لم يطرق الكرى جفن ديمة في تلك الليلة الليلاء؛ بل جلست تفترش الأرض في غرفة المعيشة، تشخص بصرها نحو السجادة الفارسية العتيقة التي كانت تنكأ جراح طفولتها، وتذكرها بسنوات البراءة الغضة التي سحقتها أمها تحت رحى السيطرة والرهبة. وعلى الأريكة المقابلة، كانت سهى تقبع في صمت جنائزي، لا تجرؤ على الدنو منها، ولا تقوى على النبس ببنت شفة. كان المطر لا يزال ينهمر خارج النافذة بوقع رتيب، وقطراته تتدحرج على الزجاج كدموع السماء المنهمرة. كانت الساعة قد بلغت الثالثة فجراً، والظلام قد بسط رداءه الكثيف على الأرجاء، بيد أن ديمة وسهى كانتا في عالم آخر بعيداً عن التفكير في النوم. «لماذا؟» همست ديمة أخيراً بنبرة واهنة دون أن ترفع بصرها عن الأرض، وأردفت: «لماذا آثرتِ الكتمان منذ البداية؟ لماذا تركتِني أذيل بتوقيعي أوراقاً لم أدرك كنهها قط؟» تنهدت سهى بعمق ينم عن انكسار، فقد كانت تعلم يقيناً أن هذا السؤال آتٍ لا محالة، وكانت تستجمع له شتات نفسها منذ أيام، لكنها لم تعثر على إجابة تضمد جراح نفسها. «لأنني كنت مسكونة بالخوف،» قالت سهى وصوتها يخرج مبحوحاً من فرط البكاء، وتابعت: «خوفاً عليكِ أنتِ.. وخوفاً من
Read more