All Chapters of خلف جدران الرغبة: Chapter 101 - Chapter 110

157 Chapters

الأفعى في القفص

كانت نور تجلس على مقعدها الحجري المعتاد، تحت ظلال شجرة السدر الوارفة في ساحة كلية الاقتصاد. كانت تتظاهر بالغرق في صفحات كتاب "النظرية الاقتصادية"، لكن حواسها كانت مشدودة كوتر كمان؛ عيناها تترصدان البوابة الرئيسية، وأذناها تلتقطان أدنى ضجيج للمحركات. كانت تدرك يقيناً أن العقيد سهى لن تترك خيوط اللعبة تفلت من يدها، وأن الحراس سيأتون لا محالة ليقودوها إلى "الاستجواب". كانت مستعدة، ليس فقط للمواجهة، بل للمناورة. ​في الجيب الداخلي المخفي لقميصها الأبيض، وتحديداً في الجزء العلوي من حمالة صدرها، كان جهاز التسجيل الصغير الذي سلمه لها علي يلتصق بجلدها كطفيلي معدني بارد. كان الجهاز، رغم ضآلة حجمه الذي لا يتجاوز زر القميص، يمثل ترسانتها الوحيدة. اختبرته في خلوتها مراراً، وتأكدت من أن نبضه الرقمي يلتقط أدق الهمسات. كان هاتف علي مرتبطاً به ، مما يحوله إلى مستمع غير مرئي، يشاركها في كل زفير وشهيق سيحدث في ذلك المكتب البارد بالكرامة. ​لم يكن الخوف يتملكها كما في السابق؛ بل كانت تعيش حالة من الترقب المشوب برجفة خفيفة. تذكرت تعليمات علي الصارمة وهو يمسك بكتفيها: "سهى ستستدعيكِ، هذا قدر محتوم. لا تقا
Read more

شفرة الخيانة الثلاثية

كانت الساعة تشير إلى الواحدة بعد منتصف الليل، والفيلا الشاطئية غارقة في ظلام كثيف لم يقطعه إلا ضوء القمر المتسلل من النافذة البانورامية المطلة على البحر. كان علي جالساً على الأريكة الجلدية السوداء في الصالة السفلية، وحيداً في الظلام، يقلب هاتفه بين أصابعه بقلق لم يعتده. ارتدى بنطالاً رياضياً رمادياً فضفاضاً، تاركاً صدره العاري يلمع تحت ضوء القمر الخافت، وعضلات بطنه المقسمة ترتسم كأضلاع نمر كامن يتربص بفريسته. ​كان ينتظر اتصال فهد. كان يعلم أن الساعات الأخيرة كانت حاسمة، وأن فهد كان يعمل بجهد خارق لفك شفرة الـ 20% المتبقية من ملفات أمير بك. كل دقيقة تمر كانت كالسنة في انتظار حكم الإعدام أو العفو. ​في الطابق العلوي، كانت حلى نائمة في غرفة النوم، ترتدي قميص نوم حريرياً قصيراً باللون العاجي، ينسدل على جسدها كموجة ناعمة. كان شعرها منسدلاً على الوسادة كخيوط من حرير أسود، وشفاهها مفترقة قليلاً، تتنفس بهدوء في نومها العميق. لم تكن تعلم أن علي كان مستيقظاً، غارقاً في دوامة من الأفكار السوداء. ​اهتز الهاتف فجأة، ورنته الحادة مزقت سكون الليل. انقض علي عليه كالصقر، وأجاب قبل أن تكتمل الرنة الث
Read more

عندما ينطق الجسد

سمع حفيف قماش من أعلى الدرج. فتح عينيه ليرى حلى تقف في أعلى السلم، ترتدي قميص نومها الحريري القصير، وشعرها منسدلاً على كتفيها في حالة من الفوضى الجميلة. كانت عيناها نصف مفتوحتين، وغائرتين بقليل من قلة النوم، وكأنها استيقظت لتوها على صوت نبضات قلبه المتسارعة من الطابق السفلي. ​«علي؟» نادت بصوت ناعس مخنوق. «لماذا لا تزال مستيقظاً؟ لقد عدت إلى الفراش منذ ساعتين ووجدتك بجانبي، ثم استيقظت فإذا بك غير موجود. ما بك؟ هل هناك شيء؟» ​نظر إليها، وشعر للحظة بأن كل هموم العالم يمكن أن تختفي إذا غاص في عينيها السوداوين. لكنه كان يعلم أن هذا وهم. كان يعلم أنه لا يستطيع إخبارها بكل شيء، على الأقل ليس الآن. «لا شيء، عزيزتي. مجرد مكالمة من فهد. لن أطيل. عودي إلى النوم.» ​لكن حلى لم تكن من النوع الذي يطيع الأوامر بهذه السهولة. نزلت الدرج ببطء، حافية القدمين، وكل خطوة كانت تثير حفيفاً خفيفاً للحرير حول فخذيها الممتلئين. اقتربت منه حتى وقفت أمامه، ثم جلست على حجره على الأريكة بجانبه، واضعة ذراعيها حول عنقه. كانت رائحتها تفوح بعطر الياسمين الليلي الممزوج بدفء جسدها النائم. ​«لا تكذب عليّ،» همست، وأنفاس
Read more

الوعد الكاذب

​«أحتاج أن أخبرك بشيء،» قال علي فجأة، كاسراً حاجز الصمت، وصوته كان لا يزال أجشاً من الرغبة والتعب. ​رفعت حلى رأسها ونظرت إليه بقلق. كانت عيناها لا تزالان تلمعان ببقايا النشوة، لكن قلقهما بدأ يطفو على السطح مجدداً. «ماذا؟» ​تردد للحظة طويلة. كان يريد أن يخبرها عن ناتاليا، عن المخترقة الروسية، عن تعقيد اللعبة، عن الخطر الذي يقترب. لكنه تذكر نصيحة ريتا القاسية: «الثقة تقتل أحياناً. لا تخبر أحداً بكل شيء، حتى من تحب.» قال بدلاً من ذلك، وهو يمرر يده على شعرها بهدوء: «فهد وجد أن هناك طرفاً ثالثاً يحاول الوصول إلى نفس المعلومات. شخص خطير جداً. يجب أن نكون حذرين جداً في الأيام القادمة. ربما سأسافر غداً لمقابلة شخص ما، شخص قد يساعدنا أو قد يقتلنا. لا أعرف بعد.» ​لم تكن حلى غبية. عرفت أنه يخفي شيئاً، شيئاً كبيراً. لكنها لم تضغط. عرفت أن الرجال في أوقات الأزمات يصبحون أكثر انغلاقاً. قالت بصوت هادئ، دافئ، مطمئن: «أنا أثق بك. فقط أعدني ألا تخاطر بحياتك من أجل هذه اللعبة القذرة. أعدني أن تعود إليّ. أعدني أننا سنخرج من هذا معاً.» ​«أعدكِ،» قال، وهو يعلم في قرارة نفسه أن هذا الوعد قد لا يستطيع ال
Read more

ليلة الذئاب

كانت الساعة تشير إلى منتصف الليل حين أطفأ علي محرك سيارته على بعد مئات الأمتار من المستودع المهجور الذي حددته ناتاليا. اختار أن يترك السيارة خلف تلة من الرمال المتجمعة، ويسير بقية الطريق مشياً على أقدامه. كان يعلم أن العميلة الروسية لن ترضى بلقاء رجل يأتي محاطاً بالحراس أو مدججاً بالسلاح. كانت تريد أن تراه عارياً كما هو، ضعيفاً كما يجب أن يكون من يطلب المساعدة. ارتدى ملابس سوداء بالكامل، وترك قميصه غير مدسوس ليخفي المسدس الصغير الذي كان قد أحضره من مخبئه السري في الفيلا. كان يعلم أن هذا السلاح لن ينقذه إذا قررت ناتاليا قتله، لكنه كان يشعره بشيء من الأمان الوهمي، كالطفل الذي يمسك بدمية وهو يواجه عاصفة. الريح كانت باردة، تحمل معها رائحة البحر المالح ورائحة الصدأ المنبعثة من جدران المستودع المتآكلة. مشى بخطوات واثقة، لكن قلبه كان يخفق كطبول الحرب. كل خطوة كانت تقربه من المجهول، وكل نفس كان يخرج من صدره كان أثقل من الذي سبقه. وصل إلى الباب الحديدي الضخم. كان مفتوحاً على مصراعيه، وكأنه يدعوه للدخول إلى فم الوحش. وقف للحظة، يتأمل الظلام الدامس في الداخل، ثم خطا خطوته الأولى. كان المستود
Read more

وجهان لعملة واحدة

بعد ليلة المستودع، عاد علي إلى الفيلا الشاطئية قبل شروق الشمس. كان جسده مثقلاً، وعقله غارقاً في بحر من الأفكار المتضاربة. دخل بهدوء، لئلا يوقظ حلى، واتجه نحو الحمام. وقف تحت رذاذ الماء البارد لدقائق طويلة، يحاول أن يغسل عنه رائحة المستودع ورائحة ناتاليا التي كانت لا تزال عالقة في أنفه. خرج، ولف منشفة حول خصره، وتوجه إلى غرفة النوم. كانت حلى لا تزال نائمة، وملامحها تشي بسلام زائف. جلس على حافة السرير، ونظر إليها طويلاً. كان يشعر بالذنب لأنه يخفي عنها الكثير، لكنه كان يعلم أن حمايتها تتطلب منه أن يبقيها بعيدة عن هذا العالم المظلم. تحركت حلى في نومها، وفتحت عينيها ببطء. رأت علي جالساً بجانبها، وشعرت بوجوده قبل أن تراه. ابتسمت ابتسامة ناعسة، ومدت يدها لتلمس وجهه. «عدت،» همست. «كنت خائفة. لماذا خرجت في هذا الوقت؟» «عمل،» أجاب علي باختصار، وهو يقبل جبينها. «لا تقلقي. كل شيء على ما يرام.» لم تكن حلى مقتنعة، لكنها لم تضغط. كانت قد تعلمت أن علياً لا يبوح بأسراره بسهولة. جلست في السرير، وأسدلت شعرها على كتفيها، ونظرت إليه بعينين تبحثان عن أي علامة على وجهه. «علي،» قالت بجدية. «أشعر أن هنا
Read more

غرفة الإنعاش القلبي

كانت أنفاس الصباح تتسلل عبر ستائر الفيلا الشاطئية كأنها تهمس بأسرار الليل الماضي. استيقظ علي على صوت تكسر الأمواج، لكنه لم يشعر براحة الغالب، بل بثقل المهزوم الذي انتصر في معركة لكنه أدرك أن الحرب لم تنتهِ بعد. استدار ليجد حلى نائمة بجانبه، غارقة في نوم عميق بعد ليلة من العناق الحارق الذي كان بمثابة وعد كاذب بالسلام. نهض بهدوء، وارتدى ملابسه الرياضية السوداء، وتسلل خارج الفيلا. كان يحتاج إلى الهواء البارد، إلى أن يرى البحر بعيداً عن جدران القفص الذهبي. على الشاطئ، وقف حافياً، يغرس قدميه في الرمال الباردة. كان يفكر في ناتاليا، وفي كلماتها الأخيرة: "لا تثق بأحد، ولا حتى بحلى". كانت كلماتها سامة، زرعت في قلبه بذرة شك لم تكن موجودة من قبل. هل كانت تحذيراً حقيقياً أم محاولة لعزلته؟ ثم فكر في الملفات. فهد لم يستطع فك الـ20% المتبقية، وناتاليا هي الوحيدة التي تملك المفاتيح النهائية. بدونها، لن يكتمل السلاح ضد أمير بك. وكان أمير بك يعلم الآن أن هناك مخترقاً، وبدأ بتغيير قنوات اتصاله. كل يوم يمر كان يقربهم من كارثة. عاد إلى الفيلا مع شروق الشمس. وجد حلى واقفة في الصالة، ترتدي ثوباً أبيض طو
Read more

كاميرا في الظل

في مكتب كمال، كان الجو مشحوناً بالتوتر. كانت ريتا تجلس في الزاوية، ووجهها شاحب. كان علي جالساً مقابل كمال، وظهره مستقيم. "لدي أخبار،" قال كمال بصوته العميق. "الشحنة القادمة ليست كباقي الشحنات. هذه المرة، نحن نلعب بالنار." نظر إلى علي، ثم إلى ريتا، ثم قال: "لقد علمت أن هناك طرفاً ثالثاً يحاول التدخل. شخص خطير، يعرف أكثر مما ينبغي. أريد أن تعرفا من هو، وأريد حلاً خلال ثلاثة أيام." شعر علي ببرودة تسري في عروقه. كمال يعلم عن ناتاليا؟ كيف؟ خرج من المكتب بعد الاجتماع، واتصل بناتاليا فوراً. "كمال يعلم عنكِ،" قال بصوت منخفض. "علينا أن نسرع. إذا تحرك قبلنا، سنخسر كل شيء. لا أستطيع فك الـ20% المتبقية بدونكِ. أنتِ وحدكِ من تملك المفاتيح النهائية." صمتت ناتاليا لثوانٍ، ثم قالت: "إذن، سنضرب أولاً. غداً منتصف الليل. في المستودع القديم. سأحضر لكِ ما تحتاجه. لكن تذكر... عندما تأخذ المفاتيح، ستكون مديناً لي. وأنا لا أنسى الديون." --- في تلك الليلة، كانت حلى جالسة في غرفة نومها، تفكر. كانت تشعر بأن علياً يبتعد عنها. نهضت، وفتحت درج خزانته دون تفكير. وجدت هاتفاً صغيراً أسود اللون. فتحته، وبدأت ت
Read more

الشحنة

كانت الشمس قد بدأت تجر أذيالها نحو المغيب، مائلةً لتواري خلف الأفق، حين توقفت تلك الشاحنة الضخمة أمام بوابة المختبر الجديد. كانت عبارة عن حاوية معدنية رمادية صلدة، توشحت بأختام جمركية حمراء وأرقام متسلسلة ممتدة، تقبع فوق سطح الشاحنة كوحش حديدي يتربص بالعتمة القادمة. وقفت ديمة إلى جوار نور، ترتدي معطف المختبر الأبيض الذي كان يمنحها شعوراً زائفاً بالاستقرار والانتماء، بينما كان شعرها المربوط إلى الخلف يلمع تحت وطأة أضواء الكشافات البرتقالية. ​كان قلبها يقرع طبول القلق بسرعة؛ فبرغم أنها ليست المرة الأولى التي تشهد فيها وصول شحنة، إلا أنها المرة الأولى التي يذيل فيها توقيعها كل ورقة من أوراق الاستلام. كان يخالجها شعور بالفخر، ذلك الدفء الذي يغزو الصدر حين يدرك المرء أنه غدا مسؤولاً عن كينونة حقيقية وشيء ملموس. ​«سارت الأمور كما خططنا تماماً،» همست نور في أذنها بنبرة حملت ارتياحاً لم تدرك ديمة كنهه أو سببه، وأردفت: «كل شيء سيكون على ما يرام.» ​دنت ديمة من الشاحنة، ومدت يدها لتتحسس جدار الحاوية البارد. كانت رائحة الحديد الممتزجة بالمطاط تطغى على المكان، يداخلها عبير البحر المتسلل من المي
Read more

فك الشفرة

استيقظ علي في صبيحة اليوم التالي على ترانيم مطر خفيف ينقر نوافذ غرفة النوم بإيقاع رتيب. كانت السماء قد ارتدت وشاحاً رمادياً كالحاً، بينما تسللت الرياح الباردة من شقوق النوافذ لتعيث فساداً بالستائر المخملية. استشعر ثقلاً غير عادٍ يرزح فوق جسده، وكأن رحى معارك الأمس قد امتصت آخر قطرة من طاقته. استدار بجسده ليجد حلى لا تزال غارقة في سبات عميق، بملامح يكسوها سلام افتقدته منذ أسابيع طوال. ​لم يشأ أن يقطع خيط نومها؛ فنهض بهدوء حذر، وارتدى سرواله الرياضي وقميصه الأسود، ثم هبط إلى الصالة. أشعل سيجارته الأولى، ووقف يتأمل البحر من وراء الزجاج؛ كانت الأمواج هائجة متمردة، تلطم الصخور بعنف وجنون، وكأن الطبيعة في ثورتها تلك تعكس الصراع المستعر في أعماقه. ​«ريتا ماتت».. كانت هذه العبارة لا تزال تتردد في جنبات عقله كصدى لا يهدأ. ريتا، تلك المرأة التي علمته كيف يقتفي أثر الذئاب، والتي انتشلته يوماً من مستنقع "عمر"، قبل أن تختار خيانة الجميع في النهاية، غدت الآن مجرد جثة هامدة باردة في شقتها القاصية. لم يغمره الفرح، ولم يغلبه الحزن، بل سكنه فراغ مبهم، كأن جزءاً من تاريخه قد وُوري الثرى معها. ​قطع حب
Read more
PREV
1
...
910111213
...
16
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status