LOGINتسللت خيوط شمس الصباح الجديد فوق نجع الراوي كأنه ذهبٌ مُسال ينسكب فوق قمم الجبل الشرقي الصارمة، ليمتزج ببقايا غبار المعارك والرماد الراقد في الزوايا. لم يكن صباحاً عادياً، بل كان يحمل رطوبة ثقيلة وأجواءً مشحونة بانتظار شيء خفي لا يراه أحد، لكن الجميع يشعر بوطأته في صدورهم.
في المطبخ السفلي الضخم للسرايا الكبيرة، حيث كانت الجدران الحجرية السميكة تحتفظ ببرودة الليل، كانت الحركة دؤوبة. القدور النحاسية الكبيرة تغلي فوق مواقد الحطب، ورائحة الخبز الصعيدي الساخن والسمن البلدي النقي تملأ الأركان، ممزوجة برائحة القهوة البكر التي تُحضر خصيصاً لجناح السلطان. وسط هذه الحركة، كانت "فرحة" تقف في زاوية معتمة وراء عمود خشبي عتيق.
كانت عيناها الذابلتان محاطتين بهالات سوداء تنبئ عن ليلة لم تذق فيها طعم النوم، وجسدها يرتعد خفية وهي تدس يدها المرتعشة داخل طيات ثوبها الأسود. سحبت زجاجة زجاجية صغيرة، تحتفظ بسائل شفاف لا رائحة له ولا طعم.. السّم البطيء الذي أرسله لها "مروان الراوي" عبر الأفاعي المتسللة. كانت كلمات مروان المسمومة تتردد في عقلها كالفحيح: «ليلى خدعتك وأخذت العرش والعشق.. وبكرة ع تسجلك الأرض باسمها وتعيشي جارية تحت رجليها!».
نظرت فرحة إلى صينية الفطور الفاخرة المخصصة لـ شقيقتها التوأم "ليلى". تقدمت بخطوات بطيئة كالأشباح، وعروق رقبتها بارزة من فرط التوتر. وبأصابع ترتجف، فتحت الزجاجة وسكبت قطرات السم داخل كوب عصير الرمان الطازج المخصص لليلى. امتزج السائل الشفاف باللون القرمزي الداكن لـ يختفي تماماً، وكأن شيئاً لم يكن.
ـ "سامحيني يا ليلى..." همست فرحة بنبرة متهدجة تقطر غلاً وغيرة أنثوية طاحنة أعمت بصيرتها. "إنتي اللي بدأتي.. إنتي اللي أخذتي مكاني وعشقي في الدار دي، وماريدش أشوفك سلطانة فوق راسي واصل!"
أعادت الزجاجة إلى ثوبها بسرعة بمجرد أن اقتربت الخادمة لتأخذ الصينية نحو الجناح العلوي، والتفتت فرحة لتركض نحو غرفتها وتغلق الباب على نفسها، والندم والغل يتصارعان في جوفها كوحوش كاسرة.
في الجناح العلوي، كانت الغرفة الجوانية غارقة في دفءٍ خاص، يفوح منها ريح البخور الجاوي والمسك النقي. ليلى كانت تجلس أمام المرآة الخشبية الكبيرة ذات الإطار المذهب، تمشط شعرها الأسود الطويل الذي كان ينسدل كشلال غسق فوق كتفيها، وثوبها الحريري الأبيض يعكس نقاء بشرتها وجمالها الطاغي الذي تربع على عرش الجبل.
انفتح الباب الحديدي الثقيل، ودخل قاسم الراوي. كان مظهر ضخامته وبنيته العضلية الفارهة كافياً ليملأ الغرفة بـ هيبة طاغية. كان يرتدي جلباباً صعيدياً داكناً يبرز بياض الضمادات الـملفوفة حول كتفه وجبهته، وعمامته الصعيدية مرفوعة بكبرياء يلامس عنان السماء، وعيناه الصقريتان تحولتا إلى جمرتين من العشق والتملك بمجرد أن وقعتا عليها.
تقدم نحوها بخطوات وئيدة، ثقيلة، وصوت حذائه على الرخام كان يبدو لقلب ليلى كـ لحن الأمان. وقف خلفها مباشرة، وحاصر خيالها في المرآة بجسده الضخم. امتدت يداه القويتان لتستقرا على كتفيها بـ رفق حاسم، ونزل برأسه حتى لفحت أنفاسه الحارة عنقها، وهمس بصوته الرخيم العميق:
ـ "صباح الخير يا سلطانة الجبل والقلب واصل.. شايف الورد منور في السرايا النهار ده، وكأن النار اللي حرقتنا بالأمس ولدت فيكي جمال أعير وأقوى."
التفتت ليلى بجسدها كله داخل حصار يديه، ورفعت رأسها لتبادله النظرة بعناد رقيق وعشق جارف يعشقه فيها. وضعت كفيها الصغيرين فوق صدره العريض، وقالت بنبرة تفيض بالرومانسية الحارقة:
ـ "صباح النور يا سلطاني.. الجمال ده ملوش عازة لو ماكنتش عيونك الصقرية هي اللي عتتأمله. إنت زين النهار ده؟ جروحك عتوجعك إياك؟"
تصلبت ملامح قاسم الحادة، واقترب بوجهه أكثر حتى تلاقت نظراتهما الحارة، وقبض على معصم يدها وضغط عليه بـ غيرة تملك شرسة وآمرة:
ـ "جروحي طابت من يوم ما سكنتِ داري وبقيتِ ملكي بعهد الدم يا ليلى! بس خابرة؟ غيرة السلطان النهار ده عتقلي إن الوردة دي مابقاش ينفع تخرج بره الأوضة الجوانية واصل. النجع بره ماليان حراس ورجال، وأنا ماريدش عين إنس ولا جان تلمح طرف ثوبك.. إنتي مِلكي أنا وبس، ومكانك في حضني وتحت حراسة قلبي!"
ابتسمت ليلى بـ رقة ووضعت يدها الأخرى حول عنقه، لتقرب وجهها من وجهه:
ـ "وأنا ماليش مِلك ولا مخرج بره عرينك يا قاسم.. غيرتك على عيني وراسي، وأنا راضية بسجني في حضنك طول ما فيا نَفَس عيتنفس في الدنيا."
أنزل قاسم شفتيه ليطبع قبلة حارة، طويلة وعميقة على شفتيها، قبلة ثبتت تملكه الجنوني لها، وتلاشت معها كل أوجاع الأيام الماضية. في تلك اللحظة، دخلت الخادمة ووضعت صينية الفطور، وبجانبها كوب عصير الرمان المسموم، وخرجت بـ وجل.
امتدت يد ليلى لترفع كوب العصير المسموم وتقدمه نحو شفتيها بـ عفوية. لكن، في ذات الثواني المعدودة، دوت صرخة قوية وحازمة من الباحة الخارجية للسرايا الكبيرة، متبوعة بصوت حوافر خيل وسيارات حراسة غريبة تقتحم البوابة الرئيسية بقوة غاشمة!
سقط الكوب من يد ليلى من فرط المفاجأة، لينسكب العصير المسموم فوق الرخام الأبيض ويتلون كالدماء المهدورة، لينقذها القدر بـ أعجوبة من سمّ شقيقتها دون أن تعلم!
انتفض قاسم كالملسوع، وتغيرت ملامحه الدافئة في ثانية واحدة ليحل محلها قناع من الصخر الصلد وعيون تقطر برغبة عارمة في الفتك والتدمير. سحب سلاحه الآلي الثقيل من حزامه، وعمّره بصوت حديدي مرعب زلزل كيان الغرفة، ونظر إلى ليلى بـ حسم وتملك أعمى:
ـ "اقفلي الباب الحديدي من جوة يا ليلى ومتتحركيش واصل!! فيه كلاب عتنبح بره السرايا، وأنا عأطلع أقطع رقابهم بيدي الليلة!"
ـ "قاسم!! لاء!! خدني معاك ماريدش أسيبك واصل!" صرخت ليلى برعب وعشق وهي تتشبث بـ جلبابه.
دفعها برفق خلف العمود الخشبي الضخم، وخرج كالإعصار الغاضب وأغلق الباب خلفه.
في الباحة الخارجية للسرايا، كان المشهد يوقف الدماء في العروق. ثلاث سيارات تابعة لشرطة المركز والنيابة العامة كانت تقف في منتصف الساحة، ومحاطة بـ عشرات الجنود المسلحين بـ أوامر قضائية. وفي مقدمتهم، كان يقف "مروان الراوي" بـ حلته الفرنجية الرمادية الفاخرة وساعته الذهبية، يقف بمكر وشيطانية بدم بارد، وبجانبه وكيل النيابة الذي يحمل في يده "أمر ضبط وإحضار وبلاغ رسمي".
حراس قاسم الثقات كانوا قد شرعوا أسلحتهم الآلية بـ جنون وصاحوا بصوت زلزل المكان:
ـ "ماريدش حد يخطو خطوة واصل!! دي سرايا سلطان الجبل، واللي عيقرب عيموت بدمه!!"
في تلك اللحظة، خرج قاسم الراوي من باب السرايا الرئيسي. كان منظر ضخامته وجبروته وب صدره المملوء بالضمادات والجروح كافياً لإرعاب الجنود. نزل الدرج الرخامي ببطء، وعيناه الصقريتان ثبتتا على ابن عمه "مروان" بـ غضب صاعق كاد يفجر الصخور.
ـ "مروان واصل؟!" هتف قاسم بصوت جهوري عميق تردد صداه في حضن الجبل الشرقي. "جاي داري وجايب معاك الحكومة يا ولد عمي؟! إيه المهزلة اللي عتحصل في نجع الراوي على الصبح دي؟!"
تقدم مروان بـ خطى ثابثة، وعلى وجهه ابتسامة خبيثة باردة، وقال بنبرة ناعمة كالحرير لكنها قاتلة كالنصل:
ـ "المهزلة دي ع تنتهي النهار ده يا قاسم.. أنا مأجيتش بـ التار ولا بـ البنادق، أنا جيت بـ القانون وأختام الدولة! البلاغ الرسمي ده عيقلي إنك واضع يدك على أرض عيلة 'أبو المجد' بالغصب والتزوير، وإنك خطفت ليلى أبو المجد واتجوزتها 'دية' تحت تهديد السلاح وعمستغلها عشان تسرق ورثها!"
التفت وكيل النيابة وقال بـ حسم:
ـ "قاسم بيه الراوي.. معانا أمر قضائي بـ تفتيش السرايا، والتحقيق معاك في تهمة الإكراه والخطف، واستدعاء الست ليلى أبو المجد لـ سماع أقوالها في النيابة بـ حرية كاملة بعيد عن رجالك!"
اشتعلت النار في عيون قاسم بـ جنون وتحدٍ أعمى؛ غيرة التملك الشرسة والخوف على انتزاع وردته من عرينه جعلته يرفع سلاحه الآلي ويوجهه مباشرة نحو صدر مروان، وزأر بصوت شق عنان السماء:
ـ "ليلى حرم الهواري والراوي بعهد العشق والحق يا مروان!! واللي عيفكر بس يمر قدام خيالها بـ أمر قضائي أو بـ قوة غاشمة، عيكون بيمضي على كفنه بيده الليلة! الأرض داري، والنجع نجعي، ومرتي مش ع تخرج بره أسوار السرايا دي واصل طالما فيا عِرق عينبض!!"
صرخ رجال قاسم وعمروا أسلحتهم، وتأهب الجنود، وكادت الباحة أن تتحول إلى مجزرة دموية طاحنة بين عيلة الراوي والحكومة بسبب ألاعيب الثعلب مروان!
في هذه الأثناء، من أعلى شرفة الغرفة الجوانية، كانت ليلى تتابع المشهد بـ ذعر وعشق لا ينتهي. نظرت إلى قاسم وهو يقف بـ صدره العاري أمام البنادق لحمايتها وحماية تملكه لها، ونظرت إلى مروان الراوي وعقوده الملعونة. علمت ليلى بـ ذكائها وعنادها الصعيدي الأصيل أن قاسم لو ضرب نار على الحكومة، ع ينتهي أمره وعيتحول لـ مطرود وهارب، وأن عرش العشق عيتهدم فوق رؤوسهم بـ سبب الخديعة.
تحركت بـ سرعة وعزيمة لا تلين؛ فتحت الباب الحديدي، ونزلت الدرج العريض بـ خطى ثابثة ومهيبة كـ ملكة توجتها النيران. خرجت إلى الباحة الخارجية بـ ثوبها الأبيض الحريري وشعرها الأسود يطير خلفها كالعاصفة، ووقفت مباشرة بجانب قاسم، ووضعت يدها فوق يده القابضة على السلاح لتخفضه بـ رفق حاسم أذهل الجميع.
التفت قاسم إليها بـ ذهول وجنون:
ـ "دخلتِ ليه يا ليلى؟! ارجعي جوة واصل!!"
لكن ليلى نظرت في عيني وكيل النيابة ومروان بـ كبرياء صعيدي زلزل ثقتهم، وقالت بصوت قوي جهوري ملأ الباحة:
ـ "أنا ليلى عثمان أبو المجد يا مروان بيه.. وأنا مأخطفتش واصل، ولا حد واضع يده على أرضي بالغصب! قاسم الراوي جوزي وسلطان عمري بـ عهد العشق والحق، وأنا اللي قطعت عقود الملكية القديمة بيدي تحت رجله عشان ماليش مِلك ولا ورث في الدنيا دي كلها غير قلب السلطان! البلاغ ده كدب وزور، وأنا مش عأتحرك من دار جوزي واصل!!"
شحب وجه مروان الراوي بالكامل، وتلاشت ابتسامته الخبيثة أمام هذا العناد الأسطوري للبديلة التي حطمت مؤامرته القانونية في ثوانٍ. نظر وكيل النيابة إلى مروان بـ غضب، وقال:
ـ "طالما الزوجة عتنفي الإكراه بـ نفسها، يبقى البلاغ ملوش عازة اهنه.. اتفضلوا معانا بره السرايا واصل!"
تحركت السيارات بـ سرعة لتخرج من الباحة وسط هتافات رجال قاسم، بينما بقي مروان ينظر إلى ليلى بـ غل دفين أقسم فيه أن الحرب لم تنتهِ، بل ع تتحرك بـ طرق أعنف في الخفاء.
التفت قاسم نحو ليلى بمجرد خروجهم. كانت عيناه تشتعلان بـ بركان من العاطفة الجارفة والتملك الجنوني الشرس الذي تخطى كل حدود الكبرياء. وبحركة طاغية ومجنونة أمام الحراس والجميع، سحبها لـ حضنه بـ قوة هائلة كادت تطحن عظام صدرها، ورفعها عن الأرض وهو يدفن وجهه في عنقها ويستنشق ريح عطرها المخملي، وهمس بفحيح حاسم زلزل كيانها:
ـ "إنتي بقيتي سلطانة الجبل والقلب والعمر كله يا ليلى واصل.. النهار ده إنتي حمتي عرش السلطان بـ عنادك وعشقك، ومن ليلتنا دي مفيش قوة فوق الأرض ع تقدر تبعدك عن أحضاني واصل!"
ابتسمت ليلى بـ رقة وعناد، ودفنت رأسها في صدره العريض، وشعرت بـ أنفاسه الحارة تمنحها الحياة من جديد.
ولكن.. بينما كان العاشقان يغرقان في انتصارهما الرومانسي الطاغٍ، كانت "فرحة" تقف وراء زاوية البهو السفلي، وتنظر إلى الأرض بـ رعب وذهول مطلق بعد أن رأت كوب العصير المسموم منسكباً على الرخام وفشلت خطتها. وفجأة، تحركت الخادمة الموالية لـ مروان من خلفها، ووضعت في يدها خنجراً صغيراً مسموماً جديداً، وهمست بـ مكر شيطاني:
ـ "مروان بيه عيقلك.. طالما السّم مأشتغلش، يبقى الدبح ع يكون بكرة في الليل جوة الأوضة الجوانية، واخلصي من أختك عشان تاخدي العرش ليكي واصل!"
تصلبت ملامح فرحة، واشتعلت نار الغل والغيرة في جوفها من جديد، لـ تبدأ خيوط المؤامرة الجديدة في التحرك..
انطلقت ليلى وسليم في الممر الضيق الذي يعقب مركز الوادي، وكانت شظايا الزجاج المحطم تحت أقدامهما تعزف إيقاعاً مرعباً يتماشى مع دقات قلبيهما. لم تكن جدران الكهف مستقرة، بل كانت المرايا المتبقية على الجوانب تهتز وتتموج كأنها مياه راكدة ألُقيت فيها أحجار ثقيلة. كانت طاقة المكان تتصاعد، محملة بأصداء المؤامرات التي تحاك في عتمة السرايا، وبتلك الأنفاس الخبيثة للمحامي وجابر اللذين يظنان أن العرين بات مستباحاً.وفيما كانت ليلى تتقدم بخطى ثابتة، مدفوعة بذاك العشق الجارف وقوة الشوك التي ولدت في قلبها، لاحظ سليم أن الضباب الرمادي بدأ يتكثف حول قدميه بشكل مريب. كان يحاول أن يكون درعاً لحمايتها، ويراقب الثغرات الأمنية بعين الضابط المحنك، لكن الجبل كان يملك قوانين أخرى لا تعترف بالخطط العسكرية ولا بالتدريب المخابراتي. فجأة، التمعت مرآة ضخمة ذات إطار صخري أسود على يمين سليم، وانبثق منها ضوء أحمر قاني كدمٍ طازج.تصلب جسد سليم في مكانه، وسقط سلاحه الآلي من يده ليرتطم بالأرض الصخرية محدثاً دويّاً حاداً. اتسعت عيناه بذهول، وتحولت نظراته الصقرية إلى نظرات تائهة مستسلمة، فقد وقع في "فخ المرايا" ال
كان "وادي المرايا" يمتد أمام ليلى كمتاهةٍ من الزجاجِ المسحور، حيثُ لا صخور ولا رمال، بل جدرانٌ شاهقةٌ من المرايا الصقيلة التي تعكسُ ليس فقط الجسد، بل خبايا الروح وأصداءَ المستقبل. عندما خطت ليلى أول خطوةٍ داخل هذا الوادي، شعرت بأنفاسِها تتجمد، فالمرايا لم تكن عادية؛ بل كانت تتراقصُ فيها صورها، صورٌ لليلى التي قد تكون، وليلى التي كانت، وليلى التي يخشى قاسم أن يراها.وقفت ليلى في المركز، وسط دائرةٍ من المرايا العملاقة. في المرآة الأولى، رأت نفسها منحنية الظهر، ثوبها الصعيدي ممزق، عيناها غارقتان في دموعِ ذلٍّ لا ينتهي، وكأنها ليلى التي استسلمت لمؤامراتِ السيوفي، ليلى التي قبلت أن تعيشَ في الظل، خاضعةً لمن يملكون القوة، ترتجفُ من أدنى تهديد. في المرآة الثانية، رأت نفسها بملابسَ غريبةٍ فاخرة، تضحكُ بشماتةٍ وهي تسلمُ خنجرَ قاسم للمحامي الخائن، وجهها يقطرُ غدراً، وهي تبيعُ النجعَ مقابلَ وعودٍ بالذهب؛ كانت تلك ليلى التي أكلها الطمع، ليلى التي باعت العهدَ بـ "حفنةٍ من وعودٍ كاذبة". أما في المرآة الثالثة، فكانت ليلى تظهرُ بعباءتها السوداء المطرزة، واقفةً بـ شموخٍ يزلزلُ الجبال، عيناها تحم
كانت الساعة قد تجاوزت منتصف الليل، حين انسلت "الحاجة نبيلة" من الظلال لتستقر في وسط الديوان، حيث كان المحامي وجابر لا يزالان يتبادلان الهمسات الخبيثة فوق أوراقهما. لم تكن نبيلة مجرد امرأةٍ مسنة، بل كانت هيبةً تمشي على الأرض، بملامحها التي نحتت فيها السنون قوة لا تقهر، وعباءتها السوداء التي تفيض برائحة العتق والهيبة. وبمجرد ظهورها، تجمد المحامي في مكانه، وحاول جابر أن يخفي الأوراق تحت المقعد، لكن نظرة نبيلة كانت أسرع وأنفذ.اتسعت عينا المحامي بذهول، ثم حاول استجماع أطراف شجاعته المصطنعة، وقال بنبرةٍ شابها الاضطراب: "يا حاجة نبيلة.. إيه اللي جابك في وقت زي ده؟ احنا كنا بنخلص شوية أوراق تخص ملكية السرايا..".لم تلتفت له نبيلة، بل سارت ببطءٍ مهيب نحو طاولة القهوة، ووضعت يدها على "الخريطة" التي كانت ملقاةً على الطاولة. قالت نبيلة بصوتٍ هادئ كهدوءِ ما قبل العاصفة: "أوراق إيه يا ابن الأصول؟ إحنا خابرين زين اللي بيحصل، وخابرين إن اللي يمد إيده على أمانة الراوي، إيده بتنقطع. أنا سمعتكم.. سمعت كل كلمة، وعارفة إنكم بتدوروا على ليلى عشان تخلصوا منها وتبيعوا اللي وراكم واللي قدامكم."
لم تكن القاعة مجرد حيزٍ مكاني، بل كانت تجسيداً لسطوةٍ أزلية، حيث استقر "الصولجان" في يد قاسم، ثقيلاً ببريقِ السلطة المطلقة التي تمنح صاحبها مفاتيح الكون. كان الصولجان مصنوعاً من معدنٍ لا تعرفه الطبيعة، ينبض بذبذباتٍ تجعل الجبال تهتز وتتوقف عقارب الزمان. وفي تلك اللحظة، كان الحكماء يحيطون به، عيونهم تترقبه، ينتظرون منه أن ينحني، أن يعلن خضوعه لهذا النفوذ الكوني الذي سيهبه ملكاً لا يزول، ولا يطاله غدرُ الغادرين ولا كيدُ الكائدين في نجع الراوي.نظر قاسم إلى الصولجان، كان يشعر بنبضِ القوة يسري في عروقه، يغويه بأن ينسى ليلى، وينسى النجع، وينسى دماء أجداده التي تطلب منه المواجهة، ليصبح كياناً متسامياً فوق البشر. لكن في تلك اللحظة، وبينما كان الحكماء يتهامسون بكلماتِ القبول، صعدت إلى أنفِ قاسم رائحةُ "التراب" بعد المطر، رائحةُ الأرض الصعيدية الحرة، وتذكر كيف كان يغرسُ قدميه في طينِ النجع، وكيف كان يذودُ عن كل حبة رملٍ بدمائهِ لا بسحرِ الغرباء.ـ "سلطة إيه اللي بتكلموني عنها؟" زأر قاسم بصوتٍ جعلَ الصوان الأسود يتصدع تحت أقدامه. "عاوزيني أشتري ملكي في الدنيا بـ طعمي لـ عهدي مع ليلى؟
بعد أن تجاوزا كهوف التاريخ، انفتح أمام ليلى وسليم ممرٌّ طبيعيٌ شاهقٌ يُعرف في أساطير الجبل بـ "وادي الصمت". لم يكن مجرد مكانٍ خالٍ من الضجيج، بل كان فراغاً مشحوناً بطاقةٍ غامضة، وكأن الهواء فيه كُثف ليصبح وسطاً ناقلاً للمشاعر لا للأصوات. بمجرد أن وطئت أقدامهما رماله الفضية، تلاشى هدير الرياح، وخمدت أنفاسهما القلقة، وكأن الوادي يمتص القدرة على النطق كما يمتص الغسقُ النورَ الأخير. كان الصمتُ هناك ثقيلاً، يضغط على طبلة الأذن ويثقل كاهل الروح، جاعلاً من أبسط حركةٍ تبدو وكأنها صرخةٌ مدوية.سار سليم في المقدمة، يده على خنجره، عيناه تجولان في الأفق بحذرٍ عسكريّ، بينما كانت ليلى تتبعه، تحاول بكل قوتها أن تضبط إيقاع أنفاسها. كان الصمت يضغط على أعصابهما لدرجة أن سليم أصبح يسمع دقات قلبه، وكان يشعر وكأن أفكارهما المتوترة تتصادم في الهواء كشراراتٍ مجهرية. لم يكن بوسعهما التحدث لكسر هذا الحصار الخانق، ففي "وادي الصمت"، يُقال إن أي كلمةٍ تنطقها قد تكون الأخيرة، لأنها تفتح ثغرةً في أمان المكان وتجذب الكيانات التي تعيش في طيات السكون.فجأة، وبدلاً من الحجارة الصماء، بدأت ليلى ترى شيئاً يلمع
استفاق "قاسم الراوي" من غيبوبته الزمنية ليجد نفسه في فضاءٍ لا يحده بصر، فضاءٍ يمتزج فيه ضبابُ الأزل ببريقِ الحاضر. كان المكان عبارة عن قاعةٍ رحبةٍ جدرانها من صوانٍ أسود صُقلَ عبر دهورٍ من العزلة، وفي صدرِ القاعة، على مقاعدَ منحوتة من جذوع شجرِ جميزٍ عتيق، جلس سبعةُ رجالٍ يرتدون جلاليبَ صعيديةً من الكتان الخشن، مطرزة بخيوطٍ تبدو وكأنها ضوءُ النجوم، وجوههم محفورةٌ بتضاريس الجبل، ولحاهم البيضاء تنسدل كأنها شلالاتُ حكمةٍ لا تنضب. هؤلاء كانوا "حكماء العهد"، حراس أسرار الراوي الذين لا تدركهم العين البشرية إلا في لحظاتِ الحسم.وقف قاسم بوسط القاعة، جسده العاري إلا من آثارِ معارك الجبل، عضلاته المشدودة تنبض بقوةٍ لا تعرف الوهن. لم يكن خائفاً، بل كان واقِفاً وقفةَ الجبلِ الذي لا تهزه ريح. تقدم أكبر الحكماء سناً، وكان صوته أشبه بوقعِ الخطواتِ على أرضِ مغارةٍ سحيقة: "يا ولد الراوي.. يا مَن حملتَ العهدَ وكسرتَ القيد، لقد أتينا بك لتمتحن. النجعُ يا قاسم أمانة، والوردةُ اللي عشقتها هي قيدُك في دنيا البشر.. فإذا أردتَ النجاةَ والعودةَ للعرين، فعليك أن تختار. هل تضحي بالنجع، بدم أهلك، وبأرض أجد







