Masukالرائحة لم تكن رائحة الصباح الصعيدي المعتاد الذي يفوح بندى الزرع وتراب الأرض الطيبة؛ بل كانت رائحة رماد خانق، خليط من خشب الأبنوس المحترق، وتجارة السلاح المحرمة التي تفحمت في بهو السرايا الكبيرة.
مع خيوط الفجر الأولى، كانت "ليلى" تقف على تلة مرتفعة في مواجهة السرايا. الشال الأسود كان يلتف حول كتفيها بقوة ليحميها من لسعات برد الجبل، لكن عينيها كانتا معلقتين بـ "قاسم". كان يقف في منتصف الباحة الواسعة، محاطاً بالعشرات من كبار عائلات النجع ورجاله المسلحين الذين جاءوا لتقديم الولاء لـ "السلطان" بعد ليلة لم يشهد الصعيد لها مثيلاً.
جلبابه الأسود كان مغطى بالغبار، وضمادة بيضاء لُفت حول كتفه وجبهته، لكن وقفته لم تختل إنشاً واحداً. كان يتحدث مع الحراس بنبرة رخيمة حاسمة، وعيناه الصقريتان تراقبان كل زاوية، وكأنه يعيد رسم حدود مملكته بعد أن تخلصت من الخونة.
ـ "كل الدفاتر القديمة عتتحرق يا رجال.." قالها قاسم وهو يلتفت لكبار النجع بصوت جهوري تردد صداه في حضن الجبل. "منصور الراوي مات في حريق السرايا، وعثمان أبو المجد هوى في السرداب. الحرب اللي قادت سنين بيننا وبين أبو المجد انطفأت الليلة بدم الغدارين. ومن النهاردة، اللي عيفتح سيرة التار أو يمس حد من عيلة 'أبو المجد'، عيكون حسابه معايا أنا بيدي!"
ضرب الرجال صدورهم بعلامات الطاعة والهتاف، بينما تحرك قاسم بخطوات ثابتة نحو ليلى. عندما اقترب منها، هدأت ملامحه القاسية، ونظر إلى وجهها الشاحب بنظرة تملك حانية، ومد يده ليمسك كفها البارد ويهمس لها:
ـ "لسه الرعب عياكل في قلبك يا وردتي؟ الجبل خلاص نضف، ومبقاش فيه حد يقدر يمس طرف شالك."
أخذت ليلى تنهيدة طويلة ونظرت في عينيه بـ عاطفة ولدت من رحم الموت:
ـ "الرعب مش على نفسي يا قاسم.. الرعب عليك إنت. أدهم الهواري لسه حي، وهروبه في عتمة الليل عيقلي إنه مش عيسكت واصل. أدهم جريح، والجريح لما بيبعد عيخطط لـ غدر أعير (أشد)."
ضغط قاسم على يدها برفق حاسم، والتمعت عيناه ببريق مرعب:
ـ "أدهم كرت وحرقته بيدي يا ليلى. الكلب ده مابقاش ليه دار ولا رجال في النجع، والنهاردة السيف عيسبق العذل.. بس قبل ما ندور عليه، فيه حساب قديم واصل لازم يتقفل في 'السرايا القديمة'."
لم تمضِ سوى ساعة، حتى تحرك موكب قاسم وليلى نحو الطرف الغربي من النجع، حيث تقف "السرايا القديمة".. بناء مهجور منذ عشرات السنين، جدرانه متآكلة وتكسوها خيوط العنكبوت والوحشة، وهو المكان الذي أمر قاسم بنفي والدته "الحاجة نبيلة" إليه تحت حراسة مشددة.
دخل قاسم والمندرة الكبيرة غارقة في الظلام، وخلفه ليلى التي كانت تشعر بانقباض في صدرها. في زاوية المندرة، كانت تجلس الحاجة نبيلة على الأرض، عباءتها السوداء ممتلئة بالتراب، وملامحها التي كانت تفيض يوماً بالتقوى المزيفة اتمسحت تماماً ليظهر وجه "شيطانة" كسيرة، واجهت نهاية ألاعيبها.
عندما رأت نبيلة ابنها يدخل وبرفقته ليلى، انتفضت واقفة وصرخت بهستيرية وغل:
ـ "جيت يا قاسم؟! جيت وجايب معاك 'الدية' البديلة؟! طردت أمك ورميتها في الخرابة دي عشان خاطر بنت أبو المجد؟! بعت لحمك ودمك يا ولد الراوي؟!"
وقف قاسم أمامها كالجدار المنيع، وعروق رقبته برزت كالحبال المشتعلة، وصوته طلع زئير جرح كبرياءه:
ـ "أنتي اللي بعتيني من زمان يا أمة!! (يا أمي) لما خنتي ثقتي وعملتي يدك بيد منصور وعثمان عشان تجارة السلاح! كيف طاوعك قلبك؟ كيف كنتِ عتشوفيني عأبكي دم على فرحة، وانتي خابرة إنها محبوسة في المغارة، وعتروحي بنفسك تودي لها الأكل عشان الفتنة تفضل قايدة؟! كيف يا نبع الحنان؟!"
مسحت نبيلة نظرة الضعف من عينها بكل جبروت، وقالت بصوت بارد زي التلج هز أركان المكان:
ـ "عملت كدة عشانك يا قاسم! فرحة كانت عتكسر هيبتك.. كانت عتحب أدهم الهواري من وراك، ولو كانت اتجوزتك كانت عتلطخ اسم الراوي في الطين! أنا اللي حمتك منها، وأنا اللي اخترت لك ليلى.. ليلى اللي دخلت بيتك مكسورة الجناح عشان تروضها على يدك وتصون اسمك!"
هنا لم تتحمل ليلى، وخطت خطوة للأمام وصاحت بحرقة وقهر:
ـ "كدابة!! أنتي اللي حرمتيني من أختي ومن نور الشمس سنين يا مرت عمي! أنتي اللي قولتي لـ أدهم يقتل الخادمة ويلبسها لبس فرحة عشان الكل يفتكر إنها ماتت وتكمل لعبتكم القذرة! ذنب الغلابة اللي ماتوا في رقبتك ليوم الدين!"
التفت قاسم نحو الحرس وزعق بصوت زلزل السرايا القديمة:
ـ "خدوا الحاجة نبيلة!! تفضل اهنه تحت الحراسة المشددة، وماريدش أشوف وشها في نجع الراوي واصل لحد ما الموت يفرق بيننا! أنتي من النهاردة ماليش أم اسمك نبيلة!"
صرخت نبيلة بجنون وهي تُساق للخلف بين أيدي الحرس، وتكيل اللعنات لليلى وقاسم، بينما سقطت دمعة جافة من عين السلطان، دمعة خيانة الأم التي لا يداويها عهد.
خرجت ليلى وقاسم من السرايا القديمة، وكانت الشمس قد توسطت السماء. التفت قاسم لرجاله وقال بصوت حاسم:
ـ "جهزوا الخيل والسلاح.. رجالتنا عتمشط الجبل الشرقي صخرة صخرة، أدهم الهواري مش عيبات ليلته في الصعيد واصل!"
وقبل أن يتحرك الموكب، ركض أحد الحراس من بعيد، يلهث بشدة ووجهه يفيض بالرعب، وسقط تحت قدمي قاسم وهو يصرخ:
ـ "يا سلطان!! يا سلطان الجبل الحق!! أدهم الهواري ماماتش ومستخباش في الجبل.. أدهم هجم مع رجاله الباقيين على دار 'أبو المجد' الكبيرة.. وخطف 'فرحة' من حضن أبوها وعينادي عليك في وسط الساحة!!"
تجمدت الأنفاس في صدور الجميع. التفتت ليلى نحو قاسم بذهول مطلق وصدمة زلزلت كيانها، بينما قبض قاسم على سلاحه بقوة كادت تحطم المقبض، وعيناه اشتعلتا بنار غيرة وتحدٍ أعمى، فـ الملحمة لم تنتهِ، بل بدأت فصولها الأكثر دموية للتو!
الخيل لم تكن تركض، بل كانت تطير فوق تراب النجع كأنها شياطين انطلقت من جوف الأرض. قاسم كان يتقدم الموكب على ظهر جواده الأسود كـ ليلٍ غاضب، عباءته تطير خلفه، وعيناه المثبتتان على الأفق لم تطرفا مرة واحدة. كانت ليلى تركب خلف أحد الحراس الثقات، وقلبها ينبض بـ دقات متسارعة تكاد تمزق صدرها. فرحة حية.. فرحة في يد أدهم.. والماضي كله يعود ليطوق عنقها من جديد.
عندما وصل الموكب إلى ساحة دار "أبو المجد" الكبيرة، كان المشهد يوقف الدماء في العروق. الساحة التي كانت يوماً مكاناً للأفراح والصلح، تحولت إلى ثكنة عسكرية. رجال أدهم الهواري الباقون كانوا يتمركزون فوق أسطح البيوت المجاورة، يصوبون بنادقهم نحو الأسفل.
وفي منتصف الساحة، كان يقف أدهم، جسده ملفوف بالضمادات إثر معركة الجبل، ووجهه يقطر غلاً وذلاً. كان يمسك بـ "فرحة" من شعرها الطويل، ويرتعد جسدها بالكامل وهي تبكي بـ قهر وانكسار، نسخة دبلانة وشاحبة من جمالها القديم الذي سُلب منها في مغارات الأسر.
أوقف قاسم جواده بـ حسم أثار الغبار في وجه أدهم. نزل عن ظهره بخطوات وئيدة، ثقيلة كـ صخور الجبل، ووقف في منتصف الساحة بـ صدر عارٍ وعينين تشتعلان بـ نار تملك مرعبة. ترجلت ليلى ووقفت خلفه مباشرة، وتحركت عيناها بين أختها التوأم "فرحة" وبين الرجل الذي كان يوماً سبباً في خراب عائلتها.
ـ "سيب البنت يا أدهم!!" صرخ قاسم بـ صوت جهوري زلزل جدران الدار، وصداه تردد في النجع كله. "ألعابك خلصت، وأبويا مات، وعثمان أبو المجد هوى في الجبل.. مابقاش ليك ضهر اهنه واصل، والوقفة دي عتكون آخر وقفة ليك فوق الأرض!"
ضحك أدهم بـ هستيريا، وشد فرحة من شعرها بقسوة جعلتها تصرخ وتنظر نحو قاسم بـ عيون ملأها الرجاء القديم:
ـ "حقك عليا يا قاسم!! أنا انغدر بيا كيفك! مرت عمك وأبوك هما اللي عملوا كدة!"
لم يتحرك قاسم، ولم تنزاح عيناه الصقريتان عن أدهم، بينما صرخ أدهم بـ غل:
ـ "مش عأسيبها يا سلطان الجبل!! إنت أخدت كل حاجة.. أخدت الأرض، وأخدت السرايا، ودلوقت جايب البديلة معاك عشان تاخد نجع الراوي كله! أنا خسرت كل رجالي، بس مش عأطلع من المولد بلا حمص.. فرحة كانت خطيبتك وعشقك القديم، والنهاردة عأدبحها قدام عينك وعين مرتك عشان تعيش عمرك كله بـ قلب محروق!"
في تلك اللحظة، نظرت فرحة نحو ليلى، وتلاقت أعين التوأمين لأول مرة منذ سنين. بكت فرحة بـ قهر وقالت بـ صوت متحشرج:
ـ "سامحيني يا ليلى.. أنا اللي كنت السبب في كل الوجع ده.. مكنتش أعرف إن مرت عمي عتحيك المؤامرة دي كلها من ورايا.. أنا ماحبيتش أدهم واصل! هو اللي خطفني بـ مساعدتهم!"
وقعت الكلمات كـ الصاعقة على الساحة، لكن قاسم لم يلتفت لـ فرحة. تقدم خطوة نحو أدهم، وبـ نبرة هادئة، باردة كـ الموت، قال وعيونه تلمع بـ غيرة "هادية".. غيرة السلطان الذي حسم أمره، ولم يعد قلبه يلتفت للماضي:
ـ "فرحة.. إنتي حقك عيرجع، والكلب اللي اسمه أدهم عيتعلق على باب النجع الليلة بـ يدي. بس خابرة يا بنت عمي؟ الوردة اللي كانت في قلبي ليكي.. دبلت من يوم ما شميت ريحة الغدر في حكايتك. الجبل مابينحنيش مرتين.. والنهاردة، أنا قلبي مابقاش ملكي واصل!"
التفت قاسم بـ جسده كله ونظر إلى ليلى التي كانت تقف وراءه بـ ثبات. نظرة عينه كانت عتقول "إنتي وبس". تقدم نحو ليلى، وأمسك يدها اليمين، وطبع عليها قبلة حارة أمام أمه، وأمام أدهم، وأمام النجع كله، وقال بـ تحدي لـ الدنيا بحالها:
ـ "ليلى هي 'سلطانة الجبل'.. وهي اللي صانتني وهي مابتعرفنيش! ليلى اللي رمت نفسها قدام الرصاصة في السرايا عشان تحميني، هي اللي عتكمل معايا المشوار.. وإنتي يا فرحة عترجعي دار أبو المجد معززة مكرمة، بس مكانك في قلبي خلاص.. مات!"
صرخ أدهم بـ جنون وهو يرفع سكينه نحو رقبة فرحة:
ـ "يعني بايعها يا سلطان؟! بايع عشقك القديم عشان خاطر البديلة؟! إذن تموت هي الأول!!"
وقبل أن يتحرك نصل السكين إنشاً واحداً، انطلقت رصاصة غادرة من خلف أدهم.. رصاصة دقيقة استقرت في منتصف جبهته تماماً! اتسعت عينا أدهم بـ ذهول مطلق، وسقط جسده جثة هامدة على تراب الساحة، لـ تفلت فرحة من بين يديه وتسرع نحو حضن ليلى وهي تبكي بـ هستيريا وقهر.
التفت قاسم بـ سرعة نحو مصدر الرصاصة، ليجد رجاله قد اقتحموا الأسطح وقضوا على بقايا رجال أدهم بـ لمح البصر. التفت قاسم نحو ليلى وفرحة اللتين كانتا تحتضنان بعضهما على الأرض، وتقدم منهما بـ خطوات وئيدة. انحنى وسحب ليلى لـ حضنه بـ رفق وهو عيهمس لها وعيونه تفيض بـ تملك رهيب:
ـ "كفاية بكا يا وردتي.. الجبل رجع له نوره، والتار والدم خلصوا النهار ده واصل."
نظرت ليلى في عينيه وهي تتنفس بـ صعوبة من هول الصدمة، لكن الفرحة ولدت في قلبها أخيراً؛ فـ السلطان لم يعد يرى فيها "البديلة"، بل أصبحت هي العشق الحقيقي الذي تربع على عرش الجبل.
ولكن.. بينما كان النجع يستعد لـ تنظيف ساحته، ركض أحد الحراس من المندرة الداخلية لـ دار أبو المجد، وهو يحمل صندوقاً حديدياً صغيراً، مطعماً بـ الرصاص، صرخ بـ فزع:
ـ "يا سلطان الجبل!! يا ست ليلى!! لقيت الصندوق ده تحت سرير الحاج عثمان.. وفيه أوراق عتقول إن تجارة السلاح لسه ليها 'كبير' تاني عايش وسط النجع ومحدش خابر عنه واصل!!"
تصلبت ملامح قاسم فوراً، واشتعلت النار في عينيه من جديد، لـ يعلم الجميع أن الفخ الكبير لم ينتهِ، بل إن خيوطاً جديدة وأعنف بدأت تتشابك في خفاء الصعيد!
تلاقت فيالق العتمة الماورائية ببارود الرجال عند عتبات "سرايا آل الراوي" الشامخة، لتتحول الساحات الفسيحة والممرات الرخامية العتيقة في غضون ثوانٍ معدودات إلى مرجلٍ لاهثٍ يقذف بالحمم والدم المحرّم. كان الضباب الأزرق الفسفوري الكثيف يغلي كالبحر الهائج، وتقاذفته لفحات الصقيع الشاتي القاسية التي زادت الأجواء برودةً لا ترحم، بينما كانت الجدران الحجرية العتيقة تنقبض وتنبض بنقوشها الفرعونية المشعة، كأنها حصنٌ يتمزق بين تاريخه الملعون وبين جبروت سلالة العرين التي رفضت الانحناء لغير خالقها.في قلب هذه الملحمة العاصفة، كان سلطان الجبل قاسم الراوي يقف ببنيته الفولاذية العريضة وطوله الفارع، كالصخرة العتية التي تتكسر عليها أمواج المنون. كان الصراع النفسي يطحن جوفه الصارم؛ فالأرض التي يطأها بجرأة وكبرياء رجل صعيدي ممتلئ بالشهامة تتهادم من تحته، والحيطان التي ورثها عن جده منصور بدأت تتنفس برائحة الملوك السبعة وأنفاس جيوشهم القادمة من أقصى الحدود المترامية للجبل الغربي. لكن جمر الغضب المكتوم في عينيه الذئبيتين الحادتين لم يكن وليد الخوف، بل كان وقوداً لشغف تملكي شرس لا يرحم؛ شغفٌ بحماية سلطانة كو
زلزلت النبوءة الصاعقة أركان الوعي، فمادت الأرض تحت الأقدام الفولاذية لـ "سرايا آل الراوي"، وتحوّل ذلك الحصن المنيع الممتد عبر العصور إلى فخّ ماورائيّ لاهث، يبتلع خلف أبوابه الموصدة كبرياء السنين ويقين الرجال. لم يكن الضباب الأزرق الفسفوري الكثيف الذي يلف الممرات الرخامية مجرد طاقة عابرة، بل غدا كائناً حياً ينبض بأنفاس الملوك السبعة، يتغلغل في مسام الجدران الحجرية العتيقة ليعيد صياغة تاريخ النجع بمدادٍ من العتمة والدم المحرّم. تحجّر الحراس الأشداء في الساحات الفسيحة كأشجارٍ ميتة لوّثها الخوف، واستحالت زغاريد نسوة النجع التي ظلّت تتردد لساعات طوال إلى أصداء جنائزية مرعبة، تطحن القلوب وتعلن بطلان الأمان العائد.عند عتبة المندرة الكبرى، حيث كانت الشموع النحاسية الكبيرة ترتعش بلهيبٍ باهت تقاذفته عواصف الغيب، كان سلطان الجبل قاسم الراوي يقف بطوله الفارع وبنيته الفولاذية العريضة في مواجهة الكيان العملاق. كان الصراع النفسي يمزق جوفه برغبة تملكية شرسة وعاطفة جياشة جرت في عروقه كالحمم البركانية التي تهد الجبال؛ لأول مرة في تاريخه الحافل بالمعارك والكمائن الدولية على تخوم الجبل الشرقي، يشع
تجمّدت الأنفاس في الصدور الواجفة كأنها شظايا من صقيع كانون، واستحالت الساحات الفسيحة لـ "سرايا آل الراوي"—التي طالما كانت رمزاً للعز الصعيدي والمنعة والسطوة—إلى مسرحٍ لاهث لملحمةٍ ماورائية حابسة للأنفاس أطاحت بكل الثوابت والتحصينات في كسر من الثانية. كان الضباب الأزرق الفسفوري الكثيف يلتف حول الأعمدة الرخامية الشامخة والدروب الحجرية كأفعى لزجة انبعثت من جوف الجبل الغربي المنسي، لتبث سموم العتمة في عروق الحراس الأشداء؛ الذين وقفوا شاخصين كالتماثيل الحجرية المتحجرة، وعيونهم تقدح بذات البريق الشيطاني البارد الذي أعلن بطلان النصر المؤقت وسقوط الأمان العائد.عند عتبة السرداب السري المؤدي إلى الممرات العلوية الشاسعة، كان سلطان الجبل قاسم الراوي يقف بجسده الفولاذي وبنيته الطاغية العريضة كالجبل الأشم الذي تضربه العواصف فلا ينحني. كان الصراع النفسي يمزق أحشاءه برغبة تملكية شرسة ولوعة دفينة تكاد تصهر الحديد في صدره؛ لم يعد العدو أفاعي دولية أو مكائد من البندر يمكن تصفيتها بالبارود والدم، بل كان ينظر إلى تاريخ عائلته وعرينه وهو يُستباح في عقر داره. في يده اليسرى، كان يضم طفله وولي عهده "من
مادت الأرض تحت الأقدام الفولاذية، واستحالت القاعة الصخرية العتيقة لباطن الجبل الغربي إلى مرجلٍ يغلي ببارود الرجال وسحر العتمة الماورائي المحرم. كانت الصرخة التي انطلقت من جوف ليلى تمزق سكون الهاوية كشفرة نصلٍ حامٍ، صرخةٌ لم تكن وليدة الرعب البشري العابر، بل كانت زلزالاً هز أركان وجدانها وهي ترى زوجها وسلطان قلبها، قاسم الراوي، يغوص بجسده الفولاذي الطاغي في تلك الفجوة السحيقة التي انشقت بغتة، ممسكاً بمعصمه ذلك الكيان الصخري الأسود المقصب بالنقوش الفرعونية القديمة، والذي كان يجذبه نحو القاع المجهول بعنفوانٍ لا يرحم كبرياء الأسد الجريح.لم تكن خطوط البارود التي أطلقها سليم ورجال النجع الأشداء من مدافعهم الرشاشة قادرة على اختراق ذلك السور المغناطيسي الأزرق الفسفوري الذي عاد ليتشكل حول الفجوة؛ كانت الشظايا الحجرية تتطاير كالمطر الفضي، والدخان الأبيض الكثيف ينفث في الأجواء ليمتزج برائحة الكبريت العتيق وبخور العود الذي كان عالقاً بثياب ليلى الغجرية المنسدلة في كبرياء. كان الصراع النفسي في تلك الأجزاء من الثانية يطحن القلوب طحناً؛ فقاسم، وهو يتأرجح بين باطن الأرض وظاهرها، كان عقله الصار
ارتجت أركان الهاوية الصخرية تحت وطأة الطلقة الفضية الجريئة، وامتزج دوي البارود الصعيدي الحامي بصرخات مكتومة، متهدجة ومرعبة، انطلقت من جوف الظلال السبعة التي تراجعت خطوتين إلى الوراء كأفاعٍ مباغتة أصابها السّم في مقتل. تحول الوميض الأزرق الفسفوري الذي كان يملأ الفضاء بحبس الأنفاس إلى شظايا ضوئية متناثرة تعكس الرعب الماورائي البارد على الجدران الحجرية العتيقة لباطن الجبل الغربي. كان الموقف قد تخطى حدود العقل الإنساني ليدخل في كسر من الثانية إلى عالم الملاحم الأزلية؛ حيث لا بقاء إلا لمن امتلك عقيدة صلبة وعشقاً جارفاً يهد الجبال ويصهر الحديد.في تلك اللحظة القاتلة الممتلئة بالصدمة والذهول الصاعق، لم يكن قاسم الراوي ينظر إلى الظلال المتهاوية بفعل طلقة الغدر، بل كان يلتفت بكامل جسده الفولاذي وبنيته الطاغية العريضة نحو مدخل السرداب المظلم. جحظت عيناه الذئبيتان الحادتان اللتان جابهتا الموت في كمائن الجبل الشرقي وتحدتا غدر الأفاعي الدولية، واحتَقن وجهه الأسمر الشامخ بمزيج معقد، عنيف وحارق من الشغف الجنوني والوجع النفسي الدفين. تيبست أصابعه فوق مقبض سلاحه الآلي وهو يرى سلطانة قلبه، وترياق
غاصت السرايا العتيقة لآل الراوي في لجة من جحيم صامت، جحيم لا تلتهم نيرانه الأجساد، بل تقتات على بقايا الروح واليقين. انقشع الأثر الماورائي للظلال السبعة، لكنه ترك خلفه عتمة داكنة ثقيلة، هبطت على أرجاء الجناح الملكي كوشاح من الرصاص. تلاشت أنوار الشموع الزرقاء لتترك الغرفة غارقة في رماد الرعب، ولم يعد يكسر جمود هذه العتمة الشاتية القاسية سوى صوت أنفاس ليلى المتحشرجة، المتقطعة كنزع أخير، بعد أن تحررت يد الغيب عن جسدها الرقيق وتركتها تسقط فوق الفراش الملكي الوثير كعصفور بلله المطر وعصف به الإعصار.تحرك قاسم الراوي داخل الجناح كالنمر الجريح الذي سُلبت منه أعز فرائسه. كان جسده الفولاذي وبنيته الطاغية يرتجفان ليس من الصقيع، بل من فوران الدم في عروقه برغبة تملكية شرسة وعاطفة جياشة تحولت بغتة إلى لوعة حارقة تفتت الصخر. الصراع النفسي الذي كان يمور في صدره بلغ ذروة لم يبلغها من قبل طوال تاريخه الحافل بالمعارك؛ هو سلطان الجبل، الرجل الذي لم تنحنِ قامته أمام كبار البندر ولم تهتز هيبته برصاص الكمائن الدولية، يقف الآن عاجزاً، ينظر إلى السرير الخشبي الفارغ الذي كان منذ قليل يضم ولي عهده ونسله ا
لم يكن الفجر الذي بزغ فوق قمم الجبل الشرقي فجراً عادياً يحمل تباشير الطمأنينة لأهل نجع الراوي؛ بل كان فجراً رمادياً تشبعت سماؤه بخيوط داكنة من أثر حريق السرايا القديمة الذي ظل يتصاعد منه الدخان كأنه أنفاس وحش يحتضر في جوف الصخور. نسيم الصباح البارد كان يلفح الوجوه، ممزوجاً برائحة احتراق أخشاب الأبن
الدويّ الذي زلزل أركان الجبل الشرقي لم يكن مجرد صوت عابر؛ بل كان زئيراً للأرض انشق من جوفها لهب أحمر لعق عنان السماء، ليتفتت بناء السرايا القديمة العتيق في ثوانٍ معدودة. انهار السقف الخرساني، وتطايرت الصخور الحجرية كقذائف مشتعلة في كل اتجاه، لتغرق الباحة بأكملها في غيمة كاحلة من الرماد الأسود وال
الدخان الأسود الكثيف لم يكن مجرد غاز يخنق الأنفاس، بل كان كائناً غاشماً تمدد في أركان المندرة القديمة، ليمتص ما تبقى من ضوء كشافات الحراس، ويترك المكان لوميض النيران البرتقالية التي اندلعت من جوف السرداب السفلي. تداخلت أصوات الانفجارات المتتالية مع زئير الرصاص الآلي، ليتحول البناء المهجور في ثوان
توقفت حوافر الجواد الأسود بعنف عند بوابة السرايا الخارجية، ليثير الغبار حول الأقدام كأنه بقايا العاصفة التي لم تنتهِ بعد. قاسم كان ما يزال ممسكاً بخصر "ليلى" بيدٍ حديدية، جسده الضخم يحيط بها كدرع من صخر، وأنفاسه المتلاحقة الحارة تضرب عنقها، يفوح منه ريح البارود والتبغ والدم الحار النازف من جروحه.







