All Chapters of بين قلبه وسلاحه: Chapter 181 - Chapter 190

214 Chapters

الفصل 181

وفي تلك اللحظة، شعر جاسر وكأن الأرض تميد تحت قدميه، فلم يعد يسمع شيئًا من الأصوات المحيطة به، ولم يعد يرى أمام عينيه سوى كلمات مدحت التي أخذت تتردد داخل رأسه بلا توقف. بينما تزاحمت الأسئلة بصورة جنونية في عقله؛ كيف عرف مكان الشقة؟ ومن الذي أوصله إليها؟ وهل وصل إليها بالفعل أم أنه يحاول فقط خداعه؟ وإذا كان يكذب، فكيف تمكن من معرفة عنوان المنزل؟ حتى شعر بأن أفكاره تتصادم مع بعضها بصورة أربكت قدرته على التفكير، بينما أخذ قلبه يخفق بعنف لم يعهده في نفسه من قبل. ورغم كل ذلك، حاول أن يتمسك بخيط رفيع من الأمل، فأخرج هاتفًا آخر كان بحوزته وضغط بسرعة على اسم رهف، من دون أن ينهي المكالمة مع مدحت، ثم رفع الهاتف إلى أذنه وهو ينتظر الرد بلهفة. لكن الرنين تكرر مرة تلو الأخرى، أولًا ثم ثانية ثم ثالثة، دون أن يجيبه أحد، فاتسعت عيناه أكثر، وأعاد الاتصال مرة أخرى، ثم ثالثة، وفي كل مرة كان يسمع الرنين ينتهي بصمت قاتل. حتى بدأت أنفاسه تتسارع بصورة لا إرادية، وشعر للمرة الأولى منذ سنوات طويلة بأن الخوف يشل قدرته على التفكير. أما في الطرف الآخر، فقد ظل مدحت ينصت إلى كل ما يحدث في صمت، قبل أن يطلق ضح
Read more

الفصل 182

لم يمنح جاسر نفسه فرصة للتفكير طويلًا، ولم يسمح لعاصفة الأسئلة التي كانت تعصف بعقله أن تشل حركته. فقد كان يدرك أن كل ثانية يقضيها في التردد قد تكون ثمنًا لحياة رهف، لذلك عاد إلى زملائه بخطوات ثابتة أخفى خلفها اضطرابه الهائل. ثم قال بنبرة حاول أن يجعلها طبيعية قدر استطاعته إن أمرًا طارئًا يستدعي مغادرته فورًا. ولم ينتظر أسئلة أو استفسارات، بل التقط مفاتيح سيارته وغادر المكان بسرعة، تاركًا خلفه فريق التحقيق الذي لم يكن يعلم أن قائدهم أصبح فجأة أمام أخطر اختبار في حياته. وما إن جلس خلف المقود حتى أدار المحرك بعجلة، فانطلقت السيارة تشق الطريق بسرعة كبيرة، بينما كانت عيناه تتنقلان بين الطريق وشاشة الهاتف التي ما زالت تعرض العنوان الذي أرسله مدحت. وكان قلبه يخفق بعنف حتى كاد يسمع صدى نبضاته داخل أذنيه، أما عقله فلم يتوقف عن تحليل كل احتمال ممكن. هل كان مدحت صادقًا؟ هل وقعت رهف بالفعل بين يديه؟ أم أن الأمر كله مجرد فخ لإبعاده عن التحقيق وإخراجه من اللعبة؟ لكن صورة رهف، وصوت الهاتف الذي ظل يرن دون إجابة، وكلمات مدحت الباردة، كانت كافية لتقتل أي محاولة منه لإقناع نفسه بأن الأمر مجرد خ
Read more

الفصل 183

رفعت رهف رأسها بسرعة، ونظرت من النافذة تنتظر أن ترى مبنى المستشفى أو سيارات الإسعاف أو حتى أضواء الطوارئ، لكنها لم تجد شيئًا من ذلك. لم يكن أمامها سوى مبنى ضخم، تغطي جدرانه آثار الزمن، وقد تحطمت نوافذه في أكثر من موضع. بينما كانت بوابته الحديدية الصدئة نصف مفتوحة، وكأنها لم تُستخدم منذ سنوات طويلة. أما المكان بأكمله فكان أشبه بمصنع مهجور ابتلعته العزلة، فلا حركة، ولا أصوات، ولا أي علامة تدل على وجود مستشفى أو حتى بشر. بدأ الرعب يتسلل إلى قلبها ببطء، وشعرت بأن أنفاسها أصبحت أثقل، ثم التفتت إلى خالد وقالت بصوت امتزج فيه الخوف بالحيرة: "ما هذا المكان؟" لم يجبها. ازدادت ضربات قلبها، فنظرت إليه مرة أخرى، وقد ارتجفت شفتاها وهي تقول: "أين نحن؟ هذه ليست مستشفى..." وفي تلك اللحظة، حدث ما لم تكن تتوقعه أبدًا. اختفت الابتسامة التي اعتادت رؤيتها على وجه خالد طوال الطريق، وتحولت ملامحه فجأة إلى برود مخيف. حتى إن عينيه بدتا خاليتين من أي تعبير، وكأن الشخص الذي كان يجلس بجوارها قبل دقائق قد اختفى تمامًا، وحل محله رجل آخر لا تعرفه. أدار رأسه نحوها ببطء، ثم قال بصوت جامد لا يحمل ذرة رحمة: "
Read more

الفصل 184

ساد المكان صمت ثقيل خانق، حتى بدا وكأن الزمن نفسه قد توقف عن الحركة لعدة لحظات. ولم يعد يُسمع في أرجاء المصنع المهجور سوى صوت أنفاس رهف المتقطعة وهي تحاول عبثًا استيعاب الكابوس الذي وجدت نفسها فجأة في قلبه، بينما كانت ركبتاها ترتجفان بعنف من شدة الرعب، ودموعها تنساب على وجنتيها دون أن تشعر بها، وكأن جسدها فقد القدرة على الاستجابة لأي شيء سوى الخوف. في حين بقي مدحت واقفًا أمامها يحدق إليها بابتسامته الباردة التي كانت أشد رعبًا من أي تهديد يمكن أن ينطقه، إذ لم تكن مجرد ابتسامة عابرة. بل كانت ابتسامة رجل استمتع طويلًا بالتخطيط لهذه اللحظة، وانتظرها بصبر وثقة حتى وقعت فريسته بين يديه دون أن تمتلك فرصة حقيقية للهروب أو حتى للمقاومة. أطلق ضحكة منخفضة خرجت من أعماق صدره، فارتد صداها بين الجدران الخرسانية للمصنع المهجور بطريقة زادت المكان رهبةً. ثم بدأ يتقدم نحوها بخطوات بطيئة ومدروسة، وكأن كل خطوة كان يقصد بها أن يغرس المزيد من الرعب في قلبها، حتى توقف على بعد خطوات قليلة منها. وأمال رأسه قليلًا وهو يتأمل ملامحها المرتعبة بعينين امتلأتا بالشماتة، قبل أن يقول بصوت هادئ يخفي خلفه سخرية ل
Read more

الفصل 185

كان جاسر يقف هناك وأنفاسه متلاحقة من شدة الركض، وعيناه تتحركان بسرعة بين الوجوه، لا تبحثان إلا عن شخص واحد. رهف. وما إن وقعت عيناه عليها حتى شعر وكأن الهواء عاد يملأ رئتيه من جديد، فقد كانت تقف أمامه تبكي، لكنها ما زالت على قيد الحياة، وذلك وحده كان كافيًا ليمنحه قوة جديدة. أما رهف، فما إن وقع بصرها عليه حتى انفجر صوتها بالصراخ دون أن تستطيع السيطرة على نفسها، وكأنها رأت طوق النجاة وسط بحر هائج، أو نافذة أمل وسط ظلام كاد يبتلعها بالكامل. نزعت ذراعها بعنف من قبضة خالد، غير عابئة بالألم الذي مزقها، ثم اندفعت تركض بأقصى ما تملك من قوة، والدموع تحجب رؤيتها، وهي تصرخ باسمه بصوت اختلط فيه الرجاء بالخوف والانهيار: "فهد!" كان صوتها وحده كافيًا ليقبض على قلبه بعنف، ففتح ذراعيه قبل أن تصل إليه. وما إن ارتمت بينهما حتى ضمها إليه بكل ما أوتي من قوة، وكأنه يخشى أن تُنتزع منه مرة أخرى إذا تراخت قبضته ولو للحظة. بينما أخذت هي تبكي بحرقة وهي تدفن وجهها في صدره، بعد أن انهارت كل القوة التي تشبثت بها منذ بداية ذلك الكابوس. أغمض جاسر عينيه لثوانٍ وهو يضمها إليه، ثم همس بالقرب من أذنها بصوت خافت
Read more

الفصل 186

استغلَّ مدحت لحظة الصمت التي هبطت على المكان كما لو أنها كانت الفرصة التي ظل ينتظرها منذ وقت طويل. فلم يتعجل في النطق بكلمة واحدة، بل ترك السكون يتمدد بينه وبين رهف، وترك نظراته تستقر على ملامحها التي أخذت تتغير شيئًا فشيئًا. بينما كان يتأمل ذلك الشرخ الخفي الذي بدأ يتسع داخل روحها. كان يعرف، بخبرة رجل قضى عمره يتلاعب بالناس، أن الرصاص لا يفعل أكثر من إنهاء الجسد. أما الحقيقة، حين تُلقى في اللحظة الأكثر إيلامًا، فإنها تمتلك قدرة مرعبة على تحطيم الإنسان من الداخل، لتتركه حيًّا من الخارج، لكنه ميت من الداخل، عاجزًا عن ترميم ما تهدم في قلبه. سحب نفسًا عميقًا ملأ به صدره، ثم مال برأسه قليلًا، وقد ارتسمت على شفتيه ابتسامة باردة تخلو من أي رحمة. وقال بصوت هادئ، لكنه كان يحمل بين نبراته قدرًا من السخرية والثقة جعل كلماته تبدو أشد قسوة من أي صراخ: "ألم أقل لكِ يومًا يا رهف إن مشكلتكِ أنكِ تثقين بالناس بسرعة... وإن قلبكِ يسبق عقلكِ دائمًا؟" ترددت عباراته في المكان الخالي، حتى بدا وكأن المكان كله يعيد تكرارها، فيضاعف وقعها على روح رهف، التي بقيت تحدق إليه بعينين غارقتين في الحيرة، تحاول
Read more

الفصل 187

كانت الجمل تتساقط فوق رهف كالمطارق الثقيلة، وكل حقيقة تسمعها كانت تشعر معها وكأن جزءًا جديدًا من قلبها يتحطم. لا... هذا مستحيل. كيف يمكن لكل ما عاشته أن يكون مجرد جزء من مهمة؟ كيف يمكن أن تكون كل ابتسامة، وكل كلمة، وكل لحظة شعرت فيها بالأمان، وكل مرة شعرت فيها بأن قلبها يخفق بقربه... مجرد أدوار أتقن أداءها؟ حاول عقلها أن يقاوم، وأن يقنعها بأن مدحت يكذب كعادته، وأنه يحاول تمزيقها نفسيًا قبل أي شيء آخر. لكنها مهما حاولت، لم تستطع تجاهل الحقيقة الوحيدة التي عرفتها قبل دقائق، وهي أن فهد لم يكن فهد أصلًا، وأن الرجل الذي سلمته قلبها أخفى عنها هويته طوال هذا الوقت. ابتسم مدحت عندما رأى التردد يملأ عينيها، ثم قال بصوت أكثر هدوءًا، وكأنه يهمس بسر لا يعرفه سواهما: "لكن هل تعلمين ما أجمل جزء في الحكاية؟" توقف لحظة قصيرة، متعمدًا أن يترك فضولها وخوفها يزدادان، ثم أردف: "أنه حتى هجوم السيارة قبل مجيئه لم يكن صدفة." في تلك اللحظة، ارتجف جسد رهف كله، وشعرت بقشعريرة باردة تسري في أوصالها. أما جاسر، فقد تغيرت ملامحه فجأة، وصاح بحدة لم تستطع إخفاء توتره: "مدحت... اصمت." لكن الأخير انفجر ض
Read more

الفصل 188

بدأت رهف تتراجع ببطء، تهز رأسها بعنف، وكأنها ترفض الاعتراف بما تسمعه، ثم رفعت عينيها نحو جاسر، ولم يبق فيهما سوى رجاء أخير، رجاء امرأة تتمنى أن يكذب الجميع إلا الرجل الذي أحبته. قالت بصوت مرتجف يكاد يختنق بين شهقاتها: "قل لي..." توقفت لحظة وهي تبتلع غصتها بصعوبة، ثم همست: "هل ما يقوله صحيح؟" شعر جاسر وكأن السؤال اخترق صدره مباشرة. احمرت عيناه، وتحرك نحوها خطوة وهو يقول بصوت مبحوح: "رهف... اسمعيني، الحقيقة ليست كما يصورها..." لكنها رفعت يدها بسرعة، توقفه قبل أن يقترب أكثر. ثم تراجعت خطوة أخرى. كانت تحدق إليه كما لو أنها تراه لأول مرة، وكأن الرجل الذي أحبته اختفى فجأة، ولم يبق أمامها سوى غريب يحمل وجهه وصوته. خرج صوتها مكسورًا، ممتلئًا بالخذلان: "إذًا... كل شيء كان كذبة." هز رأسه بعنف. "لا..." لكنها لم تمنحه فرصة. "أنت لم تكن تحميني ولم تكن تهتم لأمري كما كنت تدّعي" ثم انكسرت نبرتها تمامًا وهي تكمل: "بل كنت تستغلني فحسب." أغمض جاسر عينيه للحظة، وشعر أن كل كلمة تخرج منها كانت أشد ألمًا من أي رصاصة واجهها في حياته. أما هي، فقد أطلقت ضحكة قصيرة مرتجفة، لم تحمل سخرية منه بق
Read more

الفصل 189

لم تعرف رهف كم من الوقت ظلت واقفة في مكانها دون أن تتحرك، فقد كان الزمن بالنسبة إليها قد فقد معناه تمامًا، وكأن عقارب الساعة توقفت عن الدوران في اللحظة التي وقفت فيها بين مدحت وجاسر. فلم تعد قادرة على معرفة إن كانت تلك الدقائق القليلة قد مرت فعلًا أم أنها امتدت داخل رأسها حتى تحولت إلى عمر كامل، عمر لا تستطيع أن تحدد له بداية واضحة أو نهاية يمكنها أن تتشبث بها. بينما راحت عيناها تنتقلان بين الرجلين في حيرة مؤلمة، وكأنها تبحث في وجهيهما عن إجابة تنقذها من الفوضى التي اجتاحت عقلها، في الوقت الذي كانت فيه عشرات الأفكار تتصارع داخل رأسها بصورة جعلتها عاجزة حتى عن ترتيبها أو التمييز بين ما هو حقيقي منها وما هو مجرد خوف ولدته الصدمة. كان عقلها يرفض أن يستوعب ما حدث، أو ربما كان قلبها هو الذي يرفض ذلك. لأنها قبل دقائق قليلة فقط كانت تعتقد أن الرجل الذي أحبته طوال الوقت لم يكن سوى فهد، الحارس الشخصي الذي ظهر في حياتها في أكثر لحظاتها ضعفًا، والذي منحها شعورًا بالأمان حين كانت تشعر أن العالم كله يتآمر عليها. ثم اكتشفت فجأة أن اسمه الحقيقي جاسر، وأنه ضابط مخابرات اقترب منها في البداية بسبب
Read more

الفصل 190

في البداية لم تفهم رهف الجملة، فقد مرت الكلمات أمامها وكأنها قيلت بلغة لا تعرفها. ثم عادت إلى عقلها بعد ثوانٍ قليلة واستقرت هناك كشيء غريب لا ينتمي إلى أي ذكرى تعرفها، وكأن عقلها احتاج إلى بعض الوقت حتى يدرك المعنى الحقيقي لما سمعته. قتل والدتها؟ تجمدت ملامحها تمامًا، ولم ترمش حتى، ثم اتسعت عيناها فجأة وهي تنظر إلى جاسر، قبل أن يخرج صوتها ضعيفًا ومرتبكًا: "ماذا...؟" لم يجبها أحد. ظلت تحدق في جاسر وكأنها تنتظر منه أن يتراجع، أن يقول إنه أخطأ، أو أن يعتذر عن الكلمة التي خرجت منه في لحظة انفعال. لكن جاسر بقي صامتًا، وكأن الحقيقة أصبحت أثقل من أن يسمح لنفسه بالتراجع عنها. هزت رهف رأسها ببطء، وقالت وهي تحاول أن تستوعب ما سمعته: "ماذا قلت؟" تلعثمت أنفاسها، ثم خرج صوتها أعلى قليلًا وهي تقول: "أنت قلت... إنه قتل والدتي؟" هذه المرة لم تكن تنظر إلى جاسر وحده، بل انتقلت عيناها ببطء إلى مدحت، وكانت الصدمة الأكبر أنها رأت شيئًا خاطفًا في وجهه، تغيرًا صغيرًا جدًا لم يستمر سوى ثانية واحدة. لكنه كان واضحًا بما يكفي لعيني امرأة أصبحت تبحث عن الحقيقة في كل حركة وكل نظرة. فقد اختفت ابتسامته
Read more
PREV
1
...
171819202122
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status