All Chapters of بين قلبه وسلاحه: Chapter 141 - Chapter 150

214 Chapters

الفصل 141

و ما إن انتهت رهف من جملتها، حتى ساد صمت ثقيل.لكن الصدمة على وجه والدة جاسر لم تدم طويلًا.وسرعان ما تحولت إلى غضب.غضب امرأة لم تعتد أن يواجهها أحد خصوصًا فتاة تصغرها بعشرات السنين.التفتت نحو ابنها وقالت بانفعال: "هل تسمع ما تقوله؟"أشارت إلى رهف بعصبية."هل ترى كيف تتحدث معي؟ هل هذه هي الفتاة التي تدافع عنها؟"أغمض جاسر عينيه للحظة وشعر بأن الأمور تنفلت من بين يديه."أمي... أرجوكِ..."لكنها قاطعته فورًا."لا. لا تطلب مني الهدوء. أنا التي يجب أن أغضب. أنا التي جئت إلى منزل ابني لأجد فتاة غريبة تعيش معه، ثم تقف أمامي الآن وتوجه لي هذه الاتهامات."ردت رهف فورًا: "وأنا لم أفتح فمي إلا بعد أن أهنتِ والديّ.""بل لأنكِ وقحة."قالتها المرأة بحدة."وأسلوبكِ هذا أكبر دليل على صحة كلامي."ضحكت رهف ضحكة قصيرة مليئة بالألم."وقحة؟ لأنني أدافع عن أمي؟""لا، لأنكِ تتحدثين معي بهذه الطريقة.""وأنتِ بأي طريقة تحدثتِ معي منذ لحظة دخولك؟"ارتفع التوتر أكثر وأصبح الهواء داخل الغرفة خانقًا.كأن الجدران نفسها بدأت تضيق عليهم.اقترب جاسر أخيرًا وأمسك ذراع رهف برفق."رهف... أرجوكِ."التفتت إليه وكانت عين
Read more

الفصل 142

ظل جاسر واقفًا في مكانه لعدة ثوانٍ طويلة بعد أن دوّى صوت انغلاق باب غرفة رهف بعنف داخل الشقة، وكأن ذلك الارتطام الحاد لم يكن مجرد باب أُغلق بقوة.بل كان صدمة حقيقية اخترقت هدوء المكان واستقرت مباشرة في أعماقه، تاركة وراءها شعورًا ثقيلًا بالعجز والارتباك لم يعرف كيف يتعامل معه أو يتخلص منه.بينما بقيت عيناه معلقتين بالممر الذي اختفت فيه قبل لحظات، وكأن جزءًا منه ما زال ينتظر أن تعود أو أن يتراجع الزمن قليلًا ليمنحه فرصة لتغيير ما حدث.كانت صورة وجهها لا تزال عالقة في ذهنه بصورة مؤلمة، وتحديدًا تلك النظرة الأخيرة التي وجهتها إليه قبل أن تغلق الباب خلفها، إذ لم تكن نظرة غضب أو عناد كما حاول أن يقنع نفسه، بل كانت نظرة إنسان مجروح شعر فجأة بأن الشخص الذي كان يظنه الأقرب إلى فهمه قد خذله في أكثر اللحظات التي احتاج إليه فيها.وكلما حاول جاسر إقناع نفسه بأنه لم يخطئ عندما طلب منها الاعتذار، كانت ملامحها المرتبكة ودموعها المكبوتة تعود لتطارده من جديد وتجعله يشك في كل ما قاله.مرر يده فوق وجهه بإرهاق شديد وأغلق عينيه للحظة قصيرة محاولًا استعادة بعض هدوئه أو ترتيب أفكاره المبعثرة، إلا أن الوقت ل
Read more

الفصل 143

كان واضحًا أنها لم تعد ترغب في البقاء داخل الشقة ولو دقيقة إضافية.أما حسن فظل واقفًا في مكانه للحظات وهو يتنقل بنظره بين زوجته وابنه وباب الغرفة المغلق في نهاية الممر، وكأنه الوحيد الذي استطاع رؤية الصورة كاملة بكل ما فيها من غضب وألم وحيرة.لكنه رغم ذلك لم يكن يملك حلًا سحريًا لهذه الفوضى.تنهد ببطء ثم اقترب من جاسر، بينما كانت زوجته قد وصلت بالفعل إلى الباب دون أن تلتفت خلفها مرة أخرى.ووضع يده على كتف ابنه في لمسة بسيطة حملت من التفهم والمساندة أكثر مما حملته كل الكلمات التي قيلت خلال الساعة الماضية، قبل أن يقول بهدوء: "علينا أن نتحدث."رفع جاسر نظره إليه فأكمل بنفس الهدوء: "ليس الآن... عندما تهدأ الأمور، اتصل بي."ثم صمت لحظة قبل أن يضيف بابتسامة خفيفة بالكاد ظهرت على وجهه: "ونلتقي في مكاننا."عرف جاسر فورًا ما يقصده، ذلك المقهى الصغير الذي اعتادا الجلوس فيه منذ سنوات طويلة كلما احتاجا إلى الحديث بعيدًا عن ضجيج العالم ومشاكله.فاكتفى بالإيماء برأسه بصمت، بينما ربت حسن على كتفه مرة أخيرة قبل أن يستدير متجهًا نحو الباب ويغادر خلف زوجته.وبعد لحظات انغلق الباب الإلكتروني بصوته الخاف
Read more

الفصل 144

ظل جاسر جالسًا على الأريكة، ورأسه لا يزال مستندًا إلى كفيه، بينما كانت الأفكار تتدافع داخل عقله بصورة جعلته يشعر وكأن رأسه لم يعد يتسع لكل ما حدث خلال الساعة الماضية.فصوت والدته وهي تعلن بكل قسوة أنها ستتبرأ منه إن اختار رهف لم يتوقف عن التردد داخل أذنيه.وفي الوقت نفسه كانت صورة رهف وهي تدخل غرفتها باكية بعد أن أجبرها على الاعتذار تطارده بلا رحمة، حتى أصبح عاجزًا عن تحديد أي الذنبين كان أثقل على قلبه؛ خذلانه لها أم عجزه عن الوقوف في وجه والدته.ساد الصمت داخل الشقة لعدة دقائق، حتى بدا المكان وكأنه فقد الحياة تمامًا.لكن ذلك السكون لم يدم طويلًا، إذ التقط سمعه صوتًا خافتًا صادرًا من نهاية الممر، أشبه باصطدام شيء بآخر، تلاه صوت أدراج تُفتح وتُغلق بعجلة.فتجمد في مكانه للحظة قبل أن يرفع رأسه سريعًا، وقد أدرك فورًا أن الصوت قادم من غرفة رهف.انعقد حاجباه بقلق، ونهض دون تفكير، بينما راودته عشرات الاحتمالات في لحظة واحدة، فهو يعلم جيدًا أنها غاضبة منه، بل ربما تكرهه الآن.لكنه كان يعرف رهف بما يكفي ليوقن أن صمتها لا يبشر بخير، وأنها عندما تصل إلى مرحلة تتوقف فيها عن البكاء وتبدأ بالتصرف،
Read more

الفصل 145

تنهد جاسر بعمق، وأغمض عينيه للحظة قبل أن يقول بصوت متعب: "كنت أحاول تهدئة الموقف، لو دخلت معها في جدال وقتها لتحول الأمر إلى كارثة أكبر."هزت رأسها ببطء، ثم قالت بابتسامة ساخرة: "لا. لم تكن تهدئ الموقف، كنت تحاول إرضاء والدتك، وهناك فرق كبير بين الأمرين.""رهف...""لا تقاطعني، دعني أنتهي هذه المرة."ساد الصمت للحظات، ثم قالت وهي تشير إلى نفسها:"هل تعرف ما الذي آلمني أكثر من الإهانة؟ أنك التفت إليّ وطلبت مني الاعتذار، أنا... أنا التي أُهنت وطُردت بالكلمات، أصبحت مطالبة بالاعتذار، وكأن الخطأ كان خطئي، وكأن وجودي داخل هذا المنزل جريمة ارتكبتها بإرادتي."خفض جاسر رأسه للحظة، وشعر أن كل كلمة تقولها تصيب نقطة ضعف داخله، ثم قال بصوت خافت: "كنت أحاول أن أمنع المشكلة من أن تكبر."ابتسمت بمرارة وقالت: "ونجحت... نجحت في حماية الجميع إلا أنا."ساد بينهما صمت ثقيل، لم يعد يسمع خلاله سوى صوت السحاب المعدني للحقيبة وهي تغلقه بعصبية، ثم انحنت لتحملها.لكن جاسر سبقها، وأمسك بالحقيبة بقوة قبل أن ترفعها، وقال بقلق واضح: "إلى أين ستذهبين؟"رفعت رأسها إليه، وكانت ملامحها جامدة على نحو أخافه أكثر من بكائه
Read more

الفصل 146

ظل جاسر يحدق إليها بصمت طويل، بينما كانت تواصل جمع بقية أغراضها بعصبية وكأن وجوده داخل الغرفة لم يعد يعني لها شيئًا.وقد أدرك من الإصرار المرسوم على ملامحها أنها لم تكن تطلق تهديدًا عابرًا بدافع الغضب، بل كانت قد اتخذت قرارها بالفعل، وأن كل كلمة يقولها الآن لن تكون سوى محاولة متأخرة لإيقاف شخص حسم أمره ولم يعد ينظر إلى الخلف.تقلصت عضلات فكه وهو يتابع حركاتها السريعة، فقد كان يرى يديها ترتجفان كلما أمسكت بشيء، ويرى آثار الدموع التي لم تجف بعد فوق وجنتيها.ومع ذلك لم تكن تبكي الآن، بل بدت وكأنها تجاوزت مرحلة البكاء إلى تلك المرحلة الأخطر التي يصبح فيها الإنسان هادئًا من الخارج، بينما يكون كل شيء في داخله قد انهار بالفعل.فتح فمه أكثر من مرة وكأنه يريد أن يقول شيئًا، أن يعتذر، أو يبرر، أو حتى يطلب منها البقاء، إلا أن الكلمات ظلت عالقة في حلقه.لأن أي تفسير سيقدمه لن يمحو ما سمعته من والدته، ولن يغير حقيقة أنه هو نفسه من طلب منها الاعتذار قبل قليل، وهو الأمر الذي بدا بالنسبة إليها خيانة أكثر من كونه محاولة لاحتواء الموقف.وأخيرًا أطلق زفرة طويلة خرجت مثقلة بالعجز، ثم أشاح بنظره عنها للحظ
Read more

الفصل 147

أما في الجهة الأخرى من الباب، فكان جاسر يقف مستندًا بظهره إلى الخشب، وكأنه يحاول أن يمنع نفسه من الانهيار كما يمنعها من الخروج في الوقت نفسه. أغمض عينيه بإحكام وأسند رأسه إلى الباب البارد، بينما كانت كل ضربة توجهها رهف إليه تصل إلى صدره وكأنها تهوي فوق قلبه مباشرة، فتترك فيه صدعًا جديدًا لا يراه أحد. لم يكن قرار حبسها داخل الغرفة قرارًا اتخذه بسهولة، ولم يكن لحظة غضب عابرة، بل كان أثقل قرار اضطر إلى اتخاذه منذ أن اقتحمت تلك الفتاة حياته وغيرت كل شيء فيها. حتى أصبح يشعر لأول مرة أن خوفه على شخص آخر قد يتغلب على كل ما عداه. كان يسمع بكاءها، ويسمع ارتجاف صوتها وهي تستجديه أن يفتح الباب، وكان كل شيء داخله يصرخ مطالبًا إياه بأن يدير المفتاح وينهي هذا العذاب، وأن يسمح لها بالخروج مهما كانت العواقب. لكن في اللحظة نفسها كانت صورة مدحت تقتحم عقله بقسوة لا ترحم، فتذكره بالخطر الحقيقي الذي ينتظرها إن خرجت وهي في هذه الحالة. كان يعرف ذلك الرجل أكثر مما تتخيل رهف، ويعرف أنه لم يتوقف عن البحث عنها. كما يعرف أن رهف، وهي غارقة في انهيارها النفسي، قد تخرج إلى الشارع دون أن تفكر إلى أين ستذهب أو
Read more

الفصل 148

ظلّا على حالهما وقتًا لم يعد لأيٍّ منهما القدرة على تقديره، وكأن الزمن هو الآخر قد قرر أن يتوقف احترامًا لذلك الصمت الثقيل الذي تمدد بينهما.لم يعد يُسمع في أرجاء المنزل سوى أنفاس متقطعة، وبكاء خافت يتسلل من خلف الباب المغلق، بينما جلس كل واحد منهما في عالم منفصل عن الآخر، رغم أن لوحًا خشبيًا واحدًا فقط كان يفصل بينهما.وفي الداخل...كانت رهف تجلس مستندة بظهرها إلى الباب، تضم ساقيها إلى صدرها بذراعين مرتجفتين، وقد جفت دموعها للحظات، لا لأنها توقفت عن الحزن، بل لأن جسدها أصبح منهكًا إلى درجة لم يعد معها قادرًا حتى على البكاء.كانت تحدق في الفراغ أمامها دون أن ترى شيئًا، بينما تدور في رأسها عشرات الأسئلة التي لم تجد لها جوابًا. كيف انتهى بها الأمر هنا؟ وكيف تحوّل المكان الوحيد الذي شعرت فيه بالأمان إلى غرفة مغلقة تشبه السجن الذي كانت تهرب منه طوال حياتها؟أما في الخارج...فكان جاسر ما يزال جالسًا على الأرض، وظهره يستند إلى الباب الذي حبس خلفه الفتاة الوحيدة التي أصبح وجودها يعني له أكثر مما اعترف به حتى لنفسه.ظل يحدق في الفراغ طويلًا، محاولًا إقناع نفسه بأن ما فعله هو القرار الصحيح، ل
Read more

الفصل 149

أخذ جاسر نفسًا طويلًا، ثم قال بصوت متعب: "كما أخبرتك أنت وأمي سابقًا... رهف ليست مجرد فتاة تعيش معي في المنزل."صمت لحظة، وكأنه يختار كلماته بعناية، قبل أن يكمل: "هي جزء من مهمة سرية أعمل عليها منذ فترة طويلة. والدها يدير شبكة كبيرة من الأعمال غير القانونية، وتوجد ضده ملفات معقدة لا أستطيع التحدث عنها، لكن ما أستطيع أن أقوله لك هو أن رهف لا علاقة لها بأي شيء مما يفعله."ظل والده يستمع إليه باهتمام دون أن يقاطعه.أما جاسر فأكمل: "دخلت حياتها في البداية باعتباري وسيلة للوصول إلى والدها. كنت مجرد ضابط ينفذ أوامر، وكل ما كان مطلوبًا مني هو مراقبتها والتقرب منها حتى أصل إلى الهدف الحقيقي."ابتسم بسخرية مريرة، ثم هز رأسه."لكن الأمور لم تسر كما خُطط لها."توقف للحظة، وكأن الذكريات تثقل كلماته."شيئًا فشيئًا... لم تعد رهف بالنسبة لي مجرد وسيلة للوصول إلى شخص آخر، بل أصبحت هي الشخص الذي أحاول حمايته."رفع رأسه نحو والده وقال بنبرة صادقة: "تعرضنا للخطف معًا على يد والدها ونجونا بصعوبة، وهو الآن يبحث عنها كما يبحث عني، لأنه يعتبرنا سبب انهيار كل ما بناه."تنهد ببطء."هي لا تملك أحدًا غيري الآن.
Read more

الفصل 150

عاد جاسر إلى المنزل بعد ساعات طويلة أمضاها خارجًا، متنقلًا بين الطرقات وهو يحاول أن يهرب من ضجيج أفكاره أكثر مما كان يهرب من المدينة نفسها، إلا أن خطواته وهو يقترب من باب المنزل هذه المرة لم تكن مثقلة بذلك الاختناق الذي غادر به قبل ساعات. فقد كان لا يزال يحمل فوق كتفيه همومًا لم تتبدد، وأسئلة لم يجد لها إجابة، ومشكلات لم تتراجع خطوة واحدة، لكن حديثه الطويل مع والده ترك في أعماقه أثرًا لم يكن يتوقعه. إذ تسللت كلمات الرجل إلى قلبه بهدوء، وكأنها استطاعت أن تنتشل جزءًا من ذلك الثقل الذي ظل يضغط على صدره طوال الأيام الماضية، فمنحته قدرًا بسيطًا من الطمأنينة، ليس لأنها غيرت الواقع، بل لأنها أعادته إلى نفسه قليلًا بعد أن أوشك أن يفقدها. كانت المدينة قد استسلمت تمامًا لسكون الليل، وانطفأت أغلب نوافذها، ولم يبقَ في الشوارع سوى أضواء الأعمدة الممتدة على الأرصفة وسيارات قليلة تشق طريقها في هدوء. وعندما أوقف سيارته أمام المنزل بقي جالسًا للحظات، رافعًا بصره نحو الواجهة التي بدت ساكنة على غير عادتها، يتأمل النوافذ المظلمة بصمت طويل، وكأنها تخفي خلفها شيئًا يخشى مواجهته. ولم يكن يدرك سبب ذلك ا
Read more
PREV
1
...
1314151617
...
22
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status