LOGINالفصل الثالث: الرجل الذي لا يكذب… لكنه لا يقول الحقيقة
تراجعت خطوة إلى الوراء حتى اصطدم ظهري بالجدار الحجري.
كان صوت أبي يأتي من خلف الباب مباشرة، هادئًا، ثابتًا، كأنه لم يفاجأ بوجودي هنا.
“افتحي الباب.”
لم أجب.
نظرت إلى الرسالة المختومة بالشمع الأحمر، ثم إلى الفستان الأبيض الذي ما زال مطويًا بعناية، وكأن صاحبته ستعود لترتديه بعد قليل.
دق الباب مرة أخرى.
“لن أكرر طلبي.”
كانت هناك نافذة صغيرة مرتفعة، لكن استحال أن أخرج منها.
لا مفر.
وضعت الرسالة بسرعة داخل ثوبي، وأعدت الفستان إلى مكانه، ثم أغلقت الصندوق كما كان.
فتحت الباب ببطء.
وقف أبي أمامي بملامحه الجامدة المعتادة، وخلفه يحمل أحد الحراس مصباحًا زيتيًا أضاء الممر الطويل.
نظر إلى الغرفة.
ثم إليّ.
ثم قال:
“لم أتوقع أن تصلي إلى هذا المكان بهذه السرعة.”
انعقد لساني.
لم يسألني لماذا دخلت.
ولم يغضب لأنني كسرت القفل.
بل بدا وكأنه كان ينتظر هذه اللحظة منذ سنوات.
تجاوزني ودخل المخزن.
انحنى أمام الصندوق الخشبي، مرر أصابعه فوق غطائه، ثم أغلقه بإحكام.
قال دون أن ينظر إليّ:
“هل تعرفين ما الذي يقتل الإنسان؟”
هززت رأسي.
“الفضول.”
استدرت نحوه.
“أم الفضول… أم الحقيقة؟”
ساد صمت قصير.
وللمرة الأولى منذ سنوات، رأيت شيئًا غريبًا في عينيه.
لم يكن غضبًا.
كان حزنًا خاطفًا، ظهر واختفى في لحظة.
قال:
“الحقيقة لا ترحم.”
ثم استدار وغادر.
وقبل أن يخرج، أمر الحارس:
“أحرقوا كل ما في هذا المخزن قبل شروق الشمس.”
في تلك الليلة، وقفت خلف نافذتي أراقب ألسنة اللهب وهي تلتهم المكان الذي كنت فيه قبل دقائق.
تصاعد الدخان إلى السماء، ومعه اختفت آخر فرصة للبحث بين مقتنيات أمي.
وضعت يدي على صدري.
كانت الرسالة لا تزال مخبأة تحت ثوبي.
ابتسمت لأول مرة منذ زمن.
لم يعلم أبي أنني سبقت النار.
انتظرت حتى نام الجميع.
أغلقت باب غرفتي بالمفتاح.
أشعلت شمعة صغيرة وجلست على الأرض.
كان ختم الشمع يحمل الزهرة نفسها الموجودة على القلادة.
ترددت.
جزء مني أراد أن يعيد الرسالة كما كانت.
والجزء الآخر…
كان يعلم أن حياته كلها ستتغير بعد فتحها.
كسرت الختم.
فتحت الورقة.
لكنها كانت فارغة.
تجمدت.
قلبتها.
لا شيء.
بحثت داخل الظرف.
فارغ.
شعرت بالغضب يشتعل في صدري.
هل خاطرَت بكل ذلك من أجل ورقة بيضاء؟
اقتربت الشمعة بلا وعي.
وفجأة…
بدأت خطوط باهتة تظهر على الورقة.
شهقت.
الحبر لم يكن مرئيًا.
كانت الكتابة تظهر بالحرارة.
ظهرت كلمات قليلة فقط.
“إذا وصلتِ إلى هذه الرسالة… فهذا يعني أنني فشلت في حمايتك.”
ارتجفت يداي.
تابعت القراءة.
“لا تثقي بالرجل الذي ربّاك…”
توقفت الجملة فجأة.
احترق طرف الورقة قبل أن أبتعد بها عن اللهب.
حاولت إنقاذها، لكن بقية الكلمات تحولت إلى رماد يتطاير بين أصابعي.
لم يبقَ سوى تلك الجملة.
“لا تثقي بالرجل الذي ربّاك.”
في صباح اليوم التالي، بدا القصر هادئًا أكثر من المعتاد.
لكن شيئًا تغير.
كان الخدم يتجنبون النظر إليّ.
والحراس تضاعف عددهم عند البوابات.
حتى مريم…
لم تأتِ لإيقاظي كما تفعل كل يوم.
بحثت عنها في المطبخ.
وفي قاعة التدريب.
وفي الحديقة.
لا أثر لها.
اعترضت طريق إحدى الخادمات.
“أين مريم؟”
ارتبكت المرأة، ثم همست:
“غادرت.”
“إلى أين؟”
“لا أحد يعلم.”
كانت تكذب.
استدرت لأغادر، فوقع بصري على طاولة صغيرة قرب المدخل.
فوقها سلة خضار تركها أحد الباعة في الصباح.
لكن شيئًا داخلها لم يكن ينتمي إليها.
وردة حمراء واحدة.
وفي قلب الوردة…
كانت هناك ورقة مطوية.
فتحتها بسرعة.
لم يُكتب فيها سوى سطر واحد بخط أنيق:
“إذا أردتِ معرفة من تكون أمك حقًا… تعالي وحدك عند غروب الشمس إلى المسرح القديم خارج أسوار المدينة.”
لم يكن هناك توقيع.
لكن أسفل الرسالة…
رُسمت الزهرة ذات الخمس بتلات.
“أمك.”ساد صمت ثقيل.ظننت أنني لم أسمع جيدًا.هززت رأسي ببطء.“لا…”نظر أبي إليّ بعينين مرهقتين.“أعرف ما الذي يدور في رأسك.”“لا تعرف.”“بل أعرف.”اقتربت منه.“أنت تريدني أن أكرهها.”قال بهدوء:“لو أردت ذلك… لفعلت منذ خمسة عشر عامًا.”توقفت.كان صادقًا.على الأقل في هذه النقطة.لم يسبق له أن قال لي كلمة سيئة عن أمي.كل ما كان يقوله هو:“ماتت.”ولم يزد.⸻ساعده آدم على الجلوس فوق كرسي خشبي قديم.أخرج قطعة قماش وربط الجرح في كتفه.قال أبي وهو يراقبه:“ما زلت تربط الضماد بطريقة سيئة.”رفع آدم رأسه.“وأنت ما زلت تنتقد في أسوأ الأوقات.”للحظة…شعرت أنني أنظر إلى أب وابنه.لا إلى رجلين يفترض أنهما أعداء.سألتهما فجأة:“من أنتما بالنسبة لبعض؟”ساد الصمت.ثم قال أبي:“أنقذته وهو في الثانية عشرة.”التفت إلى آدم.“هل هذا صحيح؟”هز رأسه.“وجدني في قرية أُحرقت بالكامل.”“ورباني.”أكمل أبي:“حتى أصبح في الثامنة عشرة.”ثم نظر إلى آدم.“بعدها… اختار طريقًا آخر.”خفض آدم رأسه.لم ينكر.⸻قلت وأنا أشعر أنني أغرق وسط الحقائق:“إذن…”“كنت تعتبره ابنك؟”ابتسم أبي ابتسامة صغيرة.“وما زلت.”نظرت إلى آدم.
“الجزيرة… الأخيرة… يوسف.” ظللت أحدق في الكلمات المنقوشة على القطعة المعدنية، غير قادرة على استيعاب ما أراه. قبل ثوانٍ فقط… كانت مفتاحًا. والآن أصبحت لوحًا صغيرًا يحمل رسالة. مد آدم يده نحوي. “أريني.” ناولته القطعة. ما إن وقعت عيناه عليها حتى شحب وجهه. همس: “لا…” “هل تعرفها؟” لم يجب مباشرة. بل مرر إصبعه فوق الكلمات، وكأنه يتأكد أنها حقيقية. ثم قال بصوت خافت: “ظننت أنهم دمروها.” “من؟” “الجزيرة.” ازدادت حيرتي. “أسألك عن الأشخاص، فتجيبني بمكان!” نظر إليّ طويلًا. وقال: “لأن المكان… هو من صنع الأشخاص.” ⸻ خرجنا من النفق بصعوبة. كان الليل قد أسدل ستاره على المدينة، وألسنة اللهب ترتفع من الجهة الشمالية. سمعت أجراس الإنذار تدق. والناس يركضون في الشوارع. لكن شيئًا غريبًا لفت انتباهي. كل الحراس… كانوا يتجهون نحو القصر. لا أحد يبحث عنا. سألت آدم: “لماذا لا يطاردوننا؟” أجاب وهو يراقب القصر من بعيد: “لأن شيئًا أكبر منا حدث.” وقبل أن أسأله… سمعنا صوت بوق طويل. ثم ظهر فارس يركض في الشارع وهو يصرخ: “أغلقوا الأبواب!” “لا تسمح
”… يارا.” ما إن نطق الرجل بالاسم حتى شعرت وكأن العالم انقلب. لم يكن مجرد اسم. كان مفتاحًا. ضربة حادة اجتاحت رأسي، فسقطت على ركبتي وأنا أضغط بكلتا يدي على صدغي. بدأت الصور تتدفق بلا رحمة… حديقة واسعة تملؤها أشجار الياسمين. امرأة تضحك وهي تدور بي في الهواء. طفل صغير يركض خلف فراشة، ثم يلتفت نحوي ويصرخ: “يارا… انتظريني!” لم تكن الذكرى ضبابية. كانت حقيقية. حقيقية إلى حد أنني استطعت شم رائحة الياسمين وسماع ضحكة الطفل. ثم… اختفى كل شيء. عدت إلى الغرفة، أتنفس بصعوبة. رفع الرجل صاحب الخاتم الأسود يده ببطء. “بدأت تتذكرين.” اقترب آدم خطوة أمامي، وأخرج خنجرًا صغيرًا من حزامه. “لا تقترب.” ابتسم الرجل. “بعد كل هذه السنوات… ما زلت تظن أنك تستطيع إيقافي؟” قال آدم بصوت حاد: “لن ألمح لك حتى بالنظر إليها.” ضحك الرجل بهدوء. ثم قال جملة جعلت قلبي يتوقف. “أنا لم آتِ من أجلها…” نظر إلى صندوق الموسيقى. “… بل من أجل هذا.” ⸻ لمعت عيناه بطريقة أخافتني أكثر من أي سلاح. اقترب من الطاولة. لكن ما إن مد يده نحو الصندوق… حتى انفتح غطاؤه وحده. من دون
“أخي؟” خرجت الكلمة من فمي بصعوبة، كأن لساني لم يعد يطيعني. وقف أبي في منتصف القاعة، والمسدس لا يزال بين يديه، بينما كان الدخان الأبيض يتصاعد من فوهته ببطء. أما سليم… فكان ملقى على الأرض، يضغط بيده على كتفه النازف، لكنه لم يبدُ كرجل يحتضر. بل كرجل… انتظر هذه اللحظة سنوات طويلة. رفع أبي المسدس مرة أخرى. تجمدت. صرخت بكل ما أملك: “لااا!” انطلقت أركض نحوه دون تفكير. لكن آدم سبقني. دفعني بعيدًا قبل أن تنطلق الرصاصة الثانية. اخترقت الرصاصة العمود الحجري خلفنا، وتناثرت شظايا الرخام في الهواء. قال آدم بغضب: “ابتعدي عنه!” لكنني لم أعد أفهم من يقصد. أبي؟ أم سليم؟ أم الحقيقة نفسها؟ ⸻ أنزل أبي المسدس ببطء. ثم نظر إلى سليم. وقال بهدوء: “لو أردت قتلك… لما أخطأت.” ضحك سليم رغم الدم الذي يسيل من كتفه. “أعرف.” ساد الصمت. لم يكن بينهما صمت كراهية. بل صمت رجلين يحمل كل منهما ذكرى لا يستطيع الآخر نسيانها. قال سليم وهو يبتسم ابتسامة متعبة: “ما زلت تطلق النار على كتفي.” ارتجفت يداي. كيف يمكن لرجلين يتقاتلان أن يتحدثا بهذه الطريقة؟ تقدم أبي خ
الفصل العاشر: الرسالة التي كُتبت قبل ولادتيحدقت في الدمية.كانت واقفة عند الباب.رأسها مائل قليلًا إلى اليمين، وثوبها القطني يتحرك مع تيار الهواء القادم من النفق.لم أجرؤ على الاقتراب.قلت بصوت مرتجف:“هل… هل رأيتها؟”لم يجب آدم.كان ينظر إلى الأرض.تتبعت نظره.آثار أقدام صغيرة.حديثة.تبدأ من زاوية الغرفة…وتنتهي عند الباب.لكنها لم تكن آثار دخول.بل آثار خروج.همس آدم:“لسنا وحدنا.”وفي اللحظة نفسها…صدر صوت ركض سريع في الممر الخارجي.اندفع آدم خارج الغرفة.تبعته دون تفكير.لم نرَ أحدًا.لكننا سمعنا ضحكة طفل.كانت قريبة جدًا.ثم بعيدة.ثم اختفت.⸻توقف آدم فجأة.انحنى إلى الأرض.رفع شيئًا صغيرًا بين أصابعه.زرّ خشبي.على شكل نجمة.تغير وجهه.“هذا ليس جيدًا.”“لمن يعود؟”ظل ينظر إليه طويلًا.ثم قال:“يوسف.”شعرت بوخزة في صدري.“إذن… هو حي.”لم يجب.بل بدأ يركض بأقصى سرعة.صحت خلفه:“إلى أين؟”قال وهو يلتفت للحظة:“إذا كان يوسف هنا… فهذا يعني أن سليم سبقنا بخطوة.”⸻انتهى النفق عند قاعة دائرية ضخمة.في وسطها ساعة قديمة متوقفة.كانت عقاربها تشير إلى الثانية عشرة إلا دقيقة واحدة.وحوله
الفصل التاسع: الصوت القادم من خلف الجدار“أمي…”خرجت الكلمة من بين شفتي كهمسة، وكأنني أخشى أن يسمعها أحد فتختفي.كان الصوت قد انقطع.لم يبقَ سوى صدى خافت يتردد في الممرات الحجرية.وقفت مكاني.لا أستطيع التقدم.ولا أستطيع التراجع.قال آدم بسرعة:“علينا أن نخرج.”التفتُّ إليه ببطء.“سمعتها.”“أعرف.”“كانت أمي.”صمت للحظة، ثم قال:“ليس بالضرورة.”اشتعل الغضب في داخلي.“هل ستخبرني الآن أنني تخيلت الأمر أيضًا؟”“لا…”رفع رأسه ونظر إلى سقف الغرفة.“… لكن هذا المكان بُني ليضلل من يدخله.”لم أفهم.اقترب من أحد الجدران، وأشار إلى ثقوب صغيرة بين الحجارة.“الصوت ينتقل هنا لمسافات طويلة. قد تسمعين شخصًا يقف في جهة أخرى وكأنه بجوارك.”نظرت إلى الجدار.كان يبدو عاديًا.لكن عندما وضعت أذني عليه…سمعت شيئًا.بكاء.بكاء امرأة.ثم همسات.ثم صوت طفل يضحك.ابتعدت بسرعة.“ما هذا؟”قال آدم:“لهذا السبب لا يدخل أحد هذه الأنفاق.”لكنني لم أقتنع.كان ذلك الصوت مختلفًا.كان يحمل شيئًا أعرفه…شيئًا شعرت به في الذكرى التي عادت إليّ قبل قليل.خرجنا من الغرفة واتجهنا عبر الممر الطويل.كل بضعة أمتار، كان يوجد باب ح







