All Chapters of بين قلبه وسلاحه: Chapter 91 - Chapter 100

103 Chapters

الفصل 91

مرّت الأيام الثلاثة التالية ببطء شديد، ببطء مؤلم جعل رهف تشعر وكأن الزمن داخل المشفى فقد معناه تمامًا، فلم يعد هناك فرق حقيقي بين الليل والنهار، ولا بين بداية يوم أو نهايته، لأن حياتها خلال تلك الفترة أصبحت تدور داخل دائرة واحدة تتكرر بلا توقف؛ تستيقظ، تتألم، تتنفس بصعوبة، ثم تذهب إلى فهد وكأن روحها لا تستطيع البقاء بعيدًا عنه أكثر من ساعات قليلة. ورغم أن المشفى كان هادئًا على غير العادة، ولم يحدث أي شيء غريب أو مرعب كما كانت تتوقع في كل لحظة، إلا أن داخلها لم يعرف الهدوء أبدًا، بل كانت تعيش حالة ترقب مستمرة، خوف صامت لا يغادر قلبها، وكأنها تنتظر في أي لحظة أن ينهار ذلك الأمان المؤقت فوق رأسها. لكن الأيام مرّت… وفهد بقي كما هو، غارقًا في غيبوبته. لا يتحرك. لا يتكلم. ولا يفتح عينيه. وفي البداية، كانت رهف تدخل غرفته بخوف شديد كل مرة، تخشى أن تخبرها الأجهزة الطبية بشيء سيئ قبل حتى أن تراه، لكن مع مرور الوقت تحولت تلك الغرفة إلى المكان الوحيد الذي تشعر فيه أنها ما تزال قادرة على التنفس، حتى وإن كان مؤلمًا. كانت تستيقظ كل صباح بعد نوم متقطع ومليء بالكوابيس، ثم تساعدها الممرضة أو بسا
Read more

الفصل 92

بقيت رهف تحدق في فهد وكأنها تخشى أن تغمض عينيها فيختفي كل شيء مجددًا، فقد كانت اللحظة أكبر من قدرتها على الاستيعاب، حتى إنها شعرت بأن قلبها يعجز عن مواكبة كل تلك المشاعر التي انفجرت داخلها دفعة واحدة؛ الخوف الذي عاشته طوال الأيام الماضية، والقلق الذي مزقها ببطء، والفرحة الهائلة التي اجتاحتها أخيرًا بعدما رأت عينيه مفتوحتين أمامها من جديد. كانت تبكي وتضحك في الوقت نفسه بصورة جعلت أنفاسها متقطعة، بينما لم تتوقف عن ترديد كلمات الحمد بصوت مرتجف ومختنق. "الحمد لله… الحمد لله يا رب…" رفعت يده إلى وجهها دون وعي وكأنها تريد التأكد للمرة الألف أنه حي فعلًا، أنه ليس حلمًا آخر من تلك الأحلام القاسية التي كانت تستيقظ منها على الفراغ نفسه. أما فهد، فكان يراقبها بصمت مشوش رغم الألم الذي يضرب رأسه وجسده بالكامل، لكنه استطاع رغم كل ذلك أن يرى بوضوح كم كانت منهارة خلال الأيام التي قضاها غائبًا عن الوعي. عيناها المتورمتان من كثرة البكاء. شحوب وجهها. وحتى الطريقة التي تتمسك بها بيده وكأنها تخشى أن يغيب عنها مرة أخرى. شعر بشيء ثقيل يتحرك داخل صدره وهو يراها هكذا. ولأول مرة منذ وقت طويل، بدا عاجز
Read more

الفصل 93

استمرت الأجواء داخل الغرفة لدقائق طويلة على ذلك الدفء الغريب الذي افتقدته رهف منذ زمن بعيد، حتى إنها وجدت نفسها تنسى للحظات أين هم، وما الذي مروا به، وما حجم الكارثة التي كادت تبتلعهم جميعًا. فقد كان مجرد رؤية فهد مستيقظًا كافيًا ليخفف ذلك الثقل الهائل الجاثم فوق صدرها منذ أيام، وكأن روحها التي ظلت معلقة بين الخوف واليأس بدأت أخيرًا تعود ببطء إلى مكانها الطبيعي. أما بسام، فظل واقفًا قرب السرير يراقب جاسر بعدم تصديق واضح، وكأنه حتى الآن غير مستوعب أنه استيقظ فعلًا بعد كل ذلك القلق. ثم هز رأسه أخيرًا وقال بسخرية خفيفة: "لا أصدق أنك فتحت عينيك أخيرًا فقط لتعود لإزعاجنا." تنهد جاسر بتعب بينما استند أكثر إلى الوسادة خلفه، ثم قال بصوت ما يزال متحشرجًا من أثر الغيبوبة الطويلة: "لو كنت أعلم أن أول وجه سأراه بعد الاستيقاظ هو وجهك… لكنت فضلت البقاء نائمًا." شهقت رهف بخفوت وهي تنظر بينهما، قبل أن تضحك رغمًا عنها، بينما ضحك بسام بصوت مرتفع وهو يقترب أكثر من السرير. "ها هو عاد كما كان، لسانه السام لم يتأثر حتى بالغيبوبة." ظهرت ابتسامة صغيرة على شفتي جاسر، بينما شعر بثقل أقل قليلًا داخل صدره
Read more

الفصل 94

مرّ ذلك اليوم بصورة هادئة على غير ما اعتادت رهف في حياتها خلال الفترة الأخيرة، حتى إنها ظلت طوال الساعات التالية تشعر وكأن ثقلًا هائلًا قد أُزيح أخيرًا عن صدرها بعدما فتحت عينيها في الصباح ورأت فهد حيًا، مستيقظًا، يتحدث ويبتسم، وليس مجرد جسد ساكن تحيط به الأجهزة الطبية الباردة. ولأول مرة منذ زمن طويل، لم تكن خائفة من النوم. فبعد أن انتهى اليوم، وعادت إلى غرفتها بمساعدة الممرضات، تناولت أدويتها دون عناد أو شرود، ثم تمددت فوق السرير وهي تشعر بإرهاق مريح، ذلك النوع من التعب الذي يأتي بعد بكاء طويل يعقبه اطمئنان مؤقت. حتى عقلها بدا أهدأ تلك الليلة. لم تطاردها الكوابيس كما اعتادت ولم تستيقظ فزعة على صوت مدحت داخل رأسها. بل نامت وهي تتذكر ابتسامة فهد الخافتة، وطريقته الساخرة في الرد على بسام، والنظرة التي لمحَتها في عينيه عندما دافعت عنه أمامه دون تفكير. وذلك وحده كان كافيًا ليمنحها راحة افتقدتها منذ سنوات. ...... وفي صباح اليوم التالي، استيقظت رهف مبكرًا على غير عادتها، وما إن فتحت عينيها حتى شعرت بشيء خفيف ودافئ داخل قلبها، حماس بسيط طفولي كاد ينسيها للحظة أنها داخل مشفى أصلًا. ف
Read more

الفصل 95

وقبل أن يصل خالد إليها بخطوة واحدة أخرى، وقبل أن يمنحه ذلك القرب فرصة أكبر لإرباكها أو استدراجها للكلام، اندفع صوت جاسر فجأة داخل الغرفة بصورة حادة وغير معتادة: "عودي إلى غرفتكِ يا رهف." تفاجأت رهف والتفتت نحوه بصدمة واضحة. حتى بسام رفع نظره بسرعة إليه، بينما توقفت خطوات خالد للحظة قصيرة قبل أن يلتفت نحو جاسر بنظرة هادئة لم تخلُ من الاستفزاز. أما رهف، فلم تفهم سبب تلك النبرة الحادة المفاجئة، فقد كان صوته مختلفًا تمامًا عن طريقته معها منذ استيقاظه، أكثر توترًا وحدة، وكأنه لا يطلب منها المغادرة بل يأمرها بذلك. عقدت حاجبيها بحيرة وهي تنظر إليه قائلة بصوت مرتبك: "لماذا؟" ثم أضافت بسرعة وكأن الأمر بديهي بالنسبة لها: "يجب أن أخبرهم أنك لم تفعل شيئًا… وأن كل ما حدث كان بسببي أنا." وما إن قالت كلماتها الأخيرة حتى شعر جاسر برغبة حقيقية في إغلاق عينيه من شدة التوتر الذي ضربه. هي لا تدرك. لا تدرك أن كل كلمة تخرج منها الآن قد تتحول ضدها أو ضده لاحقًا. ولا تدرك طبيعة خالد تحديدًا. أما خالد نفسه، فقد عاد يتحرك أخيرًا حتى وقف أمام رهف مباشرة، قريبًا منها بدرجة جعلت توترها يزداد دون أن تعرف
Read more

الفصل 96

كان جاسر ما يزال ينظر نحو الباب الذي خرجت منه رهف، بينما تتكرر داخل رأسه صورة عينيها الممتلئتين بالخذلان. هو لم يرد جرحها ولم يرد إخافتها، لكنه يعرف خالد جيدًا أكثر مما ينبغي. ويعرف أن ذلك الرجل بمجرد أن يهتم بشخص ما… يصبح الأمر خطيرًا. أما بسام، فكان يراقب جاسر بصمت مدركًا تمامًا ما يفكر فيه الآن، لذلك قال بخفوت بعد لحظات: "لقد بالغت قليلًا." أغلق جاسر عينيه للحظة ثم زفر ببطء متعب. "أعرف." لكن اعترافه القصير لم يخفف ذلك الثقل الجاثم فوق صدره ولو قليلًا، بل على العكس، كلما مرت الثواني تكررت أمام عينيه صورة رهف وهي تنظر إليه بذلك العتاب الصامت قبل أن تغادر الغرفة، وكأن نظرتها ظلت معلقة داخله بصورة مزعجة لم يستطع الهروب منها مهما حاول إقناع نفسه بأنه فعل الصواب. لقد كان يريد حمايتها فقط، لكن طريقته كانت سيئة… سيئة إلى درجة جعلته يرى الخوف في عينيها للحظة. وذلك وحده كان كافيًا ليشعر بانقباض حاد داخل صدره. شعور نادر بالنسبة لشخص مثله. الندم. زفر جاسر ببطء وهو يمرر يده فوق جبينه المتعب، محاولًا طرد تلك الأفكار من رأسه قبل أن يلاحظ الآخرون ارتباكه الواضح، خاصة خالد الذ
Read more

الفصل 97

وصلت رهف إلى غرفتها وهي تشعر بثقل غريب يطبق على صدرها، ذلك الثقل الذي لم يكن ناتجًا عن إصاباتها الجسدية بقدر ما كان نتيجة الكلمات التي سمعتها قبل قليل من فهد. كانت تلك الكلمات لا تزال تتردد داخل رأسها بإلحاح مزعج، وكأنها عالقة بين جدران عقلها ترفض المغادرة مهما حاولت تجاهلها أو إقناع نفسها بأنها لا تستحق كل هذا التأثير. وكلما استرجعت نبرته الغاضبة ازداد ذلك الانقباض المؤلم في قلبها، حتى شعرت وكأنها عاجزة عن أخذ نفس مريح. ساعدتها الممرضتان على الوصول إلى السرير بحذر شديد بسبب إصابات ساقيها التي لم تلتئم بعد، ثم قامتا بترتيب الوسائد خلف ظهرها لتستقر في وضع أكثر راحة. وبعد أن انتهتا، وقفت إحداهما تسألها بلطف إن كانت بحاجة إلى شيء قبل المغادرة، بينما اكتفت رهف بهزة خفيفة من رأسها دون أن تنظر إليهما مباشرة، فقد كانت آخر ما ترغب به الآن هو التحدث مع أي شخص. وما إن أُغلق الباب خلفهما حتى عادت الغرفة إلى صمتها المعتاد. صمت ثقيل وممتد. صمت بدا وكأنه يملأ المكان كله ويضغط على أعصابها أكثر فأكثر. جلست رهف تحدق في الفراغ أمامها لوقت طويل دون أن ترى شيئًا حقيقيًا، بينما كانت أفكارها تدور ف
Read more

الفصل 98

رفعت رهف رأسها نحوه بتوتر وكانت تلك الابتسامة الهادئة التي لم تستسغها ما تزال مرسومة على شفتيه. انحنى قليلًا نحوها وقال بصوت منخفض: "هناك شيء لم تخبرينا به." تجمدت رهف في مكانها. أما في الغرفة الأخرى، فشد فهد قبضته بقوة فور سماعه صوت خالد. واصل خالد حديثه وهو يراقب عينيها بدقة شديدة: "ما الذي حدث في الليلة التي هربتِ فيها من مدحت؟" ظلت صامتة. فأضاف ببطء أكبر وكأنه يتعمد الضغط عليها: "ماذا فعل لكِ حتى تهربي مع حارسك الشخصي؟" تصلبت رهف بالكامل وشعرت فجأة وكأن جدران الغرفة تقترب منها وتضيق حولها. أما فهد، فقد اعتدل جالسًا فوق سريره رغم الألم الحاد الذي ضرب رأسه فور حركته. لأنه أدرك مباشرة ما يحدث وأدرك أن خالد بدأ أخيرًا يحفر في أخطر نقطة بالنسبة لرهف. النقطة التي كان يخشى الوصول إليها منذ البداية. لم تكن رهف بحاجة إلى سماع المزيد من الأسئلة حتى تدرك إلى أين يحاول خالد الوصول، فمجرد نبرة صوته والطريقة التي كان يراقب بها أدق تغير في ملامحها كانا كافيين لإشعال ذلك الخوف الدفين الذي ظنت للحظة أنها تمكنت من دفنه تحت طبقات من الإنهاك والأدوية ومحاولات النسيان الفاشلة، إلا أن بعض ال
Read more

الفصل 99

وفي داخل الغرفة كان الوضع يخرج عن السيطرة تدريجيًا بصورة جعلت الجميع يدرك أن الأمر لم يعد مجرد حالة توتر أو نوبة خوف عابرة، بل شيئًا أعمق بكثير، شيئًا ظل مختبئًا داخل رهف طوال الأيام الماضية قبل أن يجد أخيرًا طريقه إلى السطح بهذه الصورة العنيفة والمخيفة. كانت رهف تجلس فوق السرير وهي ترتجف بالكامل، بينما تتلاحق أنفاسها بصورة غير منتظمة حتى بدا وكأنها تحاول التقاط الهواء دون أن تتمكن من إدخاله إلى رئتيها، في حين راحت نظراتها المضطربة تنتقل بين الوجوه المحيطة بها دون أن تستقر على أحد، وكأنها لم تعد ترى الأشخاص الموجودين أمامها فعلًا، بل أشباحًا أخرى لا يراها سواها. أما بسام، فقد أدرك منذ اللحظة الأولى أن ما يحدث أمامه أخطر بكثير مما توقع، ولذلك لم ينتظر ثانية إضافية، بل استدار بسرعة واتجه نحو الباب بخطوات متعجلة قبل أن يفتحه ويخرج إلى الممر وهو ينادي بأعلى صوته طالبًا طبيبًا أو أي شخص من الطاقم الطبي يمكنه التدخل قبل أن تزداد حالتها سوءًا. لكن الوقت كان يمضي ببطء قاتل. وبداخل الغرفة كانت رهف تزداد انهيارًا مع كل ثانية تمر. كانت تبكي وتصرخ وتحاول التراجع إلى الخلف رغم أن السرير لم يت
Read more

الفصل 100

سادت الغرفة حالة من الصمت الثقيل والمطبق بعد أن استسلم جسد رهف أخيرًا لتأثير المهدئ الذي حقنه الطبيب في عروقها قبل دقائق، إلا أن ذلك الصمت لم يكن مريحًا لأحد، بل بدا أكثر قسوة وإزعاجًا من صرخاتها السابقة، وكأن أصداء انهيارها العصبي ما زالت عالقة بين الجدران وتتردد داخل رؤوس الحاضرين رغم أن صوتها قد اختفى تمامًا. وقف الطبيب بالقرب من السرير لعدة ثوانٍ طويلة، يراقب ملامحها الشاحبة وأنفاسها المنتظمة بحذر شديد، متأكدًا من أن نبضها قد عاد إلى استقراره وأن جسدها بدأ أخيرًا يستجيب للراحة القسرية التي فرضها عليها الدواء، قبل أن يرفع رأسه ببطء نحو الرجال الواقفين داخل الغرفة، لتظهر بوضوح في عينيه نظرة غضب لم يحاول إخفاءها. كان ذلك غضب رجل اعتاد طوال سنوات عمله على رؤية ضحايا الحوادث والناجين من الصدمات النفسية العنيفة، ويعرف أكثر من غيره حجم الثمن الذي يدفعه الإنسان عندما يُجبر على مواجهة ذكرياته المؤلمة قبل أن يكون مستعدًا لذلك. ولهذا أطلق زفرة طويلة وهو ينزع قفازيه الطبيين ثم قال بنبرة حادة جعلت الجميع يلتفتون إليه فورًا: "هذه المريضة لم تستعد عافيتها بعد." ساد الصمت للحظات، لكن الطبيب ل
Read more
PREV
1
...
67891011
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status