ده هو 'الصندوق الأسود' بتاعك.. فيه كل حساباتك السرية في سويسرا، وتواريخ المقابلات اللي تمت بينك وبين جوليا في المراكب العايمة، وأوامر رفع الحراسة عن النجع عشان رجالة المنظمة يدخلوا يسرقوا الدهب."شحب وجه اللواء رفعت تماماً، وارتعشت يده التي تمسك السيجار وسقطت فوق المكتب. فتح الملف بسرعة بـأصابع ترتجف، وبدأ يقلب الأوراق التي تحتوي على صور مستندات رسمية وتحويلات بنكية لا تقبل الشك، وهي أدلة كافية لتعليقه على حبل المشنقة بتهمة الخيانة العظمى وتلقي الرشاوي. نظر إلى قاسم بذعر وهوان وقال:"أنت.. أنت جبت الحاجات دي منين؟ قاسم.. اسمعني، إحنا ممكن نتفاهم.. كل حاجة وليها حل."انحنى قاسم نحو وجهه بقسوة، وضغط بسبابه على الطاولة وقال بصوت كالسيف القاطع:"الحديث عاد مفيش فيه تفاهم يا رفعت! إحنا هنا بـ نؤمر وإنت بـ تنفذ
تلبدت أجواء بهو السرايا الرئيسي بغيمة كثيفة من التوتر والترقب، وتحولت الرخامات البيضاء التي شهدت قبل لحظات إنقاذ الحاجة نبيلة إلى ساحة معركة مفتوحة. لم يعد هناك مجال للمواربة أو الأقنعة؛ فقد هبطت ميرال درجات السلم بخطوات متسارعة، حانقة، يشتعل وجهها بحمرة الغيظ والغل بعدما رأت مخططها الدنيء يتهاوى ويتحطم كشظايا الكأس الملقاة على الأرض. كانت تتقدم وعيناها تقدحان ببرود وحشي انكسر أمام صمود سلطانة الجبل.وقفت ميرال في مواجهة ليلى وسط البهو، وكانت تتنفس بحدة، ترفع رأسها بكبرياء "البندر" الزائف وتنظر إلى ليلى بعيون مليئة بالاحتقار والوعيد، وصاحت بنبرة حادة هزت جدران السرايا:"أنتِ فاكرة نفسك إيه يا ليلى؟! حتة حرمة جاهلة جاية من ورا البهائم بـ تتحداني أنا؟ بـ تكسري الكأس في وشي وعاملة فيها الحارس الأمين؟! السرايا دي كلها بـ اللي فيها هتهد فوق روسكم، وقاسم بتاعك خلاص ورق جنونه ومحوه من الدنيا في يدي، مش هتلحقي تتباكي على موته وموت العجوزة دي!"لم تهتز ليلى أنملة واحدة أمام هذا السيل من السباب والتهديدات؛ بل كانت تقف كالطود الشامخ، عيناها تلتمعان بطاقة الجبل وعنفوان الصعيد، تفيضا
كان ليل القاهرة (البندر) يزحف ببطء كئيب فوق أسطح البنايات الشاهقة، حاملاً معه صخب شوارعها وضجيج سياراتها الذي لا يهدأ، لكن خلف الجدران الصماء لبرج "السيوفي" الفاخر بقلب العاصمة، كان الصمت المطبق هو سيد الموقف. تداخلت أضواء النيون المنعكسة من الشوارع عبر النوافذ الزجاجية الكبيرة لترسم خطوطاً باهتة داخل المكتب الفخم والمغطى بالسجاد العجمي الثمين.وسط هذه العتمة، تحرك قاسم الراوي وسليم كالأشباح التي لا تكاد تطأ أقدامها الأرض. كان قاسم قد نزع معطفه الطويل، وظهرت بنيته الجسدية القوية بقميصه الأسود المشدود، وعيناه تلمعان ببريق ذئبي حاد يتربص بالصيد. بجواره، كان سليم يمسك بحقيبة الأدوات الإلكترونية، يوزع نظراته الذكية بين شاشات المراقبة المعطلة مؤقتاً وبين الممر المؤدي إلى الخزانة السرية.تنفس قاسم بعمق، وأخرج هاتفه المحمول المشفر الذي أضاء وجهه الأسمر الصارم. ضغط على زر الاتصال لتأتيه النبرة المتهدجة والباكية من الضفة الأخرى؛ كانت فوزية تتحدث من ركن مظلم داخل سرايا الصعيد، وصوتها يرتعش بندم حقيقي زلزل كيانها بعد تهديدات ميرال الأخيرة لها بالقتل، وقررت أن تكفر عن ذنبها وتنقذ دمها و
لم تكن شمس الصعيد قد أشرقت بعد، كان الفجر يزحف ببطء كحبر رمادي ينسكب فوق قمم "جبل الراوي" الشامخة، مغلفاً النجع بأكمله بوشاح من الضباب الكثيف والبرودة القارسة. في هذا الوقت الميت من الليل، حيث تخمد الأنفاس وتهدأ الحركة، كانت الحركة داخل المربوع الخلفي للسرايا تدور في سرية مطلقة لا يعلم مستقرها إلا الله.كان قاسم الراوي يقف أمام مرآة خشبية عتيقة، يرتدي ثياباً لم يعتد نجع الراوي رؤيته بها؛ لقد تخلى مؤقتاً عن عباءته الصعيدية الفضفاضة وعصاه الأبنوسية، ليرتدي حُلة سوداء عصرية تلتف حول جسده الرياضي العريض بصرامة، يخفي فوقها معطفاً طويلاً داكناً. كان هذا التحول في المظهر بمثابة إعلان مبطن عن تغيير استراتيجية المعركة؛ فالحرب في الجبل تحتاج للبارود والجسارة، أما الحرب في "البندر" (القاهرة) فتحتاج إلى الدهاء والسرعة والتحرك كالأشباح بين ردهات الأبراج العالية وخزائن المال المغلقة.بجواره، كان يقف سليم، ذراعه الأيمن ورجل المهام المستحيلة، يتفحص مخازن الذخيرة والمسدسات الكاتمة للصوت بتركيز شديد قبل إخفائها تحت معطفه. التفت قاسم نحو سليم، وكانت عيناه تقطران ببريق حاد كالشفرة، وقال بصوت من







