Share

ياقوتة النيل السوداء
ياقوتة النيل السوداء
Auteur: بقلم الكاتبة مروة ماجد اللقب ملكة الخيال

الفصل الأول

البداية (الصدمة والتأمل):

كاميليا، الطبيبة المسلمة، تجد نفسها في قصر مليء بالتماثيل والكهنة. ستبدأ بممارسة شعائرها سراً (الصلاة، الذكر). سيراقبها أمنحوتب ومراد بدهشة؛ فهذه "الحركات" في صلاتها والسكينة التي تظهر عليها ليست سحراً فرعونياً، بل شيئاً أسمى.

العلم كبوابة للإيمان:

عندما يبدأ أمنحوتب بسؤالها: "كيف تعالجين الجروح بهذه الدقة؟"، ستجيبه كاميليا: "هناك خالق واحد صوّر هذا الجسد في أحسن تقويم، وما أنا إلا أداة وضع فيها علماً لخدمة خلقه". سيبدأ أمنحوتب، الرجل العقلاني، بالتشكيك في أصنام الكهنة أمام منطق كاميليا الطبي والإيماني.

مشهد المواجهة (كاميليا وأمنحوتب):

في ليلة مقمرة أمام النيل، سيسألها أمنحوتب: "بمن تستغيثين في خلوتك يا كاميليا؟".

ستجيبه بخواطر إيمانية: "أستغيث بالذي خلق هذا النيل وأجراه، من لا يموت ولا ينام، من ليس له تمثال من حجر لأنه أعظم من أن يدركه بصر، ولكنه يسكن القلوب التي تعرفه".

📜 خواطر إسلامية لشخصيات الرواية (بعد الهداية):

👑 الأمير أمنحوتب (بعد إسلامه):

"كنتُ أظن أنني إله فوق الأرض، حتى رأيتها تسجد لخالقها وتضع جبهتها على التراب تذللاً. في تلك اللحظة، انكسر جبروت تاجي. عرفتُ أن العزة ليست في حكم البشر، بل في عبادة رب البشر. لقد علمتني كاميليا أن التاج الحقيقي هو نور الإيمان الذي يسكن الروح، وأني اليوم.. ولدتُ من جديد."

🗡️ مراد الهواري (السند والقدوة):

"في خضم الحروب، كنتُ أبحث عن معنى للتضحية. وعندما رأت عيني أختي وهي تثبت على مبادئها رغم كيد الكهنة، أدركتُ أن هذا الدين هو القوة التي كنتُ أفتقدها. أشهد أن لا إله إلا الله، والآن سأحمي هذا الدين بسيفي كما أحمي اسم عائلتي."

🏺 بين مبضع الجراح وعقد الدم

تبدأ الحكاية حين تنطفئ أضواء غرفة العمليات في القرن الواحد والعشرين على وجه الدكتورة كاميليا، لتستيقظ تحت سقفٍ منقوش برموز لا تنتمي لزمنها. لم تسافر كاميليا عبر المكان، بل عبر "القدر"، لتجد نفسها في قلب "طيبة" في زمنٍ عجائبي؛ حيث تُحكم القصور ببروتوكولات فيكتورية صارمة، وتُقدس المعابد آلهةً صامتة، ويُعامل العلم كجريمة تستحق الموت.

⚔️ ثنائية النور والفولاذ

كاميليا ليست وحدها؛ فلديها مراد. هو ليس مجرد أخ، بل هو "السياج" الذي يمنع خناجر الغدر من الوصول لظهرها. مراد الذي يمثل قوة السيف واليقين، وكاميليا التي تمثل نفاذ البصيرة والمشرط. معاً، يشكلان "جبهة التوحيد" السرية في قصرٍ محاط بالأفاعي.

📜 الحب في زمن الانقلاب

وسط دماء الجروح التي تداويها، وكلمات القرآن التي تهمس بها سراً، يشتعل قلب الأمير أمنحوتب. هو لا يحب ابنة الوزير الهواري، بل يحب "السر" الكامن داخلها. تبدأ معركة الأمير الكبرى ليس ضد أعدائه في الخارج، بل ضد الأصنام التي في داخله، ليقرر في النهاية أن يلقي بتاجه خلف ظهره ويتبع "ياقوتته السوداء" نحو نورٍ لم يعرفه أجداده.

🥀 صراع البقاء

بينما تبني كاميليا "بيوت الحكمة" وتداوي الفقراء، تحيك نازلي وصوفيا شباكاً من السحر والسم والمجاعة. الرواية ليست مجرد قصة حب، بل هي ملحمة تحوّل حضاري؛ حيث تقف امرأة واحدة مسلحة بالعلم والقرآن في وجه آلاف السنين من الظلام، مدعومة بظلها الوفي "مراد".

استيقاظ الياقوتة

كان السكون يطبق على المكان، سكونٌ ثقيل لا يقطعه إلا طنين بعيد وكأنني ما زلت تحت تأثير التخدير. "كاميليا.. استيقظي.. الوقت يداهمنا"، كان هذا صوتي الداخلي يلح عليّ، لكن جسدي كان يرفض الطاعة.

فتحتُ جفنيّ ببطء شديد. لم يكن السقف أبيضاً بارداً كما في غرف العمليات، بل كان لوحةً من اللازورد الصافي، نُقشت عليها نجومٌ ذهبية مصفوفة بدقة هندسية مذهلة، يحيط بها إطار من الجبس الفيكتوري المذهب. استنشقتُ الهواء، فلم أجد رائحة المعقمات، بل رائحة عودٍ معتق، وبخور ياسمين، ورائحة رطوبة خفيفة تأتي من بعيد.. رائحة النيل.

"بسم الله.. أين أنا؟" همستُ بصوتٍ لم أعرفه، صوتٍ رخيم ناعم كالحرير.

حاولتُ الاعتدال في جلستي، فشعرتُ بضغطٍ حاد حول قفصي الصدري. نظرتُ إلى أسفل، فصدمتني الرؤية؛ كنتُ أرتدي قميص نومٍ من الكتان الملكي الشفاف، لكن أسفله كان هناك "مشدّ" (Corset) عاجي اللون، يطبق على خصري بقسوة تجعل التنفس الطبيعي رفاهية.

نهضتُ من السرير ذو الأعمدة الأربعة المصنوع من خشب الأبنوس، وتوجهتُ نحو مرآة نحاسية ضخمة. تجمدت الدماء في عروقي وأنا أنظر إلى الانعكاس.

كانت كاميليا. نفس اسمي، لكن بجمالٍ فرعوني أرستقراطي لم أره إلا في الكتب. بشرة قمحية صافية، وعينان واسعتان كحلتهما يدٌ خبيرة، وشعرٌ أسود ليل ينسدل كشلال فوق كتفيّ. لمستُ وجهي بأصابع مرتجفة؛ لم تعد هذه يد الطبيبة التي أرهقها غسل اليدين الجراحي، بل يد "هانم" مدللة.

فجأة، انتبه حسي الطبي لشيءٍ مريب. على الطاولة الجانبية، كان هناك فنجان صيني مرسوم عليه زهرة اللوتس. اقتربتُ منه، شممته بحذر.. تلك الرائحة! خلف ذكاء الياسمين، كانت هناك نغمة معدنية لا يخطئها أنف الطبيب.

"ديجيتاليس.. سم القلب!" تمتمتُ بذهول. "كاميليا لم تمت بمرض، لقد قُتلت بجرعات مدروسة."

انفتح الباب الضخم فجأة، ودخلت وصيفة شابة، سقطت منها صينية الفضة حين رأتني واقفة.

"ياقوتة القصر! كاميليا هانم! أنتِ.. أنتِ تمشين؟"

نظرتُ إليها ببرودٍ استمددتُه من صدمتي: "من أنتِ؟ وماذا يحدث في هذا القصر؟"

ارتمت الوصيفة عند قدمي تبكي: "أنا وصيفتكِ المخلصة 'نفرت'. يا مولاتي، القصر يغلي! نازلي هانم أعلنت للجميع أنكِ في سكرات الموت، ومنعت حتى الأمير أمنحوتب من دخول جناحكِ.. لكن الخبر الصاعقة وصل الآن؛ السفينة الملكية رصت في الميناء، وعلى متنها القائد مراد الهواري.. أخوكِ عاد من الموت يا هانم! وهو الآن يقتحم الصالة الكبرى بجنوده!"

شعرتُ برعشة تسري في جسدي. مراد؟ الأخ الذي قرأتُ في الرواية أنه السند الوحيد؟

نظرتُ إلى الفنجان المسموم، ثم إلى المرآة. مسحتُ دمعةً تائهة وقررتُ أن كاميليا الطبيبة لن تستسلم لقوانين هذا العالم الجائر.

"نفرت.. أحضري لي أفخم فستان أسود لديّ. اليوم لن أحضر جنازتي، بل سأحضر عودة أخي.. وسأجعل نازلي هانم تتجرع مرارة مفاجأتها."

هيبة الياقوتة وصدمة العودة

وقفتِ عند رأس الدرج الرخامي العظيم الذي ينحني كجناحي صقر باتجاه الصالة الكبرى. كانت الصالة تحتكِ تغلي كمرجل: الحرس الملكي بملابسهم الذهبية يصطفون، وفي المنتصف تقف نازلي هانم، بظهرٍ مفرود ووجهٍ شاحب كالجير، تحاول الحفاظ على هيبتها أمام رجلٍ غطاه غبار السفر وبريق الانتصارات.

كان مراد الهواري. جسدٌ ضخم كأنه نُحت من صخور الجبل، يرتدي بذلة عسكرية سوداء ذات ياقة عالية وأزرار ذهبية، ووشاحاً أحمر يقطع صدره. كان يصرخ بصوتٍ جهوري:

"أين أختي؟ أخبرتني البرقيات أنها تحتضر، وإن لم أرها الآن حية، سأهدم هذا القصر فوق رؤوسكم!"

وبجانبه، كان يجلس على مقعدٍ مذهب ببرودٍ قاتل.. الأمير أمنحوتب. كان يضع ساقاً فوق الأخرى، يمسك بعصاه الملكية ذات الرأس الياقوتي، وعيناه الكحيلتان تراقبان المشهد بمللٍ لم يدم طويلاً.

عندها، بدأتِ بالنزول.

لم يكن نزولكِ نزول مريضة، بل كان ظهور ملكة. فستانكِ الأسود الفاخر ينساب خلفكِ، وطبقات الدانتيل عند العنق تبرز شحوب بشرتكِ الممزوج بذكاء عينيكِ. ساد الصمت فجأة. ارتفعت الرؤوس، وتجمدت الأنفاس.

"كاميليا؟" همس مراد بصوتٍ مخنوق، وكأنه يرى طيفاً.

أما نازلي هانم، فقد تراجعت خطوة للخلف، وسقطت مروحتها اليدوية من يدها. كانت تنظر إليكِ بذهول؛ فهي تعلم يقيناً أن كمية السم التي وضعتها في فنجانكِ كافية لقتل ثور، فكيف تقفين الآن بهذه القوة؟

وصلتِ إلى نهاية الدرج، وقفتِ أمامهم مباشرة. نظرتِ إلى مراد، وبدافعٍ من ذكريات الجسد أو ربما الحنين لـ "سند" في هذا العالم الغريب، قلتِ بنبرةٍ هادئة ولكنها مسموعة:

"الحمد لله على سلامتك يا أخي.. لقد تأخرت كثيراً، لكنك عدت في الوقت الذي كنتُ أحتاجك فيه بشدة."

ارتمى مراد نحوكِ وضغط على كتفيكِ بقوة، وعيناه تلمعان بدموعٍ لم يذرفها في الحروب: "أنتِ حية.. كيف قالوا إنكِ تموتين؟"

هنا، شعرتِ بنظرةٍ تخترق جانب وجهكِ. التفتِّ بهدوء لتجدي الأمير أمنحوتب قد نهض من مقعده. اقترب بخطواتٍ رزينة، ورائحة عطر "الصندل الملكي" تسبقه. وقف أمامكِ تماماً، وانحنى برأسه قليلاً بأسلوبٍ فيكتوري راقٍ، لكن عينيه كانتا تقرآنكِ ككتابٍ مفتوح.

قال أمنحوتب بصوتٍ منخفض، لا يسمعه إلا أنتِ ومراد: "عجيبٌ أمركِ يا ابنة الهواري.. بالأمس قيل لي إنكِ فقدتِ النطق وتنتظرين الرحيل، واليوم أرى في عينيكِ شعلةً لم أرها حتى في قادة جيوشي. هل هو معجزة طبيب.. أم أنه سحرٌ جديد؟"

لم ترتبكي. نظرتِ في عينيه مباشرة، وبثبات الطبيبة التي لا تهاب الموت، قلتي:

"بل هو حفظ الله يا سمو الأمير.. فمن كُتب له العمر، لا تقتله مكائد البشر."

تغيرت ملامح أمنحوتب للحظة؛ كلمة "الله" كانت غريبة على مسامعهم في هذا القصر المليء بالأصنام. ضيق عينيه باهتمام، بينما كانت نازلي تراقب المشهد من بعيد، مدركةً أن "كاميليا" التي أمامها الآن، هي عدوٌ أخطر بآلاف المرات من تلك الفتاة التي حاولت قتلها.

بوح الياقوتة وعودة السند

توقف مراد فجأة تحت شجرة جميز عتيقة، التفت إليكِ وعيناه العسليتان تعتصران ألماً وغضباً. أمسك بيدكِ برفق، لكنه لاحظ شحوبها وبرودتها.

"كاميليا، انظري في عينيّ،" قالها بصوتٍ جهوري منخفض. "ما الذي حدث في هذا القصر بغيابي؟ الرسائل التي كانت تصلني كانت تقول إنكِ تذبلين، واليوم رأيتُ الخوف في عيني 'نازلي' حين ظهرتِ. أخبريني الحقيقة.. من حاول إيذاءكِ؟"

نظرتِ حولكِ لتتأكدي من خلو المكان، ثم سحبتِ يدكِ برقة وعدلتِ وضع قفازكِ الدانتيل الأسود. تنفستِ بعمق، وقلتِ بصوتٍ هادئ مفعم بالثبات:

"مراد، الحياة والموت بيد الله وحده، وما أصابني لم يكن مرضاً.. بل كان سماً وُضع لي في فنجان شاي الصباح."

تجمد مراد. عروق عنقه برزت من الغضب، ويده اتجهت غريزياً إلى مقبض سيفه المذهب. "سم؟ تلك الحية نازلي! سأقتلها الآن وأنهي هذا العبث!"

"انتظر!" أمسكتِ بذراعه بقوة فاجأته. "الاندفاع لن يفيدنا. أنا طبيبة.. أو على الأقل، لدي علمٌ بالسموم لا يملكه أطباء القصر. لقد نجوتُ بفضل الخالق الذي استودعتُه روحي. القوة الآن ليست في السيف، بل في كشفهم أمام الأمير أمنحوتب."

هبط غضب مراد قليلاً، لكن ملامحه امتلأت بالحيرة. "الله؟ استودعتِ روحكِ؟ كاميليا، كلماتكِ غريبة.. نبرة صوتكِ، وهدوؤكِ أمام الموت.. لم تكوني هكذا. أين ذهبت تلك الفتاة التي كانت تبكي من وخزة إبرة؟"

ابتسمتِ ابتسامة غامضة مليئة بالسكينة. "تلك الفتاة ماتت مع أول رشفة سم يا مراد. أما التي أمامك الآن، فقد عرفت أن هذا العالم زائل، وأن هناك رباً واحداً يحمي من يتوكل عليه. لقد وجدتُ السلام في 'الإسلام'، يا أخي.. في تسليم أمري لمن خلقني."

ساد صمت طويل. مراد، الجنرال الذي لا يهاب الجيوش، وقف مذهولاً أمام هذه الكلمات. في هذه اللحظة، تحركت الشجيرات خلفكم، وخرج منها ظلٌ طويل.

إنه الأمير أمنحوتب. كان يتكئ على عمود مرمر، ويبدو أنه سمع جزءاً من الحوار.

"تسليم الأمر؟" قال أمنحوتب وهو يتقدم نحوكما ببطء، وعيناه تلمعان بفضول مرعب تحت ضوء الفانوس. "كلماتٌ ثقيلة يا كاميليا هانم. هل تقصدين أنكِ كفرتِ بآلهة آبائكِ ووجدتِ إلهاً لا نراه؟"

مراد وقف حائلاً بينكِ وبين الأمير، لكنكِ لم تتراجعي. خطوتِ خطوة للأمام، وقلتِ بثبات:

"سمو الأمير، الحجر لا يحمي، والذهب لا يحيي. العلم الذي أنقذني من السم لم يكن سحراً، بل هو بصيرة وهبها لي ربي. إذا أردت أن تعرف كيف شفيت، فأنصت لقلبك لا لتمثال المعبد."

لمع بريق غريب في عيني أمنحوتب، مزيج من التحدي والإعجاب السري. انحنى نحوكِ وقال بهمس: "إذاً أثبتي لي صدق قولك. غداً، سيمثل أطباء القصر وكهنة المعبد أمامي ليفسروا 'معجزة' شفائك. إن عجزوا، وأثبتِّ علمكِ... فقد أفكر في سماع قصة هذا 'الإله' الذي تتحدثين عنه."

مناظرة "بيت الحياة"

في صباح اليوم التالي، كانت قاعة العرش في قصر "طيبة" الفيكتوري تعجُّ بالحضور. الرخام المصقول يعكس ضوء الشمس، والبخور يتصاعد في أعمدة مستقيمة. جلس الأمير أمنحوتب على عرشه المذهب، وبجانبه وقف مراد الهواري بزيّه العسكري، يراقب الموقف بحذر، ويده لا تفارق مقبض سيفه.

على الجانب الآخر، وقف ثلاثة من كبار كهنة المعبد وأطباء القصر، يرتدون أردية كتانية بيضاء مطرزة، ويحملون لفائف البردي.

"كاميليا هانم،" بدأ أمنحوتب بصوته الرخيم الذي تردد صداه في القاعة. "الكهنة يقولون إن شفاءكِ كان 'غضباً من الآلهة' سكن جسدكِ ثم رحل. فما قولكِ أنتِ؟"

تقدمتِ بخطوات ثابتة، مرتديةً فستاناً من الجوخ الأسود بياقة بيضاء صارمة، يشبه أزياء الممرضات في العصر الفيكتوري ولكن بلمسة ملكية. وضعتِ على الطاولة أمامهم شيئاً صدم الجميع: فنجان الشاي الذي شربتِ منه بالأمس، وبجانبه ورقة قمتِ برسم "تشريح للقلب البشري" عليها بدقة مذهلة لم يروها من قبل.

"سمو الأمير،" بدأتِ بثقة الطبيبة. "الآلهة التي ينحتها هؤلاء من حجر لا تغضب ولا ترضى. جسدي لم يسكنه شيطان، بل سكنه 'سم الديجيتاليس' المستخلص من زهور يزرعونها في حدائق المعبد."

تعالت همسات الذهول. صرخ كبير الكهنة: "هذا كفر! كيف لامرأة أن ترسم أسرار الجسد التي لا يعرفها إلا الموتى؟"

نظرتِ إليه بحدة وقالتِ: "أسرار الجسد خلقها الله الذي أبدع كل شيء خلقه. انظر هنا يا سمو الأمير.." أشرتِ إلى رسم القلب. "هذا العضو ليس مجرد ممر للروح، بل هو مضخة. السم الذي وُضع لي جعل هذه المضخة تضطرب حتى كادت تتوقف. شربتُ مغلي 'قشور الرمان والخل' الذي صنعته وصيفتي بأمر مني فور استيقاظي، ليعمل كمضاد بدائي، لكن إرادة الخالق فوق كل علم هي من أحيتني."

نهض أمنحوتب من عرشه، واقترب من الرسم. لمس الخطوط الدقيقة بإصبعه، ثم نظر إليكِ بعينين يملؤهما ارتيابٌ ممزوج بإعجاب شديد. "كيف عرفتِ شكل القلب بهذا الوضوح يا كاميليا؟ وكأنكِ رأيتِ أحشاء البشر بعينيكِ!"

قلتِ بهدوء: "لأن ربي أمرنا بالتفكر في خلقه. العلم ليس حكراً على المعابد يا سمو الأمير. العلم نورٌ يقذفه الله في قلب من يشاء."

في تلك اللحظة، وقعت عيناكِ على نازلي هانم التي كانت تقف في الزاوية؛ كانت ترتجف، ليس خوفاً من الكفر، بل خوفاً من أن ينكشف أمرها.

مراد، الذي كان يراقب بصمت، شعر بفخرٍ لا يوصف. اقترب منكِ وقال أمام الجميع: "سمو الأمير، أختي تتحدث بعلمٍ لا نملكه. وأنا أعلن من هنا، أن أي تكفير لقولها هو تكفير لي ولجيشي."

أمنحوتب التفت إلى الكهنة وقال بلهجة حاسمة: "ارحلوا. أريد أن أخلو بكاميليا هانم والقائد مراد."

بعد خروج الجميع، ساد صمتٌ مهيب. نظر أمنحوتب إليكِ وقال: "لقد هزمتِهم بالمنطق. لكن أخبريني يا كاميليا.. هذا 'الله' الذي تتحدثين عنه، هل هو من علمكِ تشريح القلوب؟ وهل يرضى بأن تسكن روحه في جسد امرأة متمردة مثلكِ؟"

ابتسمتِ بثبات وقُلتِ: "الإسلام يا سمو الأمير، لا يفرق بين رجل وامرأة في العلم. ونعم، هو من علمني أن الجسد أمانة، وأن العقل أداة لاكتشاف عظمة الخالق."

أول سجدة في أرض الفراعنة

كنتِ قد انتهيتِ من الوضوء، ولففتِ رأسكِ بشالٍ من الكتان الأبيض الرقيق الذي يشبه "الطرحة" العصرية، فوق فستانكِ الأسود السابغ. وقفتِ للصلاة، وبينما كنتِ تهمسين بـ "الله أكبر"، سمعتِ وقع أقدامٍ عسكرية ثقيلة تتوقف عند الباب، ثم ينفتح ببطء.

كان مراد. وقف مكانه، متجمداً من المشهد. لم يركِ يوماً بهذه الهيئة؛ السكينة التي كانت تشع من وجهكِ والهدوء الذي يلف المكان كانا أقوى من أي جيش قاده.

انتظر مراد حتى سلمتِ، ثم اقترب بخطوات مترددة. "كاميليا.. ماذا كنتِ تفعلين؟ رأيتكِ تضعين جبهتكِ على الأرض.. لم أرَ نبيلةً في حياتي تتواضع للتراب بهذا الشكل."

نظرتِ إليه بعينين تملؤهما الدموع، وقلتِ بصوتٍ حنون: "يا مراد، الجبهة التي تسجد لخالقها لا تنحني لبشر. كنتُ في حضرة ملك الملوك، من أعادك إليّ حيّاً، ومن أنقذني من السم. هذا هو الركن الذي آوي إليه عندما يضيق بي هذا العالم."

جلس مراد على طرف مقعدٍ مذهب، وبدا كأنه طفلٌ يبحث عن إجابات. "أشعر بضيق في صدري منذ عدت يا أختي.. الدماء التي رأيتها في الحروب، والمؤامرات في هذا القصر.. قلبي لا يجد راحة. هل يمكن لهذا 'الإله' أن يقبل رجلاً مثلي؟ يداه تلطختا بالدماء؟"

أمسكتِ بيد أخيكِ وقُلتِ بقوة: "إنه الغفور الرحيم يا مراد. هو يقول 'نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم'. الإسلام يمحو ما قبله. هل تود أن تشعر بالسلام الذي أشعر به؟"

أومأ مراد برأسه بصمت. وقفتِ خلفه، وبدأتِ تعلمينه الوضوء أولاً، ثم وقفتما معاً.

"قل مثلي يا مراد.. الله أكبر."

تردد صوته الجهوري في الغرفة، مهتزاً بخشوع لأول مرة: "الله أكبر."

في تلك اللحظة، ومن وراء الستائر الثقيلة للشرفة، كان هناك ظلٌ يراقب. الأمير أمنحوتب كان قد جاء ليتحدث معكِ في شأن طبي، لكنه توقف مكانه وهو يرى القائد العسكري الأقوى في الإمبراطورية يتبع حركات أخته في صلاة غامضة.

أمنحوتب لم يشعر بالسكينة، بل شعر بالخوف.. خوفٍ غريب على عرشه من هذا الدين الذي يجعل "الجنرال" و"الهانم" يتساويان في السجود لربٍ لا يراه.

حوار العرش واليقين (بين جبروت التاج وسكينة الروح)

كانت الشمس ترسل خيوطها الأولى فوق أعمدة الجرانيت، لتكشف عن ضبابٍ فيكتوريٍّ كثيف يزحف من ضفاف النيل ليغلف شرفات القصر الملكي. كانت كاميليا تسير في ممر "الأبديّة"، حيث تتمازج فيه النقوش الهيروغليفية الغائرة مع الثريات الكريستالية المعلقة بسلاسل برونزية.

فجأة، انشق الضباب عن قامة الأمير أمنحوتب. كان يقف بظهره، مرتدياً معطفاً عسكرياً طويلاً من المخمل الأسود، مطرزاً عند الأكتاف برأس "حورس" المذهب. لم يلتفت، لكن صوته الرخيم قطع الصمت كشفرة حادة:

"توقفي يا ابنة الهواري.. الممرات في هذا الوقت من الفجر لا تليق بامرأةٍ رقيقة، إلا إذا كانت تبحث عن سرٍّ دفين، أو تخفي حقيقةً مرعبة."

توقفت كاميليا، ولم يبدُ على وجهها أي ارتباك. عدلت وضع شالها الأبيض الذي يحيط برأسها بوقار، تاركةً خصلةً سوداء واحدة تتمرد على جبهتها. نظرت إلى ظهره بعينين باردتين، وقالت بصوتٍ يحمل وقار العلم وغموض الغيب:

"سمو الأمير، من يداوي الجروح لا يخشى الظلال. والسرّ لا يُبحث عنه في الممرات، بل يسكن في الصدور التي لا تنام."

استدار أمنحوتب ببطء، وكانت عيناه الكحيلتان تشتعلان بفضولٍ كاد يحرق هدوءه. خطا خطواتٍ وئيدة نحوها حتى لم يعد يفصلهما سوى أنفاس معدودة. كانت رائحة بخوره الملكي (الذي يُصنع خصيصاً للعرش) تهاجم حواسها، لكنها بقيت ثابتة كمسلةٍ عتيقة.

"رأيتكما بالأمس،" قالها بهمسٍ مشحون بالتوتر. "رأيتُ القائد الذي ترتعد منه الممالك، مراد الهواري، يسجد خلفكِ على التراب.. يضع كبرياء جيشه تحت قدميكِ وأنتِ تتمتمين بكلماتٍ لا تشبه لغتنا، كلماتٍ لها رنينٌ يهزّ الجدران. أخبريني بحق الروح التي تسكنكِ.. أي سحرٍ هذا الذي سلب ولاء أخي وعضدي؟"

رفعت كاميليا رأسها، وصار بريق عينيها في الضباب كالياقوت الأسود. "إنه ليس سحراً يا سمو الأمير، إنه 'الحق' الذي تفر منه القلوب المستكبرة. مراد لم يسجد لي، بل سجد لمن رفع السماء بلا عمد. إن كبرياءه لم يسقط، بل وجد مكانه الصحيح في مقام العبودية لخالق الكون."

ضيق أمنحوتب عينيه، وخطا خطوة إضافية محاصراً إياها بين قامة جسده وعمودٍ مرمر ضخم. "الكون له آلهةٌ نعرفها يا كاميليا.. لها تماثيل وقرابين. أما إلهكِ هذا.. فهو غيب، والغيب يخيف الملوك."

قالت كاميليا بنبرةٍ غامضة، وكأنها تتحدث من قرنٍ آخر: "الملوك يخافون مما لا يمكنهم شراؤه بذهبهم أو كبحه بسيوفهم. أنت تملك الأرض، لكنك لا تملك النبضة التي في صدرك. انظر إليّ يا أمنحوتب.. أنا طبيبة، أرى هشاشة العظم تحت الحرير، وأرى اضطراب الروح خلف التاج. أنت تسأل عن السحر، وأنا أحدثك عن يقينٍ يجعل الموت مجرد جسرٍ للعبور."

ساد صمتٌ طويل، لم يقطعه إلا حفيف الأشجار. مدّ أمنحوتب يده ببطءٍ شديد، كأنه يخشى أن تتبخر هذه الفتاة أمامه. لمس طرف شالها الأبيض بأصابع مرتجفة، ثم انحنى قليلاً حتى صار همسه عند أذنها:

"أنتِ لغزٌ لا يُحل.. أحياناً أظنكِ راهبة من سماءٍ بعيدة، وأحياناً أرى فيكِ تمرداً يهدد عرشي. مراد وجد سلامه في سجدته.. فماذا عني أنا؟ هل في هذا 'الإسلام' الذي تتحدثين عنه، مكانٌ لرجلٍ أثقله التاج حتى نسي كيف يتنفس دون أوامر؟"

نظرت إليه كاميليا، ولأول مرة، لمعت في عينيها نظرة إشفاقٍ غامضة. "الله لا يحتاج إلى تيجاننا يا أمنحوتب، بل يحتاج إلى قلوبنا. هو يناديك في صمت الليل، وفي إعجاز الجسد الذي تزدري علمه. الإسلام هو أن تضع تاجك جانباً، وتدرك أنك مجرد إنسان."

تراجع الأمير خطوة، ونظر إلى يده التي مست شالها وكأنه لمس ناراً مقدسة. "إذاً علّميني.. لا تطلبي مني السجود الآن، فكبريائي جبلٌ لم يهدمه أحدٌ بعد. لكن كوني ياقوتتي التي تضيء لي عتمة هذا العرش.. أخبريني عن هذا الإله الذي يجعل المرأة أقوى من الأمير."

🌙 خلوة السر (كاميليا ومراد)

بعد أن انصرف الأمير وهو يجر أذيال حيرته، ذهبت كاميليا إلى "مقصورة الصقر" حيث كان مراد ينتظرها بعيداً عن العيون. هناك، سقط القناع تماماً.

تنهدت كاميليا بعمق، وبدا التعب على وجهها. نظر إليها مراد بقلق: "لقد طال الحديث مع الأمير يا أختاه.. هل كشفتِ له الكثير؟"

أجابت كاميليا بغموضٍ يزداد كثافة: "لقد بدأتُ بهزّ أركان قلبه يا مراد. الأمير ذكي، وذكاؤه هو بوابتنا. لكن احذر.. نازلي وصوفيا يراقبون من خلف الستائر. لقد شممتُ رائحة مكرهم في أروقة الجناح الشرقي."

أمسك مراد بكتفيها: "لا تخافي، سيوفي ورجالي الذين آمنوا معي مستعدون. لكن قولي لي.. كيف تعرفين دائماً ما سيقوله الأمير قبل أن ينطق؟"

ابتسمت كاميليا ابتسامةً حزينة: "لأنني يا مراد، رأيتُ مصائر الرجال في كتبٍ لم تُكتب في هذا الزمان بعد (تقصد علمها بالتاريخ والرواية). أنا لستُ مجرد طبيبة.. أنا روحٌ تحمل وزر مستقبلٍ لا تعرفونه. سرّي هو أمانتك.. فإذا انكشف الغطاء قبل أوانه، لن يرحمنا أحد."

"مبضع الجراح وعقد الدم"

ليلة المشرط البدائي

كانت ليلةً ليلاء، حيث احتجبت النجوم خلف سحبٍ رمادية ثقيلة، وكأن سماء "طيبة" تتوجس خيفة مما سيحدث. في "بيت الهواري"، وتحديداً في الإسطبلات الملكية البعيدة عن عيون الجواسيس، كان الجو مشحوناً برائحة الخيل المختلطة برائحة الدماء.

على طاولة خشبية ضخمة، كان يرقب الموت جنديٌ شاب من رجال مراد المخلصين، "سيف"، الذي تعرض لطعنة غادرة مسمومة في خاصرته أثناء نوبة حراسته. كان النزيف غزيراً، ووجه الشاب قد استحال إلى لون الرماد.

"أين هي؟!" صرخ مراد بغضبٍ مكتوم وهو يضغط على جرح جنديه بقطعة قماش كتانية تبللت بالدماء بالكامل. "الطبيب الملكي قال إن أمعاءه قد قُطعت ولا رجاء منه، وأن علينا تركه ليرحل بسلام!"

في تلك اللحظة، انشق ظلام الممر عن قامةٍ متشحة بالسواد. كانت كاميليا. لم تكن ترتدي فساتينها الفيكتورية المنفوشة، بل ارتدت ثوباً بسيطاً من الكتان الأسود، وشمرت عن ساعديها بصرامة، ولفّت رأسها بالشال الأبيض بطريقة عملية تغطي شعرها بالكامل.

خلفها، كانت الوصيفة "نفرت" تحمل صندوقاً معدنياً صغيراً وأباريق من الماء المغلي.

"ابتعد يا مراد،" قالت كاميليا بصوتٍ بارد، قاطع، لا يحمل ذرة من التردد. "الموت لا ينتظر صراخك."

نظر إليها مراد بذهول: "كاميليا، الطبيب الملكي يقول إنه سيموت! الكهنة يقولون إن روحه بدأت بالرحيل!"

اقتربت كاميليا من الجندي، وضعت أصابعها النحيلة على نبضه، ثم نظرت إلى مراد بعينين غامضتين كبحرٍ لجيّ: "الكهنة يعرفون كيف يحنطون الموتى، أما أنا فأعرف كيف أبقي الأحياء على قيد الحياة بإذن خالقها. اذهب وقف عند الباب، لا تسمح لأحد، كائناً من كان، بالدخول.. حتى لو كان الأمير أمنحوتب نفسه."

فتح مراد فمه ليعترض، لكنه رأى في عيني أخته نظرةً لم يرها قط؛ لم تكن نظرة "كاميليا الهانم"، بل نظرة جراحٍ خاض ألف معركة ضد الموت. أومأ برأسه بطاعة عمياء وانسحب ليقف حارساً عند الباب بسيفه المسلول.

التفتت كاميليا إلى "نفرت" المرتعبة: "اسكبي النبيذ القوي على يديّ، ثم على الخناجر الرقيقة التي طلبتُ سنّها بالأمس. أسرعي!"

بدأت كاميليا العمل. في عالمٍ يعتقد أن فتح الجسد هو تدنيس، كانت هي تشرح الأنسجة بمهارة فائقة. استخدمت خيوطاً من الحرير المعقم بالماء المغلي والنبيذ، ومشرطاً صنعته خصيصاً بمساعدة حدادٍ سري. كانت تتمتم بآيات من القرآن الكريم بصوتٍ خافت، وكأنها تستمد القوة من عالمٍ آخر.

"سبحانك.. أنت الشافي.. بسم الله.."

ساعة.. ساعتان.. والعرق يتصبب من جبينها، ويدها ثابتة لا ترتعش. كانت تخيط الأوعية الدموية بدقة مذهلة، في مشهدٍ لو رآه الكهنة لقالوا إنه سحرٌ أسود، ولو رآه أطباء عصرها الحقيقي لصفقوا لها إعجاباً.

فجأة، اهتز الباب بعنف. صوت حرسٍ ملكي يصرخ: "افتحوا الباب! الأمير أمنحوتب هنا، وقد وصلت أنباء عن ممارسة سحرٍ محرم في إسطبلات الهواري!"

توقف قلب "نفرت" رعباً، لكن كاميليا لم تلتفت. كانت تضع الغرزة الأخيرة في جدار البطن. قالت بهمسٍ حاد: "مراد.. لا تفتح الباب حتى أعطيك الإشارة. حياة هذا الرجل في غرزة واحدة."

في الخارج، كان أمنحوتب يقف بوشاحه الملكي، وعيناه تشتعلان غضباً. "مراد! تنحَّ عن الطريق. هل تخفي أختك خلف هذا الباب وهي تمارس طقوساً غريبة؟"

صوت مراد جاء ثابتاً كالرعد: "سمو الأمير، أختي لا تمارس السحر، بل تمارس المعجزات. انتظر لحظة واحدة، وسترى بعينيك."

بعد دقائق، فُتح الباب ببطء.

خرجت كاميليا، يداها ملطختان بالدماء، وشالها الأبيض عليه رذاذٌ أحمر، لكن وجهها كان يحمل سكينةً مرعبة. نظرت إلى أمنحوتب الذي تجمد مكانه من هول المنظر.

"لقد انتهيت،" قالت كاميليا وهي تمسح يديها بقطعة قماش. "الجندي يتنفس، والنزيف توقف. إذا كنت تسمي العلم سحراً يا سمو الأمير، فتعالَ وانظر إلى 'السحر' الذي أحيا رجلاً كان الطبيب الملكي قد وقع شهادة وفاته."

خطا أمنحوتب للداخل، ورأى الجندي "سيف" نائماً بهدوء، وصدره يرتفع وينخفض بانتظام، وجرحه مخيطٌ بدقة لم تشهدها طيبة من قبل.

التفت أمنحوتب إلى كاميليا، واقترب منها حتى مست أنفاسه وجهها، وقال بصوتٍ مهزوز: "من أنتِ يا كاميليا؟ أي إلهٍ علمكِ خياطة أجساد البشر كأنها أثواب حرير؟ وأي شجاعةٍ تلك التي تجعلكِ تواجهينني والدماء تغطي يديكِ؟"

أجابت ببرودٍ يزداد غموضاً: "أنا مجرد أمةٍ لله، يا أمنحوتب. العلم الذي تراه هو قطرة من بحر خالقك. والآن.. هل ستعتقلني بتهمة السحر، أم ستعترف أن مملكتك بحاجة إلى هذا 'السحر' لكي تعيش؟"

في تلك اللحظة، ركع مراد فجأة أمام أخته، ليس كأخ، بل كمن رأى آيةً من آيات الله. نظر إليه أمنحوتب، ثم نظر إليها، وشعر لأول مرة أن عرشه يتضاءل أمام هيبة هذه المرأة.

مرآة الروح وكيد النساء"

في "الحمام الملكي" المصمم على الطراز الروماني-الفيكتوري، حيث تمتزج أعمدة الرخام الوردي بصنابير ذهبية تضخ مياه النيل المسخنة، كان البخار الكثيف يلف المكان كغيمة من الغموض. كانت الرائحة تعبق بالمسك وزيت الورد.

كانت كاميليا تجلس عند حافة الحوض، ترتدي رداءً من الحرير الأبيض الساتر، وتغسل يدها بعناية مبالغ فيها، وكأنها تزيح عنها آثار دماء الليلة الماضية، بينما كانت وصيفتها "نفرت" تمشط شعرها الفاحم.

فجأة، دخلت صوفيا. كانت تمشي بخيلاء، يتبعها جيش من الوصيفات يحملن العطور والمرايا. نظرت إلى كاميليا من خلال المرآة الكبيرة بابتسامة صفراء لا تصل إلى عينيها.

"مبارك يا أختي العظيمة،" قالت صوفيا وهي تجلس على مقعدٍ مخملي قريب. "القصر كله يتحدث عن يديكِ الملطختين بالدماء. يقولون إنكِ شققتِ صدر جندي كمن يشق خروفاً للقربان. أخبريني.. هل شعرتِ باللذة وأنتِ تلمسين أحشاء الرجال؟"

توقفت يد نفرت عن التمشيط من هول الكلمات، لكن كاميليا لم تهتز. التفتت ببطء، ونظرت إلى صوفيا بنظرةٍ باردة، فاحصة، وكأنها تشرحها حية.

"صوفيا،" نطقت كاميليا اسمها برنة غامضة. "الجمال الذي تعتنين به في هذا الحمام هو مجرد غلاف رقيق. تحت هذا الحرير الذي ترتدينه، يوجد قلبٌ ينبض، ورئتان تتنفسان.. وأمعاء يمكن أن تلتوي من الحقد. أنا لا ألمس الأحشاء لذةً، بل ألمسها لكي أعيد ترتيب ما أفسده الموت.. أو ما أفسده السم الذي تبرعتم بصنعه."

شحب وجه صوفيا للحظة، لكنها استجمعت شجاعتها وضحكت بحدة: "السم؟ لا تزالين تهذين يا كاميليا. ربما سحركِ الأسود هو من يوهمكِ بذلك. الأمير أمنحوتب قد يكون منبهراً بكِ الآن، لكنه في النهاية رجل.. والرجل يهرب من المرأة التي تخيفه ويجري نحو التي تمنحه الدلال. وأنتِ.. أنتِ تخيفين الجميع، حتى أخاكِ مراد."

نهضت كاميليا بوقار مرعب، وخطت نحو صوفيا حتى أصبحت المسافة بينهما ذراعاً واحدة. في هذا المكان الضيق والممتلئ بالبخار، بدا طول كاميليا وثباتها طاغياً.

"أتعلمين ما الذي يخيف حقاً يا صوفيا؟" همست كاميليا بصوتٍ يقطر بروداً. "ليس المشرط، ولا الدماء. ما يخيف هو أن تكتشفي أن الشخص الذي تحاولين تدميره، يعرف عنكِ أكثر مما تعرفين عن نفسكِ. أنا أعرف ما الذي تخبئينه في تلك الزجاجة الصغيرة خلف مرآتك، وأعرف لماذا ترتجف يدكِ كلما ذكرتُ اسم الله."

أمسكت كاميليا بذراع صوفيا برقة، لكن قبضتها كانت كقبضة حديدية. "الأمير أمنحوتب لا يبحث عن الدلال يا صغيرة، إنه يبحث عن 'الحقيقة'. وأنتِ.. أنتِ مجرد سراب سيتلاشى حين تشرق شمس اليقين. نصيحة من طبيبة: عالجي قلبكِ من الغل قبل أن يتحول إلى ورمٍ لا يمكن لمشرطي أن يستأصله."

دفعت كاميليا يد صوفيا برفق ومشت نحو الباب، تاركةً خلفها صوفيا ترتجف غيظاً ورعباً. لم تكن صوفيا تخشى كلام كاميليا بقدر ما كانت تخشى ذلك "الغموض" الذي يحيط بها؛ كيف عرفت أمر الزجاجة؟ ومن أين استمدت هذه القوة؟

🌙 خلوة العهد: كاميليا ومراد

خارج الحمام، كان مراد ينتظر عند المنعطف، يرتدي عباءة داكنة تخفي هويته. وبمجرد أن رأى أخته، سار بجانبها بخطوات سريعة.

"هل حدث شيء بالداخل؟" سأل مراد بنبرة قلقة. "رأيتُ وصيفات صوفيا يخرجن وجوههن صفراء."

نظرت إليه كاميليا بابتسامة غامضة لم تظهرها لصوفيا. "لقد بدأتُ بوضع المرآة أمام وجوههن القبيحة يا مراد. صوفيا ضعيفة، وسلاحها الوحيد هو مكرها.. لكن ما يقلقني هو 'نازلي'. هي العقل المدبر لكل هذا."

توقف مراد ونظر إلى أخته بعمق: "كاميليا.. لقد بدأتِ تظهرين علمكِ وقوتكِ علناً. الأمير أصبح يلاحق ظلكِ، والكهنة يطالبون برأسكِ بتهمة الهرطقة. نحن نقترب من منطقة الخطر."

أجابت كاميليا وهي تنظر إلى السماء التي بدأت تتلون بألوان الغروب: "الخطر هو قدرنا منذ اللحظة التي قررتُ فيها أن أحيا يا مراد. غداً سأبدأ 'دروس العلم' مع الأمير. سأعلمه كيف يُبصر الخالق في خلقه. إذا كسبنا قلب أمنحوتب، كسبنا المملكة للإسلام.. وإذا خسرناه، فليكن موتنا في سبيل الله."

مراد قبض على سيفه بقوة: "لن تسقطي يا أختاه ما دام فيّ عرقٌ ينبض. سأكون ظلكِ الذي لا يفارقكِ، وسيفكِ الذي لا ينثني."

تشريح الكبرياء.. درس التوحيد الأول"

في "القاعة الكبرى للمخطوطات"، حيث تصطف آلاف اللفائف فوق رفوف من خشب السدر، كان الضوء يدخل من فتحات سقفية مدروسة هندسياً ليسقط كأعمدة من نور فوق طاولة حجرية ضخمة. كان الأمير أمنحوتب ينتظر، متخلياً عن تاجه ووشاحه الرسمي، مرتدياً قميصاً كتانياً بسيطاً يبرز ملامحه الحادة وقلقه الدفين.

دخلت كاميليا بوقارٍ يسبق خطواتها. كانت تحمل لفافة من الجلد بها أدواتها التي أمرت بصنعها، وكتاباً صغيراً غامض الغلاف. لم تنحنِ له، بل اكتفت بإيماءة رصينة، ووضعت أدواتها على الطاولة.

"لقد جئتِ،" قال أمنحوتب بصوتٍ خفيض، وعيناه تلاحقان حركاتها الواثقة. "ظننتُ أن مكر صوفيا في الحمام الملكي قد يثنيكِ عن القدوم."

نظرت إليه كاميليا ببرودٍ غامض: "سمو الأمير، من اعتاد مواجهة الموت وجهاً لوجه، لا يخشى ثرثرة النساء. هل أنت مستعد لرؤية ما وراء الحجب؟"

أشار أمنحوتب إلى الطاولة: "أريني هذا العلم الذي يجعلكِ تنظرين للموت كأنه مجرد 'إجراء طبي'."

فتحت كاميليا لفافتها، وأخرجت نموذجاً لقلبٍ بشري صنعته من الشمع الملون بدقة متناهية، وبدأت تشرح. "هذا هو المحرك يا أمنحوتب. انظر إلى هذه الصمامات، إلى هذه الشرايين الدقيقة. هل تعتقد أن حجراً أصم أو إلهاً يُنحت بالأزميل يمكنه أن يصمم هذه المعجزة؟"

اقترب أمنحوتب، لمست يده الشمع، ثم نظر إليها. "الكهنة يقولون إن القلب هو ميزان الروح، وأنه يُوزن أمام 'ريشة العدالة'."

ابتسمت كاميليا ابتسامةً غامضة، وقالت بنبرةٍ قوية: "العدالة يا أمنحوتب ليست ريشة، بل هي قانونٌ وضعه خالق هذا القلب. انظر إلى الدورة الدموية، كيف يتحرك الدم بنظامٍ لا يختل، كأن هناك جندياً خفياً يسوقه. هذا النظام لا يمكن أن يكون عبثاً، ولا يمكن أن يكون من صنع بشر أو أصنام لا تنفع ولا تضر."

ساد صمتٌ طويل، كان أمنحوتب يشعر بأن معتقداته تتهاوى تحت منطقها الطبي. سألها فجأة: "إذاً، من هو إلهكِ؟ هل هو يسكن السماء أم النيل؟"

أجابت كاميليا وهي تنظر في عينيه مباشرة: "هو الذي لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار. هو الله الواحد الأحد، الذي خلقك فعدلك، والذي علمني ما لم أكن أعلم. هو الذي يجعلني أقف أمامك الآن، لا أخشى سلطانك، لأن سلطانه أعظم."

أمسك أمنحوتب بيديها فجأة، كانت لمسته حارقة. "كاميليا.. كلامكِ يسلبني عقلي. أحياناً أشعر أنكِ لستِ من هذا العالم، وكأنكِ جئتِ من خلف النجوم لتهدمي كل ما آمنتُ به. هل تحبين هذا الإله أكثر من حياتكِ؟"

أجابت بغموضٍ أذهله: "أحبه لدرجة أنني تركتُ 'عالمي' وجئتُ إلى هنا لأجله.. ولأجلك."

🌙 خلوة العهد: كاميليا ومراد (المواجهة الصادقة)

بعد انتهاء الدرس، انسحبت كاميليا لتجد مراد ينتظرها في ممرٍ مظلم تحت حراسة مشددة من جنوده المخلصين. كان وجه مراد يحمل هماً ثقيلاً.

"كاميليا،" همس مراد وهو يقترب منها. "الأمير بدأ يتغير.. رأيتُه اليوم يرفض تقديم القرابين في المعبد. الكهنة يغلوّن كالمرجل، ونازلي بدأت تتهامس مع 'الكاهن آي' حول 'لعنة' أصابت الأمير بسببك."

نظرت كاميليا إلى أخيها، وفي عينيها بريقٌ لا ينكسر. "مراد، لقد بدأ الفجر يبزغ في قلب أمنحوتب، والظلام دائماً ما يكون في أقصى قوته قبل الشروق. هل رجالك مستعدون؟"

قبض مراد على مقبض سيفه: "خمسون من نخبة الحرس أعلنوا إسلامهم سراً، وهم ينتظرون إشارتي. لكن قولي لي يا أختاه.. هل ستتحملين تهمة 'السحر' إذا قرر الكهنة محاكمتكِ؟"

وضعت كاميليا يدها على كتف أخيها، وقالت بصدقٍ مرعب: "يا مراد، أنا متُّ مرة واحدة في عالمي القديم، والموت لا يخيف من اختبره. المهم هو أن يبقى نور الله في هذا القصر. سرّي معك، وقوتي بك بعد الله. إذا حانت اللحظة، لا تتردد في استخدام سيفك.. ليس من أجلي، بل من أجل الحق."

مراد نظر إلى أخته بعجزٍ وإعجاب: "أنتِ لستِ بشرية يا كاميليا.. أنتِ ياقوتة صُقلت بنورٍ لا نعرفه."

وليمة الغدر.. وسكرة الموت"

كانت قاعة المآدب الكبرى تتلألأ بآلاف الشموع الموضوعة في ثريات برونزية متدلية، بينما اصطفت الموائد المرصعة بالأبنوس والذهب. كان الأمير أمنحوتب يجلس في الصدر، وبجانبه نازلي هانم التي كانت ترتدي ثوباً أرجوانياً وقناعاً من الهدوء الزائف، بينما كانت صوفيا تراقب كاميليا بنظرات حادة كالمناصل.

كانت كاميليا تجلس بوقارها المعهود، ثوبها الأسود يمتص الضوء، وعيناها تراقبان كل حركة بدقة جراح. شعرت بإنقباض في صدرها حين رأت الخادم يصب للأمير نبيذاً من إبريق ذهبي خاص، قدمته له نازلي بابتسامة باهتة: "ليشرب سمو الأمير نخب انتصارات القائد مراد العائد."

رفع أمنحوتب الكأس، ونظر إلى كاميليا نظرة غامضة، ثم تجرعه دفعة واحدة. لم تمر دقائق حتى شحب وجه الأمير فجأة، وسقط الكأس من يده ليرتطم بالرخام برنين مفزع. قبض أمنحوتب على عنقه، وجحظت عيناه، ثم سقط من فوق عرشه يتلوى في تشنجات عنيفة.

"سحر! إنه سحر كاميليا الهواري!" صرخت نازلي وهي تمثل الذعر. "لقد سممته بنظراتها وكلماتها الغامضة! اقبضوا عليها!"

انقض الحرس الملكي (غير التابعين لمراد) نحو كاميليا، لكن صوتاً كالرعد استوقفهم.

"من يلمس أختي، يلمس عنقه قبلها!" كان مراد، الذي استل سيفه في لمحة بصر، ووقف أمام كاميليا كجبل من فولاذ.

لم تلتفت كاميليا للمواجهة، بل اندفعت نحو الأمير الساقط. دفعت نازلي بعيداً بقوة لم يعهدها أحد فيها، وجثت على ركبتيها بجانب أمنحوتب. كان يلفظ أنفاسه، وزبد أبيض يخرج من فمه.

"مراد! أحضر لي حقيبتي من الجناح فوراً! 'نفرت' تعرف مكانها!" صرخت كاميليا وهي تضع يدها على نبض أمنحوتب المتسارع بجنون. "هذا ليس سحراً يا قتلة.. هذا سم 'الأكونيت' (خانق الذئب) بتركيز مميت!"

تقدم "الكاهن آي" بعصاه وقال بصوت جهوري: "ابتعدي عن جسد الإله أيتها الساحرة! موته هو لعنة بسبب كفرك بآلهتنا!"

رفعت كاميليا رأسها، وكانت عيناها تشتعلان بنور مرعب: "إلهي هو الذي يحيي ويميت، وأنا أقسم به أنه لن يموت اليوم لكي يفضح غدركم!"

وصل مراد بالحقيبة، ووسط ذهول الجميع، أخرجت كاميليا أنبوباً معدنياً رفيعاً وقنينة بها سائل شفاف (محلول ملحي مع أعشاب منقية صنعتها سراً). لم تبالِ بتهديدات السيوف حولها. طعنت يد الأمير بالأنبوب لفتح وريد، وبدأت في إجراء عملية "غسيل معدة" وتحفيز للقلب بحركات يدوية قوية، وهي تتمتم بيقين: "يا حي يا قيوم.. برحمتك أستغيث."

كانت القاعة ساحة حرب؛ مراد ورجاله المؤمنون يشكلون حلقة بشرية حول كاميليا والأمير، يواجهون بقية الحرس والكاهن آي، بينما كاميليا تقاتل ملك الموت بكل ذرة من علمها.

فجأة، شهق أمنحوتب شهقة عميقة، وتقيأ السائل الأسود، ثم بدأ يتنفس بانتظام تحت يد كاميليا المرتجفة. ساد صمت مطبق. الأمير لم يمت. "السحر" المزعوم أنقذ حياته.

فتح أمنحوتب عينيه ببطء، ليرى وجه كاميليا المغطى بالعرق والدموع، ويدها التي لا تزال تضغط على قلبه. همس بوهن: "كاميليا.. رأيتُ النور.. رأيتُ خالقك.."

نظرت كاميليا إلى نازلي التي كانت ترتجف رعباً، وقالت بصوت مسموع للجميع: "لقد خابت مؤامرتكِ. الأمير حيّ، والحق أبقى."

🌙 خلوة السر (نهاية الفصل الثاني)

في جناح الأمير الخاضع لحراسة مراد المشددة، كانت كاميليا تجلس بجانب أخيها بعد أن استقر حال أمنحوتب. كان مراد يمسح سيفه من دماء طفيفة، ونظر إليها بعمق.

"لقد كشفتِ أوراقنا يا كاميليا،" قال مراد بهمس. "الآن سيعرف الجميع أنكِ تملكين ديناً وعلماً يهدد عروشهم. الحرب بدأت فعلياً."

أجابت كاميليا وهي تنظر ليدها التي أنقذت الأمير: "ليعرفوا يا مراد. لقد رأى أمنحوتب الموت وعاد، والآن قلبه مستعد لاستقبال النور كاملاً. السر الذي كنت أخفيه لم يعد سراً.. أنا هنا لأغير هذا الزمان، وأنت سيفي الذي سيحقق ذلك."

مراد ابتسم بغموض: "أختي الطبيبة.. بل أنتِ ياقوتة النيل التي ستحرق الظلام."

"الشهادة خلف الأبواب المغلقة"

في الجناح الملكي للأمير أمنحوتب، حيث تفوح رائحة المسك والمطهرات التي أعدتها كاميليا، ساد صمتٌ مهيب. كانت النوافذ الفيكتورية العالية مغلقة بستائر مخملية ثقيلة، بينما وقف مراد الهواري خلف الباب كالسد المنيع، يمنع حتى الهواء من الدخول.

كان الأمير أمنحوتب يتكأ على وسائد من الحرير، وجهه لا يزال شاحباً لكن عينيه كانتا تبرقان بوضوحٍ غريب، وكأنهما غُسلتا بماء اليقين. كانت كاميليا تجلس قبالته، مرتديةً ثوبها الأسود الرزين، وتمسك بيدها قنينة دواء صغيرة.

"لقد رأيتُه يا كاميليا،" همس أمنحوتب بصوتٍ متهدج. "حين توقف قلبي بين يديكِ، لم أرَ 'أنوبيس' ولا ميزان الريشة.. رأيتُ نوراً لا يوصف، وشعرتُ بضآلة تاجي وعرشي وكل ما أملك. كنتُ أنادي باسم 'إلهكِ' في سري، فوجدتُ برد السلام يسري في عروقي."

نظرت إليه كاميليا بوقارها الغامض، وقالت بنبرةٍ تخترق الوجدان: "لأنك ناديت من هو أقرب إليك من حبل الوريد يا أمنحوتب. الله لا يختبر قوتك كأمير، بل يختبر صدقك كإنسان. لقد منحك حياةً ثانية، ليس لتعود للعرش، بل لتعود إليه."

أمنحوتب أمسك بيدها بقوة، ونظر في عينيها متسائلاً بذهول: "كاميليا.. من أنتِ حقاً؟ علمكِ ليس من هذا الزمان، وطريقتكِ في الحديث عن الخالق تشبه من رآه بقلبه لا من سمع عنه بالكتب. هل أنتِ مَلَكٌ هبط لإنقاذي، أم أنكِ آتية من مستقبلٍ بعيد حيث يُعبد الله وحده؟"

ابتسمت كاميليا ابتسامةً غامضة، ولمعت في عينيها نظرة الطبيبة التي تعرف أسرار الزمن. "أنا روحٌ اختارتها الأقدار لتمهد لك الطريق. لا يهم من أين جئت، بل المهم أين سنذهب معاً. هل أنت مستعد لتنطق بالكلمة التي ستحطم هذه الأصنام داخل قلبك قبل القصر؟"

أغمض أمنحوتب عينيه، واستحضر كل جبروته ليرمي به خلف ظهره. وبصوتٍ اهتزت له أركان الغرفة، قال:

"أشهد أن لا إله إلا الله.. وأشهد أن ما جئتِ به هو الحق."

في تلك اللحظة، انفتح الباب ببطء. دخل مراد، وعندما سمع الكلمات، جثا على ركبته ووضع سيفه أرضاً، ودموعه تسيل على لحيته الكثيفة. "الآن يا سمو الأمير، صرتَ أخي في الدين كما كنتَ أخي في الوطن. الآن.. إمبراطورية 'كمت' ستبدأ عصراً جديداً."

🌙 خلوة السر (كاميليا ومراد): كشف المستور

بعد أن نام الأمير نوماً عميقاً وهادئاً لأول مرة، خرجت كاميليا مع مراد إلى الشرفة المطلة على النيل. كان النسيم بارداً، وضوء القمر ينعكس على وجه كاميليا التي بدت وكأنها تحمل هموم العالم.

"لقد أسلم الأمير يا مراد،" همست كاميليا وهي تنظر للنيل. "لكن هذه هي البداية فقط. الكاهن آي ونازلي لن يصمتوا. سيحولون القصر إلى ساحة حرب دينية."

مراد نظر إليها بعمق: "كاميليا.. الأمير سألكِ سؤالاً لم تجيبيه. من أنتِ؟ حتى أنا، أخوكِ الذي نشأتِ معه، لا أجد فيكِ ملامح تلك الفتاة التي كانت تخاف من خيالها. علمكِ بالطب، معرفتكِ بالمؤامرات قبل حدوثها.. أنتِ لستِ أختي التي أعرفها."

التفتت إليه كاميليا، وصار وجهها في ضوء القمر كقطعة من المرمر. "يا مراد، الأخوة ليست بالدم فقط، بل بالروح. روح 'كاميليا' القديمة رحلت، وأنا هنا لأكمل المسيرة. أنا طبيبة من زمنٍ يُقدس العلم، جئتُ لكي أزرع بذور الحق في هذا العصر الفيكتوري-الفرعوني. سأكشف لك كل شيء حين يحين الوقت، لكن الآن.. تذكر أننا في 'عرين الأسد'."

مراد، رغم دهشته، لم يتراجع. "لا يهمني من أين جئتِ، المهم أنكِ أعدتِ لي إيماني وأعدتِ لي أختي بصورةٍ أبهى. سأكون درعكِ حتى النفس الأخير."

قالت كاميليا بغموضٍ مذهل: "غداً سيعلن الكاهن آي أن النيل سيغضب لأن الأمير 'تنجس'. سأستخدم علمي بالأرصاد لكسر كذبته أمام الشعب. استعد يا مراد.. فالمعركة القادمة ليست بالسيوف، بل بالعقول."

Continuez à lire ce livre gratuitement
Scanner le code pour télécharger l'application

Latest chapter

  • ياقوتة النيل السوداء    📖 الفصل الثامن: "ترانيم النور وحصار الظلال"

    "زائر الغسق.. وصدمة الحواس"ساد "طيبة" هدوء مريب بعد رحيل جيوش الشمال؛ هدوء لا يشبه السكينة، بل يشبه الصمت الذي يسبق العاصفة. في مختبرها الملحق بـ "بيت الحكمة"، كانت كاميليا تعتكف فوق "نواة النور" التي تركها والدها. كانت ترتدي حجاباً أبيض من الكتان الثقيل، وقد لفت حول عنقها وشاحاً بنفسجياً، وعيناها تلمعان بانعكاس المخططات الذهبية التي تطفو في الهواء كأشباح ضوئية.فجأة، انطفأت المشاعل الزيتية في الرواق الخارجي واحداً تلو الآخر، ليس بفعل الريح، بل كأن هناك ثقباً أسود يمتص الضوء."مراد؟" نادت كاميليا وهي تمسك بـ "قاذف الترددات" الصغير الذي صنعته.من زاوية الغرفة المظلمة، لم يخرج بشر، بل خرج "ظل". كان الفارس الأسود يقف هناك، درعه مصنوع من مادة تشبه العظم المتفحم، وخوذته تخفي وجهاً لا ملامح له سوى عينين تلمعان بلون رمادي ميت. لم تكن هناك رائحة للبارود، بل رائحة طين قديم وموت."ياقوتة النيل،" همس الفارس، وصوته لم يكن يخرج من حنجرته بل كان يتردد داخل عقل كاميليا مباشرة. "العلم الذي تملكينه هو ألعوبة أطفال أمام 'الظلام القديم'. نحن لا نحتاج لآلات آرثر لنخضعكم.. نحن نحتاج فقط لنزع الأمل من قل

  • ياقوتة النيل السوداء    الفصل الثاني

    مناظرة الشمس السوداء"كانت ساحة "طيبة" الكبرى تغصُّ بالبشر؛ آلاف الرؤوس المشرئبة نحو السماء، والهمسات تتعالى كأزيز النحل. في الشرفة الملكية العالية، وقف الأمير أمنحوتب بزيّه العسكري الأسود الصارم، وعن يمينه مراد الهواري الذي وضع يده على مقبض سيفه، وعن يساره وقفت كاميليا بوشاحها الأسود وشالها الأبيض الذي يلف رأسها بوقار غامض.على الجانب المقابل من الشرفة، كان الكاهن "آي" يرفع عصاه المذهبة، ويصرخ في الحشود:"انظروا! الشمس تذبل! الآلهة تغلق عينها عن أرضنا لأن الأمير استضاف الساحرة، ولأن ابنة الهواري كفرت بآلهة الأجداد! إذا لم تُسلموا الساحرة للمذبح قبل أن يختفي ضياء النهار، فلن تشرق الشمس على طيبة للأبد!"بدأ الخوف يتسلل لقلوب الناس، وبدأت الصيحات تتعالى ضد كاميليا. التفت أمنحوتب نحوها، وكان القلق باديًا في عينيه: "كاميليا.. الحشود هائجة، والشمس بدأت تنقص فعلاً. هل أنتِ واثقة؟"تقدمت كاميليا إلى حافة الشرفة. نظرت إلى الحشود ببرودٍ طبيبةٍ واثقة، ثم رفعت صوتها الذي تردد في الساحة بفضل ذكاء تصميم الجدران:"يا شعب طيبة! لا يغرنكم من يبيعكم الخوف ليشتري ولاءكم! الشمس والقمر لا يتحركان بأمر كا

  • ياقوتة النيل السوداء    الفصل الأول

    البداية (الصدمة والتأمل):كاميليا، الطبيبة المسلمة، تجد نفسها في قصر مليء بالتماثيل والكهنة. ستبدأ بممارسة شعائرها سراً (الصلاة، الذكر). سيراقبها أمنحوتب ومراد بدهشة؛ فهذه "الحركات" في صلاتها والسكينة التي تظهر عليها ليست سحراً فرعونياً، بل شيئاً أسمى.العلم كبوابة للإيمان:عندما يبدأ أمنحوتب بسؤالها: "كيف تعالجين الجروح بهذه الدقة؟"، ستجيبه كاميليا: "هناك خالق واحد صوّر هذا الجسد في أحسن تقويم، وما أنا إلا أداة وضع فيها علماً لخدمة خلقه". سيبدأ أمنحوتب، الرجل العقلاني، بالتشكيك في أصنام الكهنة أمام منطق كاميليا الطبي والإيماني.مشهد المواجهة (كاميليا وأمنحوتب):في ليلة مقمرة أمام النيل، سيسألها أمنحوتب: "بمن تستغيثين في خلوتك يا كاميليا؟".ستجيبه بخواطر إيمانية: "أستغيث بالذي خلق هذا النيل وأجراه، من لا يموت ولا ينام، من ليس له تمثال من حجر لأنه أعظم من أن يدركه بصر، ولكنه يسكن القلوب التي تعرفه".📜 خواطر إسلامية لشخصيات الرواية (بعد الهداية):👑 الأمير أمنحوتب (بعد إسلامه):"كنتُ أظن أنني إله فوق الأرض، حتى رأيتها تسجد لخالقها وتضع جبهتها على التراب تذللاً. في تلك اللحظة، انكسر جبر

Plus de chapitres
Découvrez et lisez de bons romans gratuitement
Accédez gratuitement à un grand nombre de bons romans sur GoodNovel. Téléchargez les livres que vous aimez et lisez où et quand vous voulez.
Lisez des livres gratuitement sur l'APP
Scanner le code pour lire sur l'application
DMCA.com Protection Status