All Chapters of ما تبقي من ليلي: Chapter 21 - Chapter 30

87 Chapters

الفصل الحادي والعشرون شظايا الهوية المفقودة

​ليلى لم تنم. لم تكن تجرؤ أصلاً على إغلاق عينيها خوفاً من أن تستيقظ لتجد نفسها قد تبخرت تماماً. جلست في مكانها لفترة طويلة، متجمدة كتمثال رخامي نسيه الزمن، وعيناها مفتوحتان بنظرة زائغة لم تكن ترى الجدران، بل كانت تخترقها لتبحث عن شيء لا تراه. كان هناك شعور غريب يزحف تحت جلدها؛ شعور بأن كل شيء حولها موجود بصلابة.. لكنه بعيد، منفصل عنها بمسافة لا تقاس بالأمتار، بل بالوجود نفسه.​همست بصوت خافت، كأنها تخشى أن يسمعها الفراغ: “أنا.. كنت بعمل إيه من شوية؟”. سؤال بسيط، تافه في ظروف عادية، لكنه سقط في صمت الغرفة كثقل جبل. حاولت أن تسترجع ما حدث قبل دقائق؛ ركزت بكل قوتها، أغلقت عينيها حتى آلمتها جفونها، ضغطت على جدران ذاكرتها لتخرج منها صورة واحدة.. لكن لا شيء. بياض بارد. مجرد إحساس غامض بأن هناك لحظة سبقت هذه، لكنها مفقودة، كأن خيط الزمن قد قُصّ عمداً من هذه النقطة.​وضعت يدها على رأسها وضغطت بقوة وقالت بسرعة، كأنها تحاول طمأنة طفل مذعور داخلها: “لا.. أنا فاكرة، أنا مش ناسية.” أغمضت عينيها مرة أخرى وهي تتنفس بصعوبة. “أنا كنت قاعدة هنا، في المكان ده بالظبط.” فتحت عينيها ونظرت حولها؛ نفس التفاص
last updateLast Updated : 2026-03-26
Read more

الفصل الثاني والعشرون نحتُ العدم

​كانت ليلى تجلس في منتصف الغرفة، ساكنة تماماً كأنها جزء من الأرضية، والمكان من حولها كان غارقاً في صمت أعمق منها بمرات. لم يعد هناك همس، ولا صرير للأبواب، حتى ذلك الإحساس المزعج بأن هناك عيوناً تراقبها من الشقوق قد تلاشى تماماً. كأن العمارة نفسها شعرت بالملل، أو ربما قررت الانسحاب لتتركها تواجه الحقيقة الوحيدة المتبقية: فراغها الخاص. ​رفعت عينيها ببطء شديد، وجالت بنظرها في أركان المكان. كل شيء بدا ظاهرياً كما هو؛ نفس الجدران الباهتة، نفس الإضاءة الشاحبة، لكن "الجو" كان قد تبدل. لم يعد هناك خوف، ولم يعد هناك أمان.. كان هناك فقط "فراغ" جاف يمتص الأكسجين من رئتيها. ​بلعت ريقها بصعوبة، وخرج صوتها واهناً كخيط دخان: “تمام..”. سكتت لحظة لتستجمع شجاعتها الممزقة، ثم أكملت: “يبقى أنا لوحدي فعلاً.” انتظر ردّاً، صدى، أو حتى حركة خفيفة في الستائر، لكن لم يأتِ شيء. ابتسمت ابتسامة خفيفة، مكسورة ومريرة، وهمست: “حلو.. ده أحسن.” ​مدت يديها أمام وجهها، وأخذت تتفحص أصابعها بتركيز مبالغ فيه، كأنها تتأكد من أن حدود جسدها لا تزال صلبة ولم تذب بعد في هواء الغرفة. ثم، بقرار مفاجئ ونبرة حملت صرامة يائسة،
last updateLast Updated : 2026-03-26
Read more

الفصل الثالث والعشرون مزادُ الأرواح المبتورة

كانت ليلى تجلس على الأرض، تسند ظهرها المتحجر إلى الحائط البارد، وعيناها مثبتتان أمامها في نقطة وهمية لا تراها. الندبة الجديدة في كفها كانت تنبض بوجع خفيف، وجع مستمر ومستفز، كأنه منبه يدق تحت جلدها ليذكرها بخسارة لم تعد تملك رفاهية تذكر تفاصيلها. أخذت نفساً بطيئاً مجهداً، ثم همست لنفسها بصرامة انتحارية: “مش هختار.. مش هلمس حاجة.. مش هفكر في أي حاجة.”كانت الجملة بمثابة إعلان حرب على قوانين المكان، قراراً نهائياً بالجمود. “هستنى.. لحد ما كل حاجة ترجع لوحدها، أو أنتهي أنا.” أغمضت عينيها بقوة، وحاولت بكل ذرة إرادة أن تفرغ عقلها تماماً. أرادت أن تكون "عدماً" وسط العدم، بلا فكرة، بلا صورة، بلا إحساس يربطها بالوجود.مرت ثوانٍ من السكون المطبق.. ثم حدث ما لم تكن تتوقعه. لم يكن هدوءاً، بل كان "فراغاً" سحب وعيها لأسفل. فجأة، أصبح عقلها أبيض تماماً؛ حاولت أن تفكر في أي شيء فلم تستطع، حاولت أن تنطق جملة واحدة داخل رأسها فلم تجد الكلمات. كأن الصوت الداخلي الذي رافقها طوال عمرها قد "بُتر" هو الآخر.فتحت عينيها بسرعة والذعر ينهش صدرها، وأنفاسها تلاحق بعضها البعض. “أنا.. أنا كنت بقول إيه؟” خرج صوتها
last updateLast Updated : 2026-03-26
Read more

الفصل الرابع والعشرون نسخةٌ بلا أصل

لم تنم ليلى. لم تكن تعرف إن كان هناك ليل من الأساس خارج هذه الجدران، أو إن كان الزمن لا يزال يتحرك في عالم آخر لا يخصها. كانت متأكدة من شيء واحد فقط: أنها لم تعد تثق في رأسها.جلست في منتصف “جزيرتها” الضئيلة، ضامة ركبتيها إلى صدرها، كأنها تحاول حماية ما تبقى من كيانها. عيناها تدوران ببطء في الفراغ المحيط بها. الأركان لا تزال تتآكل… بصمت مريب… كأن المكان يمنحها وقتًا كافيًا لتختار كيف ستخسر.وضعت يدها على صدرها، تتحسس تلك الغصة الحادة.“كان فيه حد…” همست.لكن الجملة انكسرت.لا اسم.لا ملامح.لا شيء يمكن الإمساك به.فقط إحساس مبتور… يصرخ بلا صوت.أغلقت عينيها بقوة، تحاول أن “تجبر” عقلها على الاسترجاع… لكن لم تجد سوى ذلك الفراغ الأبيض… الذي بدأ يصبح مألوفًا أكثر مما ينبغي.فتحت عينيها فجأة.“طب لو… مفيش أصلًا حاجة أفتكرها؟”الصوت خرج ببطء… كأنه فكرة ممنوعة.سكتت لحظة.ثم همست:“طب لو أنا… اخترعتها؟”لم يتحرك الهواء… لكن شيئًا ما في كيان العمارة انتبه.رفعت ليلى رأسها نحو الركن الذي بدأ يتلاشى. الفراغ كان يزحف بثقة… كأنه يعرف أنها ستنهار.“أنا كده كده بخسر…”شدّت على يديها.“طب ما أخسر بح
last updateLast Updated : 2026-03-26
Read more

الفصل الخامس والعشرون لستُ صاحبةَ الفكرة

​لم تتحرك ليلى من مكانها لدهر. ظلت جالسة في منتصف المساحة التي تضاءلت حتى أصبحت مجرد نقطة وحيدة محاطة بالعدم الزاحف. لم تحاول أن تبني حوائط وهمية، ولم تجرؤ على استرجاع ذكرى واحدة مخافة أن تُبتَر. بعد كل ما جرى، لم يعد لديها رفاهية الخطأ؛ فكل هفوة هنا ثمنها قطعة من روحها، وكل خاطر هو طُعمٌ تلقه للعمارة. أرادت أن تكون وعاءً فارغاً.. لأن أي شيء ينبض بداخلها أصبح هدفاً مستباحاً. ​“ما تفكريش..” همست لنفسها بصوت واهن، كأنها تلقي تعويذة حماية أخيرة على حصون عقلها المتداعية. “سيبي دماغك فاضي.. خالص. كوني صمتاً مطبقاً.” أغلقت عينيها بقوة، وحاولت أن تُسكت كل شيء؛ لا صور للأمس، لا كلمات لليوم، لا إحساس بالجسد. أرادت فقط فراغاً.. فراغاً آمناً يختفي فيه وجودها عن رادار المكان. أو هكذا تمنت في سذاجة يائسة. ​مرت ثوانٍ مجهدة.. أو ربما ساعات، فالزمن هنا فقد بوصلته. ثم، وبدون مقدمات، وبلا أي استئذان، سقطت جملة في وعيها كأنها حجر ثقيل هبط في بئر راكدة: “فيه باب وراكي.” ​فتحت ليلى عينيها فوراً، والتفتت للخلف بذعر بدائي، وقلبها يقرع طبول الحرب في صدرها. لم تجد شيئاً سوى الفراغ الأسود الذي يمتص الضو
last updateLast Updated : 2026-03-26
Read more

الفصل السادس والعشرون متأخرة

​ ​لم تتحرك ليلى فوراً. ظلت ساكنة في مكانها كأنها تمثال لايتنفس ولا يتحرك تقف وتنظر حتي من يراها يكاد يقسم إنها تمثال يمكن مكانة منذ الاذل، ضامة جسدها المرتجف في وضعٍ جنيني، كأنها تحاول الإمساك بآخر ذرة مادية فاضلة منها قبل أن تذوب في هواء الغرفة المسموم الذي يزداد كثافة. كانت أنفاسها تخرج ببطء، مجهدة ومتقطعة، لكنها كانت الدليل الوحيد على حضورها في هذا السجن الوجودي. “أنا لسه هنا..” همست، وكأنها تُثبت وجودها لنفسها ولجدران العمارة التي تتربص بها قبل أي شيء. رفعت رأسها ببطء، تنظر إلى الفراغ الذي بدأ يلتهم أطراف مساحتها الضيقة بضراوة. السكون كان كثيفًا… ليس سكون راحة، بل سكون انتظار لئيم، كأن المكان كله يترقب لحظة سقوطها الأخيرة ليعلن انتهاء اللعبة. ​أغمضت عينيها لحظة، محاولة استجماع شتات نفسها، ثم فتحتهما بحدة. “أنا اللي هقرر المرة دي.” قالتها بثبات مصطنع، بصوت حاولت أن تجعله خشناً ليخفي الارتجاف الكامن في أحبالها الصوتية. كانت تتحدى شيئاً يسكنها، أو ربما شيئاً يسبقها بخطوة دائماً. سكتت، ثم اتخذت قراراً بسيطاً، قراراً تافهًا في ظاهره، لكنه بالنسبة لها كان بمثابة "معركة استقلال" لاستع
last updateLast Updated : 2026-03-29
Read more

الفصل السابع والعشرون أثر

لم تتحرك ليلى هذه المرة. لم يكن جموداً مفروضاً عليها بقوة خارجية، ولا تيبساً في العضلات، بل كان اختياراً منهكاً، استسلاماً واعياً لثقل الحقيقة التي اكتشفتها. جلست في مكانها، وعيناها زائغتان تنظران إلى الفراغ دون أن تراه، كأنها توقفت تماماً عن محاولة الفهم أو المقاومة. كان صدرها يعلو ويهبط ببطء شديد، في حركة آلية لا حياة فيها، بينما كان داخلها ساكناً بشكل مخيف، سكوناً يشبه المقابر المهجورة؛ لدرجة أنها بدأت تشك في أن حتى أفكارها أصبحت متأخرة عن وعيها، صدىً باهتاً لعملية تفكير حدثت وانتهت في زمن آخر.“أنا نسخة..” همست بهدوء غريب، كأنها تختبر طعم الجملة على لسانها للمرة الأولى كحقيقة مستساغة. لم تؤلمها الكلمة كما توقعت، وهذا تحديداً هو ما أرعبها؛ أن تفقد القدرة على الشعور بالألم تجاه ضياع هويتها وتلاشي "الأنا" الخاصة بها.رفعت عينيها ببطء، فبدا لها الفراغ المحيط بجزيرتها مختلفاً. لم يعد مجرد مساحة سوداء، بل أصبح مشحوناً بشيء غامض، كأن نسيج الهواء نفسه قد تغيّر وأصبح أكثر لزوجة. عبست محاولة التركيز، وفجأة لمحت شيئاً على الأرض القريبة منها. كان هناك أثر… خط رفيع، باهت، كأنه خدش في سطح صلب.
last updateLast Updated : 2026-03-31
Read more

الفصل الثامن والعشرون محاولة

​لم تنتظر ليلى هذه المرة. لم يكن هناك متسع للتردد أو الغرق في تأملات لا تنتهي تؤدي في النهاية إلى التلاشي. الفكرة لم تأتِ كاملة في رأسها، ولا مرتبة كخطة نجاة، لكنها كانت كافية لتدفعها نحو حافة الجنون الواعي. تركتها النسخة التي قبلها عند كلمة ناقصة، كلمة بترها العدم قبل أن تكتمل وصارت أثراً بعد عين: “مات..”. لم تكمل تلك الغريبة جملتها، لم يمهلها الوقت، أو ربما لم تسعفها إرادتها التي تآكلت بفعل السكون الخانق.​“أنا هلحق…” همست ليلى بصوت واهن، كأنها تختبر نبرة الثقة في حنجرتها. لم تكن واثقة حقاً، لكنها كانت متشبثة بهذا الخيط الرفيع كغريق يمسك بنصل سكين. بصّت لإيديها؛ كانت الأصابع تترتعش برعشة لا إرادية، كأنها أطراف كائن غريب يحاول التأقلم مع هواء مسموم. لكن الإحساس الجديد الذي نبت في صدرها كان أوضح وأشرس من الخوف: لازم تسيب حاجة. لازم تترك علامة تثبت أنها مرت من هنا، أنها كانت “ليلى” يوماً ما، قبل أن تبتلعها الثقوب السوداء في ذاكرة العمارة.​قربت من الأرض ببطء، زحفت نحو نفس النقطة التي شهدت ولادة وموت الكلمة السابقة. مدّت إصبعها السبابة، ولمست السطح بحذر. كان بارداً، صلباً، ومقاوماً بشكل
last updateLast Updated : 2026-04-01
Read more

الفصل التاسع والعشرون عدوى

​لم تتحرك ليلى فوراً. ظلت ثابتة في مكانها، كأنها تحاول استيعاب ثقل الهواء الذي تغير فجأة من حولها، صار أثقل… أبطأ… كأنه يضغط على جدران صدرها من الداخل قبل أن يلمس جلدها. عيناها كانت تتحركان ببطء شديد في الفراغ، لا تبحثان عن جدران صماء أو سقف خانق… بل تلاحقان شيئاً يتبدل في الخفاء، كأن المكان نفسه يعيد ترتيب ملامحه وتوزيع جزيئاته في كل لحظة تمر.​“مش حروف…” همست بصوت خافت، أقرب لفكرة تائهة منها لكلمة منطوقة تملك صوتاً. “أي حاجة ليها شكل ثابت… بتتقبض. المكان ده بيكره الوضوح، بيصطاد أي حاجة يقدر يحدد ملامحها.” سكتت، وأنفاسها خرجت أبطأ، أهدى… لكنها كانت مضبوطة بدقة غريبة، كأنها بتحاول تواكب إيقاع السكون المريب اللي حواليها، عشان ما تبانش كجسم غريب وسط الصمت.​بصّت لإيدها؛ الندبة لسه موجودة كعلامة قبيحة، بس مش زي ما حفرتها بوجعها. حوافها بقت أنعم… غريبة… كأنها اتكتبت بلغة مش بتاعتها، أو كأن فيه يد خفية عدّلت في شكل الجرح من غير ما تستأذن وعيها. لمستها بطرف صوابعها المرتجفة، فجاء الألم متأخراً بنبضة كاملة؛ لم يكن وجعاً حياً ينبض بالدماء… بل كان صدى باهتاً لحدث انتهى في زمن لم تعد تملكه. سحب
last updateLast Updated : 2026-04-01
Read more

الفصل الثلاثون رفض

​لم يعد الصمت خياراً، ولا الانتظار وسيلة نجاة في هذا الفراغ الذي يبتلع الوقت والوعي معاً. الفكرة الأخيرة ما زالت تدور داخل ليلى، ثقيلة وباردة كحجر يسقط في بئر بلا قاع: "مش أنا البداية." هذا اليقين المُرّ لم يحطمها، بل منحها نوعاً من البرود القاسي؛ برود من لم يعد لديه ما يخسره.​لكن الإحساس خلفها تغيّر الآن. لم يعد صدى باهتاً يتبع حركتها بكسل.. صار حضوراً كثيفاً، ملموساً، ونابضاً لدرجة أن ليلى شعرت بوزنه في الهواء. التفتت ليلى ببطء شديد، بجسدها كله، كأنها تواجه حكماً مؤجلاً بالإعدام. هذه المرة لم تجد فراغاً يبتلع نظراتها، بل وجدت “شيئاً” حقيقياً.​كان هناك ضباب كثيف، متماسك على غير طبيعته، يأخذ شكلها بدقة مزعجة تثير الغثيان. ملامح مرسومة بالدخان الرمادي، وعينان تشبهان عينيها تماماً… لكنهما كانتا أقدم بألف عام، أهدأ ببرود جنائزي، وكأنهما سبقتها إلى هذه اللحظة، وإلى هذا المكان، بآلاف المرات من قبل. ليلى لم تتحرك فوراً؛ لأول مرة منذ دخولها هذا الجحيم، شعرت أنها هي المتأخرة، وأن الحقيقة هي التي تلاحقها.​النسخة لم تكن تتكوّن أو تتلاشى.. كانت موجودة بالفعل. ثابتة. مكتملة. ومستعدة. رفعت ليلى
last updateLast Updated : 2026-04-02
Read more
PREV
123456
...
9
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status