All Chapters of بين قلبه وسلاحه: Chapter 201 - Chapter 210

214 Chapters

الفصل 201

تغيرت نظرة مدحت للحظة، وكأن الجملة الأخيرة فتحت في ذهنه بابًا ظل مغلقًا طوال المواجهة. فقد كان يعلم أن رجال الأمن أتيحت لهم أكثر من فرصة لقتله أثناء الاشتباك، وكان يعرف أن بعض الرصاصات التي أُطلقت باتجاهه كانت قادرة على إنهاء حياته لو كان الهدف هو التخلص منه. لكنه لم يفهم طوال الوقت سبب تجنبهم إصابته إصابات قاتلة، ولم يفهم لماذا كانوا يضغطون على رجاله ويحاصرونهم دون أن يندفعوا نحوه مباشرة، أما الآن فقد أصبحت الصورة أمامه كاملة. لم تكن غايتهم أن يسقط قتيلًا. كانت غايتهم أن يسقط حيًا. لقد ظلوا يطاردونه لأشهر طويلة، وجمعوا عنه المعلومات خطوة بعد أخرى، وتتبعوا تحركاته، وراقبوا رجاله، ورصدوا شبكاته، وانتظروا اللحظة التي يمكنهم فيها القبض عليه دون أن يمنحوه فرصة لإخفاء الحقائق أو التخلص من الأدلة. لأن مدحت لم يكن بالنسبة إليهم مجرد رجل يقود مجموعة من الخارجين عن القانون، بل كان مفتاحًا يمكن أن يقودهم إلى شبكة أوسع بكثير من الأشخاص الذين يعملون في الخفاء ويتعاونون معه، وإلى جهات ومؤسسات لم يكن من السهل الوصول إليها من دون اعترافاته أو المعلومات التي يمكن أن يقدمها بعد القبض عليه. كانو
Read more

الفصل 202

وفي الداخل، كانت المواجهة تقترب هي الأخرى من نهايتها. فبعد دقائق بدت للجميع وكأنها ساعات طويلة، بدأت حدة إطلاق النار تنخفض تدريجيًا، وسقط معظم رجال مدحت بعد أن تمكنت القوات الأمنية من حسم مواقعهم ومحاصرتهم. بينما اضطر من تبقى منهم إلى إلقاء أسلحتهم والاستسلام بعدما أدركوا أن استمرار المقاومة لم يعد يملك أي معنى سوى زيادة عدد الضحايا. وفي الجهة الأخرى تمكن رجال الأمن من القبض على خالد أيضًا بعدما حاول الاختباء بين المعدات والأنقاض، معتقدًا أن حالة الفوضى ستمنحه فرصة للفرار، لكنه لم يكن يعلم أن جميع مخارج المصنع أصبحت تحت المراقبة وأن أي حركة يقوم بها كانت مرصودة. وحين وصل خبر القبض عليه إلى شوقي، اكتفى بإيماءة قصيرة، ثم قال: "انقلوه مع الآخرين، وسنتولى استجوابه لاحقًا." كانت السيارات تتحرك في كل اتجاه، والرجال يفتشون أرجاء المكان بحثًا عن الأسلحة والأدلة. بينما تولى أفراد آخرون تطويق المصنع ومنع أي شخص من الاقتراب منه. وفي غضون دقائق قليلة تحولت الساحة التي كانت قبل وقت قصير مسرحًا للفوضى وإطلاق النار والموت إلى مكان تسيطر عليه القوات الأمنية بالكامل، وأصبح كل شيء تحت الس
Read more

الفصل 203

وبعد وقت بدا لها وكأنه دهر كامل، وصلت سيارة الإسعاف أخيرًا إلى المستشفى. وما إن توقفت حتى انفتح الباب الخلفي، واندفع المسعفون إلى الخارج وهم يدفعون النقالة بسرعة. بينما لحقت بهم رهف بخطوات متعثرة، وكانت لا تزال ترتدي ملابسها الملطخة بالدماء، ولم تكن تشعر بأي شيء حولها، لا بنظرات الناس إليها، ولا بالأسئلة التي كانت تدور في أذهان العاملين بالمستشفى، ولا حتى بالألم الذي بدأ يظهر في جسدها بعدما بدأت صدمة المواجهة تخف تدريجيًا. كل ما كانت تراه هو جاسر. نقلوه بسرعة إلى الداخل، ثم دخل به الأطباء إلى غرفة العمليات. وقبل أن يُغلق أحدهم الباب خلفه حاولت رهف أن تتبعه، لكنها توقفت عندما أُغلق الباب أمام وجهها. بقيت واقفة في مكانها للحظات وهي تنظر إليه وكأنها لا تستطيع تصديق أن الرجل الذي كان قبل دقائق فقط بين يديها أصبح الآن خلف باب مغلق لا تستطيع عبوره. ثوانٍ مرت. ثم دقيقة. ثم دقيقتان. ولم تعد تعرف كم مضى من الوقت، لأنها كانت تنظر إلى الباب المغلق وكأنها تنتظر أن يفتح في أي لحظة، وأن يخرج منه طبيب بابتسامة مطمئنة يخبرها بأن كل شيء أصبح بخير. لكن شيئًا لم يحدث، وظلت واقفة هناك حتى خانت
Read more

الفصل 204

أجابها بسام دون تردد: "نعم، كما سمعتِ تمامًا." هزت رهف رأسها ببطء، وكأن عقلها كان يحاول استيعاب معنى الكلمات. فتنهد بسام، وأسند ظهره إلى الجدار، ثم نظر إلى باب غرفة العمليات للحظة قبل أن يعود ببصره إليها، وكأنه كان يستمد من ذلك الباب شيئًا من القوة ليقول ما ظل يخفيه طويلًا: "كل ما فعله جاسر طوال الفترة الماضية لم يكن مجرد تنفيذ لمهمة، ولم يكن مجرد محاولة لحمايتكِ لأنكِ جزء من القضية كما تظنين، فقد تجاوز الأمر بالنسبة إليه حدود المهمة منذ وقت طويل، وربما هو نفسه لم يدرك اللحظة التي حدث فيها ذلك، لكنه في كل مرة كان يجد نفسه أمام خيار بين سلامته وسلامتكِ، كان يختاركِ أنتِ دون تردد، وكأن سلامتكِ أصبحت بالنسبة إليه أهم من أي أمر عسكري أو تعليمات أو عواقب يمكن أن يتحملها." شعرت رهف بأن شيئًا ما انقبض داخل صدرها بقوة، حتى إنها وضعت يدها عليه دون أن تشعر، ثم سألت بصوت خافت: "ماذا تقصد؟" أجابها بسام: "أقصد أنه خالف من أجلكِ تعليمات كثيرة، وخاطر بحياته أكثر من مرة حتى يبعد عنكِ رجال مدحت، وكان في كل مرة يجد لنفسه مبررًا أمامنا، فيقول إن حمايتكِ ضرورية لاستمرار المهمة وإن أي ضرر يصيبكِ قد
Read more

الفصل 205

بدأت رهف تهز رأسها ببطء، وكأن كل كلمة ينطق بها بسام كانت تعيد أمامها مشاهد قديمة كانت قد فهمتها بطريقة خاطئة، وكأنها للمرة الأولى تعيد قراءة تفاصيل علاقتها بجاسر من زاوية مختلفة تمامًا. تذكرت صمته في بعض المواقف، وتذكرت خوفه المفاجئ عليها في أوقات لم تفهم سبب خوفه فيها، وتذكرت غضبه عندما كانت تحاول الابتعاد عنه. كما تذكرت عدد المرات التي ظهر فيها في المكان المناسب في اللحظة المناسبة، وكأنه كان يعرف خطواتها قبل أن تخطوها، أو كأنه كان يراقبها طوال الوقت دون أن يسمح لها بأن تدرك ذلك. قال بسام بصوت هادئ: "رجاءً يا رهف، لا تلوميه." لم تجبه، وظلت تحدق أمامها والدموع تنساب بصمت على وجهها. فقال مرة أخرى: "ولا تتركيه." عندها انهارت كل مقاومتها دفعة واحدة، وهزت رهف رأسها بعنف، ثم انفجرت في البكاء وهي تضع يديها على وجهها وتقول بين شهقات متقطعة: "كم كنت غبية؟" حاول بسام تهدئتها، لكنها لم تستطع التوقف، فتابعت بصوت محطم: "أنا غبية فعلًا يا بسام." ثم رفعت رأسها، وكانت الدموع تغرق وجهها وتمنعها من رؤية الأشياء بوضوح، وقالت: "كيف فعلت هذا به؟ كيف استطعت أن أقارنه بمدحت أكثر من مرة؟" لم يجب
Read more

الفصل 206

وفي ظل جلوس رهف وبسام في ذلك الممر الطويل الممتد أمام غرفة العمليات، حيث بدا الوقت وكأنه فقد معناه تمامًا، فلم تعد الدقائق تُقاس بمرورها وإنما بثقلها على صدريهما. كانت رهف لا تزال تحدق في الباب المغلق بعينين متعبتين، وكأنها تحاول بنظراتها اختراقه والوصول إلى جاسر الراقد خلفه. بينما كانت أصابعها متشابكة فوق حجرها وترتجف بين لحظة وأخرى كلما سمعت وقع خطوات تقترب من جهة غرفة العمليات، دون أن تعرف هل تتمنى أن يأتي أحد ليخبرها بأن حالته تحسنت، أم أنها تخشى أن تسمع كلمة واحدة قادرة على هدم ما تبقى من قدرتها على التماسك. وكان بسام يجلس إلى جوارها في صمت ثقيل، يراقبها بين حين وآخر دون أن يعرف ما الذي يمكنه قوله لها في لحظة كهذه. فقد أخبرها بكل ما يستطيع، وكرر عليها أن جاسر قوي وأن الأطباء يفعلون كل ما في وسعهم لإنقاذه، إلا أن الكلمات، مهما كانت مطمئنة، تصبح عاجزة أمام خوف حقيقي من فقدان شخص أصبح يعني الكثير، وربما أكثر بكثير مما كانت رهف نفسها قد أدركته قبل أن تجد نفسها جالسة هنا تنتظر مصيره خلف ذلك الباب. وفجأة، اخترق الصمت صوت امرأة حاد، مشبع بالغضب والخوف والألم، حتى بدا وكأنه ارتطم بج
Read more

الفصل 207

مرت الدقائق ببطء شديد، حتى بدا أن الجميع في ذلك الممر قد أصبحوا أسرى لذلك الباب المغلق. حسن يمسك يد زوجته بين الحين والآخر محاولًا تهدئتها. بينما ظلت رهف إلى جانب بسام لا تفعل شيئًا سوى النظر إلى الباب والدعاء في سرها بأن يخرج جاسر منه حيًا، وأن تعود إليه أنفاسه التي توقفت معها أنفاسها منذ اللحظة التي رأته فيها يسقط أمامها. وفجأة، انفتح الباب. خرج الطبيب على عجل، وكان القلق واضحًا على وجهه، وما إن ظهر حتى وقف الجميع في اللحظة نفسها، وكأن أجسادهم تحركت قبل أن تستوعب عقولهم ما يحدث. قال الطبيب بسرعة: "المريض نزف كثيرًا، ويجب أن يحصل على الدم فورًا." ساد صمت قصير، ثم قالت رهف وبسام في اللحظة نفسها: "أنا سأتبرع." التفت الطبيب إليهما، ثم قال: "نحتاج أولًا إلى أخذ عينات وتحليلها للتأكد من التوافق، فلا يمكننا نقل الدم قبل التأكد من مطابقته." أومأ الاثنان، فأشار الطبيب إلى أحد الممرضين، وسرعان ما اصطحبهما إلى غرفة التحاليل. بينما بقيت والدة جاسر تراقبهما وهما يبتعدان، ولم تقل شيئًا، لكنها ظلت تتابع رهف بعينيها حتى اختفت خلف الباب، وكأنها للمرة الأولى تحاول أن تفهم هذه الفتاة التي كا
Read more

الفصل 208

وبعد قليل، بدأت عملية التبرع. استلقت رهف على السرير ومدت ذراعها، بينما جلست الممرضة إلى جانبها وبدأت الإجراءات. وكان بسام واقفًا بالقرب منها، يراقب وجهها الذي بدأ يفقد شيئًا من لونه. فيما حاولت رهف أن تبقي عينيها مفتوحتين وأن تمنع نفسها من التفكير في احتمال أن تكون هذه المرة هي التي تحتاج إلى الإنقاذ بدلًا من جاسر. قالت الممرضة: "إذا شعرتِ بأي دوار أو غثيان، أخبريني فورًا." أومأت رهف وقالت: "حسنًا." وبدأ الدم ينساب ببطء عبر الأنبوب، وكانت رهف تحدق فيه للحظات طويلة. ثم أغمضت عينيها، وكأنها كانت تتخيل أن ذلك الدم في طريقه الآن إلى جاسر، وأن كل قطرة منه تقترب به خطوة أخرى من النجاة، وأن شيئًا يخرج من جسدها في هذه اللحظة ليعود إليه هو، ذلك الرجل الذي وقف أمامها ذات لحظة دون أن يفكر في حياته عندما كان بإمكانه أن يتركها تواجه الخطر وحدها. مرت دقائق. بدأت تشعر ببرودة في أطرافها، ثم بصداع خفيف، وبعدها أصبحت الرؤية أمامها أكثر ضبابية، ففتحت عينيها بصعوبة وقالت: "أيتها الممرضة..." اقتربت منها الممرضة فورًا وقالت: "نعم؟" قالت رهف: "هل يمكن أن تتابعي؟" نظرت الممرضة إلى وجهها بقلق واض
Read more

الفصل 209

جلس حسن إلى جوار زوجته وأمسك يدها، فالتفتت إليه بسرعة وسألته: "كيف حال الفتاة؟" نظر إليها حسن للحظات قبل أن يجيب: "فقدت الوعي." اتسعت عيناها وقالت: "لماذا؟" أجابها: "لأنها تبرعت بالدم لجاسر." خفضت المرأة عينيها ولم تتحدث، بينما تابع حسن بصوت هادئ: "الطبيب حذرها من أن صحتها ضعيفة، وقال لها إن التبرع قد يسبب لها دوارًا أو فقدانًا للوعي، لكنها أصرت، بل وقالت إنها مستعدة لتوقيع إقرار تتحمل فيه المسؤولية إذا حدث لها شيء، وكل ذلك لأنها أرادت أن ينقذوا جاسر بأسرع وقت." ظل الصمت بينهما طويلًا، ثم قال حسن: "أعتقد أنكِ كنتِ قاسية عليها." رفعت زوجته عينيها إليه، لكنها لم تجبه، فتابع: "أنا لا أقول إن خوفكِ على ابننا خطأ، ولا أقول إن ما حدث لجاسر أمر بسيط، لكنكِ رأيتِ بنفسكِ ما فعلته، ولم تفعل ذلك من أجل أن تثبت لنا شيئًا، ولم تطلب منا أن نشكرها، ولم تنتظر حتى يراها جاسر وهي تفعل ذلك، بل فعلته وهو لا يعرف أصلًا أنها تتبرع له." نظرت المرأة إلى باب غرفة العمليات، ثم قالت بصوت خافت: "لكنها السبب في دخوله إلى هذا الخطر." أجاب حسن بهدوء: "ربما كانت جزءًا من السبب، لكن لا تنسي أن جاسر هو من ا
Read more

الفصل 210

مرَّ شهر كامل منذ تلك الليلة التي كادت أن تغيّر كل شيء في حياة رهف وجاسر، شهرٌ بدا لها طويلًا بما يكفي كي تستعيد جراحها شيئًا من عافيتها، وقصيرًا إلى درجة أنها، كلما أغمضت عينيها في لحظة هدوء، كانت تجد نفسها تعود إلى ذلك المشهد ذاته، إلى غرفة المستشفى الباردة التي كان جاسر يرقد فيها شاحب الوجه، محاطًا بالأجهزة والأسلاك. بينما كانت قطرات الدم التي خرجت من جسدها تعبر الأنبوب ببطء في طريقها إلى جسده، وكأن جزءًا منها كان يغادرها ليصل إليه، ثم يعود إليها في صورة حياة جديدة، وكأن الدم الذي حمله جسدها إليه كان يقول ما عجزت الكلمات طوال سنوات عن قوله؛ إن بعض الأشخاص حين يدخلون القلب يصبح إنقاذهم جزءًا من غريزة البقاء ذاتها. وخلال ذلك الشهر، تغيّر الكثير من الأشياء التي كانت تبدو في السابق مستحيلة التغيير، فقد بدأ جاسر يستعيد عافيته تدريجيًا، وعاد إلى حياته خطوةً بعد خطوة، وإن كان الأطباء قد أصروا عليه أن يخفف من ضغط العمل، وأن يمنح جسده الوقت الكافي كي يستعيد قوته كاملة، وألا يتعامل مع نجاته وكأنها نهاية الخطر. بينما استعادت رهف هي الأخرى قوتها بعد أيام طويلة أمضتها تحت المراقبة الطبية. أ
Read more
PREV
1
...
171819202122
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status