Home / التشويق / الإثارة / ولدت لأرقص / عرف اسمي قبل أن أنطق به

Share

عرف اسمي قبل أن أنطق به

last update publish date: 2026-07-07 12:35:19

طوال النهار، لم أستطع التفكير في شيء سوى الرسالة.

كانت الكلمات الأربع تتكرر في رأسي كأنها دقات ساعة لا تتوقف:

“تعالي وحدك… عند غروب الشمس.”

من كتبها؟

هل هو صاحب القلادة؟

أم شخص آخر يعرف سر أمي؟

والأهم…

هل هي فخ؟

وقفت أمام نافذة غرفتي أراقب الشمس وهي تقترب ببطء من الأفق. لأول مرة في حياتي، شعرت أن أسوار القصر ليست بيتًا… بل قفصًا.

كان أبي قد خرج لحضور اجتماع مع كبار المدينة، والحراس منشغلين بتبديل النوبات.

إن كانت هناك فرصة للهروب، فهي الآن.

ارتديت عباءة بسيطة تخفي فستاني، وربطت شعري بإحكام، ثم تسللت عبر الممر الخلفي الذي كانت الخادمات يستخدمنه لإدخال المؤن.

كان قلبي يخفق بعنف.

كل خطوة خارج القصر كانت تبدو كجريمة.

وحين تجاوزت البوابة الحجرية للمرة الأولى…

أدركت أنني لم أعرف المدينة التي صفق أهلها لي سنوات.

لم أرها إلا من فوق المسرح.

كان الهواء مختلفًا.

الأطفال يركضون بين الأزقة الضيقة.

باعة الفاكهة ينادون بأعلى أصواتهم.

رائحة الخبز الساخن امتزجت برائحة المطر الذي هطل قبل ساعات.

مررت بجانب رجل عجوز يعزف على آلة وترية، وحوله مجموعة من الأطفال يصفقون ويضحكون.

توقفت للحظة.

كم يبدو العالم أكبر من القصر…

وكم كنت صغيرة داخله.

لكن الوقت لم يكن في صالحي.

أسرعت نحو أطراف المدينة، حيث يقف المسرح القديم منذ عشرات السنين، مهجورًا بعد أن التهمه حريق غامض.

كان الناس يتجنبون الاقتراب منه.

يقولون إن المكان مسكون.

أما أنا…

فلم أعد أخاف الأشباح بقدر خوفي من الحقيقة.

وصلت قبل غروب الشمس بدقائق.

كانت الأعمدة المكسورة تقف كالهياكل العظمية، والستائر الممزقة تتحرك مع الريح كأنها أشباح ترقص.

دخلت بحذر.

“مرحبًا؟”

لم يجبني أحد.

خطوة أخرى.

ثم أخرى.

وفجأة…

سمعت صوت تصفيق واحد.

بطيئًا.

هادئًا.

استدرت بسرعة.

كان هو.

الشاب الذي رأيته في المسرح ليلة العرض.

كان يقف فوق الخشبة القديمة، يضع يديه في جيبي معطفه، وعيناه تراقبانني بهدوء غريب.

قال مبتسمًا:

“تأخرتِ ثلاث دقائق.”

تجمدت.

“أنت؟”

“نعم.”

“أنت من أرسل الرسالة؟”

لم يجب.

بل نزل عن الخشبة ببطء حتى أصبح على بعد خطوات قليلة مني.

لاحظت لأول مرة تفاصيل وجهه.

لم يكن وسيمًا بطريقة ملفتة.

لكن ملامحه كانت تحمل شيئًا يصعب وصفه…

هدوء شخص رأى من الحياة أكثر مما ينبغي.

قال:

“كبرتِ كثيرًا.”

ارتفع حاجباي.

“هل تعرفني؟”

ابتسم ابتسامة قصيرة.

“أعرف عنك أكثر مما تعرفين عن نفسك.”

تراجعت خطوة.

“من أنت؟”

نظر إلى القلادة المعلقة في عنقي.

ثم همس:

“كنت أخشى ألا ترتديها.”

وضعت يدي عليها غريزيًا.

“هذه القلادة… من أين حصلت عليها؟”

تنهد.

“أعطتني إياها امرأة طلبت مني أن أعيدها لصاحبتها عندما يحين الوقت.”

توقفت أنفاسي.

“أي امرأة؟”

رفع عينيه نحوي.

“أمك.”

اختفى صوت الريح.

واختفت المدينة.

حتى نبضات قلبي بدت بعيدة.

خرجت الكلمة من فمي بالكاد:

“أمي… ماتت.”

قال بهدوء:

“هذا ما يريدونك أن تصدقيه.”

شعرت بالأرض تميد تحت قدمي.

“لا…”

“أمك لم تمت.”

“كاذب!”

صرخت بها قبل أن أشعر.

لكنه لم يغضب.

بل أخرج من جيبه قطعة قماش صغيرة مطوية.

فتحها أمامي.

كانت بداخلها دبوس شعر فضي على شكل فراشة.

شهقت.

عرفته فورًا.

كنت أحتفظ برسم له منذ طفولتي.

كانت مريم تقول إن أمي كانت ترتديه في كل عرض.

لم أستطع إبعاد عيني عنه.

“من أين…؟”

لم يكمل.

فجأة…

انطلق سهم حاد من بين الأشجار.

اندفع الشاب نحوي دون تردد، وأمسك بذراعي بقوة، فسقطنا معًا خلف أحد الأعمدة الحجرية.

اخترق السهم المكان الذي كنت أقف فيه قبل لحظة، واستقر في الجدار.

ساد الصمت.

ثم جاء صوت خطوات كثيرة.

ليست خطوة أو اثنتين…

بل مجموعة كاملة.

همس الشاب، للمرة الأولى وقد اختفى هدوؤه:

“لقد وجدونا.”

رفعت رأسي بحذر.

فرأيت رجالًا بعباءات سوداء يحيطون بالمسرح من كل الجهات.

وفي مقدمتهم…

كان يقف أبي.

لكن ما جمّد الدم في عروقي لم يكن وجوده.

بل ابتسامته.

ابتسامة رجل لم يأتِ ليقبض علينا…

بل كان ينتظر أن نجتمع منذ البداية.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • ولدت لأرقص   كذبة

    “أمك.”ساد صمت ثقيل.ظننت أنني لم أسمع جيدًا.هززت رأسي ببطء.“لا…”نظر أبي إليّ بعينين مرهقتين.“أعرف ما الذي يدور في رأسك.”“لا تعرف.”“بل أعرف.”اقتربت منه.“أنت تريدني أن أكرهها.”قال بهدوء:“لو أردت ذلك… لفعلت منذ خمسة عشر عامًا.”توقفت.كان صادقًا.على الأقل في هذه النقطة.لم يسبق له أن قال لي كلمة سيئة عن أمي.كل ما كان يقوله هو:“ماتت.”ولم يزد.⸻ساعده آدم على الجلوس فوق كرسي خشبي قديم.أخرج قطعة قماش وربط الجرح في كتفه.قال أبي وهو يراقبه:“ما زلت تربط الضماد بطريقة سيئة.”رفع آدم رأسه.“وأنت ما زلت تنتقد في أسوأ الأوقات.”للحظة…شعرت أنني أنظر إلى أب وابنه.لا إلى رجلين يفترض أنهما أعداء.سألتهما فجأة:“من أنتما بالنسبة لبعض؟”ساد الصمت.ثم قال أبي:“أنقذته وهو في الثانية عشرة.”التفت إلى آدم.“هل هذا صحيح؟”هز رأسه.“وجدني في قرية أُحرقت بالكامل.”“ورباني.”أكمل أبي:“حتى أصبح في الثامنة عشرة.”ثم نظر إلى آدم.“بعدها… اختار طريقًا آخر.”خفض آدم رأسه.لم ينكر.⸻قلت وأنا أشعر أنني أغرق وسط الحقائق:“إذن…”“كنت تعتبره ابنك؟”ابتسم أبي ابتسامة صغيرة.“وما زلت.”نظرت إلى آدم.

  • ولدت لأرقص   الجزيرة

    “الجزيرة… الأخيرة… يوسف.” ظللت أحدق في الكلمات المنقوشة على القطعة المعدنية، غير قادرة على استيعاب ما أراه. قبل ثوانٍ فقط… كانت مفتاحًا. والآن أصبحت لوحًا صغيرًا يحمل رسالة. مد آدم يده نحوي. “أريني.” ناولته القطعة. ما إن وقعت عيناه عليها حتى شحب وجهه. همس: “لا…” “هل تعرفها؟” لم يجب مباشرة. بل مرر إصبعه فوق الكلمات، وكأنه يتأكد أنها حقيقية. ثم قال بصوت خافت: “ظننت أنهم دمروها.” “من؟” “الجزيرة.” ازدادت حيرتي. “أسألك عن الأشخاص، فتجيبني بمكان!” نظر إليّ طويلًا. وقال: “لأن المكان… هو من صنع الأشخاص.” ⸻ خرجنا من النفق بصعوبة. كان الليل قد أسدل ستاره على المدينة، وألسنة اللهب ترتفع من الجهة الشمالية. سمعت أجراس الإنذار تدق. والناس يركضون في الشوارع. لكن شيئًا غريبًا لفت انتباهي. كل الحراس… كانوا يتجهون نحو القصر. لا أحد يبحث عنا. سألت آدم: “لماذا لا يطاردوننا؟” أجاب وهو يراقب القصر من بعيد: “لأن شيئًا أكبر منا حدث.” وقبل أن أسأله… سمعنا صوت بوق طويل. ثم ظهر فارس يركض في الشارع وهو يصرخ: “أغلقوا الأبواب!” “لا تسمح

  • ولدت لأرقص   الاسم الذي أعاد إليّ الماضي

    ”… يارا.” ما إن نطق الرجل بالاسم حتى شعرت وكأن العالم انقلب. لم يكن مجرد اسم. كان مفتاحًا. ضربة حادة اجتاحت رأسي، فسقطت على ركبتي وأنا أضغط بكلتا يدي على صدغي. بدأت الصور تتدفق بلا رحمة… حديقة واسعة تملؤها أشجار الياسمين. امرأة تضحك وهي تدور بي في الهواء. طفل صغير يركض خلف فراشة، ثم يلتفت نحوي ويصرخ: “يارا… انتظريني!” لم تكن الذكرى ضبابية. كانت حقيقية. حقيقية إلى حد أنني استطعت شم رائحة الياسمين وسماع ضحكة الطفل. ثم… اختفى كل شيء. عدت إلى الغرفة، أتنفس بصعوبة. رفع الرجل صاحب الخاتم الأسود يده ببطء. “بدأت تتذكرين.” اقترب آدم خطوة أمامي، وأخرج خنجرًا صغيرًا من حزامه. “لا تقترب.” ابتسم الرجل. “بعد كل هذه السنوات… ما زلت تظن أنك تستطيع إيقافي؟” قال آدم بصوت حاد: “لن ألمح لك حتى بالنظر إليها.” ضحك الرجل بهدوء. ثم قال جملة جعلت قلبي يتوقف. “أنا لم آتِ من أجلها…” نظر إلى صندوق الموسيقى. “… بل من أجل هذا.” ⸻ لمعت عيناه بطريقة أخافتني أكثر من أي سلاح. اقترب من الطاولة. لكن ما إن مد يده نحو الصندوق… حتى انفتح غطاؤه وحده. من دون

  • ولدت لأرقص   صندوق الموسيقى الأسود

    “أخي؟” خرجت الكلمة من فمي بصعوبة، كأن لساني لم يعد يطيعني. وقف أبي في منتصف القاعة، والمسدس لا يزال بين يديه، بينما كان الدخان الأبيض يتصاعد من فوهته ببطء. أما سليم… فكان ملقى على الأرض، يضغط بيده على كتفه النازف، لكنه لم يبدُ كرجل يحتضر. بل كرجل… انتظر هذه اللحظة سنوات طويلة. رفع أبي المسدس مرة أخرى. تجمدت. صرخت بكل ما أملك: “لااا!” انطلقت أركض نحوه دون تفكير. لكن آدم سبقني. دفعني بعيدًا قبل أن تنطلق الرصاصة الثانية. اخترقت الرصاصة العمود الحجري خلفنا، وتناثرت شظايا الرخام في الهواء. قال آدم بغضب: “ابتعدي عنه!” لكنني لم أعد أفهم من يقصد. أبي؟ أم سليم؟ أم الحقيقة نفسها؟ ⸻ أنزل أبي المسدس ببطء. ثم نظر إلى سليم. وقال بهدوء: “لو أردت قتلك… لما أخطأت.” ضحك سليم رغم الدم الذي يسيل من كتفه. “أعرف.” ساد الصمت. لم يكن بينهما صمت كراهية. بل صمت رجلين يحمل كل منهما ذكرى لا يستطيع الآخر نسيانها. قال سليم وهو يبتسم ابتسامة متعبة: “ما زلت تطلق النار على كتفي.” ارتجفت يداي. كيف يمكن لرجلين يتقاتلان أن يتحدثا بهذه الطريقة؟ تقدم أبي خ

  • ولدت لأرقص   الرسالة التي كتبت قبل ولادتي

    الفصل العاشر: الرسالة التي كُتبت قبل ولادتيحدقت في الدمية.كانت واقفة عند الباب.رأسها مائل قليلًا إلى اليمين، وثوبها القطني يتحرك مع تيار الهواء القادم من النفق.لم أجرؤ على الاقتراب.قلت بصوت مرتجف:“هل… هل رأيتها؟”لم يجب آدم.كان ينظر إلى الأرض.تتبعت نظره.آثار أقدام صغيرة.حديثة.تبدأ من زاوية الغرفة…وتنتهي عند الباب.لكنها لم تكن آثار دخول.بل آثار خروج.همس آدم:“لسنا وحدنا.”وفي اللحظة نفسها…صدر صوت ركض سريع في الممر الخارجي.اندفع آدم خارج الغرفة.تبعته دون تفكير.لم نرَ أحدًا.لكننا سمعنا ضحكة طفل.كانت قريبة جدًا.ثم بعيدة.ثم اختفت.⸻توقف آدم فجأة.انحنى إلى الأرض.رفع شيئًا صغيرًا بين أصابعه.زرّ خشبي.على شكل نجمة.تغير وجهه.“هذا ليس جيدًا.”“لمن يعود؟”ظل ينظر إليه طويلًا.ثم قال:“يوسف.”شعرت بوخزة في صدري.“إذن… هو حي.”لم يجب.بل بدأ يركض بأقصى سرعة.صحت خلفه:“إلى أين؟”قال وهو يلتفت للحظة:“إذا كان يوسف هنا… فهذا يعني أن سليم سبقنا بخطوة.”⸻انتهى النفق عند قاعة دائرية ضخمة.في وسطها ساعة قديمة متوقفة.كانت عقاربها تشير إلى الثانية عشرة إلا دقيقة واحدة.وحوله

  • ولدت لأرقص   الصوت القادم من خلف الجدار

    الفصل التاسع: الصوت القادم من خلف الجدار“أمي…”خرجت الكلمة من بين شفتي كهمسة، وكأنني أخشى أن يسمعها أحد فتختفي.كان الصوت قد انقطع.لم يبقَ سوى صدى خافت يتردد في الممرات الحجرية.وقفت مكاني.لا أستطيع التقدم.ولا أستطيع التراجع.قال آدم بسرعة:“علينا أن نخرج.”التفتُّ إليه ببطء.“سمعتها.”“أعرف.”“كانت أمي.”صمت للحظة، ثم قال:“ليس بالضرورة.”اشتعل الغضب في داخلي.“هل ستخبرني الآن أنني تخيلت الأمر أيضًا؟”“لا…”رفع رأسه ونظر إلى سقف الغرفة.“… لكن هذا المكان بُني ليضلل من يدخله.”لم أفهم.اقترب من أحد الجدران، وأشار إلى ثقوب صغيرة بين الحجارة.“الصوت ينتقل هنا لمسافات طويلة. قد تسمعين شخصًا يقف في جهة أخرى وكأنه بجوارك.”نظرت إلى الجدار.كان يبدو عاديًا.لكن عندما وضعت أذني عليه…سمعت شيئًا.بكاء.بكاء امرأة.ثم همسات.ثم صوت طفل يضحك.ابتعدت بسرعة.“ما هذا؟”قال آدم:“لهذا السبب لا يدخل أحد هذه الأنفاق.”لكنني لم أقتنع.كان ذلك الصوت مختلفًا.كان يحمل شيئًا أعرفه…شيئًا شعرت به في الذكرى التي عادت إليّ قبل قليل.خرجنا من الغرفة واتجهنا عبر الممر الطويل.كل بضعة أمتار، كان يوجد باب ح

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status