All Chapters of ما تبقي من ليلي: Chapter 11 - Chapter 20

87 Chapters

الفصل الحادي عشر شظايا الذات المنسية

أول ما شعرت به ليلى حين تخطت عتبة الباب الشمال لم يكن خوفاً، بل كانت "الرائحة". لم تكن رائحة عادية؛ كانت خليطاً غريباً ومقبضاً بين تراب قديم، رطوبة خانقة، وشيء آخر لم تستطع تحديده.. كأن المكان قد أُغلق عليه لقرون ومُنعت عنه الحياة، حتى لم يحاول أحد طرق بابه. ​فتحت عينيها ببطء، لتجد إضاءة باهتة مائلة للاصفرار، تنبعث من مصباح قديم يرمش بنزع أخير وكأنه على وشك الانطفاء. وقفت ليلى مكانها، دارت بعينيها في أرجاء المكان، فشعرت ببرودة تكتسح صدرها؛ المكان كان مألوفاً بشكل مزعج. غرفة صغيرة، سرير خشبي، دولاب بلفات نحاسية، ومكتب عتيق. كل شيء كان نسخة كربونية من "غرفة طفولتها". ​لكن— كان هناك شيء "غلط". كل غرض في مكانه، لكنه غير مضبوط؛ السرير بدا أقصر مما تتذكر، الدولاب لونه أغمق من الطبيعي بكثير، والمكتب.. كان مغطى بخدوش غائرة لم تكن موجودة في ذاكرتها. تقدمت خطوة، والزمكان تحت قدميها بدا ثقيلاً، كأن كل دقة قلب تحمل معنى قديماً تحاول استعادته. لمست خشب المكتب، كان خشناً وبارداً كالحجر. ​"دي مش أوضتي..." همست ليلى، وصوتها تردد في الفراغ كأنه صدى لبئر سحيق. "دي نسخة مشوهة منها." ​خرجت الجملة منها
last updateLast Updated : 2026-03-12
Read more

الفصل الثاني عشر اعتراف الجدران

لم تعد ليلى تمشي؛ كانت "تعبر" المكان كأنها جزء من نسيجه الأصلي. أول ما شعرت به وهي تخطو داخل الممر، كان حركة خفيفة ومستمرة.. كأن العمارة نفسها تتنفس بعمق معها. الأرضية الخشبية القديمة لم تعد تصدر صريراً عشوائياً، بل كانت تهمس تحت قدميها بنغمات مختلفة مع كل خطوة، وكأنها تعلن للجماد والظلال: "إنتي هنا.. وأنتي الآن مختلفة." ​الهواء صار ثقيلاً، ليس فقط بفعل الرطوبة، بل كأن كل ذرة أكسجين تحمل رسالة مشفرة. رائحة المسك عادت فجأة وبقوة لم تعهدها من قبل، ممزوجة برائحة الخشب العتيق وطين الزمن الذي لم تلمسه يد بشر منذ عقود. وقفت ليلى في منتصف الممر، عيناها المتسعتان تراقبان الجدران التي بدأت تتحرك؛ الطلاء المتقشر يرسم خرائط سرية، والظلال تلعب فوق السطوح لترشدها إلى ممرات وأبواب مخفية لم تظهر لها في "نسختها القديمة". ​مدت يدها لتلمس إحدى المرايا المكسورة، لكن قبل أن تصل أصابعها للزجاج، انتشرت برودة كهربائية في كفها. انعكاسها كان مشوشاً، عيناها أعمق، ووجهها يحمل ملامح حاجة غير موجودة في الواقع المادي. شعرت بعين تراقبها من ركن بعيد؛ كان "الظل الطويل" هناك، حضوره ثقيل جداً لكنه ساكن، كأنه لم يعد
last updateLast Updated : 2026-03-12
Read more

الفصل الثالث عشر ترانيم الجدران الحية

لم يكن المفتاح المعدني في يد ليلى مجرد قطعة حديد؛ كان ينبض بحرارة غريبة تزداد كلما غاصت في أعماق الممر. الخيط الأحمر المربوط به بدأ يتوهج بضوء خافت، خيط رفيع يمتد في الظلام كأنه عصب حي يربط بين نبض قلبها وبين قلب العمارة. مشيت ليلى، لكن الممر لم يعد مستقيماً كما عهدته؛ الجدران بدأت "تتموج" ببطء، والرخام الأسود تحت قدميها صار يلين ثم يتصلب، كأنها تمشي فوق ظهر كائن عملاق يتنفس بعمق قبل الاستيقاظ. ​الهواء كان مشحوناً بضغط يزاحم أنفاسها. رائحة المسك الخانقة تراجعت فجأة، وحلت محلها رائحة "احتراق" قديمة، يشوبها عطر نسائي ناعم أعاد لها ذكرى منسية لثياب والدتها. "إنتي بتختبريني؟" همست ليلى وهي تلمس الجدار المتموج. جاء الرد ليس بصوت، بل بحركة؛ انبعج الجدار فجأة ليبرز منه "نتوء" صلب، ثم بدأ الطلاء يتساقط ليشكل ملامح وجوه بشرية صامتة تبرز من الخرسانة.. وجوه لسكان غابوا، ونسخ منها لم تكتمل. ​وفجأة، تجمد كل شيء. في نهاية الممر، حيث يتقاطع الظلام مع ضوء باهت، ظهر "هو". لم يكن ظلاً هلامياً هذه المرة، بل كان رجلاً حقيقياً، يرتدي معطفاً طويلاً وقناعاً معدنياً يغطي نصف وجهه العلوي. كان يقف بثبات، يم
last updateLast Updated : 2026-03-12
Read more

الفصل الرابع عشر شظايا الحقيقة المنسية

أول حاجة حسّت بيها ليلى وهي واقفة قدام الطيف ده.. إنها مش قادرة تتحرك، كأن رجليها غرزت في أرضية الأوضة وبقت جزء منها. لم يكن شعوراً بالخوف العادي، بل كانت صدمة وجودية زلزلت كيانها. وقفت مكانها، وعينيها مثبتة بجنون على الشخص اللي واقف قدامها في زاوية الغرفة الباهتة؛ نفس الطول.. نفس انحناءة المنكبين.. نفس الهدوء الرصين اللي كانت بتحسه لما كان والدها موجود في أي مكان، هدوء كان بيمثل لها الأمان المطلق. ​لكن— وسط كل هذا الذهول، كان فيه حاجة "غلط". حاجة مش طبيعية في المشهد. ​“بابا…؟” الكلمة خرجت منها ضعيفة ومرتعشة، كأنها خايفة لو نطقته يتحول لحقيقة مرعبة، أو يتبخر ويختفي قبل ما تتأكد من ملامحه. الشخص ما ردش، وما أصدرش أي حركة، بس بصّ لها.. نظرة طويلة، صامتة، وثابتة لدرجة تخترق العظام؛ كأنه مش بيبص على ملامح وشها، لكن بيبص على "سر" مخبياه جوه روحها. ​قلبها بدأ يدق أسرع، طبوله بترن في عقلها. خطت خطوة ناحيته ببطء شديد، كأنها بتمشي على حبل مشدود فوق هاوية. “إنت… إزاي؟ إزاي رجعت؟” ساد صمت تقيل لدرجة إنها سمعت طنين ودنها. لكن كل ما قربت منه أكتر، كانت الصورة بتبدأ "تتفكك" قدام عينيها؛ وشه
last updateLast Updated : 2026-03-12
Read more

الفصل الخامس عشر أرشيف الأكاذيب المقدسة

​أول شيء لاحظته ليلى وهي تخطو خارج غرفة المرآة.. كان أن الصمت نفسه قد تغير. لم يعد هدوءاً يبعث على السكينة، بل كان "فراغاً" مرعباً، كأن المادة التي يُصنع منها الصوت قد سُحبت من المكان تماماً. وقفت في مكانها، تجوب بعينيها ما حولها؛ الممر عاد من جديد، لكنه لم يكن هو ذاته. الإضاءة كانت أضعف، والجدران أصبحت أغمق كأنها تشرب الضوء ولا تعكسه، والتفاصيل.. بدت أقل بكثير، كأن هناك يداً خفية قامت بمسح أجزاء من الواقع بممحاة غليظة. ​“لا..” همست، ولم تسمع لصوتها صدى. “ده مش نفس المكان.” أخذت خطوة للأمام، وكانت المفاجأة أن قدميها لم تصدرا صوتاً على الأرضية الصلبة. لم يكن هناك صرير، ولا حتى حفيف لثيابها. هذا الصمت المطبق جعل قلبها يدق بعنف، لكنه لم يكن خوفاً غريزياً، بل كان "عدم ارتياح" وجودي ينهش في أعصابها. أكملت المشي ببطء، وكل خطوة كانت تؤكد لها ذات الحقيقة المريرة: المكان ليس ثابتاً، والواقع يترنح. ​فجأة، انفتح باب على جهة الشمال.. انفتح لوحده، دون صرير، ودون هواء يدفعه. توقفت ليلى، ونظرت لداخل الغرفة؛ لم يكن هناك ظل بالداخل، ولا نور ساطع، بل كان هناك "مشهد" يتحرك. اقتربت بحذر، وبمجرد أن نظرت
last updateLast Updated : 2026-03-19
Read more

الفصل السادس عشر مقامرة الذاكرة المرتجفة

​أول حاجة حسّت بيها ليلى وهي بتمسك الدفتر المرة دي.. إنه بقى تقيل بشكل مش طبيعي. مكنش ثقل مادي تقدر توزنه بجرامات، بل كان ثقلاً "معنوياً"، كأن كل صفحة من صفحاته شايلة قطعة من روحها، أو سر مدفون تحت طبقات من السنين. وقفت في مكانها، وعينيها مثبتة على الغلاف الجلدي القديم؛ الغرفة كانت لسه موجودة حولها، لكنها كانت باهتة، ألوانها بتسيح ببطء كأنها مجرد خلفية مسرحية مستنية الممثل الأساسي يبدأ العرض. ​نزلت عينيها للدفتر، وفتحته ببطء شديد.. نفس الخط، نفس الزوايا الحادة في الحروف، نفس الأسلوب اللي بتكتب بيه مذكراتها من وهي مراهقة. بس المرة دي، الكلمات كانت أوضح، كأنها مكتوبة بحبر لسه منشفش، أقرب لعينها من أي وقت فات. ​“أنا اخترت أنسى.” ​الجملة كانت مكتوبة في أول الصفحة، وحيدة، وجارحة. قلب ليلى دق بعنف في صدرها. “أنسى إيه؟” همست بصوت واهٍ كأنه صرخة مكتومة. ومجرد ما نطقت السؤال، الكلمات بدأت تتحرك على الورق؛ مكنتش بتتمسح أو تتغير، لكنها كانت "تتفتح" كأنها بوابات لزمن تاني. وفجأة، الغرفة اللي كانت فيها اختفت تماماً، ولقيت ليلى نفسها واقفة في مكان مختلف.. نفس المكان، بس في زمن قديم. ​ريحة المكان
last updateLast Updated : 2026-03-19
Read more

الفصل السابع عشر نشوةُ التحكّم الزائف

​ليلى ما فتحتش الدفتر فوراً المرة دي. فضلت واقفة مكانه، عينيها مثبتة على الغلاف الجلدي وكأنها بتقيمه، كأنها داخلة جولة مصارعة مع خصم بدأت تفهم ثغراته. مكنتش خايفة، ولا كانت بترتعش زي الفصول اللي فاتت؛ بالعكس، كانت حذرة بهدوء، وقلبها كان أهدى بكتير من قبل، وده في حد ذاته كان شيء يثير الريبة. "التمن واضح.. وأنا قادرة أدفعه،" قالت لنفسها بصوت واثق وهي بتقعد على الأرض وبتحط الدفتر قدامها. ​مدت إيديها فوقه من غير ما تلمسه، حست بحرارة خفيفة طالعة من الورق، حرارة مش بتحرق، لكنها بتغري. “أنا اللي هتحكم المرة دي.. مش إنت،” همست بحدة، وببطء شديد فتحت الصفحة الأولى. الصفحات كانت ساكنة تماماً، مفيش حبر بيسيح، مفيش كلمات بتجري لوحدها.. كأن الدفتر نفسه "بيحترم" وجودها الجديد، أو كأنه فخ مستني الفريسة تدخل بكامل إرادتها. ​قلبت صفحة.. ورا صفحة.. لحد ما وقفت عند واحدة شكلها عادي جداً. مكنش فيها خيوط دم ولا رموز مرعبة، بس أول ما عينيها لمست السطور، الإحساس جه. ذكرى خفيفة، مش من النوع اللي بيكسر الروح، ولا من اللي بيحبس الأنفاس. موقف بسيط، دافي، من أيام مكانت الدنيا لسه بخير. ابتسمت ليلى ابتسامة خفيف
last updateLast Updated : 2026-03-19
Read more

الفصل الثامن عشر إنفجارُ الواقع المتشعب

​ليلى ما فتحتش الدفتر أول ما مسكته المرة دي كمان. فضلت واقفة مكانها، عينيها مثبتة على الغلاف الجلدي القديم، وبتبص حواليها في الغرفة الباهتة بـ "توجّس". المكان كان ساكت تماماً، لكن سكوته مكنش هادي؛ كان صمت مشحون بتوتر خفي، كأن الهوا مكهرب، وكأن الحيطان بتتنفس ببطء وبتراقب حركتها. مكنش فيه تغيير مادي في الجدران، لكن "الإحساس" العام اتغيّر.. بقى أتقل، وأغمق. ​“أنا استخدمته.. النهاردة.. وما حصلش حاجة واضحة،” همست لنفسها وهي بتحاول تطمن روحها، لكن جواها كان فيه "شرخ" صغير من الشك بدأ يتسع. رجعت تبص للدفتر في إيدها، والمرة دي لاحظت حاجة غريبة.. ما كانش تقيل وقاسي زي أول مرة مسكته؛ بالعكس، كان ملمسه ناعم، كأنه "اتعوّد" عليها، أو كأنه بيبادلها القبول عشان يجرها أكتر. ​قعدت ليلى على الأرض، وحطت الدفتر في حضنها، وفتحته بمنتهى الهدوء. الصفحات ما اتحركتش لوحدها، مفيش حبر ساح، مفيش مشاهد فرضت نفسها.. وده كان التطور الجديد والمغري في نفس الوقت. “يعني أنا اللي أختار.. أنا صاحبة القرار،” قالت بزهو خفي وهي بتقلب الصفحات ببطء، واحدة ورا التانية، بعيون بتبحث عن فرصة جديدة للتصليح. ​وقفت عند صفحة مع
last updateLast Updated : 2026-03-19
Read more

الفصل التاسع عشر انشطارُ اليقين

​هذه المرة، لم يكن هناك اندفاع. جلست ليلى بهدوء لم تعهده من قبل، وضعت الدفتر أمامها على الأرضية الباردة، وبقيت تراقب غلافه بصمت كأنها تنتظر منه أن يبدأ هو الكلام. يداها كانتا مستقرتين فوقه، تقتربان منه لكنهما لا تلمسانه، خوفاً من شرارة قد تندلع أو حقيقة قد تنكشف. "مش كل حاجة تتعمل بنفس الطريقة،" همست لنفسها بيقين مهتز. عيناها كانت ثابتة، مفرغة من الخوف البدائي الذي سكنها في البداية، لكنها كانت مشحونة بتركيز حاد، تركيز الغريق الذي يحاول فهم حركة الموج قبل أن يبتلعه. ​“أنا شفت اللي بيحصل.. أنا فاهمة اللعبة،” قالتها وأنفاسها تتباطأ بشكل يوحي بالسيطرة الزائفة. “بس المرة دي.. أنا اللي هختار صح.” فتحت الدفتر ببطء شديد، ولم تكن بحاجة لتقليب الورق؛ الصفحات بدأت تتحرك من تلقاء نفسها، ليس بسرعة الرياح، بل بثقة كائن يعرف تماماً إلى أين يمضي. توقفت عند صفحة معينة.. صفحة كان ملمس هواها مختلفاً. لم تكن مجرد ذكرى عابرة، بل كانت "قراراً". ​القلب دق في صدرها بعنف. الموقف كان يتشكل بوضوح جارح في عقلها؛ لحظة واحدة كانت قادرة على تغيير مسار كل السنوات التي تلتها. اختيار مفصلي، وهي.. في ذلك الوقت، اختارت
last updateLast Updated : 2026-03-19
Read more

الفصل العشرون سيولةُ الكيان المنشطر

​لم تلمس ليلى الدفتر. هذه المرة، وضعته بعيداً عنها في أقصى ركن من الغرفة الباهتة، كأنها تحاول إقناع المكان—أو إقناع نفسها—بأن الهدنة قد بدأت. وقفت ونفضت الغبار عن ثيابها، وأخذت نفساً عميقاً وهي تحاول استعادة توازنها المفقود. "خلاص.. كفاية كدة،" همست لنفسها وهي تتحرك نحو الباب. كانت تنوي الخروج، العودة لأي ممر يؤدي لأي مكان "ثابت"، بعيداً عن سحر الورق والحبر اللعين. ​لكن، بمجرد أن وضعت يدها على مقبض الباب، حدث أول خلل. المقبض الذي كان بارداً ومعدنياً تحت أصابعها، تحول في لمح البصر لمقبض خشبي دافئ. ليلى رمشت بعينيها بذهول، وتراجعت خطوة. نظرت ليدها، ثم للمقبض.. عاد معدنياً بارداً كما كان. “أنا تعبانة.. ده إرهاق مش أكتر،” قالت بنبرة حاولَت أن تجعلها واثقة، لكن صوتها كان يرتعش كخيط رفيع في مهب الريح. ​تحركت نحو وسط الغرفة مرة أخرى، وفجأة، سمعت صوت "وقع خطوتها" على الأرض. كان صوتاً مزدوجاً؛ صدمة قدمها بالأرض أعقبها صدى لصوت حذاء بكعب عالٍ، رغم أنها ترتدي حذاءً مسطحاً. توقفت تماماً. ساد السكون. ثم، وبدون أي مقدمات، سمعت نفسها تقول بوضوح: “أنا مش هسيب المكان ده.” ​تجمدت الدماء في عروق ليلى
last updateLast Updated : 2026-03-19
Read more
PREV
123456
...
9
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status