Mag-log inكان الصباح قد دخل المنزل منذ ساعات، لكن الهدوء بقي يملأ المكان كأن الجميع اتفقوا دون كلام على ألا يوقظوا شيئًا من تعب الليلة الماضية.
كانت أشعة الشمس تتسلل من بين الستائر الثقيلة في غرفة ليان، ترسم خطوطًا ذهبية باهتة على الأرض، وتتحرك ببطء مع مرور الوقت. بقيت ليان نائمة، متكوّرة قليلًا تحت الغطاء، بينما كان وجهها مسترخيًا في الظاهر، إلا أن التعب كان واضحًا حتى وهي غارقة في النوم. لم يكن نومها عميقًا تمامًا. كانت تستيقظ للحظات ثم تعود إلى النوم، تسمع صوتًا بعيدًا في المنزل، أو تشعر بحركة في الممر، ثم تغلق عينيها من جديد. وعندما استيقظت أخيرًا، لم تفتح عينيها مباشرة. بقيت ساكنة لثوانٍ، تحدق خلف جفنيها في الفراغ، قبل أن تتذكر أين هي. فتحت عينيها ببطء. كان أول ما شعرت به هو ثقل رأسها. ثم العطش. ثم ذلك القلق الذي عاد إليها قبل أن تستعيد حتى تفاصيل اليوم. تنفست بعمق، ومدت يدها نحو الهاتف الموضوع بجانب الوسادة. أضاءت الشاشة، فرأت الوقت. العاشرة وخمس دقائق. اتسعت عيناها قليلًا. "العاشرة؟" قالتها لنفسها بصوت خافت، ثم جلست على السرير بسرعة أكبر مما ينبغي، قبل أن تشعر بدوار بسيط جعلها تتوقف. وضعت يدها على جبينها. كانت ملامحها شاحبة، والهالات السوداء تحت عينيها أعمق مما كانت عليه قبل أيام، وعيناها حمراوان من كثرة السهر والبكاء. بدا وجهها وكأنه لم يحصل على الراحة التي حصل عليها جسدها. نظرت إلى نفسها للحظات. ثم تمتمت في داخلها: لقد نمت كل هذا الوقت، ومع ذلك ما زلت أشعر وكأنني لم أنم. وضعت الهاتف جانبًا، وسحبت الغطاء عنها. جلست على حافة السرير، مررت أصابعها في شعرها المبعثر، ثم وقفت. خطت نحو الحمام ببطء، وأغلقت الباب خلفها. وقفت أمام المرآة. لم تحب ما رأته. كانت هناك امرأة متعبة تنظر إليها، امرأة حاولت خلال الأيام الماضية أن تبدو قوية أكثر مما تستطيع. فتحت الصنبور، وغسلت وجهها بالماء البارد، ثم رفعت رأسها مجددًا. "يجب أن أبدو طبيعية." قالتها وكأنها تذكر نفسها بواجب. لكنها سرعان ما ضحكت بسخرية خفيفة. طبيعية أمام من؟ لم يكن هناك أحد يطلب منها ذلك. ومع ذلك، كانت معتادة على إخفاء تعبها. خلعت ملابس النوم ودخلت تحت الماء. كان الدش الدافئ أكثر راحة مما توقعت. انساب الماء فوق رأسها وكتفيها، ومع مرور الدقائق بدأت عضلات جسدها تسترخي شيئًا فشيئًا. أغمضت عينيها. للحظات لم تفكر في الديون. ولا في عائلتها. ولا في الحسابات. ولا في الأسئلة التي تنتظرها. فقط وقفت تحت الماء. لكن الشعور بالوحدة عاد إليها من مكان لم تستطع تحديده. كان غريبًا أن يكون آدم في المنزل، وأن تكون ليلي قريبة منها، ومع ذلك تشعر بأنها تحمل شيئًا لا يستطيع أحد الوصول إليه. لم تكن الوحدة عندها تعني غياب الناس. كانت تعني ألا تعرف كيف تخبر أحدًا بما يحدث داخلك. خفضت رأسها قليلًا. أنا متعبة. كانت الجملة بسيطة. لكن الاعتراف بها بدا أصعب مما توقعت. أنا خائفة. كانت أصعب. ولا أعرف إلى متى أستطيع الاستمرار بهذه الطريقة. أغلقت عينيها بقوة، ثم رفعت وجهها نحو الماء. بعد دقائق أغلقت الدش، وجففت جسدها وشعرها، ثم عادت إلى غرفتها. فتحت الخزانة. كانت أمامها ملابس بألوان مختلفة؛ قمصان فاتحة، فساتين بألوان دافئة، وسترات جميلة كانت تحب ارتداءها سابقًا. لكنها لم تشعر برغبة في أي منها. لا أريد شيئًا ملونًا اليوم. مدت يدها نحو ملابس رمادية. ارتدت بنطالًا رماديًا مريحًا وقميصًا رماديًا بسيطًا، ثم أخذت منشفة صغيرة وبدأت تمسح شعرها حتى أصبح رطبًا فقط بدلًا من أن يقطر بالماء. وقفت أمام المرآة مرة أخرى. رمادي. حتى ملابسها بدت وكأنها تشبه حالتها. شعرت للحظة وكأن الألوان التي كانت تملأ حياتها انسحبت منها بهدوء، وتركت وراءها امرأة لا تريد سوى أن يمر اليوم دون أن يطلب منها أحد شيئًا. في الجهة الأخرى من المنزل، كان آدم قد استيقظ قبلها بوقت طويل. استحم وبدّل ملابسه، ثم خرج من غرفته وهو يرتدي ملابس منزلية سوداء بسيطة؛ بنطالًا قطنيًا وقميصًا أسود. كان شعره لا يزال رطبًا بعد الاستحمام، فوقف عند باب غرفته لحظة، وأخذ المنشفة التي وضعها على كتفه، وبدأ يمسح شعره بها ببطء. كان أكثر هدوءًا من ليان بكثير. لكنه لم يكن غافلًا عن حالتها. نظر إلى الممر. ثم إلى الساعة. العاشرة والربع تقريبًا. لقد تركتها تنام أكثر مما ينبغي. لم يكن نادمًا. بل كان يعتقد أنها كانت تحتاج إلى ذلك. لكن النوم وحده لم يكن كافيًا. كانت تحتاج إلى الطعام أيضًا. خرج آدم نحو غرفة الطعام، فوجد ليلي منشغلة بترتيب الفطور. كانت تتحرك بين المطبخ والطاولة ذهابًا وإيابًا، تحمل طبقًا وتضع آخر، ثم تعود إلى المطبخ لتحضر شيئًا نسيته. لم تكن تعد فطورًا شرقيًا ثقيلًا، بل وجبة صباحية بسيطة على الطريقة الغربية. وضعت البيض المخفوق في طبق كبير، وإلى جانبه شرائح من الجبن، وسلة خبز طازج، وبعض الزبدة والمربى، وقطعًا قليلة من الفاكهة. وضعت أيضًا إبريقًا صغيرًا من الحليب، وأعدت القهوة لآدم، بينما وضعت كوبًا من الحليب الدافئ لليان. توقف آدم عند الباب يراقبها. قال: "هل استيقظت؟" أجابته ليلي وهي ترتب الملاعق: "لا، على الأقل لم أسمعها." نظر إلى الساعة وقال: "كانت تحتاج إلى النوم." التفتت إليه ليلي وقالت: "أعرف، ولهذا لم أوقظها في الثامنة." ابتسم آدم وقال: "وأصبحت العاشرة." قالت ليلي: "وأنا أعرف ذلك أيضًا." ضحك آدم قليلًا. ثم نظر إلى الطاولة. "هذا كثير على فطور." قالت ليلي: "ليس كثيرًا. بيض، جبن، خبز، فاكهة، حليب وقهوة. أنت فقط معتاد على أن تأكل شيئًا سريعًا." قال آدم: "أنا معتاد على أن تأكل ليان أولًا، وبعدها أفكر في نفسي." نظرت إليه ليلي لحظة، ثم قالت: "إذن اذهب وأيقظها بدل أن تقف هنا وتلقي عليّ محاضرة." رفع آدم حاجبه. "أنا ألقي محاضرة؟" قالت ليلي وهي تبتسم: "أحيانًا." هز رأسه وضحك. "حسنًا، سأترككِ تعملين." أخذ كوب الماء من الطاولة، ثم تحرك نحو الممر. لكنه لم يصل إلى غرفة ليان. فُتح الباب. خرجت ليان وهي تمسح أطراف شعرها بالمنشفة. توقفت عندما رأته. قال آدم: "صباح الخير." أجابته: "صباح الخير." نظر إليها قليلًا، ثم قال: "كيف تشعرين؟" قالت: "بخير." نظر إلى وجهها. "ليان." تنهدت وقالت: "حسنًا... لست بخير تمامًا." ابتسم آدم. "هذا أقرب إلى الإجابة." قالت وهي تنظر إلى الطاولة: "هل أعددتم الفطور؟" قالت ليلي من بعيد: "منذ وقت طويل، لكنني كنت أنتظركِ." نظرت ليان إليها وقالت: "كان يمكنكِ إيقاظي." قالت ليلي: "كان بإمكاني، لكنني رأيت وجهكِ أمس." ثم أضافت وهي تضع لها الطبق: "وبصراحة، النوم كان أفضل لكِ من الاستيقاظ من أجل العمل." جلست ليان. نظرت إلى البيض والخبز والجبن، ثم قالت: "لم أكن أشعر بالجوع." قال آدم وهو يجلس أمامها: "هذا لا يعني أنكِ لا تحتاجين إلى الطعام." قالت: "أعرف." "إذن كلي." رفعت عينيها إليه وقالت: "أنت تجعل الأمر يبدو سهلًا جدًا." ابتسم آدم وقال: "أنا لم أقل إنه سهل." توقفت ليان. كان صوته هذه المرة مختلفًا. أكثر هدوءًا. قال: "قلت فقط إننا لا نحتاج إلى حل كل شيء ونحن جائعون." نظرت إليه للحظات، ثم أخذت قطعة من الخبز. "هذه أول جملة منطقية تقولها منذ الصباح." رفع آدم حاجبه وقال: "منذ الصباح؟ لقد استيقظتِ قبل عشر دقائق." ضحكت ليان، وابتسمت ليلي من مكانها. قالت ليان: "حسنًا، منذ أن رأيتك." قال آدم: "هذا أفضل." بدأت تأكل ببطء. أخذت قليلًا من البيض، ثم قطعة من الجبن، وشربت بعض الحليب. ومع أول لقيمات، أدركت أنها كانت جائعة فعلًا، لكنها لم تكن قد شعرت بالجوع وسط كل الأفكار التي كانت تملأ رأسها. راقبها آدم دون أن يعلق. ثم أخذ قهوته. قالت ليان وهي تنظر إلى الكوب: "قهوة؟" قال: "نعم." "ألا تمل منها؟" "ليس اليوم." قالت: "أنت تقول ذلك وكأن القهوة دواء." ابتسم آدم وقال: "أحيانًا تكون كذلك." تدخلت ليلي وهي تضع بعض الفاكهة أمام ليان: "لا تبدأا الحديث عن القهوة الآن. أريدها أن تنهي طبقها أولًا." قالت ليان: "حاضر." ثم نظرت إلى آدم وقالت: "هل لديك عمل اليوم؟" "نعم." "ومتى سنراجع الميزانية؟" نظر آدم إلى الساعة. "بعد الظهر." قطبت ليان حاجبيها. "لماذا بعد الظهر؟" "لأنكِ استيقظتِ متأخرة، ولأنكِ ستذهبين إلى الاستوديو، ولأنني لا أريد أن نجلس فوق الأوراق ونحن مستعجلون." قالت: "لكنني أستطيع أن أفعل ذلك." أجابها: "أعرف أنكِ تستطيعين." ثم أضاف بابتسامة: "المشكلة أنكِ دائمًا تستطيعين، حتى عندما لا ينبغي لكِ أن تفعلي." خفضت ليان عينيها إلى طبقها. كانت تعرف أنه محق. لكنها لم تعترف بذلك. قالت بعد لحظة: "سأذهب إلى الاستوديو بعد قليل." "سأوصلك." رفعت رأسها بسرعة. "لا داعي." "أعرف." "آدم..." "ليان، لا أريد أن أجادلك." سكتت. ثم قالت: "أنا لست عاجزة عن القيادة." قال: "ولم أقل ذلك." "إذن لماذا ستوصلني؟" ابتسم وقال: "لأنني قلق عليكِ، ولأنكِ تبدين متعبة، ولأنني أفضل أن أقود أنا اليوم." نظرت إليه لحظة. ثم قالت: "هذا السبب كله؟" "نعم." "لا يوجد سبب آخر؟" تردد آدم ثانية، ثم قال: "ربما أريد أن أتأكد أنكِ ستصلين إلى هناك دون أن تتوقفي في الطريق لتفكري في مشكلة جديدة." ضحكت ليان. "أنا لا أفعل ذلك." قالت ليلي من المطبخ: "بل تفعلين." التفتت ليان إليها. "حتى أنتِ؟" ضحكت ليلي وقالت: "أنا أعيش معكِ." هزت ليان رأسها، ثم عادت إلى طعامها. بعد أن انتهت من الفطور، بقيت في مكانها دقائق وهي تشرب الحليب ببطء. لم تكن تشعر بأنها أصبحت بخير، لكنها على الأقل لم تعد تشعر بأن جسدها فارغ تمامًا. ثم نهضت. قالت: "سأجهز أغراضي." قال آدم: "خذي وقتك." دخلت غرفتها، وأخذت حقيبتها ووضعت فيها بعض الملفات والأدوات التي تحتاج إليها في الاستوديو. أما آدم، فعاد إلى غرفته للحظات، بدّل ملابسه المنزلية بملابس مناسبة للعمل، ثم وقف أمام المرآة ورتب شعره. أخذ المنشفة التي كانت لا تزال في يده، ومسح بها أطراف شعره مرة أخرى قبل أن يتركها جانبًا. عندما خرج، كانت ليان تنتظره عند المدخل. نظر إليها. الرمادي ما زال يحيط بها. لكن وجهها بدا أكثر هدوءًا قليلًا. قال: "جاهزة؟" أومأت. "نعم." --- لم يناقشا الميزانية قبل الظهر. كان آدم قد تعمد تأجيل الحديث، لأن ليان كانت بحاجة إلى يوم يبدأ بصورة طبيعية قبل أن تعود إلى الأرقام. وبعد الظهر، عندما عادا إلى المنزل لفترة قصيرة، جلسا معًا أمام الملفات. هذه المرة لم تكن ليان وحدها أمامها. كانت الحسابات موزعة بينهما، وكل بند يناقشانه بهدوء؛ ما يجب دفعه، وما يمكن تأجيله، وما يجب التوقف عنه، وما لا ينبغي أن تضع فيه ليان مالًا جديدًا. لم يحاول آدم أن ينتزع القرار من يدها. كان يسألها، يسمع جوابها، ثم يناقشها. وعندما اختلفا، لم يتحول الأمر إلى صراع. كان الهدف واضحًا. أن تبقى ليان قادرة على مساعدة عائلتها دون أن تخسر حياتها معها. وبعد انتهاء الجزء الأول من الميزانية، أغلقت ليان الملف وأسندت ظهرها إلى الكرسي. قالت: "أشعر أن رأسي أصبح أثقل." قال آدم: "هذا لأننا قضينا وقتًا طويلًا." ثم أغلق جهازه وقال: "يكفي لهذا اليوم." نظرت إليه وقالت: "لكننا لم ننتهِ." "ولن ننتهي في جلسة واحدة." تنفست ببطء. ثم قالت: "حسنًا." --- بعد ذلك بقليل، خرج آدم معها من المنزل. كانت الشمس قد بدأت تميل، والمدينة أكثر ازدحامًا من الصباح. حمل آدم مفاتيح السيارة، بينما كانت ليان تسير إلى جانبه وهي تمسك حقيبتها. لم تكن تتحدث كثيرًا. لكنها لم تكن غارقة في صمتها السابق أيضًا. عندما ركبت السيارة، جلست قرب النافذة ونظرت إلى الشوارع. قال آدم وهو يشغل المحرك: "إذا شعرتِ بالتعب في الاستوديو، لا تكملي العمل فقط لأن لديكِ شيئًا يجب إنهاؤه." قالت: "سأحاول." نظر إليها سريعًا. "لا. قولي سأفعل." نظرت إليه وضحكت. "حسنًا، سأفعل." انطلقت السيارة. وبعد فترة وصل بها إلى الاستوديو. أوقف السيارة أمام المدخل، ونظر إليها قبل أن تنزل. قال: "سأذهب إلى العمل الآن." أومأت ليان. "حسنًا." ثم فتحت الباب، لكنها توقفت قبل أن تنزل. قالت: "آدم." "نعم؟" "شكرًا." ابتسم. "على ماذا؟" ترددت قليلًا. "على أنك لم تجعلني أشعر أنني لا أستطيع التعامل مع حياتي." نظر إليها لحظة، ثم قال: "لأنني لا أعتقد أنكِ لا تستطيعين." نزلت ليان وأغلقت الباب. راقبها حتى دخلت الاستوديو. ثم أخرج هاتفه واتصل بماريا، سكرتيرته. عندما أجابت، قال آدم: "ماريا، ليان وصلت إلى الاستوديو." أجابته، فأكمل: "أريد منكِ أن تنتبهي لها اليوم. لا أريد أن تشعريها بأنها تحت المراقبة، فقط تأكدي من أنها لا تضغط على نفسها أكثر من اللازم." استمع إلى ردها. قال: "إذا طلبت منها أن ترتاح، فلا تجعلي الأمر يبدو كأنه أمر مني. قولي لها إن جدولها يسمح بذلك." توقف لحظة، ثم أضاف: "وإذا لم تأكل، ذكريها بالطعام. كانت متعبة هذا الصباح." أنهى المكالمة بعد أن تأكد من أنها فهمت ما يريد. ظل جالسًا داخل السيارة للحظات. نظر إلى مدخل الاستوديو. ثم قال في نفسه: هي لا تحتاج إلى شخص يعيش حياتها بدلًا منها. أدار المحرك من جديد. تحتاج فقط إلى شخص لا يتركها وحدها عندما تصبح الحياة أثقل من قدرتها على الاحتمال. انطلقت السيارة نحو عمله. وفي الداخل، كانت ليان تدخل إلى عالمها الخاص بين اللوحات والألوان، لكن الرمادي الذي ارتدته في الصباح لم يعد يبدو وكأنه فقدان كامل للألوان. ربما كان مجرد يوم تحتاج فيه إلى أن تهدأ. أما الأرقام، فلم تكن قد اختفت. لكنها لم تعد وحدها أمامها.كان الصباح قد دخل المنزل منذ ساعات، لكن الهدوء بقي يملأ المكان كأن الجميع اتفقوا دون كلام على ألا يوقظوا شيئًا من تعب الليلة الماضية.كانت أشعة الشمس تتسلل من بين الستائر الثقيلة في غرفة ليان، ترسم خطوطًا ذهبية باهتة على الأرض، وتتحرك ببطء مع مرور الوقت. بقيت ليان نائمة، متكوّرة قليلًا تحت الغطاء، بينما كان وجهها مسترخيًا في الظاهر، إلا أن التعب كان واضحًا حتى وهي غارقة في النوم.لم يكن نومها عميقًا تمامًا.كانت تستيقظ للحظات ثم تعود إلى النوم، تسمع صوتًا بعيدًا في المنزل، أو تشعر بحركة في الممر، ثم تغلق عينيها من جديد.وعندما استيقظت أخيرًا، لم تفتح عينيها مباشرة.بقيت ساكنة لثوانٍ، تحدق خلف جفنيها في الفراغ، قبل أن تتذكر أين هي.فتحت عينيها ببطء.كان أول ما شعرت به هو ثقل رأسها.ثم العطش.ثم ذلك القلق الذي عاد إليها قبل أن تستعيد حتى تفاصيل اليوم.تنفست بعمق، ومدت يدها نحو الهاتف الموضوع بجانب الوسادة. أضاءت الشاشة، فرأت الوقت.العاشرة وخمس دقائق.اتسعت عيناها قليلًا.
ذهب آدم إلى غرفته بعد أن غادر الجميع، وأغلق الباب خلفه، ثم بقي واقفًا للحظات في الظلام دون أن يتحرك.لم يكن يشعر بالتعب رغم ساعات السهر الطويلة، وكأن جسده يطلب الراحة بينما عقله يرفض أن يمنحه إياها.اتجه أخيرًا إلى السرير، جلس عليه، ثم رفع عينيه نحو النافذة التي كان ضوء القمر يتسلل منها بهدوء.عادت إليه كلمات والده من مكان بعيد في ذاكرته، الكلمات التي لم يفهمها عندما كان شابًا، ثم بدأ يفهمها كلما تقدم في حياته.كان والده يقول إن المال يستطيع أن يشتري تسعة وتسعين شيئًا، لكن هناك شيئًا واحدًا لا يستطيع شراءه، لأن الإنسان لا يدفع ثمنه بالمال وحده، بل بشيء أكبر منه بكثير.ظل آدم ينظر إلى السقف، وفكر في معنى تلك العبارة الآن.المال يستطيع أن يشتري العلاج، والبيوت، والشركات، والحماية، والفرص، وربما يستطيع أن ينقذ عائلة كاملة من الانهيار، لكنه لا يستطيع أن يجعل قلبًا يختارك، ولا يستطيع أن يعيد حلمًا تركته خلفك، ولا يستطيع أن يجعل قرارًا قديمًا يبدو وكأنه لم يحدث.ثم فكر في ليان.كانت مشكلتها مليئة بالأرقام، و
كان آدم لا يزال واقفًا أمام النافذة حين انتهت المكالمة.بقي الهاتف في يده لثوانٍ، وعيناه معلقتان بالمدينة الممتدة خلف الزجاج. كانت أضواء الشوارع تتناثر في البعيد، والسيارات تتحرك ببطء بين المباني، بينما بدا كل شيء هادئًا بصورة تكاد تكون خادعة. كان المنزل نفسه ساكنًا، لكن عقل آدم لم يكن كذلك.أعاد الهاتف إلى جيبه، ثم جلس على الكرسي القريب من النافذة.لم يكن يريد التفكير في الماضي، ولم يكن يريد أن يفتح الأبواب التي أغلقها منذ سنوات، لكنه كان قد اتصل بالمحامي لسبب واضح. أراد أن يعرف حجم أصوله الشخصية التي أخفاها عن عائلته طوال تلك السنوات، بعيدًا عن الحسابات العائلية والممتلكات التي يعرف الجميع عنها.كان يريد جردًا كاملًا.الحسابات القديمة، الاستثمارات، العقارات، حصص الشركات، الأسهم، الحقوق المالية، وكل أصل يملكه وحده ولم يدخل ضمن ثروة العائلة.لم يكن يريد رقمًا تقريبيًا.كان يريد الحقيقة.كم أملك فعلًا؟بقي السؤال يدور في رأسه.كانت الحقيقة أنه لم يكن يعرف.ربما لأنه لم يكن يهت
استيقظت ليان بعد شروق الشمس بقليل، لكن جسدها كان يشعر وكأن الليل لم ينتهِ بعد. بقيت للحظات تحدق في السقف، قبل أن تعود إليها مكالمة سارة بكل تفاصيلها، من ذلك الصمت الطويل إلى الكلمة التي كسرت شيئًا داخلها: أفلسوا. مدت يدها نحو هاتفها، وبقي إصبعها فوق اسم شهد عدة ثوانٍ قبل أن تضغط الاتصال. لم تكن تعرف ماذا ستقول لأختها، ولا كيف يمكنها أن تسأل عن عائلتها بعد ستة أشهر من الغياب وكأن شيئًا لم يحدث. رن الهاتف طويلًا، ثم جاء صوت شهد متعبًا وحادًا في الوقت نفسه: «ليان؟ أين كنتِ طوال هذه المدة؟ نصف عام تقريبًا، ولم نسمع منكِ شيئًا. هل تعرفين كم مرة اتصلت بكِ ثم أغلقت الهاتف لأنني لم أجد الشجاعة لأترك لكِ رسالة؟» أغمضت ليان عينيها، وشعرت بأن حلقها يضيق قبل أن تجيب: «أعرف أنني أخطأت، وأعرف أن اعتذاري لن يغير شيئًا. كنت أظن أن الابتعاد سيجعل الأمور أسهل، ثم مر يوم وراء يوم حتى أصبح الاتصال نفسه يخيفني، لأنني كنت أعرف أنني إذا سمعت أصواتكم فسأضطر إلى مواجهة كل ما هربت منه.» ساد صمت قصير، ثم قالت شهد بصوت أكثر هدوءًا، لكنه كان يحمل عتبًا واضحًا: «نحن لم نكن نحتاج منكِ مالًا يا ليان. كنا ن
كان الليل قد تجاوز منتصفه، والبيت غارقًا في سكون ثقيل لا يقطعه سوى صوت الريح الخافتة خلف النوافذ. كانت ليان لا تزال نائمة على الأرض قرب الحائط، وقد أنهكها البكاء حتى لم تعد تملك طاقة للانتقال إلى سريرها. كان رأسها مائلًا إلى الجانب، وشعرها مبعثرًا حول وجهها، بينما بقي هاتفها قريبًا من يدها. لم تكن تعرف كم مر من الوقت، ولا متى غلبها النوم، لكن جسدها كان قد استسلم أخيرًا بعد ساعات من الصدمة والإنهاك. في الغرفة الأخرى، كان آدم مستيقظًا رغم التعب. كان قد حاول النوم أكثر من مرة، لكنه كلما أغلق عينيه تذكر وجه ليان وهي تبكي، والطريقة التي طلبت بها منه أن يخرج، فظل جالسًا في الظلام وكأنه ينتظر سماع أي صوت من خلف الباب. رن هاتفه فجأة فوق الطاولة، فانتفض من مكانه ونظر إلى الشاشة بنعاس وقلق. مد يده لالتقاطه، ثم توقف لحظة عندما شعر بتيبس في كتفه من طول الجلوس، قبل أن يجيب على المكالمة بصوت منخفض حتى لا يوقظ أحدًا. لم تستغرق المكالمة طويلًا، لكنها كانت كافية لتوقظ القلق من جديد في داخله. وضع آدم الهاتف جانبًا، ثم مرر يده على وجهه بتعب، ونهض من كرسيه وهو يشعر أن النوم أصبح آخر شيء يستطيع ال
كان الليل قد تجاوز منتصفه، والبيت غارقًا في سكون ثقيل لا يقطعه سوى صوت الريح الخافتة خلف النوافذ. كانت ليان لا تزال نائمة على الأرض قرب الحائط، وقد أنهكها البكاء حتى لم تعد تملك طاقة للانتقال إلى سريرها. كان رأسها مائلًا إلى الجانب، وشعرها مبعثرًا حول وجهها، بينما بقي هاتفها قريبًا من يدها. لم تكن تعرف كم مر من الوقت، ولا متى غلبها النوم، لكن جسدها كان قد استسلم أخيرًا بعد ساعات من الصدمة والإنهاك. في الغرفة الأخرى، كان آدم مستيقظًا رغم التعب. كان قد حاول النوم أكثر من مرة، لكنه كلما أغلق عينيه تذكر وجه ليان وهي تبكي، والطريقة التي طلبت بها منه أن يخرج، فظل جالسًا في الظلام وكأنه ينتظر سماع أي صوت من خلف الباب. رن هاتفه فجأة فوق الطاولة، فانتفض من مكانه ونظر إلى الشاشة بنعاس وقلق. مد يده لالتقاطه، ثم توقف لحظة عندما شعر بتيبس في كتفه من طول الجلوس، قبل أن يجيب على المكالمة بصوت منخفض حتى لا يوقظ أحدًا. لم تستغرق المكالمة طويلًا، لكنها كانت كافية لتوقظ القلق من







