جميع فصول : الفصل -الفصل 170

220 فصول

الفصل 161

في تلك اللحظة، احتبست الدموع في مآقي رهف، واجتاح صدرها مزيجٌ من التأثر والألم.كان مبعث ألمها هو عجزها في الوقت الراهن عن منحه ذاك اليقين.وبعد صمتٍ طويل غرقت فيه بأفكارها، شقت سكون الليل قائلة: "لا داعي لبقائك هنا، ففرص التطور في مدينة السرايا أفضل بكثير من مدينة الوادي، ولو أتيح لي الخيار، لوددتُ أنا أيضًا الذهاب إلى هناك."امتدت يد سهيل ببطء، لتقبض بحزم على كفها الصغير الذي اعترته برودةٌ خفيفة.كانت يدها صغيرة، ناعمة ورقيقة، تحتضنها قبضته بالكامل، وكان ملمسها باعثًا على راحةٍ عجيبة.وفي تلك اللحظة، شعرت رهف بحرارة كفه تلف يدها بالكامل، وكأن تيارًا كهربائيًا قد سرى في أوصالها، فارتجف قلبها بين ضلوعها.خرج صوته أجشًا وعميقًا، يغلفه حماسٌ لم يستطع إخفاءه: "أحقًا لديكِ النية للعودة معي إلى مدينة السرايا؟"أومأت رهف برأسها، وتمتمت: "أجل."رفع سهيل رأسه قليلًا، ومال بجسده نحوها ليطبع على شفتيها قبلةً رقيقة، ثم همس لها: "لا تخدعيني هذه المرة يا رهف."تجمعت الدموع في عينيها، واعتصرت شفتيها بابتسامةٍ باهتة وهي ترد: "لن أفعل."طبع سهيل قبلةً حنونة أخرى على شفتيها، وقال: "أنا أحبكِ يا رهف."أط
اقرأ المزيد

الفصل 162

"الأمر ببساطة أنني أتوق بشدة لرؤيتك على الدوام..." تنهد سهيل بمرارة قبل أن يتابع: "فرغم أنني في مدينتك الآن، إلا أن الخوف من هروبك يلاحقني."تمسكت رهف بذراعه، وألصقت جسدها به لتستمد منه الدفء، وقالت وهي تستند إليه في مشيتها: "وإلى أين عساي أن أهرب؟""رهف.""نعم.""أأنتِ جادة حقًا هذه المرة؟"زمّت رهف شفتيها بمرارة، وأومأت برأسها مؤكدةً؛ إذ شعرت بالقلق ينهش سهيل بشكلٍ مبالغ فيه، وكأنه يتأرجح بين الأمل والخوف من الفقدان.في تلك الليلة، واصلا مسيرهما على الشاطئ لساعةٍ كاملة، وحين عادا أخيرًا إلى خيمتهما، كان الهدوء قد خيم تمامًا على الخيمة المجاورة.ولأن الإرهاق قد نال منهما، والوقت قد تأخر كثيرًا، سرعان ما استسلم كلاهما ودخلا في نومٍ عميق.في اليوم التالي، جلس الأربعة معًا على الشاطئ يراقبون شروق الشمس، والتقطوا بعض الصور لتخليد تلك اللحظات.تولى سهيل مهمة إعداد الإفطار، فالتف الجميع حول أطباق المعكرونة الدافئة بالبيض.وبعد أن رتبوا موقع التخييم، وجمعوا مخلفاتهم في السيارة، انطلقوا عائدين إلى المدينة.وبحلول الظهيرة، كانوا قد وصلوا بالفعل.اصطحب سهيل رهف لتناول طعام الغداء في أحد المطاعم
اقرأ المزيد

الفصل 163

تسلل خيطٌ من أشعة الشمس الدافئة خلسةً عبر شق الستائر، ليزين الغرفة التي اكتست بظلالٍ حميمية.وتحت الأغطية الوثيرة، كانت الحرارة اللافحة كفيلةً بأن تُغرق الأجساد في عرقها، وكأن نارًا قد أُضرمت هناك، تتأرجح فيها موجات الحرارة صعودًا وهبوطًا، لتغيب العقول في غيبوبةٍ من النشوة العارمة.ثبت معصميها الرقيقين كأعواد البخور فوق الوسادة، ورغم بقاء يديها خارج دفء الغطاء، إلا أن البرد لم يجرؤ على ملامستها.لفحت أنفاسه المشتعلة جانب عنقها، وخرج صوته العميق محملًا ببحةٍ لاهثة وكأن الظمأ قد استنزف حنجرته، خافتًا يكاد يتلاشى، ليمتزج بأنفاسه الثقيلة وهو ينادي اسمها مرارًا وتكرارًا:"رهف..."كان احتكاك بشرتيهما أشبه بدفعهما نحو هاويةٍ من الحواس المفرطة، وكالغرق البطيء في أمواج مدٍ دافئ.بدت كل مسامٍ في جسديهما وكأنها تتنفس عبق الآخر، وكان كل تلامسٍ بينهما بمثابة فك لرموز لغةٍ سرية بلا كلمات.أذاب هذا التلاحم الحميمي كل الحدود بينهما، وأوقف زحف الزمن، وكأن روحيهما تعقدان حوارًا صامتًا لا يدركه أحد سواهما، عبر أعمق وأصدق لغةٍ للجسد.تسللت أشعة الشمس المائلة بهدوءٍ نحو الغروب.ودون أن يدركا، انقضى النهار
اقرأ المزيد

الفصل 164

لا تشبه أجواء موسم الأعياد في المدن نظيرتها في القرى والأرياف.فهنا، يغادر العمال والمغتربون عائدين إلى ديارهم، لتغدو المدينة بأسرها غارقةً في سكونٍ موحشٍ وكآبةٍ واضحة، ولولا تلك اللافتات الحمراء المبهجة التي تُزين واجهات المتاجر، لما شعر أحدٌ بقدوم موسم الأعياد.وبطبيعة الحال، لا زالت هناك بعض الأحياء التي تنبض بالحياة.كالتجول في سوق الزهور، أو الاستمتاع بعروض الفوانيس في المتنزهات، أو حضور الفعاليات الترويجية في المراكز التجارية الكبرى، أو التجمع في الساحات لانتظار العد التنازلي لبداية موسم الأعياد.بيد أن هذه الأماكن تعج بالحشود الخانقة.وفي غياب سهيل، انطفأ شغفها تمامًا ولم يعد يستهويها أيٌ من ذلك.وعلى غير عادتها في السنوات الماضية، أمضت أولى ليالي موسم الأعياد هذا العام في منزل عائلتها، حيث تناولت العشاء برفقة أسرتها.أعدت والدتها، كعادتها، مائدةً عامرةً بما لذ وطاب من الأطباق.في الماضي، كلما ذُبحت دجاجة ووُضعت فخذاها في الطبق، كان شقيقها يلتهم الفخذ الأول، وما إن يرى إحجامها عن أخذ حصتها، حتى يسارع بالتهامه هو الآخر، كعادةٍ متأصلةٍ لديه في الاستئثار بهما معًا.ولم تكن والدتها
اقرأ المزيد

الفصل 165

كان بداخل المغلف أيضًا ورقةٌ بيضاء، خُطت عليها بضعة أسطر بقلم حبرٍ سائل، وبخطٍ أنيقٍ وانسيابي."رهف، هذا المنزل، وبوليصة التأمين، وعقد الاستثمار، والسبائك الذهبية العشر، والبطاقة المصرفية؛ جميعها هداياي لكِ بمناسبة حلول موسم الأعياد. إنها هِبةٌ خالصةٌ غير مشروطةٍ بالزواج. أرجو أن توقعي على العقود. أما الرقم السري للبطاقة المصرفية فهو تاريخ ميلادك، وبداخلها مئة ألف دولار. المُهدي: سهيل."وبصفتها محامية، ما إن وقعت عيناها على عبارة "هِبةٌ خالصةٌ غير مشروطةٍ بالزواج" في تلك الورقة، ورأت توقيع سهيل وبصمته إلى جانبها، حتى غاص قلبها في بحرٍ من التأثر، وتجمعت الدموع في مآقيها.لقد تجلى أمامها مدى صدق حبه لها، ومدى جنونه في ذلك الحب.اعتصر قلبها ألمٌ خفي في موجاتٍ متتابعة.مزيجٌ قاهر من التأثر العميق والأسى المرير.فبسببها هي، صُورت في نظره كامرأةٍ جشعة تعبد المال، تلك "المرأة اللعوب والمادية" التي تخلت عنه قبل خمس سنوات طمعًا في الثروة.ورغم كل ما أظهرته من "لؤمٍ وجشع"، ظل سهيل يحبها بلا هوادة، بل وبلغ به الأمر أن يمنحها أقصى درجات الأمان الممكنة.حتى قبل أن يتزوجها، وهبها بلا مقابل: سيارة، م
اقرأ المزيد

الفصل 166

فتح سهيل باب الغرفة، ثم أضاء مصباحًا خافتًا بإضاءة دافئة، ووضع حقيبة السفر في أحد الأركان، قبل أن يغلق الباب خلفه بهدوء.طوّق بيديه خصر رهف بإحكامٍ، كأنه يريد أن يذيبها في جسده، أغمض عينيه وأخذ نَفًسا عميقًا عند كتفها، وقد صار صوته أجشًا منخفضًا: "نامي في غرفتي الليلة، اتفقنا؟"فهمت رهف مقصده، فأومأت برأسها.جلس سهيل على السرير، فاعتلت رهف حجره وهي تحتضنه بإحكام، لا تريد أن تُفلته.دفع سهيل خصرها قليلًا، فازدادت قبضتها حوله إحكامًا.ابتسم سهيل بدلال: "رهوفة، أفلتيني."تمتمت: "لا أريد."تنهّد سهيل بخفة، وبدت ابتسامته كأنها مغموسة بالعسل، وصار صوته حلوًا رقيقًا: "كيف أقبِّلك وأنتِ تحتضنينني بهذا الإحكام؟"ابتسمت رهف ابتسامة رقيقة، وأرخت قبضتها، وخرجت من بين كتفيه.مدّ سهيل يده وأمسك وجهها الأبيض الجميل، وحدّق بنظرة حارقة عميقة في عينيها الصافيتين المتوهجتين، وحاجبيها الناعمين، وأنفها المستقيم، ثم استقرّ نظره أخيرًا على شفتيها الورديتين الرقيقتين.تشابكت أنفاسهما الحارة معًا.كانت رهف تنتظر أن يُقبِّلها، لكنه ظلّ يحدّق فيها بعمق، فلم تعد تحتمل الانتظار، فطوّقت عنقه وبادرته بالقُبلة.أمسك
اقرأ المزيد

الفصل 167

"رهف."في تلك اللحظة، جاء من جانبها صوت رجل عميق وخفيض النبرة.التفتت رهف باتجاه الصوت.رجل في منتصف عمره، تجاوز الخمسين، شعره قصير مشوب بالبياض، يضع نظارة، هادئ الطباع صلب العزيمة، تكسوه هيبة كبيرة.تعرّفت عليه رهف فورًا، إنه العمّ الأكبر لسهيل، عماد الصالح.وهو أحد كبار المسؤولين في النيابة العامة العليا.في تلك السنة حين وقعت الحادثة لوالدها، كان عماد أول من لجأت إليه، لكن الأدلة كانت دامغة آنذاك، فلم يستطع مساعدتها، بل أرسل زوجته لتُقنعها بألا تخبر سهيل بأن والدها في السجن.مسحت رهف بسرعة دموعها من عينيها، وهدَّأت نفسها، وتقدّمت نحوه، وحيّته بأدب: "عمّي، لم أرك منذ زمن طويل."ردّ عماد بصوت دافئ: "لم أرَكِ منذ زمن طويل فعلًا.""آسفة، أنا أيضًا لم أرد أن أُثير جلبة هنا، أنا حقًا فقط أردت..."قاطعها عماد: "لا بأس، أنا أتفهّم.""هل يمكنك مساعدتي في ترتيب لقاء مع رئيس النيابة العامة؟ والدي بريء وقد ظُلم، وأنا أملك أدلة الآن، لكن طلب إعادة النظر في القضية ما زال يُرفض دائمًا، أريد أن أسأله وجهًا لوجه، ما السبب حقًا؟""إنه تلميذي."رأت رهف بصيص أملٍ، فأومأت برأسها وعيناها تلمعان بالدموع،
اقرأ المزيد

الفصل 168

وصلت رهف، وفقًا للعنوان الذي أعطاها إياه عماد، إلى فناء في الحيّ القديم، حيث كان هناك مبنى سكني عتيق تفوح منه آثار الزمن.قرميد أحمر وجدران بيضاء، لا يبدو المكان فخمًا للوهلة الأولى، لكنه يحمل إحساسًا عميقًا بالوقار الذي راكمته السنين.ضغطت على الجرس، ففتحت لها سيدة في الستين من عمرها الباب الفخم، وحيّتها بأدب، وكأنها تعرف من تكون: "مساء الخير آنسة رهف، تفضّلي بالدخول.""مرحبًا." أومأت رهف برأسها بأدب، وتبعت السيدة إلى داخل المنزل.في الفناء، إلى جانب النباتات والزهور الخضراء، كانت هناك أيضًا أنواع مختلفة من الخضروات، مما أضفى على المكان أجواءً ريفية.الصالة بتصميم عربي تقليدي، وعلى الجدران لوحة مخطوطٌ عليها بالحبر: "إنما المرء بأخلاقه."جلست رهف على أريكة من الخشب الأحمر تنتظر بهدوء، وأحضرت لها السيدة المسنَّة الشاي والحلويات، ثم انسحبت.تسلّلت أشعة شمس الغروب المائلة من النوافذ، وسقطت على أصيص نبات قشطة دندروم الأخضر في الزاوية.مرّت تلك الساعة على رهف وكأنها دهر.تناهى إلى مسامعها صوت خطوات خارج الباب.استفاقت فورًا، ووقفت متوترة، وشاهدت عماد يدخل بخطى ثابتة."عمّي." أومأت رهف برأسه
اقرأ المزيد

الفصل 169

على الرغم من أن الصالة لم تكن مزوّدة بكاميرا مراقبة، ولم يكن بالإمكان تصوير مشهد اعتداء طاهر بالضرب على ممدوح، إلا أن تسجيل الغرفة كان حقيقيًا، وكانت ردود أفعال الشهود الأربعة حقيقية، وكذلك صوت الضرب، ووقت هروب طاهر.كل شيء يتطابق تقريبًا بدقة تامة.شعرت رهف بأن جسدها كله قد فقد قوته، وتدفّق من قلبها إحساس بارد ومظلم اجتاحها. ارتجفت أصابعها بعنف، وكأن آلاف الإبر قد غُرست في أطرافها وجميع أنحاء جسدها، تطعنها حتى لم يبقَ فيها موضعٌ سليم، وأحسَّت بألمٍ يخترق نخاع عظامها، حتى أصبح التنفس نفسه صعبًا عليها.كانت يداها ترتجفان بشدة لدرجة أنها وضعت الهاتف بسرعة على الطاولة الصغيرة، وأغمضت عينيها المبللتين، وانحنت، ودفنت وجهها في راحتَي يديها المرتجفتين.وكأن السماء قد انهارت والأرض قد انشقَّت، فقد انهار في لحظة واحدة الإيمان الذي تمسّكت به طوال خمسة أعوام.لم تنهار السماء فعلًا، لكن النور الوحيد في عالمها، انطفأ.اقترب عماد، وحدّق في كتفي الفتاة المثقلتين وكأن جبلًا ضخمًا انهار عليهما، وجسدها المرتجف قليلًا، رغم أنها بدت نحيلة وضعيفة، إلا أنها ظلّت تواجه الأمر بهدوء وثبات، وصلابة تُدمي القلب.
اقرأ المزيد

الفصل 170

نهضت رهف، وحملت حقيبتها، وانحنت قليلًا في وداع مهذب، ثم استدارت وغادرت دون أن تُظهر أي انفعال.مشت في الشارع المزدحم تحت شمس الغروب.بدت ألوان هذا العالم وكأنها خبَت فجأة، وتحوّلت إلى رمادٍ مميتٍ باهت، وكأن كل الأصوات قد امتُصّت، حتى إنها لم تعد تسمع نبضات قلبها.هبّت نسمة باردة على وجهها، بردٌ يتسلّل إلى الروح، وقشعريرة تنبعث من الداخل كأنها شظايا جليد، تجرح أحشاءها في كل مرة.ألمٌ يجعلها تتمنى الموت.لم تدرِ كيف عادت إلى المنزل، كان وعيها مشوّشًا، وجسدها فقط ينفّذ كل حركة بلا إحساس.حلّ الليل.في اللحظة التي فتحت فيها رهف باب المنزل، انقطع نفسها للحظة.كانت الغرفة بأكملها مضاءة بضوء أبيض دافئ، وفاح عبق الطعام، وأحاطها دفء المنزل، وكان كل شيء جميلًا للغاية.في تلك اللحظة، تناهى إلى مسامعها صوت سهيل الدافئ من المطبخ: "رهوفة، هل هذه أنتِ؟""نعم." أجابته بسرعة، ووضعت حقيبتها، وارتدت شبشبها ودخلت."أين ذهبتِ اليوم؟ لماذا عدتِ متأخرة هكذا؟"كانت نبرته أشبه بنبرة أبٍ حنون، فيها دلال وحنان في آن واحد.دخلت رهف المطبخ، فرأته يرتدي كنزة سوداء بياقة عالية، ومئزرًا حول خصره، وبدا ظهره العريض ممش
اقرأ المزيد
السابق
1
...
1516171819
...
22
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status