All Chapters of خلف جدران الرغبة: Chapter 111 - Chapter 120

157 Chapters

انهيار العقيد

لم يطرق الكرى جفن ديمة في تلك الليلة الليلاء؛ بل جلست تفترش الأرض في غرفة المعيشة، تشخص بصرها نحو السجادة الفارسية العتيقة التي كانت تنكأ جراح طفولتها، وتذكرها بسنوات البراءة الغضة التي سحقتها أمها تحت رحى السيطرة والرهبة. وعلى الأريكة المقابلة، كانت سهى تقبع في صمت جنائزي، لا تجرؤ على الدنو منها، ولا تقوى على النبس ببنت شفة. ​كان المطر لا يزال ينهمر خارج النافذة بوقع رتيب، وقطراته تتدحرج على الزجاج كدموع السماء المنهمرة. كانت الساعة قد بلغت الثالثة فجراً، والظلام قد بسط رداءه الكثيف على الأرجاء، بيد أن ديمة وسهى كانتا في عالم آخر بعيداً عن التفكير في النوم. ​«لماذا؟» همست ديمة أخيراً بنبرة واهنة دون أن ترفع بصرها عن الأرض، وأردفت: «لماذا آثرتِ الكتمان منذ البداية؟ لماذا تركتِني أذيل بتوقيعي أوراقاً لم أدرك كنهها قط؟» ​تنهدت سهى بعمق ينم عن انكسار، فقد كانت تعلم يقيناً أن هذا السؤال آتٍ لا محالة، وكانت تستجمع له شتات نفسها منذ أيام، لكنها لم تعثر على إجابة تضمد جراح نفسها. ​«لأنني كنت مسكونة بالخوف،» قالت سهى وصوتها يخرج مبحوحاً من فرط البكاء، وتابعت: «خوفاً عليكِ أنتِ.. وخوفاً من
Read more

الزواج الذي لا يُرفض

كانت أشعة الشمس تتسلل بخفر عبر الستائر المخملية في مكتب كمال، لترسم خطوطاً ذهبية متوازية فوق السجاد الفارسي الثمين. كانت الساعة تشير إلى الحادية عشرة صباحاً، والمدينة القابعة خلف النافذة البانورامية تبدو وادعة ساكنة، كأنها لا تدرك حجم العواصف التي تُحاك خلف هذه الجدران الصماء. ​جلس علي على الكرسي المقابل لكمال، بظهر مستقيم ويدين مشبوكتين فوق ركبتيه في وضعية تعكس مزيجاً من الاحترام والتحفز. وإلى جواره، كانت ليلى تجلس بفستانها الأبيض القصير، بينما كان شعرها المنسدل على كتفيها يتلألأ تحت الضوء. كانت ترتدي ابتسامة عريضة ومشرقة، وكأنها تمسك بخيوط سرّ لا يدرك كنهه علي. ​كان كمال يتربع خلف مكتبه الضخم، يرتشف قهوته السادة من فنجان بورسلين صغير. كان متأنقاً ببدلة رمادية فاتحة وربطة عنق حريرية زرقاء، ويبدو في أوج هدوئه، بيد أن عينيه كانت تتحركان بحدة وتيقظ، كمن يرصد كل ذرة هواء في الغرفة. ​«علي،» استفتح كمال حديثه بصوته الجهوري العميق، «لقد أمعنتُ التفكير ملياً في الغد؛ في مستقبل الشركة، وفي مستقبل ليلى، وفي مستقبلك أنت أيضاً.» ​رمقه علي باهتمام مشوب بالقلق؛ فقد استشف في نبرة كمال صوتاً غري
Read more

تحضيرات الزواج وتوتر في الخفاء

انقضت ثلاثة أيام على إعلان كمال المباغت، استحالت خلالها الفيلا الشاطئية إلى مركز عصبي يضج بحركة لا تهدأ. كانت ليلى تطل كل صباح، محملةً بمجلات الأزياء، وقوائم المدعوين، وكتيبات أطعمة الحفلات، لتقضي ساعات طوال مع حلى في نقاش مستفيض حول التفاصيل. كانت ليلى ترفرف في سماء السعادة، لدرجة أنها لم تلحظ تلك الابتسامة المتكلفة التي ترتسم على ثغر حلى، ولا الدموع التي كانت تترقرق في عينيها وتوشك على الانهمار بين الحين والآخر. ​«ما رأيكِ بهذا الفستان يا حلى؟» سألت ليلى وهي ترفع صورة لفستان زفاف أبيض مهيب، مطرز بالدانتيل الفاخر وحبيبات اللؤلؤ، وأردفت: «إنه من أحدث مجموعات دور الأزياء في باريس، وقد أرسله والدي خصيصاً لي.» ​رمقت حلى الفستان بنظرة شاردة؛ كان آية في الجمال، كحلم بعيد المنال لم تكن هي لتعيش فصوله أبداً. ابتسمت بمرارة وقالت: «إنه خلاب يا ليلى.. ستبدين فيه كأميرة من الأساطير.» ​«حقاً؟» انطلقت ضحكة ليلى بفرح طفولي غامر، وتابعت: «أنا مستثارة جداً، ولا يكاد عقلي يصدق أن العرس بعد أسبوع واحد فقط! كنت أخشى أن يتردد عليّ، لكنه وافق دون أدنى نقاش.. يبدو أنه غارق في حبي حقاً.» ​استشعرت حلى غص
Read more

ليلة ما قبل الزفاف

كانت الساعة تشير إلى الثامنة مساءً، والظلام يزحف وئيداً نحو الفيلا الشاطئية كوشاح من حرير أسود صقيل. وقفت حلى أمام نافذة غرفة النوم، تشخص ببصرها نحو البحر حيث كانت الأمواج تتكسر فوق الرمال بخرير خفيض. كانت ترتدي ثوباً منزلياً أبيض قصيراً، ينساب فوق قوامها كموجة ناعمة، بينما يتلألأ شعرها المنسدل على كتفيها تحت ضياء القمر المتسلل من وراء الزجاج. ​كانت تدرك يقيناً أن هذه هي ليلتها الأخيرة مع علي قبل أن يُزفّ لامرأة أخرى، وتعلم أن فجر الغد سيحمل معه واقعاً مغايراً يقلب موازين كل شيء. كانت تتوق لحفر تفاصيل هذه الليلة في سويداء ذاكرتها، لتكون لها ملاذاً يقيها برد الوحدة في الأيام القادمة. ​تناهى إلى سمعها وقع خطواته خلفها؛ كان علي قد خرج لتوه من الحمام، يتشح بمنشفة بيضاء حول خصره، وجسده الرياضي المفتول يلمع بقطرات الماء العالقة كحبات اللؤلؤ. وقف خلفها، واضعاً كفيه فوق كتفيها، فاستشعرت دفقات دفئه تسري في عروقها. ​«حلى،» همس في أذنها، وأنفاسه الدافئة تداعب جيدها. لم تنبس ببنت شفة، بل أغمضت عينيها واستسلمت لسطوة اللحظة؛ كانت تنشد الانغماس في وجوده، واستنشاق عبيره، واختزان كل خلجة من خلجاته
Read more

حفل الزفاف

كانت قاعة «قصر الأمواج» تتلألأ تحت أضواء الثريات الكريستالية التي تتدلى من سقفها الشاهق كعناقيد من الضوء البارد الساحر. وكانت الجدران المكسوة بالرخام الأبيض المصقول تعكس خيالات المدعوين الذين تدفقوا عبر الأبواب الخشبية العتيقة والضخمة، وهم يختالون بأفخر ما جادت به دور الأزياء، مقنعين بابتسامات مصطنعة وتهانٍ معلبة وجاهزة. ​استحالت القاعة إلى ما يشبه غابة استوائية من الزهور البيضاء والقانية؛ ورود نادرة استُقدمت من هولندا، وزهور الأوركيد التايلاندية، وأكاليل من الياسمين البرازيلي التي تتدلى من كل زاوية لتسحر الألباب. كانت رائحة العطور الباريسية الفاخرة تمتزج بعبق الزهور وشذى البخور، لتخلق هالة من السحر المصطنع؛ ذلك السحر الذي لا يملكه إلا الأثرياء الذين يحسبون أن الجمال سلعة تُشترى بالمال. ​وقفت حلى عند مدخل القاعة، تتألق بفستان أسود طويل يلامس كاحليها، وشعرها المنسدل يلمع كالحرير تحت وهج الأضواء. كانت تجاهد لتبدو في أبهى حلة، رغبةً منها في إثبات قدرتها على الصمود والوجود دون أن يلمح أحد شرخ انكسارها الدفين. كانت تدرك أن عيون الحضور لن تبصر سوى امرأة أنيقة، هي "الصديقة المقربة للعروس"،
Read more

ليلة الزفاف – حقيقة باردة

كانت الساعة تشير إلى الحادية عشرة ليلاً حين ولج علي وليلى إلى جناح الزفاف الفاره في الطابق العلوي من قصر كمال. كان الجناح يفيض بسعة استثنائية، وتعبق في أرجائه رائحة الورد والياسمين، بينما تدلت من سقفه ثريات صغيرة تضيء المكان بهالة خافتة ودافئة. السرير الضخم قد استوى بملاءات حريرية حمراء قانية، وفي زاوية الغرفة كانت تقبع زجاجة "شمبانيا" وكأسان بلوريان بانتظار العروسين. ​كانت ليلى لا تزال تتألق بفستانها الأبيض، بيد أن التعب بدأ يخط ملامحه على وجهها. أوصدت الباب خلفها، وأرخت خصلات شعرها فوق كتفيها، ثم رمقت علياً بعينين تفيضان حباً وترقباً دفيناً. «أخيراً نحن وحدنا،» همست وهي تدنو منه، «لطالما راودتني هذه اللحظة في أحلامي.» ​وقف علي في مركز الغرفة، مشبكاً يديه خلف ظهره، بملامح متصلبة كالصخر. كان يستشعر ثقلاً جاثماً فوق صدره، كأنما ينوء بحمل الجبال. نظر إلى ليلى، فأبصر امرأة تتفجر طهرًا وجمالاً، تهيم به حباً بصدق نادر، وكان يدرك يقيناً أنه بصدد وأد أحلامها. ​«ليلى،» قال بصوت خفيض متهدج، «أنتِ فاتنة جداً هذه الليلة.» افتر ثغرها عن ابتسامة عذبة، وتقدمت نحوه لتضع كفيها فوق صدره، فاستشعرت
Read more

دعوة إلى اسطنبول

انقضت ثلاثة أيام على مراسم الزفاف؛ ثلاثة أيام غارقة في صمت مطبق، وتوشحت بابتسامات مصطنعة، وتمثيل مضنٍ بدأ ينهك أعصاب علي ويستنزف طاقته. كان يقضي هزيع الليل في جناح الزفاف بقصر كمال، قابعاً فوق الأريكة بقلب واجم، بعيداً عن فراش ليلى التي كانت تبيت وحيدة، ينهشها تساؤل صامت: لِمَ يوصد زوجها أبواب قلبه وجسده دونها؟ ​كانت ليلى تستميت للتقرب منه، بيد أنه كان يصد محاولاتها بلطف مشوب بالجفاء، متذرعاً بالإرهاق تارة، وبانشغال البال تارة أخرى، وبأعذار واهية لم تكن تقنع أحداً. استشعرت ليلى مهانة خفية، لكنها جاهدت لتفهمه، معتقدةً بصبر المحب أن الوقت كفيل بإذابة الجليد الذي يغلف روحه. ​في اليوم الثالث، وبينما كان علي يقبع في مكتبه المؤقت داخل قصر كمال، اهتز هاتفه؛ لم يكن هاتفه المعتاد، بل ذاك الهاتف الآمن المخصص لشيفرات فهد. فتحه ليجد رسالة مشفرة ومطولة، مرسلة من عنوان إلكتروني مجهول المعالم. نقر على زر فك التشفير، فبدأت الكلمات تتبدى أمام ناظريه سطراً بسطر: ​"سيد علي، ​أحسبُ أن الوقت قد حان لنتواجه وجهاً لوجه. لقد أثبتَّ بجدارة أنك لاعب فذ، وأنا أنشد وجود لاعب بمواصفاتك إلى جانبي. ​لدي عرض قد
Read more

السفر إلى اسطنبول

كانت رحلة الطيران من المدينة إلى اسطنبول تستغرق زهاء ثلاث ساعات، بيد أنها بدت لعلي وكأنها دهور متطاولة. جلس بمحاذاة النافذة، يرقب السحب البيضاء التي تسبح تحته كقطع من القطن المنفوش، بينما كان عقله غارقاً في لُجّة من الأفكار المتلاطمة. ​كان يطوف بذهنه وجه حلى، وعيناها اللتان غسلتهما الدموع حين استحثته على الاقتراب من ليلى؛ التضحية التي كانت تذبح قلبهما معاً. وفكر في ليلى، وابتسامتها الصباحية الوادعة التي ودعته بها قبل مغادرته الجناح. كما لم يغب عنه كمال؛ بنظراته الصقرية المريبة التي تواري خلفها شكوكاً لا تعرف الهوادة. وأخيراً، كان يفكر في ذاك المجهول القابع في مدينة "البوسفور"، الذي قد يغدو حليفاً استراتيجياً أو عدواً فتاكاً. ​أخرج هاتفه الآمن ونظر إلى الرسالة المشفرة مجدداً، باحثاً بين ثنايا الكلمات عن خيط يقين: ​"تعال إلى اسطنبول وحدك.. لا تخبر أحداً. سأرسل لك تفاصيل اللقاء عندما تخطرني بوصولك." ​كان النص مقتضباً، يلفه الغموض والريبة، لكنه كان ينطوي على وعود كبرى. فمن أرسل هذه الكلمات يحيط بكل تفاصيل سقوط ريتا وسهى وأمير بك، ويدرك يقيناً أن علياً هو المهندس الخفي لهذا الانهيار. و
Read more

قصر سنان – كشف المستور

لم يطل انتظار علي؛ فبعد ليلة سهدٍ وتفكير مضنٍ، عقد العزم على نيل إجابات شافية قبل قفوله راجعاً إلى مدينته. كان يدرك يقيناً أن سنان رجل لا يترك للصدفة ثغرة، وأن أي زلل في الخطى قد يودي بحياته، لكنه أدرك أيضاً أن عودته إلى كمال بجهالة بمجريات اللعبة ستجعله مجرد بِيذق في يد رجل لا يأتمنه، وخصم آخر لا يدرك حجم قوته بعد. ​في صبيحة اليوم التالي، أخرج هاتفه الآمن وبعث برسالة مقتضبة إلى سنان: ​"أحتاج لقاءً آخر قبل الرحيل؛ أرغب في استجلاء الصورة كاملة. أين نلتقي؟" ​لم يمضِ وقت طويل حتى جاءه الرد الحاسم: ​"سأوفد لك سيارة في تمام السابعة مساءً. لا يداخلنك الوجل، فأنت في كنف الأمان." ​قرأ علي الرسالة ثم أبادها. وقف أمام نافذة غرفته في بايوغلو، يرقب البحر الهادئ تحت سماء رمادية كئيبة، والأمواج تلطم الصخور بوئيد خفيض. كان ذهنه يطوف بين كمال وحلى وليلى، والرجل الذي سيواجهه مجدداً بعد ساعات. ​في تمام السابعة، تعالت طرقات وئيدة على باب غرفته. فتح الباب بحذر ليجد رجلين ضخمي الجثة ببدلات سوداء، بملامح صلبة لا تفصح عن شيء. «السيد علي؟» سأل أحدهم بصوت أجش. «أنا هو.» «نحن رسل السيد سنان.. تفضل معن
Read more

العودة إلى المدينة

كانت رحلة الإياب من اسطنبول إلى أرض الوطن تبدو لعلي أقصر أمدًا مما توقعه، رغم أنها استغرقت الساعات ذاتها؛ لعل السبب يكمن في كونه يعود محملاً بإجابات حاسمة، أو لشوقه العارم الذي استبد به لرؤية حلى بعد غياب أيام معدودات بدت في وجدانه كأنها دهور. ​حطت الطائرة في مطار المدينة عند الغروب، حيث كانت السماء تكتسي صبغة صفراء كليلية، والرياح الباردة تزمجر في الممرات. انطلق علي مباشرة نحو منزل نور؛ لم يطرق باب قصر كمال أولاً رغم علمه بانتظار ليلى، فقد كان عطش روحه لرؤية حلى يسبق أي واجب رسمي، رغبةً منه في بثها الخبر والاطمئنان في كنفها قبل أن يعود لارتداء قناع الزوج المخلص. ​طرق باب نور بؤاد، لتستقبله الأخيرة بذهول ارتسم في عينيها: «علي! لقد أبتَ أخيراً!» «أين حلى؟» سأل بلهفة دون مقدمات. «في الداخل.. لم يهدأ لها بال من فرط القلق عليك.» ​ولج علي الغرفة، فأوصدت نور الباب خلفه. كانت حلى تتربع فوق الأريكة برداء منزلي بسيط، وما إن أبصرته حتى هبت واقفة والعبرات تترقرق في مآقيها، ثم ارتمت في أحضانه تنشج بصمت مرير. «حلى...» همس وهو يربت على ظهرها بحنو، «أنا هنا.. لقد عدت.» «استبد بي الوجل،» قالت
Read more
PREV
1
...
1011121314
...
16
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status