All Chapters of بين قلبه وسلاحه: Chapter 191 - Chapter 200

214 Chapters

الفصل 191

رد جاسر: "عرفت أنها عرفت شيئًا عن أعماله." صمت قليلًا قبل أن يضيف: "وعرفت أنها طلبت الطلاق منه." ارتعشت عينا رهف، لأن تلك المعلومة لم تكن تعرفها، ولم تسمع بها من قبل. فقد كانت والدتها في ذاكرتها امرأة هادئة عاشت سنواتها الأخيرة وهي تحاول أن تخفي عنها الكثير من التفاصيل، وكانت دائمًا تقول إن الخلافات بين الزوجين أمر طبيعي، وإن بعض الأشياء لا ينبغي أن تعرفها الابنة حتى لو كبرت. لكن الآن، وفي هذه اللحظة تحديدًا، بدأت الصورة القديمة تتغير أمام عينيها، وبدأت تفاصيل صغيرة كانت قد تجاهلتها طوال سنوات تكتسب معاني جديدة. قالت بصوت خافت: "لماذا؟" ثم أضافت: "لماذا طلبت الطلاق؟" نظر إليها جاسر طويلًا، وكأنه يتمنى لو يستطيع أن يحميها من الحقيقة، لكنه أدرك أن الوقت لم يعد يسمح له بذلك، فقال: "لأنها اكتشفت كيف كان يعاملكِ." هزت رهف رأسها ببطء. ثم تابع جاسر: "وعرفت أنه متورط في أشياء خطيرة، وعندما بدأت تخاف على نفسها وعليكِ، قررت أن تنهي علاقتها به، وأن تأخذكِ معها بعيدًا عنه." اتسعت عينا رهف. "أنا؟" أومأ جاسر. "نعم." ثم أكمل بصوت خافت: "كانت تخطط لأن تأخذكِ وتهرب." ساد الصمت بين الثلا
Read more

الفصل 192

أما جاسر، فقد بقي واقفًا في مكانه عاجزًا عن الاقتراب منها. لأنه أدرك أن رهف لم تكن تحتاج الآن إلى رجل ينقذها، ولا إلى ذراع تتشبث بها، ولا إلى كلمات حب تعيد إليها توازنها. بل كانت تحتاج إلى مساحة تستطيع فيها أن تستوعب أن العالم الذي عاشت فيه طوال هذه السنوات لم يكن سوى كذبة كبيرة، وأن الشخص الذي كان يعيش معها تحت سقف واحد يحمل في داخله سرًا قادرًا على تحطيم كل شيء. تذكرت والدتها، وتذكرت يديها الدافئتين، وصوتها الذي ما زال عالقًا في ذاكرتها رغم مرور السنوات، ورائحتها، والطريقة التي كانت تناديها بها عندما كانت طفلة. وتذكرت آخر مرة رأتها فيها، وتذكرت كيف بكت يوم ماتت، وكيف أخبرها الجميع أن المرض كان السبب. وكيف قضت شهورًا طويلة تحاول أن تتقبل فقدانها وتتعلم كيف تعيش من دونها، وهي تظن أن الموت أخذها منها بصورة طبيعية، وأنها لم تكن تملك سوى الاستسلام للأمر الواقع. لكنها الآن عرفت أن الموت لم يأخذها. بل مدحت هو من أخذها. والأسوأ من ذلك كله أنها كانت طوال هذه السنوات تعيش بالقرب من قاتلها. رفعت رهف يديها إلى رأسها، وشدت شعرها بأصابع مرتجفة، بينما خرج صوتها محطمًا وهي تردد: "لماذا؟"
Read more

الفصل 193

وفي خضم ذلك الخراب الهائل الذي اجتاح عقل رهف وقلبها معًا، وبينما كانت واقفة في مكانها عاجزة عن استيعاب الحقيقة التي انكشفت أمامها دفعة واحدة. اقترب منها جاسر ببطء شديد، وكأنه يخشى أن تؤدي أي حركة مفاجئة منه إلى دفعها بعيدًا عنه. فقد اختفى من عينيه ذلك الحزم الذي اعتادت أن تراه فيه كلما كان يؤدي عمله، وتلاشت من صوته تلك الثقة الصلبة التي كانت تمنحه القدرة على مواجهة أصعب المواقف دون أن يتردد. ولم يبقَ أمامها سوى رجل بدا أكثر إنسانية مما رأته فيه من قبل، رجل يحمل في عينيه شيئًا يشبه الرجاء، وكأن جاسر، الذي واجه أخطر المواقف دون أن تهتز له شعرة، أصبح في هذه اللحظة بالذات عاجزًا أمام امرأة واحدة يخشى فقدانها أكثر مما يخشى فقدان حياته. توقف أمامها على مسافة قريبة، ثم مد يده نحوها دون أن يحاول لمسها، وكأنه يمنحها المساحة الكافية لتقرر بنفسها إن كانت ستقترب منه أم ستبقى حيث هي، وقال بصوت هادئ حاول جاهدًا أن يخفي الاضطراب المختبئ خلف كلماته: "تعالي معي يا رهف... أعلم أن كل شيء انقلب رأسًا على عقب، وأعلم أنكِ الآن مشتتة تمامًا ولا تعرفين ماذا تصدقين وماذا تكذبين، لكن ما إن نخرج من هنا سأج
Read more

الفصل 194

وفجأة، وفي قلب ذلك السكون المشحون الذي بدا وكأنه يسبق عاصفة لا يعرف أحد متى ستنفجر. وصل إلى مسامعهم صوت بعيد وخافت في البداية، قبل أن يزداد وضوحًا شيئًا فشيئًا، حتى أصبح بالإمكان تمييز هدير محركات سيارات تشق الطريق الصحراوي بسرعة، ويتردد صداها بين المساحات المفتوحة المحيطة بالمكان. رفع جاسر رأسه فورًا، وتغيرت ملامحه في لحظة واحدة. لأنه لم يكن بحاجة إلى وقت طويل ليدرك أن ذلك الصوت لم يكن عابرًا، وأن السيارات التي تقترب لم تكن تمر من هناك مصادفة. التفت خالد نحو الطريق وحدق في الظلام لثوانٍ طويلة، قبل أن يتغير لون وجهه فجأة، وقال بصوت خرج منه مذعورًا: "لا..." توقفت الأنفاس في المكان، ثم أضاف وهو يراقب الأضواء البعيدة التي بدأت تقترب بسرعة متزايدة: "يبدو أنه أبلغ رفاقه قبل المجيء... هكذا كل شيء سيتدمر." التفت مدحت إليه بعنف، وقال: "ماذا تقول؟" لكن خالد لم يجبه، فقد بدا وكأنه أدرك في تلك اللحظة أن الوضع خرج من أيدي الجميع. وأن الأشخاص القادمين لن يمنحوا أحدًا فرصة للتفاوض أو الكلام، وأن وجودهم يعني أن كل خطته ستنكشف وسيخسر كل شيء. وفي اللحظة التالية، أخرج خالد سلاحه فجأة. وكان مج
Read more

الفصل 195

توالت الطلقات بصورة جنونية، وتردد صدى الرصاص في الصحراء. بينما اندفع الرجال إلى الاحتماء خلف السيارات والأعمدة والجدران القريبة. وتحول المكان خلال لحظات إلى فوضى من الصراخ والحركة والدخان، واختلطت أصوات الأوامر بالطلقات، وأصبح من المستحيل تقريبًا معرفة ما يحدث في أي جهة. صرخت رهف وهي تضع يديها على أذنيها، لكن صوت الرصاص كان أقوى من قدرتها على حجبه، وكلما حاولت أن تلتقط أنفاسها، كانت طلقة جديدة تجعل جسدها ينتفض من الخوف. أما مدحت، فكان أول من اندفع بعيدًا عن المواجهة، يبحث عن مكان يختبئ فيه بعدما أدرك أن البقاء في المنتصف يعني الموت. فركض باتجاه أحد الجوانب، وتبعه بعض رجاله، بينما بدأ آخرون في إطلاق النار لتأمين طريق هروبه. لكن جاسر لم يفكر في مدحت. لم يفكر في القبض عليه. ولم يفكر في المهمة التي جاء من أجلها. كل ما رآه في تلك اللحظة كان رهف. كانت واقفة وسط الفوضى، ترتجف، وعيناها مغرورقتان بالدموع، غير قادرة على فهم ما يحدث أو حتى تحديد الاتجاه الذي يجب أن تتحرك نحوه، وكأن الخوف شل قدرتها على اتخاذ أي قرار. اندفع إليها جاسر بسرعة. "رهف!" لم تستجب. أمسك بذراعها وجذبها نحوه
Read more

الفصل 196

ارتجفت شفتاها، وكانت تريد أن تصرخ في وجهه بأنه كاذب، وأنه لم يعد يحق له أن يطلب منها الثقة، وأنه خدعها منذ البداية، وأنه لا يختلف كثيرًا عن مدحت، الذي عاش عمرًا كاملًا يخفي عنها الحقيقة. لكنها لم تستطع إخراج الكلمات، لأن جزءًا صغيرًا داخلها، جزءًا لم تستطع قتله رغم كل ما حدث، كان لا يزال يصدق أنه يعني ما يقول. وفجأة، اقترب أحد رجال مدحت من الجهة الأخرى، فرفع جاسر سلاحه وأطلق النار لإبعاده، ثم عاد إليها بسرعة وقال: "هل أنتِ بخير؟" أومأت برأسها بصعوبة، بينما ظل ينظر إلى عينيها، فرأى الدموع التي لم تتوقف منذ اكتشفت الحقيقة، ومد يده إليها ومسح بإبهامه دمعة سقطت على خدها، لكنه لم يقل شيئًا، وكأن كل الكلمات أصبحت عاجزة أمام ما يحدث. تجمدت رهف للحظة. كانت تلك اللمسة مألوفة، قديمة، تشبه آلاف اللحظات التي عاشتها معه حين كانت تظنه فهد. وهنا شعرت بالخوف من نفسها أكثر من خوفها من الرصاص، لأنها رغم كل شيء، لم تستطع أن تمنع قلبها من تذكر ذلك الأمان الذي شعرت به معه. تذكرت كيف كان يقف بجوارها عندما تخاف، وكيف كان يعرف متى تحتاج إلى الصمت ومتى تحتاج إلى كلمة، وكيف كان ينظر إليها، وكيف كانت تشع
Read more

الفصل 197

لم يكن مدحت قد ابتعد كما ظن الجميع، وإنما كان قد استغل الفوضى التي أحدثها تبادل إطلاق النار ليتسلل من بين الصناديق والحواجز في صمت شديد.متحركًا بحذر رجل يعرف جيدًا أن أي حركة خاطئة قد تودي بحياته، حتى أصبح على مسافة قريبة جدًا من جاسر ورهف دون أن يلحظ وجوده أحد.فقد كان الجميع منشغلين بالاشتباك الدائر من حولهم، بينما ظل هو يراقب المشهد بعينين باردتين لا تحملان ذرة من التردد، باحثًا عن اللحظة المناسبة التي يستطيع فيها أن ينهي كل شيء بضغطة واحدة على الزناد، ويضع حدًا لكل ما خرج عن سيطرته خلال الساعات الماضية.توقف مدحت خلف إحدى الصناديق الكبيرة، وانحنى قليلًا بحيث لا يظهر منه سوى الجزء الذي يحتاج إليه، ثم رفع سلاحه ببطء شديد، ووجه فوهته مباشرة نحو رهف.كانت عيناه تحملان ذلك التصميم القاسي الذي لا يترك مجالًا للتراجع أو الرحمة، فقد لم يعد يراها مجرد وسيلة للوصول إلى جاسر، ولا ورقة يمكن استخدامها في المساومة أو الضغط.وإنما أصبحت في نظره الخطر الأكبر الذي يجب التخلص منه قبل أن تفلت الخيوط من بين يديه بصورة نهائية.وفي تلك اللحظة، كان جاسر يقف إلى جوار رهف، ممسكًا بذراعها بإحدى يديه، بينم
Read more

الفصل 198

كان وجه جاسر جامدًا بصورة مخيفة، وعيناه نصف مغمضتين، وملامحه محمرة من شدة الألم الذي اجتاح جسده.بينما بدا وكأنه يحاول مقاومة شيء أكبر من قدرته على الاحتمال، شيء كان يسحب منه قوته تدريجيًا دون أن يمنحه فرصة للمقاومة.فتحت رهف فمها، لكنها لم تستطع أن تنطق في البداية، وكأن الكلمات نفسها رفضت الخروج من حلقها، ثم همست أخيرًا بصوت مرتجف:"جاسر...؟"لم يجبها.وفي اللحظة التالية تراخت ذراعاه من حولها، وبدأ جسده يفقد قوته تدريجيًا.ثم مال نحوها وسقط بين ذراعيها ببطء، وكأن جسده لم يعد قادرًا على الوقوف لحظة أخرى، وكأن القوة التي أبقته واقفًا حتى تلك اللحظة قد استنفدت آخر ذرة منها.وخلفه مباشرة ظهر مدحت، ممسكًا بسلاحه، وكانت ملامحه جامدة وخالية من أي رحمة.وكأن ما حدث أمامه لم يكن أكثر من خطوة ضرورية للتخلص من آخر عقبة تقف في طريقه.إلا أن رهف لم ترَ مدحت، ولم ترَ السلاح، ولم ترَ الرجال الذين كانوا يركضون من حولها، ولم يعد يصل إلى وعيها من كل ذلك المشهد سوى صورة واحدة؛ جاسر وهو يسقط بين ذراعيها."جاسر!"خرجت صرختها مدوية وحادة وممزقة، حتى بدت وكأنها شقت الضجيج كله، ثم سقطت معه على الأرض دون أن
Read more

الفصل 199

كانت الرصاصات لا تزال تنطلق من حولها، وكان الرجال يتبادلون إطلاق النار، وكان مدحت يقف على بعد خطوات منها، يرفع سلاحه من جديد، مستعدًا لإنهاء ما بدأه.لكنها لم تعد ترى أيًا من ذلك، ولم تعد تهتم بالرصاص أو بمدحت أو حتى بحياتها.فقد اختصر العالم كله بالنسبة إليها في ذلك الرجل المستلقي أمامها، الرجل الذي تلقى الرصاصة بدلًا منها، والذي أصبح الآن بين الحياة والموت أمام عينيها.انحنت عليه وأحاطت رأسه بذراعيها، ثم صرخت بكل ما بقي في صوتها من قوة:"لا جاسر... أفق أرجوك! فليساعدني أحد!"لكن مدحت كان قد بدأ يقترب منها، خطوة تلو الأخرى، متقدمًا بحذر وهو يريد أن يتأكد من أن الرصاصة فعلت ما أراده، وأن الرجل الذي ظل يطارده ويهدد إمبراطوريته قد خرج أخيرًا من المعادلة.وأن رهف التي أصبحت تعرف أكثر مما ينبغي، لن تبقى على قيد الحياة لتخبر أحدًا بما تعرفه.رفع سلاحه مرة أخرى واقترب أكثر، بينما كانت رهف منشغلة تمامًا بجاسر، حتى إنها لم تعد تلتفت إلى الخطر الذي يقترب منها، ولم تكن تدري أن الموت الذي حاول جاسر إبعادها عنه لا يزال على بعد خطوات قليلة فقط.لكن صرختها وصلت إلى الشخص الوحيد الذي كان يستطيع تغيي
Read more

الفصل 200

وفي الجهة الأخرى، لم يكن مدحت يدرك، وهو يتراجع بين السيارات محاولًا استغلال حالة الفوضى التي اجتاحت المصنع من أجل شق طريق يهرب من خلاله، أن المسار الذي اختاره للفرار كان قد أُغلق قبل وقت طويل. وأن الرجال الذين كان يعتقد أنهم يلاحقونه من الجهة الأمامية لم يكونوا في الحقيقة سوى جزء من خطة أمنية محكمة أُعدت بعناية لإغلاق جميع المنافذ المحيطة به ومنعه من الوصول إلى أي طريق يمكن أن يقوده إلى الخارج. ولذلك، فما إن لمح باب المصنع الخلفي من مسافة بعيدة حتى شعر للمرة الأولى منذ بداية المواجهة بأن النجاة أصبحت قريبة منه، فاندفع نحوه بأقصى ما يستطيع من سرعة، متجاهلًا الألم الحاد الذي كان يمزق ذراعه المصابة مع كل حركة. بينما ظلت أصوات الرصاص تتردد خلفه في أرجاء المكان، مختلطة بصيحات رجاله واستغاثاتهم وبالأوامر التي كان الضباط يطلقونها، فضلًا عن الضجيج المتواصل للسيارات التي أحاطت بالمصنع وأغلقت محيطه بالكامل. كان مدحت يعرف باب المصنع الخلفي جيدًا، فقد كان يقع في نهاية ممر ضيق تحيط به جدران إسمنتية مرتفعة، وكان قد استخدم هذا المكان مرات كثيرة في الماضي لإدخال شحنات وإخراج أخرى لم يكن يريد لأحد
Read more
PREV
1
...
171819202122
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status