Share

ولدت لأرقص
ولدت لأرقص
Author: سحر الليل

الرقصة الأخيرة

last update Petsa ng paglalathala: 2026-07-07 12:25:45

الفصل الأول: الرقصة الأخيرة

لم يكن الخوف هو أول ما شعرت به.

كان الصمت.

ذلك الصمت الثقيل الذي يسبق سقوط السيف، ويجعل حتى أنفاس البشر تبدو جريمة.

وقفتُ في منتصف القاعة الواسعة، وقد أحاط بي عشرات الرجال بملابسهم السوداء، بينما كانت آلاف العيون تراقبني من خلف الشرفات المزخرفة بالذهب والعاج. لم يجرؤ أحد على الهمس، وكأن المدينة بأكملها نسيت كيف تتنفس.

كانت قدماي حافيتين.

رائحة البخور امتزجت برائحة الدم.

أما الكاحلان اللذان طالما حملا جسدي فوق خشبات المسارح… فقد كانا مقيدين بسلسلة حديدية باردة.

رفع كبير الحراس صوته:

“هل لديكِ طلب أخير؟”

ضحك بعض الحضور.

بالنسبة لهم، كانت نهايتي مجرد عرض إضافي قبل انصرافهم إلى بيوتهم.

أغمضت عيني للحظة…

ثم ابتسمت.

ابتسامة صغيرة، أربكت الجميع.

قلت بهدوء:

“أريد… أن أرقص.”

ساد الصمت مرة أخرى.

هذه المرة لم يكن صمت انتظار…

بل صمت دهشة.

سمعت رجلاً يتمتم باستهزاء:

“جنّت.”

وقال آخر:

“حتى وهي على أبواب الموت… لا تفكر إلا بالرقص.”

لكنهم لم يعرفوا…

أن تلك الرقصة لم تكن وداعًا.

بل كانت بداية الحكاية.

“لا تنظري إلى الأرض.”

كان صوت المعلمة صارمًا كالسوط.

“الراقصة التي تنظر إلى الأرض… تعترف بأنها مهزومة.”

رفعت رأسي فورًا رغم احتراق قدمي.

كنت في التاسعة من عمري فقط.

ورغم ذلك، كانت قدماي تنزفان من كثرة التدريب.

القاعة ضخمة، أرضيتها من الرخام الأبيض، والجدران مغطاة بالمرايا التي تعكس آلاف النسخ مني؛ طفلة نحيلة بشعر أسود طويل، وعينين واسعتين تخفيان خوفًا لا يراه أحد.

ضربت المعلمة عصاها على الأرض.

“من جديد.”

بدأ العزف.

واحد…

اثنان…

ثلاثة…

درت حول نفسي حتى شعرت أن العالم كله أصبح دائرة من الألوان.

لكنني أخطأت.

خطوة واحدة فقط.

خطوة صغيرة لم ينتبه إليها أحد

إلا هو.

“توقفي.”

تجمدت في مكاني.

كان أبي يقف عند باب القاعة.

لم أسمع دخوله.

ولم ألاحظ متى أصبح الجميع صامتين.

كان طويل القامة، يرتدي عباءة سوداء مطرزة بخيوط فضية، وعيناه تحملان ذلك البرود الذي يجعل حتى الأطفال ينسون البكاء.

اقترب ببطء.

لا أحد تحرك.

حتى المعلمة انحنت احترامًا.

وقف أمامي مباشرة.

نظر إلى قدمي النازفتين…

ثم إلى وجهي.

وقال بصوت منخفض:

“كم مرة أخطأتِ اليوم؟”

ابتلعت ريقي.

“مرة.”

صفعني.

لم تكن صفعة قوية…

لكنها كانت كافية لأشعر أن الأرض تميد بي.

قال بهدوء أشد قسوة من الصراخ:

“الخطأ الأول… هو بداية الألف.”

ثم استدار وغادر.

ولم يلتفت خلفه.

في تلك الليلة، جلست وحدي فوق سطح المنزل.

كنت ألفّ قدمي بقطعة قماش قديمة حتى يتوقف النزيف.

لم أبكِ.

كنت قد تعلمت منذ سنوات أن الدموع لا تغير شيئًا.

رفعت رأسي نحو السماء.

كانت النجوم كثيرة…

كأنها ثقوب صغيرة في ستارة سوداء.

سمعت صوتًا خلفي.

“هل يؤلمك؟”

التفت بسرعة.

كانت امرأة عجوز تحمل صينية عليها كوب من الحليب.

ابتسمت وهي تجلس بجانبي.

“كل الراقصين يبكون في البداية.”

هززت رأسي.

“أنا لا أبكي.”

ضحكت.

“إذن سيأتي يوم تبكين فيه أكثر من الجميع.”

لم أفهم قصدها.

ناولتني الكوب.

ثم قالت وهي تنظر إلى القمر:

“هل تعرفين لماذا يحب الناس الرقص؟”

قلت:

“لأنه جميل.”

ابتسمت بحزن.

“لا.”

“لأنه يجعلهم ينسون.”

سكتت قليلًا.

ثم همست:

“لكن هناك رقصات… تجعل أصحابها يتذكرون كل شيء.”

قبل أن أسألها ماذا تعني…

سمعنا صوت أبي يناديني من الأسفل.

وقفت بسرعة.

وحين التفت لأشكرها…

لم أجدها.

اختفت.

كأنها لم تكن موجودة أصلًا.

مرت السنوات.

وأصبحت المدينة تعرف اسمي.

كان الناس يتزاحمون أمام المسرح منذ الفجر للحصول على مقعد.

يقولون إنني لا أرقص…

بل أحكي قصة دون كلمات.

كل عرض كان ينتهي بالتصفيق.

والورود.

والهدايا.

لكن أحدًا لم يكن يرى ما يحدث بعد إغلاق الستائر

...

Patuloy na basahin ang aklat na ito nang libre
I-scan ang code upang i-download ang App

Pinakabagong kabanata

  • ولدت لأرقص   كذبة

    “أمك.”ساد صمت ثقيل.ظننت أنني لم أسمع جيدًا.هززت رأسي ببطء.“لا…”نظر أبي إليّ بعينين مرهقتين.“أعرف ما الذي يدور في رأسك.”“لا تعرف.”“بل أعرف.”اقتربت منه.“أنت تريدني أن أكرهها.”قال بهدوء:“لو أردت ذلك… لفعلت منذ خمسة عشر عامًا.”توقفت.كان صادقًا.على الأقل في هذه النقطة.لم يسبق له أن قال لي كلمة سيئة عن أمي.كل ما كان يقوله هو:“ماتت.”ولم يزد.⸻ساعده آدم على الجلوس فوق كرسي خشبي قديم.أخرج قطعة قماش وربط الجرح في كتفه.قال أبي وهو يراقبه:“ما زلت تربط الضماد بطريقة سيئة.”رفع آدم رأسه.“وأنت ما زلت تنتقد في أسوأ الأوقات.”للحظة…شعرت أنني أنظر إلى أب وابنه.لا إلى رجلين يفترض أنهما أعداء.سألتهما فجأة:“من أنتما بالنسبة لبعض؟”ساد الصمت.ثم قال أبي:“أنقذته وهو في الثانية عشرة.”التفت إلى آدم.“هل هذا صحيح؟”هز رأسه.“وجدني في قرية أُحرقت بالكامل.”“ورباني.”أكمل أبي:“حتى أصبح في الثامنة عشرة.”ثم نظر إلى آدم.“بعدها… اختار طريقًا آخر.”خفض آدم رأسه.لم ينكر.⸻قلت وأنا أشعر أنني أغرق وسط الحقائق:“إذن…”“كنت تعتبره ابنك؟”ابتسم أبي ابتسامة صغيرة.“وما زلت.”نظرت إلى آدم.

  • ولدت لأرقص   الجزيرة

    “الجزيرة… الأخيرة… يوسف.” ظللت أحدق في الكلمات المنقوشة على القطعة المعدنية، غير قادرة على استيعاب ما أراه. قبل ثوانٍ فقط… كانت مفتاحًا. والآن أصبحت لوحًا صغيرًا يحمل رسالة. مد آدم يده نحوي. “أريني.” ناولته القطعة. ما إن وقعت عيناه عليها حتى شحب وجهه. همس: “لا…” “هل تعرفها؟” لم يجب مباشرة. بل مرر إصبعه فوق الكلمات، وكأنه يتأكد أنها حقيقية. ثم قال بصوت خافت: “ظننت أنهم دمروها.” “من؟” “الجزيرة.” ازدادت حيرتي. “أسألك عن الأشخاص، فتجيبني بمكان!” نظر إليّ طويلًا. وقال: “لأن المكان… هو من صنع الأشخاص.” ⸻ خرجنا من النفق بصعوبة. كان الليل قد أسدل ستاره على المدينة، وألسنة اللهب ترتفع من الجهة الشمالية. سمعت أجراس الإنذار تدق. والناس يركضون في الشوارع. لكن شيئًا غريبًا لفت انتباهي. كل الحراس… كانوا يتجهون نحو القصر. لا أحد يبحث عنا. سألت آدم: “لماذا لا يطاردوننا؟” أجاب وهو يراقب القصر من بعيد: “لأن شيئًا أكبر منا حدث.” وقبل أن أسأله… سمعنا صوت بوق طويل. ثم ظهر فارس يركض في الشارع وهو يصرخ: “أغلقوا الأبواب!” “لا تسمح

  • ولدت لأرقص   الاسم الذي أعاد إليّ الماضي

    ”… يارا.” ما إن نطق الرجل بالاسم حتى شعرت وكأن العالم انقلب. لم يكن مجرد اسم. كان مفتاحًا. ضربة حادة اجتاحت رأسي، فسقطت على ركبتي وأنا أضغط بكلتا يدي على صدغي. بدأت الصور تتدفق بلا رحمة… حديقة واسعة تملؤها أشجار الياسمين. امرأة تضحك وهي تدور بي في الهواء. طفل صغير يركض خلف فراشة، ثم يلتفت نحوي ويصرخ: “يارا… انتظريني!” لم تكن الذكرى ضبابية. كانت حقيقية. حقيقية إلى حد أنني استطعت شم رائحة الياسمين وسماع ضحكة الطفل. ثم… اختفى كل شيء. عدت إلى الغرفة، أتنفس بصعوبة. رفع الرجل صاحب الخاتم الأسود يده ببطء. “بدأت تتذكرين.” اقترب آدم خطوة أمامي، وأخرج خنجرًا صغيرًا من حزامه. “لا تقترب.” ابتسم الرجل. “بعد كل هذه السنوات… ما زلت تظن أنك تستطيع إيقافي؟” قال آدم بصوت حاد: “لن ألمح لك حتى بالنظر إليها.” ضحك الرجل بهدوء. ثم قال جملة جعلت قلبي يتوقف. “أنا لم آتِ من أجلها…” نظر إلى صندوق الموسيقى. “… بل من أجل هذا.” ⸻ لمعت عيناه بطريقة أخافتني أكثر من أي سلاح. اقترب من الطاولة. لكن ما إن مد يده نحو الصندوق… حتى انفتح غطاؤه وحده. من دون

  • ولدت لأرقص   صندوق الموسيقى الأسود

    “أخي؟” خرجت الكلمة من فمي بصعوبة، كأن لساني لم يعد يطيعني. وقف أبي في منتصف القاعة، والمسدس لا يزال بين يديه، بينما كان الدخان الأبيض يتصاعد من فوهته ببطء. أما سليم… فكان ملقى على الأرض، يضغط بيده على كتفه النازف، لكنه لم يبدُ كرجل يحتضر. بل كرجل… انتظر هذه اللحظة سنوات طويلة. رفع أبي المسدس مرة أخرى. تجمدت. صرخت بكل ما أملك: “لااا!” انطلقت أركض نحوه دون تفكير. لكن آدم سبقني. دفعني بعيدًا قبل أن تنطلق الرصاصة الثانية. اخترقت الرصاصة العمود الحجري خلفنا، وتناثرت شظايا الرخام في الهواء. قال آدم بغضب: “ابتعدي عنه!” لكنني لم أعد أفهم من يقصد. أبي؟ أم سليم؟ أم الحقيقة نفسها؟ ⸻ أنزل أبي المسدس ببطء. ثم نظر إلى سليم. وقال بهدوء: “لو أردت قتلك… لما أخطأت.” ضحك سليم رغم الدم الذي يسيل من كتفه. “أعرف.” ساد الصمت. لم يكن بينهما صمت كراهية. بل صمت رجلين يحمل كل منهما ذكرى لا يستطيع الآخر نسيانها. قال سليم وهو يبتسم ابتسامة متعبة: “ما زلت تطلق النار على كتفي.” ارتجفت يداي. كيف يمكن لرجلين يتقاتلان أن يتحدثا بهذه الطريقة؟ تقدم أبي خ

  • ولدت لأرقص   الرسالة التي كتبت قبل ولادتي

    الفصل العاشر: الرسالة التي كُتبت قبل ولادتيحدقت في الدمية.كانت واقفة عند الباب.رأسها مائل قليلًا إلى اليمين، وثوبها القطني يتحرك مع تيار الهواء القادم من النفق.لم أجرؤ على الاقتراب.قلت بصوت مرتجف:“هل… هل رأيتها؟”لم يجب آدم.كان ينظر إلى الأرض.تتبعت نظره.آثار أقدام صغيرة.حديثة.تبدأ من زاوية الغرفة…وتنتهي عند الباب.لكنها لم تكن آثار دخول.بل آثار خروج.همس آدم:“لسنا وحدنا.”وفي اللحظة نفسها…صدر صوت ركض سريع في الممر الخارجي.اندفع آدم خارج الغرفة.تبعته دون تفكير.لم نرَ أحدًا.لكننا سمعنا ضحكة طفل.كانت قريبة جدًا.ثم بعيدة.ثم اختفت.⸻توقف آدم فجأة.انحنى إلى الأرض.رفع شيئًا صغيرًا بين أصابعه.زرّ خشبي.على شكل نجمة.تغير وجهه.“هذا ليس جيدًا.”“لمن يعود؟”ظل ينظر إليه طويلًا.ثم قال:“يوسف.”شعرت بوخزة في صدري.“إذن… هو حي.”لم يجب.بل بدأ يركض بأقصى سرعة.صحت خلفه:“إلى أين؟”قال وهو يلتفت للحظة:“إذا كان يوسف هنا… فهذا يعني أن سليم سبقنا بخطوة.”⸻انتهى النفق عند قاعة دائرية ضخمة.في وسطها ساعة قديمة متوقفة.كانت عقاربها تشير إلى الثانية عشرة إلا دقيقة واحدة.وحوله

  • ولدت لأرقص   الصوت القادم من خلف الجدار

    الفصل التاسع: الصوت القادم من خلف الجدار“أمي…”خرجت الكلمة من بين شفتي كهمسة، وكأنني أخشى أن يسمعها أحد فتختفي.كان الصوت قد انقطع.لم يبقَ سوى صدى خافت يتردد في الممرات الحجرية.وقفت مكاني.لا أستطيع التقدم.ولا أستطيع التراجع.قال آدم بسرعة:“علينا أن نخرج.”التفتُّ إليه ببطء.“سمعتها.”“أعرف.”“كانت أمي.”صمت للحظة، ثم قال:“ليس بالضرورة.”اشتعل الغضب في داخلي.“هل ستخبرني الآن أنني تخيلت الأمر أيضًا؟”“لا…”رفع رأسه ونظر إلى سقف الغرفة.“… لكن هذا المكان بُني ليضلل من يدخله.”لم أفهم.اقترب من أحد الجدران، وأشار إلى ثقوب صغيرة بين الحجارة.“الصوت ينتقل هنا لمسافات طويلة. قد تسمعين شخصًا يقف في جهة أخرى وكأنه بجوارك.”نظرت إلى الجدار.كان يبدو عاديًا.لكن عندما وضعت أذني عليه…سمعت شيئًا.بكاء.بكاء امرأة.ثم همسات.ثم صوت طفل يضحك.ابتعدت بسرعة.“ما هذا؟”قال آدم:“لهذا السبب لا يدخل أحد هذه الأنفاق.”لكنني لم أقتنع.كان ذلك الصوت مختلفًا.كان يحمل شيئًا أعرفه…شيئًا شعرت به في الذكرى التي عادت إليّ قبل قليل.خرجنا من الغرفة واتجهنا عبر الممر الطويل.كل بضعة أمتار، كان يوجد باب ح

Higit pang Kabanata
Galugarin at basahin ang magagandang nobela
Libreng basahin ang magagandang nobela sa GoodNovel app. I-download ang mga librong gusto mo at basahin kahit saan at anumang oras.
Libreng basahin ang mga aklat sa app
I-scan ang code para mabasa sa App
DMCA.com Protection Status