جميع فصول : الفصل -الفصل 180

220 فصول

الفصل 171

كان الألم شديدًا، شديدًا حقًا!كم تمنّت لو أن سهيل كان باردًا، أنانيًا، قاسيًا، بل حتى نذلًا.لو كان كذلك، لما كان الرحيل عنه يؤلمها بهذا القدر.احتضنها سهيل، ومرّر يده على ظهرها: "لا تبكي، أنا حقًا لست متعبًا. في كل ما أفعله من أجل حبي لكِ، كل ما أقدّمه هو باختياري ورضاي التام، لا داعي أن تشعري بالذنب أو تلومي نفسكِ. حين أراكِ سعيدة، أشعر أنا أيضًا بالسعادة، وحين أراكِ هانئة، أشعر بهناءٍ حقيقي من أعماقي، أفلا أكون بذلك أُسعد نفسي أيضًا؟"مدّت رهف يدها وطوّقت خصره، ودسّت وجهها المبلل في صدره الدافئ الصلب، فبلّلت دموعها ثيابه، وضمّته بإحكامٍ شديد."شكرًا لك يا سهيل." تمتمت رهف بصوت مختنق من البكاء: "منذ صغري وحتى الآن، حتى والداي لم يحباني بهذا الشكل."انحنى سهيل وقبّل الشعر في أعلى رأسها، وصار صوته الأجش رقيقًا للغاية: "إذًا سأحبكِ هكذا من شبابكِ حتى شيخوختكِ، ما رأيكِ؟"أومأت رهف برأسها، ثم هزّته نافية.تنهّد سهيل بخفة: "حسنًا، توقّفي عن الإيماء برأسك وهزه، اذهبي إلى الغرفة واغتسلي، أما أنا فسأُدوّن أسماء المكونات على هذه العلب وهي لا تزال ساخنة، ثم أضعها في الثلاجة، ليسهل عليكِ الاخت
اقرأ المزيد

الفصل 172

"ثلاثة، اثنان، واحد... إطلاق."على شاشة الهاتف، اندفعت كتلة هائلة من اللهب الأحمر الذهبي بعنف من قاعدة الصاروخ الشامخة، وكأنها بركان مكبوت منذ سنوات انفجر أخيرًا.انطلق بسرعة البرق نحو السماء، وشقّ طريقه إلى الفضاء والكون، ليُنجز مهمته.حين وصل صوت التأكيد "تم انفصال المركبة عن الصاروخ بنجاح" عبر الشاشة، كان المراسلون والحضور في المشهد الإخباري يقفزون فرحًا ويصرخون بحماس.تنفّست رهف بعمق، ولم تستطع كبح مشاعرها، فامتلأت عيناها بالدموع الحارة.هذا هو حلم سهيل العظيم، استكشاف الكون الشاسع وتحقيق إنجازات فيه.وهذا الحلم، لا يمكن تحقيقه بإطلاق صاروخ أو اثنين، فالكون شاسع للغاية، حتى القمر لم يُقهر بعد، وهناك عدد لا يُحصى من الكواكب التي تنتظرهم لاستكشافها.أطفأت رهف شاشة هاتفها، ونزعت سماعاتها، ووضعتها في حقيبتها، ورفعت رأسها لتنظر إلى لوحة إرشادات المترو.لا تزال هناك خمس محطات.استندت بملامح حزينة إلى المقعد البارد، وحدّقت بنظرة باهتة إلى الزجاج المعتم، وكأن انعكاس وجهها المنهك يرتجف في مياه ضبابية متلاطمة.كان قلبها خاويًا ومثقلًا بالفراغ، ومضت في طريقها حتى وصلت إلى السجن.أنهت إجراءات
اقرأ المزيد

الفصل 173

"قبل أن تأتي، كنت أشاهد صاروخ وطننا ينطلق مرة أخرى نحو الفضاء، بلدنا يزداد تقدمًا يومًا بعد يوم، وأنتِ أيضًا يجب أن تزدادي تقدمًا، لا تشغلي بالك بأبيكِ بعد الآن، أبوكِ هنا بخير حقًا، مؤخرًا أعمل بجدّ، وسلوكي جيد، وحصلت على عدة شهادات تقدير، مما قد يخفّف الحكم عني عدة أشهر..."عند سماعها هذا الكلام، انفجرت رهف بالبكاء، أنزلت السماعة، وانحنت على الطاولة، وعضّت معصمها بقوة، حتى لا يزعج بكاؤها أهالي السجناء الآخرين، وكتفاها ترتجفان بشدة بلا توقف.كانت رهف تبكي في الخارج، وطاهر يبكي في الداخل، وهناك زجاج يفصل بينهما.كان يشعر بالخجل الشديد والندم العميق لأنه تسبب في أن تعيش ابنته كل هذا العناء، وجعل حياتها مليئة بالمآسي. لقد أثقلته مشاعر الذنب، ولم يعد يجرؤ على مواجهة ابنته التي بذلت كل جهدها طوال الوقت من أجل إنصافه وإعادة النظر في قضيته.أمسك السماعة بيده المرتجفة بإحكام، وصرخ بصوت باكٍ: "رهف! إن لم تجدي شيئًا فتوقّفي عن البحث، لا تهتمي بأبيكِ بعد الآن، عيشي حياتكِ جيدًا، واكسبي المال، وكوني لطيفة مع نفسكِ، لا تهتمي بأبيكِ بعد الآن..."رفعت رهف رأسها، وبللت دموعها ومخاطها وجهها الشاحب الص
اقرأ المزيد

الفصل 174

لم يكن هناك ما يريحها سوى النوم؛ ففي لحظات غفوتها فقط كانت تستطيع أن تنسى الألم مؤقتًا.لا عطش ولا جوع، من الصباح حتى المساء، ومن المساء حتى الصباح، ظلّت غارقة في نوم مشوّش، متقلّب، حتى اختلّت ساعتها البيولوجية تمامًا.حين تكون واعية، كانت تستلقي على السرير دون حراك، وتشعر بأن قلبها وعقلها فارغان تمامًا، وكأن كل ما في هذا العالم لم يعد يعني لها شيئًا....اختُتمت مهمة إطلاق الصاروخ بنجاح تام، وجميع المؤشرات والبيانات التشغيلية كانت طبيعية.بصفتهم من العاملين في مجال الفضاء، غمرتهم الفرحة والدهشة، وشاركوا عائلاتهم هذا الفرح.بمجرد أن تفرّغ سهيل، اتصل برهف على الفور.كان هاتفها مغلقًا.ظنّ أن بطارية هاتفها نفدت، فحاول الاتصال بها مرة أخرى بعد فترة، لكن بعد عدة محاولات، تزايد قلقه.حجز معهد الفضاء رحلة طيران للغد.لم يستطع سهيل الانتظار حتى الغد، فحجز على الفور أقرب رحلة طيران، متلهفًا لرؤيتها.حينما عاد إلى مجمّع الغيوم السكني، كان الوقت قد أصبح مساءً.فتح سهيل باب المنزل، ووضع حقيبته عند المدخل، ولم يغلق الباب أو يخلع حذاءه حتى، بل اندفع بخطوات كبيرة نحو غرفة رهف."رهوفة..." نادى بقلق.
اقرأ المزيد

الفصل 175

هل تتذكر ما قلته لي في البداية؟ أن بإمكاني التلاعب بجسدك أو مشاعرك كما أشاء طوال هذه الأشهر الأربعة.يؤسفني أن أخبرك أنني كنت أتلاعب بك طوال الوقت.ولهذا، أقدّم لك اعتذاري الصادق.أرجوك انسَ كل ما قلته في هذه الأشهر، وكل الوعود التي قطعتها لك. أنا لا أحبك، والحياة طويلة جدًا، ولا أملك الثقة بأنني أستطيع السير معك حتى النهاية.سأذهب لأطارد المستقبل الذي أريده، لا تبحث عني، لنفترق بسلام.أنا فقط خدعتك في مشاعرك وجسدك، لكنني لم أخدعك في مالك، أما تكاليف لقاح داء الكلب التي دفعتها عني، وتكاليف العلاج من الإصابة، وأتعاب توكيل المحامي عمران، وكذلك إيجار المنزل وفواتير الماء والكهرباء، فقد حوّلتها كاملة دون نقصان إلى حسابك.أتمنى ألا تكرهني على الأقل لأنني لم أخدعك ماليًا.لننفصل بكرامة، وليتخلَّ كلٌّ منا عن الآخر، وليعش كلٌّ منا حياته جيدًا، ودعنا لا نلتقي بعد اليوم أبدًا.وأخيرًا...أتمنى لك في بقية عمرك أن تلتقي دائمًا بأناس طيبين، وأن تكون كل خطواتك ميسّرة، وأن تكون جسور حياتك متينة، وأن تكون أنفاق طريقك مضيئة. وأن يزدهر عملك كالشمس المشرقة في الصباح، وأن يكون مستقبلك واسعًا ومليئًا بالنج
اقرأ المزيد

الفصل 176

غطّت رأسها بقلنسوة المعطف، وخرجت وسط الرذاذ الخفيف، تمشي في الزقاق المتهالك، وألقت القمامة في الحاوية الكبيرة، وفجأة شعرت بموجات من البرد القارس تخترق قدميها، وكأن مسامير من الجليد تُغرَز في مفاصل عظامها.أطرقت برأسها، فأدركت أنها خرجت وهي مرتدية الشبشب فقط، ونسيت ارتداء الجوارب والحذاء، فتلوثت أصابع قدميها بمياه المطر والوحل على الطريق، وابيضّت من شدة البرد.أسرعت خطواتها، وركضت نحو المتجر الصغير في الأمام.دخلت المتجر، وأخذت خمس زجاجات ماء معدني، وكيسين من شرائح الخبز الكبيرة صالحة لمدة ستة أشهر، وكيسين كبيرين من المعكرونة سريعة التحضير، وعبوة مناديل ورقية، ثم توجّهت إلى طاولة المحاسبة.كانت المحاسبة تمرّر الأصناف، وفتحت هي هاتفها، بنيّة الدفع أولًا عبر خدمة الدفع الآجل.في اللحظة التي اشتغل فيها الهاتف، انهمرت فجأة كل الإشعارات والمكالمات الفائتة بصمت.تجاهلتها كلها.فتحت تطبيق الدفع، وحين هَمّت بالدفع عبر خدمة الدفع الآجل، اكتشفت أن كل المبالغ التي حوّلتها لسهيل، أُعيدت إليها كاملة دون نقصان.شعرت وكأن قلبها سقط في بحرٍ مظلم، يهوي بلا توقف، يسقط بلا وزن نحو الهاوية، وتجمّدت في مكان
اقرأ المزيد

الفصل 177

"فكّرت طوال الليل، وما زلت لا أستطيع أن أصدّق أنني قدّمت لكِ مشاعري الصادقة مرة أخرى، وخطّطت بجدية لمستقبلنا معًا، فتخليتِ عني. رهف، رأيت من خلالكِ أن حب الشخص يمكن أن يكون تمثيلًا فقط.""حلمت بكِ للتو، وحين استيقظت، مددت يدي بلا وعي إلى الجانب الآخر، فوجدته فارغًا، ذلك الشعور وكأن قلبي انتُزع حيًا، شعور مؤلم جدًا، ظللت هذين اليومين أفكّر، هل قصَّرت معكِ في شيء ما؟""لنلتقِ مرة أخيرة، حسنًا؟ لن أُلحّ عليكِ، أريد فقط أن أطمئن على سلامتكِ، وأن أسمعكِ تقولينها وجهًا لوجه: 'لنفترق بسلام'.""أين أنتِ حقًا؟ هاتفكِ مغلق منذ عدة أيام، وحتى الشرطة لم تجدكِ.""رهف، أوشكت على إنهاء تسليم عملي هنا، وسأعود إلى مدينة السرايا بعد بضعة أيام، المسافة بيني وبينكِ ليست ألفي كيلومتر فقط، بل هي عمرٌ كامل، ومع ذلك، لم تمنحيني حتى وداعًا أخيرًا لائقًا، واخترت أن تختفي بلا أي أثر.""بعد رحيلك، أصبح لا فرق لديّ الآن مع من أعيش مستقبلي.""لا أكرهكِ، لكنني لن أمنحكِ فرصة ثالثة لتؤلميني بها.""حجزت تذكرة طيران بعد غد ظهرًا، أرسلت لكِ الكثير من الرسائل هذه الأيام، واتصلت بكِ كثيرًا، وسألت كل أقاربكِ وأصدقائكِ وزمل
اقرأ المزيد

الفصل 178

مع نهاية كلامها، انهارت غيداء بالبكاء أيضًا، وقالت بصوت مختنق: "أخبريني، هل أنتِ الآن بأمان أم لا؟"شعرت رهف بشيء يعتصر صدرها، وانهمرت دموعها كسدٍ انهار تمامًا، لم تعد قادرة على كبحها، وكتمت صوت بكائها بيدها، وانتزعت كلمة واحدة بصعوبة: "نعم.""طالما أنكِ بأمان فهذا يكفي، سهيل على وشك أن يركب الطائرة، بقيت ساعة واحدة فقط، اذهبي إلى المطار الآن، فورًا. اسمعي كلامي، حتى لو كانت هذه آخر مرة تلتقيان فيها، فالانفصال يجب أن يكون انفصالًا لائقًا."غرقت رهف في نحيبها، وقالت بصوت أجش ضعيف وصعوبة بالغة، وهي تنتحب بألم: "غيداء، لا أستطيع أن أراه... لو رأيته... سأنهار حتمًا، وقد أفقد صوابي، ولن أتحمّل أن أتركه... بل قد أُدمّر مستقبله بأنانية.""هل حقًا لم يعد في قضية والدكِ أي بصيص أمل؟""لم يعد هناك شيء..." انتحبت رهف بيأس."رهوفة، بدلًا من أن تعيشي بهذا الألم، لنُخبر سهيل بالأمر، ونترك له الخيار، ما رأيكِ؟""لا، لقد وعدت عائلته ألا أخبره، لا يجب أن أضعه في هذا الموقف الصعب." هدأت نبرة رهف قليلًا، وقالت بحزم: "مهما كان اختياره، فسيُدمّر مستقبله. وإن اختار الانفصال أيضًا، فلا داعي حينها لإخباره بأي
اقرأ المزيد

الفصل 179

كان الاختيار صعبًا للغاية، ولم تستطع غيداء أن تتخذ القرار نيابة عن رهف.تنهّدت غيداء بخفة، وجلست بجانب جواد، فأمسك جواد بيدها، وربّت عليها برفق.جلسا بصمت بجانب سهيل، بانتظار موعد الصعود إلى الطائرة.خلال ذلك الوقت، لم ينبس سهيل بكلمة، وظلّ يحدّق في تذكرة الطيران.ازدادت غيداء قلقًا أكثر فأكثر، وكانت تنهض بين حين وآخر، وتنظر حولها في كل مكان، بحثًا عن أثرٍ لرهف.حين تناهى صوت الإعلان على الشاشة يُنبّه إلى موعد فحص التذاكر لصعود الطائرة، نهض سهيل واقفًا، وتنفّس بعمق وثقل، والتفت إلى جواد وقال: "سأذهب الآن يا صديقي، إلى اللقاء."ربّت جواد على ذراعه: "رحلة سعيدة، إن سنحت الفرصة سآتي إلى مدينة السرايا لزيارتك."قال سهيل: "مرحبًا بك."ازداد قلق غيداء أكثر، فأخرجت هاتفها، واتصلت برهف: "هل ستأتين أم لا؟ سهيل على وشك الصعود إلى الطائرة، هل تريدين حقًا أن تتركي هذا الندم يلاحقكِ؟"جاء صوت رهف الضعيف: "أنا هنا منذ فترة، ظللت أراقبه طوال الوقت، لكنني لا أملك الشجاعة لأتقدّم نحوه.""أين أنتِ؟""خلفكِ."استدارت غيداء، فوجدت رهف واقفة على مقربة بجانب عمود دائري كبير.أنزلت هاتفها بانفعال، وقالت لسهي
اقرأ المزيد

الفصل 180

بعد أن جلس، أخرج هاتفه، ومسح كل الصور الخاصة برهف من ألبوم صوره.وضع هاتفه جانبًا، والتفت برأسه ينظر من النافذة بنظرةٍ حزينة كئيبة.مدينة الوادي... مدينةٌ فاتنة الجمال، وفيها فتاةٌ جميلة تركت في عقدٍ كامل من عمره أثرًا لا يُمحى، وسطرت في حياته صفحةً بألوانٍ كثيفة وعميقة.سواء أكانت تلك الذكريات حافلةً بالسعادة والدفء، أم مثقلةً بالألم والوجع، فقد غدت جميعها جزءًا من الماضي، وأُغلقت عليها أبواب الذاكرة، ولن تُستعاد من جديد.وحين حلّقت الطائرة فوق سماء مدينة الوادي، غدت في ربيع ذلك العام مشهدًا عابرًا من مشاهد الحياة.كل شيء... عاد إلى سكونه....استيقظت رهف في المستشفى، وابتسمت لغيداء التي كانت تبكي، وقالت: "أنا بخير، فقط أُغمي عليّ من الجوع."بعد خروجها من المستشفى، عادت إلى حياتها الطبيعية، وعادت للعمل في مكتب المحاماة.لكن حياتها أصبحت أسوأ مما كانت عليه من قبل.على الأقل في السابق، كانت تملك دافعًا في قلبها، رغبة في تبرئة والدها، وكان لديها إيمان، فعاشت بكفاح.أما الآن، فلم يعد لديها إيمان، ولم يعد سهيل موجودًا أيضًا.كانت تعيش فقط من أجل كسب بعض المال الذي يسدّ رمقها. فإذا جاعت، اش
اقرأ المزيد
السابق
1
...
1617181920
...
22
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status