Masukالرائحة لم تكن رائحة الصباح الصعيدي المعتاد الذي يفوح بندى الزرع وتراب الأرض الطيبة؛ بل كانت رائحة رماد خانق، خليط من خشب الأبنوس المحترق، وتجارة السلاح المحرمة التي تفحمت في بهو السرايا الكبيرة.
مع خيوط الفجر الأولى، كانت "ليلى" تقف على تلة مرتفعة في مواجهة السرايا. الشال الأسود كان يلتف حول كتفيها بقوة ليحميها من لسعات برد الجبل، لكن عينيها كانتا معلقتين بـ "قاسم". كان يقف في منتصف الباحة الواسعة، محاطاً بالعشرات من كبار عائلات النجع ورجاله المسلحين الذين جاءوا لتقديم الولاء لـ "السلطان" بعد ليلة لم يشهد الصعيد لها مثيلاً.
جلبابه الأسود كان مغطى بالغبار، وضمادة بيضاء لُفت حول كتفه وجبهته، لكن وقفته لم تختل إنشاً واحداً. كان يتحدث مع الحراس بنبرة رخيمة حاسمة، وعيناه الصقريتان تراقبان كل زاوية، وكأنه يعيد رسم حدود مملكته بعد أن تخلصت من الخونة.
ـ "كل الدفاتر القديمة عتتحرق يا رجال.." قالها قاسم وهو يلتفت لكبار النجع بصوت جهوري تردد صداه في حضن الجبل. "منصور الراوي مات في حريق السرايا، وعثمان أبو المجد هوى في السرداب. الحرب اللي قادت سنين بيننا وبين أبو المجد انطفأت الليلة بدم الغدارين. ومن النهاردة، اللي عيفتح سيرة التار أو يمس حد من عيلة 'أبو المجد'، عيكون حسابه معايا أنا بيدي!"
ضرب الرجال صدورهم بعلامات الطاعة والهتاف، بينما تحرك قاسم بخطوات ثابتة نحو ليلى. عندما اقترب منها، هدأت ملامحه القاسية، ونظر إلى وجهها الشاحب بنظرة تملك حانية، ومد يده ليمسك كفها البارد ويهمس لها:
ـ "لسه الرعب عياكل في قلبك يا وردتي؟ الجبل خلاص نضف، ومبقاش فيه حد يقدر يمس طرف شالك."
أخذت ليلى تنهيدة طويلة ونظرت في عينيه بـ عاطفة ولدت من رحم الموت:
ـ "الرعب مش على نفسي يا قاسم.. الرعب عليك إنت. أدهم الهواري لسه حي، وهروبه في عتمة الليل عيقلي إنه مش عيسكت واصل. أدهم جريح، والجريح لما بيبعد عيخطط لـ غدر أعير (أشد)."
ضغط قاسم على يدها برفق حاسم، والتمعت عيناه ببريق مرعب:
ـ "أدهم كرت وحرقته بيدي يا ليلى. الكلب ده مابقاش ليه دار ولا رجال في النجع، والنهاردة السيف عيسبق العذل.. بس قبل ما ندور عليه، فيه حساب قديم واصل لازم يتقفل في 'السرايا القديمة'."
لم تمضِ سوى ساعة، حتى تحرك موكب قاسم وليلى نحو الطرف الغربي من النجع، حيث تقف "السرايا القديمة".. بناء مهجور منذ عشرات السنين، جدرانه متآكلة وتكسوها خيوط العنكبوت والوحشة، وهو المكان الذي أمر قاسم بنفي والدته "الحاجة نبيلة" إليه تحت حراسة مشددة.
دخل قاسم والمندرة الكبيرة غارقة في الظلام، وخلفه ليلى التي كانت تشعر بانقباض في صدرها. في زاوية المندرة، كانت تجلس الحاجة نبيلة على الأرض، عباءتها السوداء ممتلئة بالتراب، وملامحها التي كانت تفيض يوماً بالتقوى المزيفة اتمسحت تماماً ليظهر وجه "شيطانة" كسيرة، واجهت نهاية ألاعيبها.
عندما رأت نبيلة ابنها يدخل وبرفقته ليلى، انتفضت واقفة وصرخت بهستيرية وغل:
ـ "جيت يا قاسم؟! جيت وجايب معاك 'الدية' البديلة؟! طردت أمك ورميتها في الخرابة دي عشان خاطر بنت أبو المجد؟! بعت لحمك ودمك يا ولد الراوي؟!"
وقف قاسم أمامها كالجدار المنيع، وعروق رقبته برزت كالحبال المشتعلة، وصوته طلع زئير جرح كبرياءه:
ـ "أنتي اللي بعتيني من زمان يا أمة!! (يا أمي) لما خنتي ثقتي وعملتي يدك بيد منصور وعثمان عشان تجارة السلاح! كيف طاوعك قلبك؟ كيف كنتِ عتشوفيني عأبكي دم على فرحة، وانتي خابرة إنها محبوسة في المغارة، وعتروحي بنفسك تودي لها الأكل عشان الفتنة تفضل قايدة؟! كيف يا نبع الحنان؟!"
مسحت نبيلة نظرة الضعف من عينها بكل جبروت، وقالت بصوت بارد زي التلج هز أركان المكان:
ـ "عملت كدة عشانك يا قاسم! فرحة كانت عتكسر هيبتك.. كانت عتحب أدهم الهواري من وراك، ولو كانت اتجوزتك كانت عتلطخ اسم الراوي في الطين! أنا اللي حمتك منها، وأنا اللي اخترت لك ليلى.. ليلى اللي دخلت بيتك مكسورة الجناح عشان تروضها على يدك وتصون اسمك!"
هنا لم تتحمل ليلى، وخطت خطوة للأمام وصاحت بحرقة وقهر:
ـ "كدابة!! أنتي اللي حرمتيني من أختي ومن نور الشمس سنين يا مرت عمي! أنتي اللي قولتي لـ أدهم يقتل الخادمة ويلبسها لبس فرحة عشان الكل يفتكر إنها ماتت وتكمل لعبتكم القذرة! ذنب الغلابة اللي ماتوا في رقبتك ليوم الدين!"
التفت قاسم نحو الحرس وزعق بصوت زلزل السرايا القديمة:
ـ "خدوا الحاجة نبيلة!! تفضل اهنه تحت الحراسة المشددة، وماريدش أشوف وشها في نجع الراوي واصل لحد ما الموت يفرق بيننا! أنتي من النهاردة ماليش أم اسمك نبيلة!"
صرخت نبيلة بجنون وهي تُساق للخلف بين أيدي الحرس، وتكيل اللعنات لليلى وقاسم، بينما سقطت دمعة جافة من عين السلطان، دمعة خيانة الأم التي لا يداويها عهد.
خرجت ليلى وقاسم من السرايا القديمة، وكانت الشمس قد توسطت السماء. التفت قاسم لرجاله وقال بصوت حاسم:
ـ "جهزوا الخيل والسلاح.. رجالتنا عتمشط الجبل الشرقي صخرة صخرة، أدهم الهواري مش عيبات ليلته في الصعيد واصل!"
وقبل أن يتحرك الموكب، ركض أحد الحراس من بعيد، يلهث بشدة ووجهه يفيض بالرعب، وسقط تحت قدمي قاسم وهو يصرخ:
ـ "يا سلطان!! يا سلطان الجبل الحق!! أدهم الهواري ماماتش ومستخباش في الجبل.. أدهم هجم مع رجاله الباقيين على دار 'أبو المجد' الكبيرة.. وخطف 'فرحة' من حضن أبوها وعينادي عليك في وسط الساحة!!"
تجمدت الأنفاس في صدور الجميع. التفتت ليلى نحو قاسم بذهول مطلق وصدمة زلزلت كيانها، بينما قبض قاسم على سلاحه بقوة كادت تحطم المقبض، وعيناه اشتعلتا بنار غيرة وتحدٍ أعمى، فـ الملحمة لم تنتهِ، بل بدأت فصولها الأكثر دموية للتو!
الخيل لم تكن تركض، بل كانت تطير فوق تراب النجع كأنها شياطين انطلقت من جوف الأرض. قاسم كان يتقدم الموكب على ظهر جواده الأسود كـ ليلٍ غاضب، عباءته تطير خلفه، وعيناه المثبتتان على الأفق لم تطرفا مرة واحدة. كانت ليلى تركب خلف أحد الحراس الثقات، وقلبها ينبض بـ دقات متسارعة تكاد تمزق صدرها. فرحة حية.. فرحة في يد أدهم.. والماضي كله يعود ليطوق عنقها من جديد.
عندما وصل الموكب إلى ساحة دار "أبو المجد" الكبيرة، كان المشهد يوقف الدماء في العروق. الساحة التي كانت يوماً مكاناً للأفراح والصلح، تحولت إلى ثكنة عسكرية. رجال أدهم الهواري الباقون كانوا يتمركزون فوق أسطح البيوت المجاورة، يصوبون بنادقهم نحو الأسفل.
وفي منتصف الساحة، كان يقف أدهم، جسده ملفوف بالضمادات إثر معركة الجبل، ووجهه يقطر غلاً وذلاً. كان يمسك بـ "فرحة" من شعرها الطويل، ويرتعد جسدها بالكامل وهي تبكي بـ قهر وانكسار، نسخة دبلانة وشاحبة من جمالها القديم الذي سُلب منها في مغارات الأسر.
أوقف قاسم جواده بـ حسم أثار الغبار في وجه أدهم. نزل عن ظهره بخطوات وئيدة، ثقيلة كـ صخور الجبل، ووقف في منتصف الساحة بـ صدر عارٍ وعينين تشتعلان بـ نار تملك مرعبة. ترجلت ليلى ووقفت خلفه مباشرة، وتحركت عيناها بين أختها التوأم "فرحة" وبين الرجل الذي كان يوماً سبباً في خراب عائلتها.
ـ "سيب البنت يا أدهم!!" صرخ قاسم بـ صوت جهوري زلزل جدران الدار، وصداه تردد في النجع كله. "ألعابك خلصت، وأبويا مات، وعثمان أبو المجد هوى في الجبل.. مابقاش ليك ضهر اهنه واصل، والوقفة دي عتكون آخر وقفة ليك فوق الأرض!"
ضحك أدهم بـ هستيريا، وشد فرحة من شعرها بقسوة جعلتها تصرخ وتنظر نحو قاسم بـ عيون ملأها الرجاء القديم:
ـ "حقك عليا يا قاسم!! أنا انغدر بيا كيفك! مرت عمك وأبوك هما اللي عملوا كدة!"
لم يتحرك قاسم، ولم تنزاح عيناه الصقريتان عن أدهم، بينما صرخ أدهم بـ غل:
ـ "مش عأسيبها يا سلطان الجبل!! إنت أخدت كل حاجة.. أخدت الأرض، وأخدت السرايا، ودلوقت جايب البديلة معاك عشان تاخد نجع الراوي كله! أنا خسرت كل رجالي، بس مش عأطلع من المولد بلا حمص.. فرحة كانت خطيبتك وعشقك القديم، والنهاردة عأدبحها قدام عينك وعين مرتك عشان تعيش عمرك كله بـ قلب محروق!"
في تلك اللحظة، نظرت فرحة نحو ليلى، وتلاقت أعين التوأمين لأول مرة منذ سنين. بكت فرحة بـ قهر وقالت بـ صوت متحشرج:
ـ "سامحيني يا ليلى.. أنا اللي كنت السبب في كل الوجع ده.. مكنتش أعرف إن مرت عمي عتحيك المؤامرة دي كلها من ورايا.. أنا ماحبيتش أدهم واصل! هو اللي خطفني بـ مساعدتهم!"
وقعت الكلمات كـ الصاعقة على الساحة، لكن قاسم لم يلتفت لـ فرحة. تقدم خطوة نحو أدهم، وبـ نبرة هادئة، باردة كـ الموت، قال وعيونه تلمع بـ غيرة "هادية".. غيرة السلطان الذي حسم أمره، ولم يعد قلبه يلتفت للماضي:
ـ "فرحة.. إنتي حقك عيرجع، والكلب اللي اسمه أدهم عيتعلق على باب النجع الليلة بـ يدي. بس خابرة يا بنت عمي؟ الوردة اللي كانت في قلبي ليكي.. دبلت من يوم ما شميت ريحة الغدر في حكايتك. الجبل مابينحنيش مرتين.. والنهاردة، أنا قلبي مابقاش ملكي واصل!"
التفت قاسم بـ جسده كله ونظر إلى ليلى التي كانت تقف وراءه بـ ثبات. نظرة عينه كانت عتقول "إنتي وبس". تقدم نحو ليلى، وأمسك يدها اليمين، وطبع عليها قبلة حارة أمام أمه، وأمام أدهم، وأمام النجع كله، وقال بـ تحدي لـ الدنيا بحالها:
ـ "ليلى هي 'سلطانة الجبل'.. وهي اللي صانتني وهي مابتعرفنيش! ليلى اللي رمت نفسها قدام الرصاصة في السرايا عشان تحميني، هي اللي عتكمل معايا المشوار.. وإنتي يا فرحة عترجعي دار أبو المجد معززة مكرمة، بس مكانك في قلبي خلاص.. مات!"
صرخ أدهم بـ جنون وهو يرفع سكينه نحو رقبة فرحة:
ـ "يعني بايعها يا سلطان؟! بايع عشقك القديم عشان خاطر البديلة؟! إذن تموت هي الأول!!"
وقبل أن يتحرك نصل السكين إنشاً واحداً، انطلقت رصاصة غادرة من خلف أدهم.. رصاصة دقيقة استقرت في منتصف جبهته تماماً! اتسعت عينا أدهم بـ ذهول مطلق، وسقط جسده جثة هامدة على تراب الساحة، لـ تفلت فرحة من بين يديه وتسرع نحو حضن ليلى وهي تبكي بـ هستيريا وقهر.
التفت قاسم بـ سرعة نحو مصدر الرصاصة، ليجد رجاله قد اقتحموا الأسطح وقضوا على بقايا رجال أدهم بـ لمح البصر. التفت قاسم نحو ليلى وفرحة اللتين كانتا تحتضنان بعضهما على الأرض، وتقدم منهما بـ خطوات وئيدة. انحنى وسحب ليلى لـ حضنه بـ رفق وهو عيهمس لها وعيونه تفيض بـ تملك رهيب:
ـ "كفاية بكا يا وردتي.. الجبل رجع له نوره، والتار والدم خلصوا النهار ده واصل."
نظرت ليلى في عينيه وهي تتنفس بـ صعوبة من هول الصدمة، لكن الفرحة ولدت في قلبها أخيراً؛ فـ السلطان لم يعد يرى فيها "البديلة"، بل أصبحت هي العشق الحقيقي الذي تربع على عرش الجبل.
ولكن.. بينما كان النجع يستعد لـ تنظيف ساحته، ركض أحد الحراس من المندرة الداخلية لـ دار أبو المجد، وهو يحمل صندوقاً حديدياً صغيراً، مطعماً بـ الرصاص، صرخ بـ فزع:
ـ "يا سلطان الجبل!! يا ست ليلى!! لقيت الصندوق ده تحت سرير الحاج عثمان.. وفيه أوراق عتقول إن تجارة السلاح لسه ليها 'كبير' تاني عايش وسط النجع ومحدش خابر عنه واصل!!"
تصلبت ملامح قاسم فوراً، واشتعلت النار في عينيه من جديد، لـ يعلم الجميع أن الفخ الكبير لم ينتهِ، بل إن خيوطاً جديدة وأعنف بدأت تتشابك في خفاء الصعيد!
التفت قاسم نحو سليم، وجاء صوته عميقاً جهورياً، يحمل بحة الوعيد الصعيدي والصلابة التي لا تلين، وقال وعيناه مصوبتان نحو الشق الضوئي:ـ "يا سليم.. يا ولد عمي. البوابة دي ما عاد لهاش عازة في دنيانا واصل. دي ثغرة في جدار الجبل، ولو فضلت مفتوحة كديه، الكلاب اللي بـ ينهشوا في ضهرنا.. المنظمة، وجماعة جوليا والمحامي، ع يلاقوا طريق يوصلوا بيه لـ أسرار الأجداد. السحر والوهم اللي جوه ع يخليهم يتحكموا في رقاب الخلائق، وقاسم الراوي مش ع يسمح إن أرض الصعيد تكون ممر لـ غدرهم. البوابة دي لازم تتهد، وتتدفن تحت صخر الصوان لـ حد قيام الساعة."خطا سليم خطوة نحو الأمام، ممسكاً بسلاحه الآلي، وعلامات التقدير والدهاء العسكري ترتسم على وجهه الحاد، ورد بصوت منخفض قوي:ـ "معاك حق يا سلطان. إحنا ع نخوض حرب مع خونة الداخل، مع جابر والمحامي اللي بـ يبيعوا الأرض بـ المتر، والمنظمة واقفه على الأعتاب مستنية إشارة. لو حد فيهم عرف بطريق البوابة دي، مش ع يقدر عليهم واصل لا جيش ولا حكومة. بس كيف ع تهد حجر مسحور بـ القوة دي يا خوي؟ السلاح اللي معايا ده أقصاه يطير رقاب، لكنه ما ع يهدش بوابات أبعاد."ا
كان الممر الصخري المؤدي إلى خارج الجبل يزداد اتساعاً كلما تقدموا، والرياح الباردة القادمة من أفق النجع بدأت تداعب الوجوه، حاملةً معها رائحة تراب الصعيد الرطب ونبت الحلفاء. مشى قاسم في المقدمة، واضعاً يده الضخمة في يد ليلى، مشبكاً أصابعه بأصابعها بقوةٍ كادت توجع عظامها، لكنها كانت الوجع المحبب الذي يطرد كوابيس الفراق. وخلفهما كان سليم يسير بخطى عسكرية متزنة، عيناه تجولان في الظلام يميناً ويساراً، وسلاحه الآلي في وضع الاستعداد، فرغم عودة السلطان، إلا أن غريزة المخابرات فيه كانت تذكره بأن "خونة الداخل" وجماعة جابر والمحامي لا يزالون يتربصون بالسرايا.في وسط هذا المسير الصامت، بدأت ليلى تلاحظ أموراً غريبة وغير مألوفة تسري في جسد زوجها. لم تكن الملاحظة بالعين المجردة فحسب، بل بحسها التخاطري الجديد الذي بات يقرأ الذبذبات الخفية في الهواء. عندما كانت تنظر إلى جانبه الأيمن، رأت عينيه الصقريتين لم تعودا كالسابق؛ كانتا تلمعان بين الحين والآخر بضوءٍ ذهبيٍ خافت، نبضاتٌ من النور السري تشع من بؤبؤ العين كلما ركز نظره على زاوية معتمة في الكهف، وكأن البُعد الآخر قد ترك وسمه الأبدي في بصيرته.
انطلقت ليلى وسليم في الممر الضيق الذي يعقب مركز الوادي، وكانت شظايا الزجاج المحطم تحت أقدامهما تعزف إيقاعاً مرعباً يتماشى مع دقات قلبيهما. لم تكن جدران الكهف مستقرة، بل كانت المرايا المتبقية على الجوانب تهتز وتتموج كأنها مياه راكدة ألُقيت فيها أحجار ثقيلة. كانت طاقة المكان تتصاعد، محملة بأصداء المؤامرات التي تحاك في عتمة السرايا، وبتلك الأنفاس الخبيثة للمحامي وجابر اللذين يظنان أن العرين بات مستباحاً.وفيما كانت ليلى تتقدم بخطى ثابتة، مدفوعة بذاك العشق الجارف وقوة الشوك التي ولدت في قلبها، لاحظ سليم أن الضباب الرمادي بدأ يتكثف حول قدميه بشكل مريب. كان يحاول أن يكون درعاً لحمايتها، ويراقب الثغرات الأمنية بعين الضابط المحنك، لكن الجبل كان يملك قوانين أخرى لا تعترف بالخطط العسكرية ولا بالتدريب المخابراتي. فجأة، التمعت مرآة ضخمة ذات إطار صخري أسود على يمين سليم، وانبثق منها ضوء أحمر قاني كدمٍ طازج.تصلب جسد سليم في مكانه، وسقط سلاحه الآلي من يده ليرتطم بالأرض الصخرية محدثاً دويّاً حاداً. اتسعت عيناه بذهول، وتحولت نظراته الصقرية إلى نظرات تائهة مستسلمة، فقد وقع في "فخ المرايا" ال
كان "وادي المرايا" يمتد أمام ليلى كمتاهةٍ من الزجاجِ المسحور، حيثُ لا صخور ولا رمال، بل جدرانٌ شاهقةٌ من المرايا الصقيلة التي تعكسُ ليس فقط الجسد، بل خبايا الروح وأصداءَ المستقبل. عندما خطت ليلى أول خطوةٍ داخل هذا الوادي، شعرت بأنفاسِها تتجمد، فالمرايا لم تكن عادية؛ بل كانت تتراقصُ فيها صورها، صورٌ لليلى التي قد تكون، وليلى التي كانت، وليلى التي يخشى قاسم أن يراها.وقفت ليلى في المركز، وسط دائرةٍ من المرايا العملاقة. في المرآة الأولى، رأت نفسها منحنية الظهر، ثوبها الصعيدي ممزق، عيناها غارقتان في دموعِ ذلٍّ لا ينتهي، وكأنها ليلى التي استسلمت لمؤامراتِ السيوفي، ليلى التي قبلت أن تعيشَ في الظل، خاضعةً لمن يملكون القوة، ترتجفُ من أدنى تهديد. في المرآة الثانية، رأت نفسها بملابسَ غريبةٍ فاخرة، تضحكُ بشماتةٍ وهي تسلمُ خنجرَ قاسم للمحامي الخائن، وجهها يقطرُ غدراً، وهي تبيعُ النجعَ مقابلَ وعودٍ بالذهب؛ كانت تلك ليلى التي أكلها الطمع، ليلى التي باعت العهدَ بـ "حفنةٍ من وعودٍ كاذبة". أما في المرآة الثالثة، فكانت ليلى تظهرُ بعباءتها السوداء المطرزة، واقفةً بـ شموخٍ يزلزلُ الجبال، عيناها تحم
كانت الساعة قد تجاوزت منتصف الليل، حين انسلت "الحاجة نبيلة" من الظلال لتستقر في وسط الديوان، حيث كان المحامي وجابر لا يزالان يتبادلان الهمسات الخبيثة فوق أوراقهما. لم تكن نبيلة مجرد امرأةٍ مسنة، بل كانت هيبةً تمشي على الأرض، بملامحها التي نحتت فيها السنون قوة لا تقهر، وعباءتها السوداء التي تفيض برائحة العتق والهيبة. وبمجرد ظهورها، تجمد المحامي في مكانه، وحاول جابر أن يخفي الأوراق تحت المقعد، لكن نظرة نبيلة كانت أسرع وأنفذ.اتسعت عينا المحامي بذهول، ثم حاول استجماع أطراف شجاعته المصطنعة، وقال بنبرةٍ شابها الاضطراب: "يا حاجة نبيلة.. إيه اللي جابك في وقت زي ده؟ احنا كنا بنخلص شوية أوراق تخص ملكية السرايا..".لم تلتفت له نبيلة، بل سارت ببطءٍ مهيب نحو طاولة القهوة، ووضعت يدها على "الخريطة" التي كانت ملقاةً على الطاولة. قالت نبيلة بصوتٍ هادئ كهدوءِ ما قبل العاصفة: "أوراق إيه يا ابن الأصول؟ إحنا خابرين زين اللي بيحصل، وخابرين إن اللي يمد إيده على أمانة الراوي، إيده بتنقطع. أنا سمعتكم.. سمعت كل كلمة، وعارفة إنكم بتدوروا على ليلى عشان تخلصوا منها وتبيعوا اللي وراكم واللي قدامكم."
لم تكن القاعة مجرد حيزٍ مكاني، بل كانت تجسيداً لسطوةٍ أزلية، حيث استقر "الصولجان" في يد قاسم، ثقيلاً ببريقِ السلطة المطلقة التي تمنح صاحبها مفاتيح الكون. كان الصولجان مصنوعاً من معدنٍ لا تعرفه الطبيعة، ينبض بذبذباتٍ تجعل الجبال تهتز وتتوقف عقارب الزمان. وفي تلك اللحظة، كان الحكماء يحيطون به، عيونهم تترقبه، ينتظرون منه أن ينحني، أن يعلن خضوعه لهذا النفوذ الكوني الذي سيهبه ملكاً لا يزول، ولا يطاله غدرُ الغادرين ولا كيدُ الكائدين في نجع الراوي.نظر قاسم إلى الصولجان، كان يشعر بنبضِ القوة يسري في عروقه، يغويه بأن ينسى ليلى، وينسى النجع، وينسى دماء أجداده التي تطلب منه المواجهة، ليصبح كياناً متسامياً فوق البشر. لكن في تلك اللحظة، وبينما كان الحكماء يتهامسون بكلماتِ القبول، صعدت إلى أنفِ قاسم رائحةُ "التراب" بعد المطر، رائحةُ الأرض الصعيدية الحرة، وتذكر كيف كان يغرسُ قدميه في طينِ النجع، وكيف كان يذودُ عن كل حبة رملٍ بدمائهِ لا بسحرِ الغرباء.ـ "سلطة إيه اللي بتكلموني عنها؟" زأر قاسم بصوتٍ جعلَ الصوان الأسود يتصدع تحت أقدامه. "عاوزيني أشتري ملكي في الدنيا بـ طعمي لـ عهدي مع ليلى؟
![زوجتي الحبيبة: [سيد عبّاد، لقد غازلتك بالخطأ!]](https://www.goodnovel.com/pcdist/src/assets/images/book/43949cad-default_cover.png)






