登入لم تستطع علياء أن تحتفظ بما اكتشفته لنفسها أكثر من ذلك.كانت المعلومات التي جمعتها خلال الأيام الماضية تتزاحم في رأسها بصورة جعلتها تشعر أن خيوط الماضي بدأت تقترب من بعضها أخيرًا، وأن قصر الشامي لم يكن مجرد قصر قديم احترق وانتهى كل شيء فيه.بل ربما كان السر ما زال حيًا... تحت أقدامهم.لهذا اتصلت بفهد وطلبت منه أن يأتي برفقة نجلاء.وبعد وقت قصير، ظهر الاثنان أمامها.نظر فهد إليها بقلق وقال:— ماذا حدث؟ من صوتك في الهاتف شعرت أن الأمر خطير.نظرت علياء إلى نجلاء ثم إلى فهد، وقالت بصوت جاد:— أريد منكما أن تساعداني في حل لغز قصر الشامي... لكن هذه المرة لن نبحث في القصر نفسه، بل في الأرض التي بُني عليها.قطبت نجلاء حاجبيها.— ماذا تقصدين؟أجابت علياء:— أريد أن أعرف أين كانت أرض عائلة الشامي القديمة بالضبط. أريد خريطة المدينة قبل خمسة وخمسين عامًا... وربما أقدم من ذلك.تبادل فهد ونجلاء نظرة سريعة.ثم قال فهد:— أعرف مكانًا يحتفظ بالخرائط القديمة للمدينة.وبعد أقل من ساعة، كانوا جميعًا داخل قسم الخرائط التابع للمدينة.استقبلهم الموظف المسؤول، رجل في منتصف العمر، بدا عليه الاستغراب عندما أخب
لم تستطع علياء أن تنام تلك الليلة.ظلّ الاسم الذي رأته في حلمها يلاحقها، وكأنه كُتب داخل عقلها لا داخل دفتر. كانت ترى أمام عينيها صفحات قديمة تتقلب وحدها، ثم يظهر اسم شخص واحد في منتصف الصفحة، واضحًا بشكل مخيف، قبل أن تستيقظ مذعورة.جلست على طرف السرير، وضغطت كفيها على رأسها.— «دفتر الذكريات...»تذكرت فجأة كلام السيدة العجوز التي كانت تعمل في مطبخ قصر الشامي قبل خمسة وخمسين عامًا.كانت العجوز قد أخبرتها أن بعض الأغراض التي نجت من الحريق الكبير لم تُرمَ، بل جُمعت وحُفظت في أحد المتاحف القديمة في المدينة، لأن القصر كان يحمل تاريخًا عائليًا وسياسيًا مهمًا.قفزت علياء من مكانها.— «إذا كان الدفتر موجودًا فعلًا... فقد يكون فيه الجواب.»ارتدت ملابسها بسرعة، وأخذت حقيبتها، ثم خرجت من القصر دون أن تخبر أحدًا.بعد أقل من ساعة، توقفت سيارتها أمام متحف شهير في قلب المدينة.دخلت مسرعة، واتجهت إلى مكتب الاستقبال.— «أريد أن أسأل عن بعض المقتنيات القديمة التي وصلت إلى المتحف من قصر الشامي.»رفع الرجل الجالس خلف المكتب رأسه باستغراب.— «قصر الشامي؟»— «نعم. قبل نحو خمسة وخمسين عامًا.»فكر الرجل للح
شهقت علياء وهي نائمة، وانتفض جسدها فوق الفراش، كأنها سقطت فجأة في قاع ذاكرة عمرها خمسون عامًا. وجدت نفسها واقفة في الطابق السفلي من قصر الشامي. كان المكان مظلمًا، لا يُسمع فيه سوى صدى أنفاسها وأنفاس امرأة تقف أمامها. نجلاء. كانت ترتدي ثوبها القديم، وشعرها مبعثر، وعيناها ممتلئتان بالدموع والغضب. صرخت علياء: — أنتِ من أخذتِ مكاني يا نجلاء! أنا زوجة فهد الأصلية! أنا التي كان يجب أن أتزوج به! رفعت نجلاء رأسها وقالت بمرارة: — وأنا لم أسرق مكانك يا علياء... أنتِ من دفعتِني إليه. اقتربت علياء منها وصاحت: — أنتِ من هددتِ والدي حتى يبدّل الزوجات! ضحكت نجلاء ضحكة موجوعة. — بل أنتِ من بدأتِ كل شيء. أنتِ من أقنعتِ والدك أن فهد رجل عاجز... أنك قلتِ له: فهد معاق، فهد مشلول، فهد لا يصلح للزواج ولا للحياة الزوجية! ارتجفت علياء. — لأن هذا ما قيل لي! — ومن أخبرك؟ صمتت علياء. تابعت نجلاء: — أنتِ من شوهتِ صورته أمام الجميع. وأنتِ من أقنعتِ والدك بأن زواجي من فهد سيكون أفضل له، ثم أوهمته أن دخولي إلى قصر الشامي سيمنحه ترقية ونفوذًا وأسهمًا. هزت علياء رأسها بعنف. — كا
لم تكن العجوز قد أنهت كلماتها حتى شعرت علياء بأن الأرض تضيق تحت قدميها.كل ما سمعته كان أشبه بصفعة أعادت فتح أبواب الماضي دفعة واحدة.علياء الشريرة ماتت...لكن في اللحظة التي انتهت فيها حياتها، وُلدت علياء أخرى.علياء لا تعرف للشر سبيلًا، ولا تحمل في قلبها تلك القسوة التي جعلت منها امرأة يخشاها الجميع. كانت مختلفة تمامًا؛ محبوبة، نشيطة، طيبة، تضحك من قلبها، وتبادر إلى مساعدة الآخرين دون أن تنتظر مقابلًا.وكأن روحها، قبل أن تبدأ حياتها الجديدة، وقفت أمام الله ترجوه فرصة واحدة فقط...فرصة لتكفّر عن كل ذنوبها.وكأن الدعاء قد استُجيب.لكن لماذا أعيدت إليها الحياة بهذه الصورة؟ولماذا عادت إلى المكان نفسه؟ولماذا كان الماضي يصر على مطاردتها؟رفعت علياء عينيها إلى العجوز، وقالت بصوت مرتجف:— هل كل ما حدث لي كان بسبب ما فعلته في حياتي السابقة؟نظرت إليها العجوز طويلًا، ثم قالت:— بعض الأرواح لا تنجو من ماضيها حتى لو تغير جسدها... وبعض الأسرار لا تموت مع أصحابها.تجمدت علياء في مكانها.ثم اقتربت العجوز منها، وأخرجت من جيب ثوبها منديلًا من الحرير الأبيض، بدا قديمًا رغم نظافته.وضعته في يد علياء
خرجت علياء من المقبرة وهي تكاد تركض.كان وجهها شاحبًا، وأنفاسها متقطعة، ويداها ترتجفان فوق عجلة القيادة. لم تستطع أن تستوعب ما سمعته قبل دقائق من حارس المقبرة. كل كلمة قالها كانت تدور في رأسها كأنها صدى لا يريد أن يختفي."هناك خادمة عجوز كانت تعمل في قصر الشامي القديم."توقفت علياء عند الإشارة الحمراء، ثم أغلقت عينيها للحظة.امرأة في العاشرة من عمرها كانت هناك يوم وقوع الكارثة... امرأة عاشت أكثر من نصف قرن وهي تحمل أسرار ذلك القصر.ربما كانت تعرف الحقيقة.ربما كانت تعرف من وضع المتفجرات.وربما... كانت تعرف علياء نفسها.فتحت عينيها فجأة، وانطلقت بالسيارة نحو العنوان الذي أعطاه لها حارس المقبرة.كان المنزل يقع في منطقة هادئة على أطراف المدينة، بعيدًا عن الضجيج والمباني الفاخرة. بناية قديمة نسبيًا، تحيط بها أشجار كثيفة، وكأن صاحبتها اختارت أن تختبئ عن العالم.أوقفت علياء سيارتها أمام المبنى، وبقيت للحظات تحدق في الباب.ثم نزلت.دخلت إلى البناية، واتجهت نحو المصعد. كانت أصابعها تضغط على زر الطابق المطلوب، لكن قلبها كان يخفق بعنف.صعد المصعد ببطء.طابق...ثم آخر...حتى توقف.خرجت علياء وسا
عادت علياء إلى القصر بخطوات متسارعة، وكأن شيئًا في داخلها يدفعها دفعًا نحو إجابة لم تكن مستعدة لسماعها.منذ خروجها من المقبرة، لم تستطع التخلص من صورة القبرين من رأسها، ولا من ذلك الشعور الغريب الذي لازمها كلما ذُكرت أسماء علياء ونجلاء السعدي.دخلت مكتبة القصر وأغلقت الباب خلفها، ثم أمسكت هاتفها واتصلت بفهد.لم تمر سوى لحظات حتى جاء صوته من الطرف الآخر:— علياء؟ ماذا حدث؟صمتت للحظة، ثم قالت بصوت متوتر:— فهد... أريد منك أن تساعدني.— في ماذا؟ابتلعت ريقها وقالت:— أريد أن أفتح قبر علياء ونجلاء السعدي.ساد الصمت.ثم جاء صوت فهد مصدومًا:— ماذا؟! لماذا تريدين نبش الماضي؟ لقد دُفنتا منذ سنوات طويلة، وما حدث انتهى.أغمضت علياء عينيها.— بالنسبة إليك انتهى... أما بالنسبة إليّ فلا شيء انتهى.— ماذا تقصدين؟فتحت عينيها وقالت بحزم:— أريد أن أبرئ نفسي قدر الإمكان.تغير صوت فهد.— هل تظنين أن القبر سيعطيك جوابًا؟— لا أعرف... لكنني أشعر أن هناك شيئًا مخفيًا. شيء يتعلق بعلياء ونجلاء وبقصر الشامي... وأنا لن أرتاح حتى أعرف الحقيقة.ظل فهد صامتًا لثوانٍ، ثم قال:— حسنًا. سأفعل ما طلبتِ.---بعد س







