كانت نور تجلس على مقعدها الحجري المعتاد، تحت ظلال شجرة السدر الوارفة في ساحة كلية الاقتصاد. كانت تتظاهر بالغرق في صفحات كتاب "النظرية الاقتصادية"، لكن حواسها كانت مشدودة كوتر كمان؛ عيناها تترصدان البوابة الرئيسية، وأذناها تلتقطان أدنى ضجيج للمحركات. كانت تدرك يقيناً أن العقيد سهى لن تترك خيوط اللعبة تفلت من يدها، وأن الحراس سيأتون لا محالة ليقودوها إلى "الاستجواب". كانت مستعدة، ليس فقط للمواجهة، بل للمناورة. في الجيب الداخلي المخفي لقميصها الأبيض، وتحديداً في الجزء العلوي من حمالة صدرها، كان جهاز التسجيل الصغير الذي سلمه لها علي يلتصق بجلدها كطفيلي معدني بارد. كان الجهاز، رغم ضآلة حجمه الذي لا يتجاوز زر القميص، يمثل ترسانتها الوحيدة. اختبرته في خلوتها مراراً، وتأكدت من أن نبضه الرقمي يلتقط أدق الهمسات. كان هاتف علي مرتبطاً به ، مما يحوله إلى مستمع غير مرئي، يشاركها في كل زفير وشهيق سيحدث في ذلك المكتب البارد بالكرامة. لم يكن الخوف يتملكها كما في السابق؛ بل كانت تعيش حالة من الترقب المشوب برجفة خفيفة. تذكرت تعليمات علي الصارمة وهو يمسك بكتفيها: "سهى ستستدعيكِ، هذا قدر محتوم. لا تقا
Read more