All Chapters of حين قابَلَها الصُهيب: Chapter 11 - Chapter 20

154 Chapters

الفصل 11

انقضت ليلة "العشاء العاصف" وبقيت آثارها محفورة في زوايا قصر الجارحي. كان الصمت الذي ساد السيارة في طريق العودة أثقل من أي عتاب، وصهيب، الذي لم ينطق بحرف منذ تلك الصرخة المكتومة في السيارة، قضى ليله في مكتبه يراقب خيوط الفجر وهي تولد، وشعور غريب بالهزيمة ينهش كبرياءه. لم تكن هزيمة أمام "بدر"، بل كانت هزيمة أمام تلك النظرة التي رآها في عيني سيليا؛ نظرة لم تعد تخشاه.مع دقات الثامنة صباحاً، نزلت سيليا الدرج. لم تكن ترتدي ثياب المنزل، بل كانت في كامل أناقتها الرسمية، بدلة بلون "الكحلي الملكي" وحقيبة جلدية توحي بجدية من يقبض على زمام أمره. وجدت صهيب في ردهة القصر، كان يرتشف قهوته بآلية، وعيناه غائرتان.توقف صهيب عن الشرب، ونظر إليها بحدة:— "إلى أين يا سيليا؟ ظننتُ أننا أنهينا موضوع 'بدر' والعمل معه بالأمس. لن تخرجي من هذا الباب إلا للشركة معي، أو تبقين هنا حتى تستعيدي رصانتك."وضعت سيليا ملفاً جلدياً على الطاولة بجانبه، وقالت بصوت هادئ رخيم يقطر ثباتاً:— "صهيب.. بالأمس سألتني إن كنتُ أحبه، واليوم سأجيبك بفعلي لا بقولي. هذا الملف يحتوي على استقالتي الرسمية من مجموعة الجارحي. لم أعد موظفة
Read more

الفصل 12

مرت الأيام الأولى من الأسبوع الفاصل كأنها دهر. في قصر صهيب، صار الصمت هو اللغة الرسمية؛ سيليا تخرج في الصباح الباكر لتباشر مهامها في إمبراطورية "بدر الشافعي"، وتعود لتقبع في جناحها خلف أبواب مغلقة، وصهيب يراقبها من بعيد، تنهشه الغيرة المهنية والشخصية معاً. أما في الشركة، فكان صهيب يحاول رتق الشقوق التي خلفها رحيل سيليا. طلب مقابلة لينا في مكتبه، ليحل الخلاف الذي نشب بينهما منذ معرفتها بزواجه. دخلت لينا بخطوات واثقة، مرتديةً قناع الهدوء والرزانة، ولم تظهر أي عدائية، بل كانت "متصنعة" بامتياز. قال صهيب بصوت هادئ: — "لينا.. دعوتُكِ لنتحدث بعيداً عن ضغط العمل. أعلم أن زيارتكِ الأخيرة للقصر كانت صادمة، ولم أكن أريد أن تعرفي بأمر زواجي من سيليا بتلك الطريقة. أنتِ ركن أساسي في خططي القادمة، ولا أريد لخلافاتنا الشخصية أن تعطلنا." ابتسمت لينا ابتسامة رقيقة مصطنعة، وقالت بنبرة هادئة: — "صهيب، أنا لستُ طفلة. جُرحتُ لأنني اهتممتُ بك، لكنني أفصل جيداً بين مشاعري وبين العمل. سيليا اختارت أن تكون في المعسكر الآخر، وأنا اخترتُ أن أكون معك.. وهذا يكفيني الآن." لم يكد ينهي حديثه مع لينا حت
Read more

الفصل 13

دخلت سيليا إلى بهو القصر بخطوات متزنة، وصوت كعب حذائها يرتطم بالرخام في إيقاع هادئ ومنتظم، بينما ترجل صهيب من سيارته وأغلق الباب خلفه بقوة لم تخلُ من العصبية المكتومة. سار خلفها حتى دلفا إلى الداخل، حيث كانت أضواء القصر الخافتة تضفي صمتاً مهيباً على المكان.توقفت سيليا عند أول درجات السلم، والتفتت إليه بهدوء غريب، وكأن تلك العاصفة التي كانت تدور في السيارة قد تلاشت بمجرد عبورها عتبة الدار.— "ليلة سعيدة يا صهيب. شكراً على توصيلك."ضاقت عينا صهيب وهو يراقب برودها المستفز، فخطا نحوها عدة خطوات حتى صار يقف أمامها مباشرة، ونظر إليها مطولاً قبل أن يتحدث بصوت منخفض سكنت فيه كل انفعالاته الحادة.— "بهذه البساطة يا سيليا؟ تنهين الحديث بكلمة "ليلة سعيدة" وكأننا لم نكن منذ دقائق نتحدث عن حرب ستغير موازين عائلة الجارحي؟"سندت سيليا يدها على حافة الدرج الخشبي، ونظرت إليه بعينين يملؤهما الثبات.— "وماذا تريد مني أن أقول؟ لقد وضعتَ أنت القواعد يا صهيب.. قلت إننا خصوم في العمل، وأنا قبلت التحدي. أما هنا، في هذا البيت، فنحن مجرد شخصين يجمعهما سقف واحد واحترام لذكرى عائلة.. أليس هذا ما كنت تريده دائما
Read more

الفصل 14

أشرقت شمس اليوم التالي محملة بتوتر يسري في عروق المدينة. وقفت سيليا أمام مرآتها، مرتدية بدلة رسمية باللون الأبيض الناصع؛ ذلك اللون الذي يعكس النقاء والصلابة في آن واحد. لم تعد "زوجة الجارحي" المنزوية خلف المكاتب، بل "سيليا العمري" التي استردت هويتها المسلوبة.وصلت إلى مقر شركة بدر الشافعي، حيث كان الاستقبال مهيباً يليق بمقامها. كان بدر بانتظارها عند المدخل، والبشر يرتسم على محياه:— "اليوم هو يومكِ يا سيليا.. قاعة المناقصات بانتظار العقل المدبر الذي سيقلب موازين السوق."— "لن ننتظر طويلاً يا بدر، الملفات جاهزة، وخطتي القانونية لا تشوبها شائبة، ولن أترك ثغرة واحدة لخصمي ليتسلل منها."في قاعة المناقصات: صِراعُ الجبابرةدلفت سيليا وبدر إلى القاعة، ليفاجآ بمشهد صُمم بعناية فائقة لاستفزازها. من الباب المقابل، دخل صهيب بكامل هيبته الطاغية، ولم يكن وحده؛ كانت لينا تتأبط ذراعه بمنتهى الكبرياء والخيلاء، توزع نظرات الخبث يميناً ويساراً، وكأنها ترسل رسالة صامتة لسيليا: "لقد أخذتُ مكانكِ بجانبه، وأنتِ الآن مجرد خصم منبوذ".صهيب ببدلته السوداء المعتادة بدا ككتلة من الجليد الصخري، لكن عينيه كانتا ت
Read more

الفصل 15

أطبقت سيليا جفونها لثانية واحدة، استجمعت فيها شتات قوتها ورممت ثباتها الانفعالي، ثم فتحت عينيها ببرود صقيعي، مقررةً تجاهل وجود صهيب تماماً وكأنه لم يكن حياً يُرزق في ذلك المدى. استمرت في مشاركة موظفيها أحاديثهم وضحكاتهم بنبرة واثقة، في حين كانت ترصد بطرف خفيّ ما تقترفه "لينا" من حماقات.تعمدت لينا الالتصاق بصهيب حتى انعدمت المسافة بينهما، ثم أخرجت هاتفها ودسّت رأسها على كتفه بدلالٍ مستفز لتلتقط صورة معه. لم يبدِ صهيب أي ممانعة، بل ظل ساكناً كتمثال رخامي، يشاركها اللحظة بجمودٍ تام وتملكٍ أثار لوعتها المكبوتة. ابتلعت سيليا غصتها، ولم تسمح لخلجة واحدة أن تظهر على وجهها، بل التفتت نحو بدر الذي مال نحو أذنها ليهمس لها بكلمة أثارت ضحكاتها، فابتسمت بخجلٍ مباغت زاد من اشتعال الأجواء خلف الطاولة المقابلة.بعد فترة، استأذنت سيليا للذهاب إلى "ردهة الزينة" لتعديل مظهرها. وما إن دلفت وأغلقت الباب حتى شعرت بحركة مباغتة خلفها؛ كان صهيب قد انسلّ وراءها، وبحركة خاطفة أدار القفل، وحشرها بين جسده الصلب ورخام الردهة البارد.سألها بجمودٍ يحمل نذير الخطر:— "ماذا كان يهمس في أذنكِ ذلك الشافعي؟ وما سر هذه ا
Read more

الفصل 16

ساد صمتٌ واجمٌ أطبق على أنفاس القصر، وكأن جدرانه العتيقة قد صُدمت بجرأة الكلمة التي ألقتها سيليا. ظل صهيب شاخصاً ببصره نحوها، وعيناه تضيقان كغابةٍ تشتعل في صمت، بينما كانت دقات قلبه تتسارع خلف قناع الجمود الذي يرتديه.خطا صهيب نحوها خطوةً واحدة، كانت ثقيلةً كوقع القدر، وانخفض صوته لدرجةٍ جعلت شعيرات جسدها تقشعر:— "الطلاق؟ أبلغَ بكِ الوهمُ هذا الحد يا سيليا؟ أتظنين أن الخروج من مملكني بيسيرٍ كخروجكِ من قاعة المناقصات؟"رفعت سيليا ذقنها بشموخٍ، ولم تتردد نبرتها وهي تجيبه:— "لم يعد وهماً يا صهيب، بل صار ضرورةً للبقاء. لقد استنفدتَ كل رصيدكِ من الصبر في قلبي، ولم يعد هناك ما يستحق القتال لأجله. غداً، ستبدأ الأوراق في الحديث عوضاً عن المشاعر التي وأدتَها ببرودك."ضحك صهيب ضحكةً مكتومة، تحمل مرارة الخيبة وقسوة الكبرياء، ثم اقترب منها حتى لم يعد يفصلهما سوى أنفاسهما المضطربة، وهمس بفحيحٍ يقطر وعيداً:— "أوراقكِ تلك ستمزقها الرياح قبل أن تصل إلى عتبة المحكمة. هل غاب عن ذهنكِ من هو صهيب الجارحي؟ أنا لا أُترك، ولا أُهجر، ولا يُملى عليّ قرارٌ لم أخطّه بيميني. إن كنتِ تظنين أن الشافعي سيحمي ظهر
Read more

الفصل 17

خيّم صمتٌ سرمديٌّ على ردهات القصر، وكأنّ الكلمات التي قذفتها سيليا كانت صواعق مباغتة جمدت الدماء في العروق. ظلّ صهيب شاخصاً ببصره نحوها، وعيناه تضيقان كأفقٍ يشتعلُ بنارٍ مكتومة، بينما كان يمزق أوراق الدعوى ببطءٍ متعمد، نثراً لكرامتها أمام كبريائه. حين اقترب منها وجذبها إليه بتلك القوة المشوبة بلمحةِ ندمٍ زائفة، هامساً بعرضه الذي ظنّه ترياقاً لرحيلها، رفعت سيليا مقلتيها نحوه، ولم تكن فيهما ذرةٌ من لِين، بل نظرةٌ نافذة مزقت أقنعته، وقالت بنبرةٍ رخيمة مستقرة: — "أنت لا تحترقُ وجداً بي يا صهيب.. بل أنت تصطلي بنارِ كبريائك الجريح، وتتلوى تحت وطأة الرفضِ الذي لم تعهده قط. ما يؤلمك الآن ليس فقدي، بل غياب شعورك بالهيمنة على امرأةٍ كانت يوماً ظلاً يقتفي أثرك. أنت لا تضحي بالمناقصةِ أو بـ "لينا" لأجلي، بل تفعل ذلك لتستردّ سيادتك التي تهاوت. الكبرياء الذي يسكنك لا يعرفُ كُنه الحب، بل يعرفُ شهوة التملك.. وأنا لم أعد ممتلكاً يُساق في ركابك." تصلبت أوداجه، واشتدت قبضته على ذراعها حتى كادت نواجذه تصطك، لكنه التزم الصمت المرير، فتابعت وهي تنزع يدها منه برفقٍ حازم: — "احتفظ بوعودك لمن ترتضيها،
Read more

الفصل 18

غلى المرجلُ في صدر صهيب، وتوقدت عيناه ببريقٍ مخيف أربك الحاضرين. لم ينطق ببنت شفة رداً على إهانتها العلنية، بل كانت أفعاله أسبق من أي بيان. وبحركةٍ مباغتة اتسمت بالعنفوان والتملّك الطاغي، أحكم قبضته على خصرها حتى التصقت بجسده التصاقاً لم يترك للنسمةِ ممرّاً، ثم انحنى على عنقها أمام الملأ، ودَفن وجهه في منحرها مستنشقاً شذاها بعمقٍ لاهث، قبل أن يهمس بنبرةٍ فحيحية بلغت مسامع "ياسين" و"بدر":— "تحدثي عن الرفض كما شئتِ أمام الغرباء يا سيليا.. لكن جسدكِ هذا، الذي لا يزال يرتجفُ تحت سطوة أنفاسي، يعلمُ يقيناً من هو سيده الوحيد."انتفضت سيليا وحاولت التملص بشتى السبل، لكنه كان كالسيل العارم الذي لا يُصد. رفع رأسه ورمق ياسين بنظرةٍ احتقارية، ثم وجّه بصره نحو بدر الشافعي الذي كان يتقدم بخطىً حثيثة لنجدتها، وقال بصوتٍ رخيمٍ يقطر ثقة:— "أعتذرُ لرفاقِ الصبا، لكن ليلة زوجتي معي لم تكتمل فصولها بعد.. وثمة شؤونٌ "خاصة" جداً لا تقبل التأجيل."وبلا أدنى اعتبار لذهول الأصدقاء أو غيظ "لينا" التي كادت تتميز من الكمد، سحبها من وسط الحشد بقوةٍ لا تُقاوم. كان يقودها نحو الخارج كعاصفةٍ تجرّ خلفها حطاماً، بينم
Read more

الفصل 19

في تلك اللحظة التي ظن فيها صهيب أنه أحكم حصاره على روحها داخل غرفته، وفي ذروة استعار أنفاسهما، انتفضت "سيليا" فجأة كمن استعادت وعيها من سكرةٍ مُرّة. وبحركةٍ مباغتة، دفعت صدره الصلب بكل ما أوتيت من قوة غاضبة، لتنفصل عنه وهي تلهث بكبرياءٍ جريح، ومسحت ثغرها بظهر يدها بعنف وكأنها تطهر وجدانها من آثار غطرسته.هتفت به بصوتٍ متهدجٍ بالثبات:— "كفى يا صهيب! لا تتوهم أن وهني الجسدي أمامك هو صكّ غفرانٍ لخطاياك. القوة لا تصنع حباً، بل تورث مَقتاً سيأتي على أخضر إمبراطوريتك ويابسها. افتح هذا الباب فوراً.. فلن أبقى في حوزتك ثانيةً واحدة!"تجمد صهيب، وعيناه تلمعان ببريقٍ منكسر خلف قناع الجمود، ثم أدار المفتاح وفتح الباب بصمتٍ قاتل، فخرجت سيليا كالسهم نحو جناحها، ورأسها مرفوعٌ رغم لوعة قلبها.ما إن استقرت سيليا في جناحها حتى أحست بوطأة الحصار تشتد، فأمسكت بهاتفها وأجرت مكالمة جماعية مع رفاقها؛ ياسين، مروان، وسارة. كانت نبرتها مرتعشة لكنها حازمة وهي تخبرهم:— "لقد هاتفني عمي عاصم الآن.. العائلة كلها ستجتمع غداً في القصر الكبير بطلبٍ من صهيب. يريد إقحام "الجارحي" جميعاً ليضغط على قراري بالانفصال."وفي
Read more

الفصل 20

وقفت سيليا أمام مرآتها، تحاول جاهدةً إخفاء ذلك الأثر القرمزي بلمساتٍ مكثفة من مساحيق التجميل، لكنّ حرارته كانت لا تزال تسري في عروقها كالنار. ارتدت قميصاً بياقةٍ مرتفعة، وأحكمت إغلاقه لتخفي معالم ملكية صهيب الجائرة، ثم غادرت القصر بخطىً ثابتة، متجهةً إلى مقر شركة "الشافعي" حيث ينتظرها القدر.ما إن دلفت سيليا إلى مكتبها، حتى وجدَت ياسين بانتظارها، وعيناه تلمعان بقلقٍ لم يفلح في مواراته. اقترب منها ياسين، وبفراسةِ الصديق الذي يحفظ تفاصيلها، لاحظ ارتباك نظراتها ومحاولتها المستمرة لضبط ياقة قميصها.ياسين (بصوتٍ منخفضٍ مشوبٍ بالحدة):— "سيليا.. أخبريني بالحقيقة، ماذا حدث بالأمس بعد اجتماع العائلة؟ نبرة صوتكِ في المكالمة الجماعية لم تكن توحي بخير، وجهكِ اليوم يحملُ حكايةً لا تودين روايتها."سيليا (وهي تتجنب لقاء عينيه):— "لا شيء يا ياسين، مجرد إرهاق من ضغط العائلة وصراعات صهيب التي لا تنتهي. دعنا نركز في أوراق المناقصة، فالوقت يداهمنا."لم يقتنع ياسين، وحين مالت سيليا لتلتقط ملفاً من فوق المكتب، انزاحت الياقة قليلاً لتكشف طرف ذلك الأثر. تجمدت الدماء في عروق ياسين، واشتدت قبضته على حافة الم
Read more
PREV
123456
...
16
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status