جميع فصول : الفصل -الفصل 160

175 فصول

الفصل 151

حلَّ الصباح ببطء شديد، كأنه يتسلل إلى المكان على استحياء، ناشرًا خيوطه الأولى خلف النوافذ دون أن يحمل معه السكينة التي كان جاسر يتمنى أن يجدها بعد ليلة أنهكه فيها التفكير. فالنوم، رغم أنه زاره لساعات قليلة، لم يكن رحيمًا بما يكفي ليمنحه الراحة التي كان جسده وعقله في أمسّ الحاجة إليها، بل كان مجرد انقطاع مؤقت عن دوامة الذنب والقلق التي لم تفارقه منذ الليلة الماضية. استيقظ قبل أن تشرق الشمس، وبقي للحظات جالسًا على حافة سريره، يحدق في الفراغ بعينين مثقلتين بالإرهاق، قبل أن ينهض ببطء ويغادر غرفته بصمتٍ تام، وكأنه يخشى أن يوقظ أحدًا أو يزعج السكون الذي يلف المنزل. سار بخطوات هادئة حتى وصل إلى المطبخ، ثم وقف أمام الخزائن لبرهة، يفكر فيما يستطيع إعداده لها، رغم أنه لم يكن يومًا بارعًا في الطهي، ولم يعتد الوقوف طويلًا بين الأواني والمقادير. ومع ذلك، قرر أن يحاول بنفسه، ليس لأنه يظن أن وجبة الإفطار ستصلح ما انكسر بينهما، ولا لأنه يتوقع منها أن تسامحه بمجرد هذه اللفتة البسيطة. بل لأن فكرة أن تبقى رهف جائعة، وهي في تلك الحالة، كانت تؤلمه أكثر مما كان مستعدًا للاعتراف به. كان يعلم في أعماقه
اقرأ المزيد

الفصل 152

وصل جاسر إلى مبنى الإدارة وهو يحاول بكل ما يملك أن ينتزع نفسه من دوامة الأفكار التي كانت تطارده منذ أن غادر المنزل.محاولًا أن يقنع عقله بأن الوقت الآن للعمل، وأن عليه أن يضع مشاعره جانبًا، ولو لساعات قليلة.لكن محاولاته كانت تبوء بالفشل في كل مرة، إذ ظل ذهنه عالقًا هناك، في ذلك المنزل الهادئ، وتحديدًا خلف ذلك الباب المغلق الذي ترك خلفه رهف، غارقة في ضعفها وأوجاعها، بينما كان قلبه يرفض أن يبتعد عنها ولو خطوة واحدة.دخل مكتبه وما إن همّ بوضع ملفاته على الطاولة حتى لمح بسام يندفع نحوه بخطوات متسارعة، وعلى وجهه تعبير لم يعتد رؤيته كثيرًا؛ ملامح متجهمة تخفي خلفها توترًا واضحًا، ونظرات تحمل ما يكفي ليؤكد أن أمرًا مهمًا قد وقع.لم يمنحه فرصة لطرح أي سؤال، بل قال مباشرة بصوت جاد: "جاسر، لدينا مستجدات."رفع جاسر رأسه بسرعة، وقد تبددت آثار شروده دفعة واحدة، وسأله بقلق واضح: "ماذا حدث؟"اقترب بسام أكثر، ثم قال بصوت خفيض وكأنه يدرك ثقل ما سينطق به: "تمكنا من إلقاء القبض على أحد الخدم القدامى الذين كانوا يعملون في فيلا مدحت."انعقد حاجبا جاسر، وبقي واقفًا مكانه دون أن ينطق، بينما واصل بسام حديثه:
اقرأ المزيد

الفصل 153

أجابه جاسر بنبرة حازمة تحمل قدرًا كبيرًا من الطمأنينة: "أعدك أن عائلتك ستدخل برنامج الحماية، ولن يتمكن من الوصول إليهم مهما حاول."أغمض الرجل عينيه للحظات طويلة، وكأنه لأول مرة منذ سنوات شعر بأن حملًا ثقيلًا بدأ يغادر صدره، ثم أخذ نفسًا عميقًا واستعد للكشف عن آخر ما يحتفظ به.وبعد أن انتهى التحقيق، وبينما كان الضباط يتهيأون لاصطحابه خارج الغرفة، توقف فجأة، واستدار ببطء، ثم قال بصوت خافت كاد لا يُسمع:"هناك شيء آخر..."التفت إليه جاسر فورًا، ولاحظ أن ملامح الرجل تغيرت تمامًا، وكأن ما سيقوله الآن هو أكثر ما أثقل ضميره طوال حياته.قال الرجل بصوت مكسور: "شيء لم أستطع أن أسامح نفسي على السكوت عنه."ساد صمت ثقيل داخل الغرفة، حتى إن الجميع توقف عن الحركة، مترقبًا ما سيخرج من فمه.رفع الرجل رأسه أخيرًا، وقال الجملة التي بدت وكأنها جمدت الهواء في المكان: "زوجة مدحت... والدة الآنسة رهف... لم تمت وفاةً طبيعية."في تلك اللحظة شعر جاسر وكأن الأرض اهتزت تحت قدميه، وتجمدت ملامحه تمامًا، بينما خفق قلبه بعنف وهو يحاول استيعاب ما سمعه.واصل الرجل حديثه بصوت تختلط فيه الحسرة بالألم:"كانت امرأة طيبة ونق
اقرأ المزيد

الفصل 154

لم يكن الطريق إلى المنزل طويلًا، لكنه بدا لجاسر وكأنه امتد لساعات لا تنتهي، فقد كان يقود سيارته بعينين تراقبان الطريق، بينما كان عقله بعيدًا تمامًا.يتنقل بين عشرات الأفكار التي تهاجمه دون رحمة، حتى شعر بأن رأسه لم يعد يحتمل المزيد.فمنذ ساعات فقط كان يظن أن القضية بدأت تقترب من نهايتها، لكنه خرج من غرفة التحقيق وهو يحمل حقيقةً كانت أثقل من أن تُحتمل.حقيقة قلبت كل ما كان يعرفه عن مدحت، وأثبتت له أن الرجل لم يكن مجرد مجرم اعتاد استغلال نفوذه، بل شخصًا قادرًا على قتل أقرب الناس إليه بدم بارد، دون أن يهتز له جفن أو يطارده ضمير.وكلما تذكر اعتراف الخادم العجوز، عاد إلى ذهنه ذلك المشهد الذي لم يفارقه منذ خروجه من الإدارة؛ صوت الرجل المرتجف وهو يعترف بأن والدة رهف لم تمت كما اعتقد الجميع.وأن مدحت هو من دبّر موتها ببرود يحسد عليه الشيطان نفسه، فقط لأنها قررت أن تتركه وتأخذ ابنتها بعيدًا عنه.أغمض جاسر عينيه للحظة وهو يقف بسيارته أمام إشارة المرور، ثم زفر ببطء، محاولًا أن يطرد تلك الصور من رأسه، لكنه فشل مرة أخرى.كيف سيخبر رهف بذلك؟وهل يحق له أصلًا أن يخبرها؟وهل ستحتمل قلبها الهش تلك الح
اقرأ المزيد

الفصل 155

بمجرد أن خرج فهد، وانسحبت خطواته شيئًا فشيئًا حتى ابتلعتها أرجاء المنزل الهادئة، بقيت رهف جالسة في مكانها، ساكنة إلى حد بدا وكأنها فقدت القدرة على الحركة.تحدق في الفراغ بعينين غارقتين في الشرود، بينما كانت أنفاسها تتصاعد وتهبط ببطء شديد، وكأنها تحاول أن تمنح عقلها فرصة ليستوعب كل ما حدث منذ اللحظة التي فتحت فيها عينيها في ذلك الصباح المضطرب.لم يكن الصمت الذي خيّم على الغرفة صمتًا باعثًا على الطمأنينة، بل كان صمتًا ثقيلًا، مشبعًا بالأفكار التي تتدافع داخل رأسها، وبالأسئلة التي لا تجد لها إجابة، وبالمشاعر المتناقضة التي راحت تتصارع في أعماقها بعنف حتى شعرت وكأنها ستتفتت تحت وطأتها.ورغم رحيله، لم تغادرها كلماته، بل بقي صوته يتردد في أذنيها بوضوح مؤلم."أنا فقط أحاول حمايتكِ."كم كانت تلك العبارة مألوفة... ومرعبة في الوقت نفسه.فما إن سمعتها حتى انقبض قلبها دون إرادة منها، وشعرت بشيء قديم ينهض من أعماق ذاكرتها، شيء ظنت أنها دفنته منذ سنوات، لكنه كان ينتظر مجرد كلمة واحدة ليعود إليها بكل تفاصيله.أغمضت عينيها بقوة، وكأنها تحاول أن تمنع الماضي من اقتحامها، لكن الذكريات لم تكن بحاجة إلى إ
اقرأ المزيد

الفصل 156

لقد عاشت ما يكفي من السنوات وهي تخشى غضب مدحت، وتراقب كلماتها، وتحسب خطواتها، وتنتظر مزاجه حتى تعرف كيف تتصرف داخل منزلها.وحين ظنت أخيرًا أنها نجحت في الإفلات من تلك الحياة، وجدت نفسها أمام باب آخر، قد يكون أقل قسوة، وقد يكون صاحبه أكثر رحمة، لكن النهاية بالنسبة إليها لم تختلف كثيرًا.فالسجن... يبقى سجنًا، مهما اختلفت الوجوه التي تحرس أبوابه.نهضت من فوق السرير ببطء شديد، وما إن استقامت حتى باغتها دوار خفيف جعل الأرض تميل تحت قدميها.فمدت يدها بسرعة تستند إلى حافة الطاولة القريبة حتى لا تسقط، وأغمضت عينيها للحظات وهي تحاول أن تستعيد توازنها.أطلقت زفرة طويلة مثقلة بالإرهاق، وشعرت وكأن جسدها نفسه يحاول أن يثنيها عن قرارها، وكأنه يذكرها بضعفها وقلة طعامها وما مرت به في السابق.لكنها هذه المرة، لم تكن مستعدة للتراجع.وحين استعادت توازنها أخيرًا، وقفت مستقيمة، ثم أخذت تجول بعينيها في أنحاء الغرفة للمرة الأخيرة، وكأنها تودع المكان الذي احتواها خلال الأيام الماضية.قررت ألا تأخذ أغراضها.ولم تكن تعرف إلى أين ستذهب بعد أن تغادر.ولم تضع أي خطة لما ستفعله لاحقًا.لكنها كانت مؤمنة بأن المجهول
اقرأ المزيد

الفصل 157

في تلك الأثناء، كان جاسر يقف داخل المطبخ، غارقًا تمامًا في إعداد الطعام، وكأنه يحاول أن يصب في كل طبق شيئًا من الاعتذار الذي لم يعرف كيف يقوله بالكلمات.فقد كانت يداه تتحركان بين الأواني والخضراوات والتوابل بحركات هادئة ومنظمة، بينما كان ذهنه بعيدًا كل البعد عما يفعله، منشغلًا بوجه رهف الشاحب، وبنظرتها المنكسرة التي ظلت تطارده منذ أن خرج من غرفتها قبل دقائق.كان يعيد في رأسه تفاصيل حديثهما مرة بعد أخرى، يراجع كل كلمة قالها، وكل تعبير ارتسم على وجهها، باحثًا عن اللحظة التي أخطأ فيها، وعن الطريقة التي يمكنه بها أن يصل إليها دون أن يشعرها بأنه يفرض نفسه عليها أو يصادر حريتها.فقد كان يدرك أنه تجاوز حدودها حين أغلق الباب عليها، حتى وإن كان مقتنعًا تمام الاقتناع أن ما فعله لم يكن إلا لحمايتها.تنهد بصوت خافت وهو يطفئ النار تحت أحد الأواني، ثم مد يده يلتقط طبقًا آخر، وقد قرر أن يعد لها كل ما يعرف أنها تحبه، علّ الطعام ينجح فيما عجزت عنه الكلمات.فربما تأكل قليلًا، وربما تستعيد شيئًا من قوتها، وربما... تمنحه فرصة أخرى ليفسر لها أنه لم يكن يريد أن يكون نسخة أخرى من الرجل الذي حطم حياتها.لكن
اقرأ المزيد

الفصل 158

ساد الصمت في أرجاء غرفة المعيشة صمتًا ثقيلًا وممتدًا، حتى بدا وكأن الزمن نفسه قد توقف عن الدوران.ولم يعد هناك ما يُسمع سوى صوت أنفاسهما المتلاحقة التي ما زالت تعكس أثر المطاردة العنيفة التي انتهت قبل لحظات قليلة.بينما بقيت رهف واقفة في مكانها، في حين ظل جاسر واقفًا في الجهة المقابلة، يحدق إليها بعينين أثقلهما التعب والقلق، وكان صدره يعلو ويهبط بعنف نتيجة الركض الذي استنزف أنفاسه.إلا أن ما كان يثقل قلبه لم يكن الإرهاق الجسدي بقدر ما كان ذلك الألم الذي اجتاحه وهو يراها تحاول الهرب منه، ثم تنظر إليه الآن بتلك النظرة المليئة بالخوف.وكأن كل ما قدمه لها، وكل ما ضحى به في سبيل حمايتها، لم ينجح في أن يبدد ولو جزءًا ضئيلًا من الرعب العالق في أعماقها.أغمض عينيه للحظات، وكأنه يحاول أن يستعيد شيئًا من هدوئه الذي بدأ يتفلت منه، ثم أطلق زفرة طويلة خرجت مثقلة بالعجز والإنهاك، قبل أن يرفع رأسه نحوها مرة أخرى.وقد خفتت نبرة غضبه قليلًا، إلا أن الارتجاف الذي تسلل إلى صوته فضح ما كان يحاول إخفاءه، فقال بهدوء متكلف يخالطه وجع واضح:"لماذا يا رهف...؟ لماذا حاولتِ الهرب؟"خرج السؤال هادئًا، لكنه كان ي
اقرأ المزيد

الفصل 159

خرج صوته مكسورًا أكثر مما كان غاضبًا وهو يردد بمرارة: "تسألينني... من أنا؟"ارتسمت على شفتيه ابتسامة باهتة، لكنها لم تحمل أي أثر للفرح، بل كانت ابتسامة رجل أنهكه الوجع حتى لم يعد يعرف كيف يعبر عنه."بعد كل ما مررنا به معًا... وبعد كل ما حدث... ما زلتِ تسألينني من أكون؟"هز رأسه ببطء، ثم أكمل وهو يحاول للمرة الأخيرة أن يجعلها ترى ما يراه:"أنا لا أفعل هذا لأنني أريد السيطرة عليكِ، ولا لأنني أستمتع بحرمانكِ من حريتكِ، وإنما لأنني أحاول أن أحميكِ، لأنكِ لا تدركين حجم الخطر الذي ما زال يحيط بكِ، ولا تعرفين أن هناك من لا يزال يبحث عنكِ ولن يتوقف بسهولة."ثم اقترب خطوة واحدة، وقد ازدادت نبرة صوته حدة من فرط القلق:"أتريدين الخروج الآن؟ حسنًا... ثم ماذا؟ إلى أين ستذهبين؟ هل لديكِ مكان آمن تلجئين إليه؟ أم أنكِ تظنين أن مدحت توقف عن البحث عنكِ بمجرد أنكِ ابتعدتِ عنه؟"ارتبكت ملامحها للحظة قصيرة، إلا أنه لم يمنحها فرصة للإجابة، بل أردف بصوت يحمل كل مخاوفه:"أم تريدين أن تهربي اليوم... ثم يعثر عليكِ مدحت غدًا؟"كانت تلك الجملة وحدها كافية لتمزق ما تبقى من هدوئها، لكنها رفضت أن تسمح للخوف بالظهور
اقرأ المزيد

الفصل 160

ظل جاسر واقفًا في منتصف غرفة المعيشة لعدة لحظات، عاجزًا حتى عن التقاط أنفاسه، بينما كانت عيناه معلقتين بالباب الذي اختفت خلفه رهف.وكأن جزءًا منه قد انغلق معها في تلك الغرفة، ولم يعد قادرًا على الوصول إليه مهما حاول، أما يده التي ارتفعت قبل دقائق لتصفعها فما زالت متدلية إلى جوار جسده بثقل غريب، حتى خُيل إليه أنها لم تعد تنتمي إليه، وأنها يد رجل آخر لا يعرفه، رجلٍ لطالما احتقره كثيرًا.تراجع ببطء وكأن الأرض أصبحت تميد تحت قدميه، حتى اصطدمت ساقاه بحافة الأريكة، فسقط فوقها جالسًا دون أن يحاول حتى الاتزان.بينما انحنى بجسده إلى الأمام، وأسند مرفقيه فوق ركبتيه، ثم دفن وجهه بين كفيه، في محاولة يائسة للهروب من الحقيقة التي كانت تطارده بلا رحمة.ما الذي يحدث له؟كان السؤال يتردد داخل رأسه بإلحاح، حتى شعر بأنه يكاد يسمعه بصوت مرتفع.كيف وصلت الأمور إلى هذه النهاية؟وكيف انهار كل شيء بهذه السرعة، بعد أن كان يظن أنه بدأ أخيرًا يقترب منها، وأن الجدار الذي بنته حول نفسها بدأ يتصدع تدريجيًا؟رفع رأسه قليلًا، ثم أطلق زفرة طويلة خرجت مثقلة بالخذلان، بينما عادت تفاصيل ما حدث تمر أمام عينيه كأنها تُعرض
اقرأ المزيد
السابق
1
...
131415161718
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status