All Chapters of خلف جدران الرغبة: Chapter 131 - Chapter 140

157 Chapters

المواجهة

كان مكتب فريد في الميناء بارداً في ذلك الصباح؛ فالجدران الرمادية، والأثاث المعدني البسيط، والإضاءة الفلورية الباردة، جعلت المكان يبدو كغرفة تحقيق أكثر من كونه مكتباً. جلس علي على الكرسي المقابل لفريد، وظهره مستقيم، وعيناه مثبتتان على وجه الرجل الذي كان يحاول تدميره. ​كان فريد يبتسم ابتسامة واثقة، كمن يعلم أنه يمسك بخيوط اللعبة؛ أشعل سيجارة ونفث الدخان في الهواء، ثم قال: «سيد علي، لماذا هذا اللقاء المفاجئ؟ ألم تقل إنك بحاجة إلى وقت للتفكير في طلبي؟» ​لم يرد علي؛ وبدلاً من ذلك، أخرج هاتفه من جيبه ووضعه على الطاولة بينهما، ثم ضغط على زر التشغيل، فامتلأت الغرفة بصوت فريد نفسه: «... نعم، سأتحدث معه اليوم. لا تقلق، سأجعله يوافق. إذا رفض، فسأخبر كمال بأن علياً يخطط لصفقات غير قانونية.. لا يهم إن كانت صحيحة أم لا، المهم أن كمال يصدقني...» ​تغيرت ملامح فريد؛ إذ ذابت الابتسامة عن وجهه، وحل محلها شحوب بارد. أطفأ سيجارته بسرعة، وألقى نظرة خاطفة نحو الباب وكأنه يفكر في الهروب. «من أين حصلت على هذا؟» سأل بصوت أجش. «هذا ليس مهماً،» قال علي ببرود. «المهم أنني أملكه، والمهم أنني إذا أردت، فيمكن
Read more

عودة العراب

مرت ثلاثة أيام على مواجهة علي لفريد. ثلاثة أيام من الهدوء الحذر، حيث بدا فريد كمن تقبل الهزيمة؛ كان يؤدي عمله في الميناء دون ضجة، وكان يتجنب الاقتراب من علي أو حتى النظر في عينيه. لم يرسل رسائل تهديد، ولم يحاول ابتزازه مجدداً. كان صامتاً، وهذا ما كان يقلق علياً أكثر من أي شيء آخر؛ فالصمت أحياناً يكون أخطر من الصراخ. ​في صباح اليوم الرابع، وبينما كان علي جالساً في مكتبه داخل القصر، رن هاتفه؛ كان المتصل هو المستشفى. «سيد علي،» قال صوت الممرضة من الطرف الآخر، «السيد كمال يطلب رؤيتك؛ لقد تحسنت حالته بشكل ملحوظ، وهو يريد مغادرة المستشفى اليوم، وقد أصر على ذلك رغم نصيحتنا.» ​شعر علي بمزيج من الارتياح والقلق؛ كان يعلم أن عودة كمال إلى القصر تعني عودة المراقبة والضغط، لكنه كان يدرك أيضاً أن كمال أصبح أضعف من ذي قبل، وأن السيطرة على الشركات لا تزال في يد ليلى، أي في يده هو. «سأكون هناك خلال ساعة،» قال علي، ثم أغلق الهاتف. نهض من كرسيه، وارتدى سترته، وخرج من القصر. قاد سيارته نحو المستشفى بسرعة متوسطة وهو يفكر في كمال، وفي ليلى، وفي فريد، وفي كل من يحاول الوقوف في طريقه. ​وصل علي إلى المس
Read more

أوراق مسمومة

جلس علي في مكتبه داخل قصر كمال، وأشعة الشمس الباردة تتسلل من النافذة البانورامية لتكسو الغرفة بوهج أصفر خافت. كان الوقت عصراً، وكمال قد غادر منذ ساعة إلى غرفة نومه بعد اجتماع مطول مرهق بدا فيه مهتزاً أكثر من المعتاد. كانت هذه فرصة ثمينة، والنافذة الوحيدة التي يمكنه من خلالها فحص الملفات دون رقابة. ​أمامه على الطاولة الرخامية، كان الملف الأسود الذي سلمه إياه كمال شخصياً قبل يومين يحمل تفاصيل الشحنة الجديدة. لم يفتحه بعد بحضرة كمال؛ كان يريد أن يدرسه وحده، بعيداً عن عيون الرجل العجوز الثاقبة. ​فتح الملف ببطء، وأخرج الأوراق الواحدة تلو الأخرى. كانت الشحنة تحتوي على "مواد كيميائية صناعية" – حسب الوصف الرسمي – لكن الأرقام كانت تتحدث بلغة أخرى. اثنتا عشرة حاوية ضخمة، تزن كل منها ما يقارب خمسة وعشرين طناً، قادمة من ميناء في أوروبا الشرقية عبر شركة وسيطة لم يسمع بها من قبل. كان تاريخ الوصول محدداً بعد عشرة أيام بالضبط. ​راحت أصابع علي تتابع الأرقام، وعيناه تحللان كل بند. كان يعلم أن كمال لم يعد يثق به، رغم تعيينه مسؤولاً عن الميناء. كانت هذه الشحنة اختباراً، لكنه كان شديد الحساسية. ​ف
Read more

كسر عظم

لم تنم ليلى في تلك الليلة؛ ظلت مستلقية على فراشها في جناح الزفاف داخل قصر كمال، تحدق في السقف بعينين جافتين. كانت كلمات علي تتردد في رأسها كطنين لا ينقطع: "ليلى مجرد بيدق في هذه اللعبة..." ​أدارت وجهها على الوسادة، وشعرت بغصة مريرة في حلقها. قررت أن تصمت.. في الوقت الحالي. ​في صباح اليوم التالي، كان فريد يطرق باب قصر كمال في ساعة مبكرة. لم يخبر أحداً بمجيئه. استقبله الحارس وأدخله إلى الصالة حيث كان كمال يحتسي قهوته الصباحية. ​«سيد كمال،» قال فريد بلهجة متواضعة جداً، «أحتاج للتحدث معك على انفراد.» ​نظر كمال إليه بارتياب؛ كان فريد مجرد وسيط صغير، موظف في الميناء، لكنه كان عيناً له في الآونة الأخيرة. أشار إلى الكرسي المقابل ببرود: «تكلم.. لكن لا تضيع وقتي.» ​جلس فريد على طرف الكرسي بحذر. «سيد كمال، لاحظت في الأيام الماضية أن علياً يتردد على منزل في الحي الراقي؛ منزل لا يخصه، وليس منزل أقاربه كما يدعي. لقد رأيته يدخله ليلاً ويخرج منه قبيل الفجر.» ​رفع كمال حاجباً في تساؤل: «ومن يسكن هذا المنزل؟» ​«امرأة اسمها حلى،» قال فريد. «كانت تعمل معه في المختبر، وهي صديقة مقربة لنور. أعتقد أن
Read more

ليلة القبضة

جلس علي في مكتبه الخلفي داخل معرض السيارات بعد منتصف الليل. كان المكان مظلماً إلا من ضوء شاشة حاسوبه التي تعرض خريطة للميناء ومخططاً للسفينة التي تنتظر وصولها بعد سبعة أيام. كان وحيداً؛ فقد اختار هذا المكان لأنه بعيد عن أعين كمال وحراسه، ولأنه يستطيع التفكير بهدوء. ​أمامه، كان الملف الأسود مفتوحاً، والصفحة التي كتبها كمال بخط يده لا تزال تتردد في ذاكرته: "داخل الشحنة، حاوية خاصة تحوي أسلحة محظورة. إذا مررتها، صرت مديناً لي. وإذا رفضت، خنتني." كان الفخ محكماً، لكن كمال نسي شيئاً: أن علياً تعلم منه كيف يكسر القواعد. ​لم يخبر سنان؛ كان هذا قراره منذ البداية. سنان جشع، وإن عرف بالشحنة، فسيطالب بنصيب الأسد، أو ربما يخون علياً لأعدائه. لا، سيتولى الأمر بنفسه. ​اهتز هاتفه؛ كان أحمد. «سيد علي، كل شيء جاهز. تحدثت مع فريق الغوص؛ هم مستعدون للمغادرة فور وصول السفينة إلى المياه الدولية. يطلبون مهلة ساعتين فقط لفتح الحاوية واستبدال محتوياتها.» «وماذا عن المواد البديلة؟» سأل علي. «جهزنا مواد كيميائية مطابقة تماماً لما هو مدون في الفواتير. لو فتح كمال الحاوية بنفسه، فسيجد ما يبحث عنه ظاهرياً –
Read more

ليلة الشحنة

مرت ستة أيام على اجتماع علي السري مع فريد. كانت الأيام ثقيلة، محملة بالترقب والأكاذيب؛ ففي النهار، كان علي يؤدي دوره كزوج مطيع ومدير مخلص للميناء، وفي الليل، كان يعد العدة لليلة المصيرية التي تقترب بسرعة. ​في صباح اليوم السابع، وصلت برقية إلى مكتب علي في الميناء: "السفينة (أميد) ستصل إلى المياه الإقليمية منتصف الليلة، وترسو في الميناء فجر اليوم التالي." ​قرأ البرقية مرتين؛ كان الوقت قد حان. اتصل بأحمد فوراً: «الليلة.. جهز الفريق. سأكون على ظهر السفينة قبل منتصف الليل.» «سيد علي،» قال أحمد بقلق، «الرياح قوية اليوم والبحر هائج.. هل أنت متأكد؟» «متأكد.. لا تغيير في الخطة.» ​أغلق الهاتف وأشعل سيجارة. كان يعلم أن هذه الليلة ستكون الأصعب؛ فالبحر الهائج قد يعطل عملية الغوص، لكن تأجيلها ليس خياراً، فكمال قد يغير رأيه في أي لحظة، أو قد يقرر فتح الحاوية بنفسه قبل موعدها. ​في الظهيرة، استدعاه كمال إلى مكتبه. «علي،» قال كمال وهو يقلب بعض الأوراق، «الليلة تصل شحنتنا. أريدك أن تشرف على التفريغ بنفسك؛ لا تترك أحداً يقترب من الحاويات قبل وصول فريقي الخاص.» شعر علي بوخز في قلبه: «فريق خاص؟» «
Read more

الانهيار الأول

عاد كمال إلى القصر في صمت مطبق. لم ينبس ببنت شفة طوال الطريق، وكانت عيناه مثبتتين على الطريق، كأنه يرى أشياء لا يراها غيره. وإلى جانبه، كان علي يقود السيارة بتركيز شديد، يرمقه بين الحين والآخر بنظرات خاطفة، محاولاً قراءة ما يدور في ذهن الرجل العجوز. ​عندما وصلا إلى القصر، نزل كمال بصعوبة؛ رفض مساعدة الحارس، وأصر على المشي بمفرده، وإن كانت خطواته ترتجف. صعد الدرج ببطء إلى مكتبه في الطابق العلوي، وأغلق الباب خلفه. ​بقي هناك لساعات. لم يفتح الباب لأحد، ولا حتى لليلى التي طرقت برفق تسأل عنه. كان يجلس خلف مكتبه، يحدق في جدار المكتب المقابل، وفي رأسه سؤال واحد: كيف فشلت خطتي؟ ​كان متأكداً من أن الحاوية رقم 7 تحتوي على أسلحة؛ كان متأكداً لأنه رتب ذلك بنفسه. فريد أكد له أن الترتيبات تمت، وأن الأسلحة في طريقها، لكن مفتش الجمارك فتح الحاوية ووجد فقط مواد كيميائية عادية. أين الخطأ؟ هل خانه فريد؟ أم أن علياً كان أذكى مما توقع؟ ​في الرابعة عصراً، طرق فريد الباب: «سيد كمال، أريد التحدث معك.» فتح كمال الباب بعينين متعبتين. دخل فريد، وكان وجهه شاحباً؛ جلس على الكرسي المقابل، وقال بصوت مرتجف: «سي
Read more

رسالة من الأب

مرت أربعة أيام على نقل كمال إلى مصحة "النور" الخاصة. كانت الأيام هادئة على السطح، لكنها كانت تحمل في جوفها براكين صامتة تحت الرماد. علي كان يقضي ساعات الصباح في الميناء، يشرف على سير العمل، ثم يعود إلى القصر لتفقد ليلى التي كانت ترفض مغادرته رغم أنها لم تكن تريده حقاً. ​في اليوم الخامس، تلقت ليلى اتصالاً من مشرفة التمريض في المصحة. «سيدتي ليلى، والدكِ استعاد وعيه جزئياً هذا الصباح. لا يزال غير قادر على الكلام، لكنه يحاول الكتابة.. هل يمكنكِ زيارته؟» ​لم تتردد؛ ارتدت ملابسها، وطلبت من السائق أن يوصلها إلى المصحة. لم تخبر علياً؛ فقد أرادت أن ترى والدها بمفردها، بعيداً عن عيون زوجها التي كانت تراقب كل شيء. ​عندما وصلت، وجدت كمال جالساً على سريره، مسنداً بوسائد بيضاء. كان وجهه شاحباً، وعيناه غائرتين، ويده اليسرى لا تزال ترتجف، لكن عينيه كانتا حادتين تخترقانها كما كانت تفعل دائماً. جلست بجانبه، وأخذت يده: «أبي... كيف تشعر؟» ​لم يستطع الكلام، لكنه أشار بيده المرتجفة إلى لوحة صغيرة كانت موضوعة على الطاولة الجانبية، وإلى قلم كان بجانبها. فهمت ليلى ما يريد؛ ناولته القلم، وساعدته في تثبيت
Read more

عقل مدمر

في صباح اليوم التالي، استيقظت ليلى باكراً. لم تنم جيداً في الليلة الماضية؛ كانت كلمات والدها تتردد في رأسها: "احذري... علي... ليس كما يبدو... عنده... أسرار..." نامت وهي تتساءل: ما هذه الأسرار؟ وماذا كان يحاول والدها قوله ولم يستطع؟ ​نهضت من سريرها، وارتدت ملابسها، ونزلت إلى الصالة. كان علي جالساً يتناول الإفطار، يقلب هاتفه. رفع رأسه عندما رآها. «صباح الخير يا ليلى. نمتِ جيداً؟» «بخير،» قالت ببرود، وجلست على الطاولة مقابله. كانت تنظر إليه بعينين مختلفتين الآن؛ كانت ترى فيه الرجل الذي حذرها والدها منه، الرجل الذي يخفي أسراراً. لكنها لم تكن تعرف أي أسرار، فقط شكوك غامضة. ​تناولا إفطارهما في صمت، ثم قال علي: «سأذهب إلى الميناء صباحاً، ثم سأمر على المصحة لتفقد والدكِ. هل تريدين المجيء معي؟» ترددت ليلى؛ كانت تريد أن ترى والدها، لكنها كانت تريد أيضاً الذهاب إلى المصرف المركزي قبل أن يعرف أحد. قالت: «لا، سأذهب بعد الظهر. لدي بعض الأمور لقضائها في الصباح.» ​نظر إليها علي طويلاً، لكنه لم يعلق. كان يعلم أنها تخفي شيئاً، لكنه لم يكن يعرف ما هو. نهض، وقبل جبينها، وخرج. ​بمجرد أن غادر، صعدت
Read more

الطوق يضيق

في صباح اليوم التالي، استيقظت ليلى قبل شروق الشمس. لم تنم جيداً؛ كانت الأوراق التي نسختها من مصرف الأمانات لا تزال تحت مرتبتها، تهمس لها بأسرار لا تفهمها بعد. نهضت، وارتدت ملابس بسيطة، وخرجت من القصر قبل أن يستيقظ علي. ​استقلت سيارة أجرة، وأعطت السائق عنوان مكتب المحامي سمير. كانت السماء رمادية، والهواء بارداً، والطرق شبه خالية في هذه الساعة المبكرة. ​وصلت إلى المكتب قبل موعدها بنصف ساعة، وكان المبنى لا يزال مغلقاً. جلست على مقعد خشبي عند المدخل تنتظر، وكانت يداها ترتجفان من البرد والخوف. بعد دقائق وصل سمير؛ نظر إليها بدهشة، ثم فتح الباب وأدخلها إلى مكتبه. ​«ليلى، أنتِ هنا مبكراً جداً.. ماذا حدث؟» ​جلست على الكرسي المقابل، وأخرجت الأوراق التي نسختها من حقيبتها، ثم وضعتها على الطاولة أمامه. «وجدتُ هذه في صندوق أمانات باسم والدي. لا أفهم معظمها، وأريدك أن تشرح لي ما تعنيه.» ​أخذ سمير الأوراق وبدأ يقلبها ببطء؛ كانت عيناه تتسعان كلما قرأ صفحة جديدة. صمت لثوانٍ طويلة، ثم رفع رأسه إليها: «ليلى، هذه سجلات حسابات بنكية سرية، ووثائق تأسيس شركات وهمية في الخارج، وعقود صفقات لا أعرف
Read more
PREV
1
...
111213141516
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status