حلَّ الصباح ببطء شديد، كأنه يتسلل إلى المكان على استحياء، ناشرًا خيوطه الأولى خلف النوافذ دون أن يحمل معه السكينة التي كان جاسر يتمنى أن يجدها بعد ليلة أنهكه فيها التفكير. فالنوم، رغم أنه زاره لساعات قليلة، لم يكن رحيمًا بما يكفي ليمنحه الراحة التي كان جسده وعقله في أمسّ الحاجة إليها، بل كان مجرد انقطاع مؤقت عن دوامة الذنب والقلق التي لم تفارقه منذ الليلة الماضية. استيقظ قبل أن تشرق الشمس، وبقي للحظات جالسًا على حافة سريره، يحدق في الفراغ بعينين مثقلتين بالإرهاق، قبل أن ينهض ببطء ويغادر غرفته بصمتٍ تام، وكأنه يخشى أن يوقظ أحدًا أو يزعج السكون الذي يلف المنزل. سار بخطوات هادئة حتى وصل إلى المطبخ، ثم وقف أمام الخزائن لبرهة، يفكر فيما يستطيع إعداده لها، رغم أنه لم يكن يومًا بارعًا في الطهي، ولم يعتد الوقوف طويلًا بين الأواني والمقادير. ومع ذلك، قرر أن يحاول بنفسه، ليس لأنه يظن أن وجبة الإفطار ستصلح ما انكسر بينهما، ولا لأنه يتوقع منها أن تسامحه بمجرد هذه اللفتة البسيطة. بل لأن فكرة أن تبقى رهف جائعة، وهي في تلك الحالة، كانت تؤلمه أكثر مما كان مستعدًا للاعتراف به. كان يعلم في أعماقه
اقرأ المزيد