جميع فصول : الفصل -الفصل 190

220 فصول

الفصل 181

يا للسخرية، الجناة الحقيقيون هم من يلقون عليها بتهمة الجنون والمرض النفسي، ليأمر الطبيب باحتجازها في المستشفى لسبعة أيام، ويُجبروها على ابتلاع حفنةٍ كبيرة من الأدوية.كان الإرهاق قد استنزفها تمامًا، فاستسلمت للأدوية؛ على الأقل، كانت تمنحها نعمة النوم وتنقذها من الأرق.رضخت لتعليمات الطبيب، وواظبت على العلاج بانتظام، لتُغادر المستشفى في موعدها المحدد بعد أسبوعٍ واحد.بات الجميع ينظر إليها كمريضة، وضاعفت غيداء من أوقات مكوثها معها، بيد أن رهف كانت في الحقيقة غارقةً في مشاغلها.فقد تراكمت قضايا مكتب المحاماة حتى صارت كالجبال، ولم يعد لديها من الوقت ما يسمح لها أن تجاملها بالضحكات أو تسايرها في هذا الجنون.توالت القضايا واحدة تلو الأخرى، وكانت نسب فوزها فيها مرتفعة.أخبرها زملاؤها بأنها لم تعد كما كانت؛ فقد هجرت الابتسامة ثغرها، وباتت تعامل موكليها ببرودٍ وجفاء ملحوظين.ردت عليهم بابتسامةٍ باهتة: "أنا محامية ولست مضيفة، أي أن مهمتي تنحصر في كسب قضاياهم فحسب، فلماذا يتوقعون مني خدمةً عاطفية؟ هل دفعوا أتعابًا مقابل ذلك؟"وكثيرًا ما كان ضغط العمل يشغلها عن تناول أدويتها، حتى انقطعت عنها تمامً
اقرأ المزيد

الفصل 182

أخرج المحامي حسين وثيقتين، وناولهما لرهف قائلًا: "هذه هي مستندات السيارة والمنزل اللذين تركهما لكِ السيد سهيل، بالإضافة إلى بطاقةٍ مصرفية. لعلمه المسبق بأنكِ سترفضين قبولها، طلب من والدتكِ التوقيع لاستلامها نيابةً عنكِ قبل شهرين. وإن أصررتِ اليوم على رفض التوقيع، فستنتقل ملكية هذه الأصول بالكامل إلى والدتكِ."عقدت الصدمة لسان رهف، وسارعت بفتح المستندات لتفحصها، وما إن قرأت محتواها حتى تملكها ذهولٌ عارم.وحين وقعت عيناها على توقيع والدتها، تحول ذهولها إلى غضبٍ عارم.تاريخ التوقيع يعود إلى الأيام الثلاثة التي سبقت رحيل سهيل، أي في الوقت الذي كانا فيه قد انفصلا بالفعل.ارتجفت يدا رهف من فرط الغضب، ورمقت إلهامَ بنظرةٍ مشحونةٍ بعدم التصديق، لتنهال عليها باتهاماتٍ لاذعة: "لماذا وقعتِ على هذه المستندات؟ بأي حقٍ تقبلين أموالًا طائلة من شخصٍ غريب؟ شقة في حي السلام السكني تتجاوز قيمتها ستمائة ألف دولار، وسيارة بعشرات الآلاف، ومبلغ نقدي بمئة ألف دولار! كيف طاوعتك نفسكِ على أخذ كل هذه الأموال؟"وما إن وقعت هذه الأرقام على مسامع شادي وخلود، حتى التمعت أعينهما ببريق الطمع، واتسعت حدقاتهما ذهولًا، فا
اقرأ المزيد

الفصل 183

أسندت ظهرها إلى الكرسي بوهنٍ شديد، وأغمضت عينيها لتنسرب الدموع رغمًا عنها من بين أجفانها المطبقة.شعرت وكأن صقيعًا قارسًا قد اجتاح روحها في عز الصيف، ليخلف وراءه كآبةً موحشة.أدركت أخيرًا أن الحب لم يكن سوى جزءٍ يسير مما وهبها إياه سهيل؛ فقد منحها ثروةً تؤمن مستقبلها وتضمن لها حياةً خالية من الهموم، فضلًا عن تلك التضحيات العظيمة التي تكبدها في الخفاء ولم تبصرها عيناها يومًا.أخرج المحامي مظروفًا مغلقًا من حقيبته، وقال: "آنسة رهف، هذه رسالةٌ أودعها السيد سهيل لديّ قبل شهرين، وأوصاني بتسليمها لكِ في حال رفضتِ التوقيع. أما إن وقّعتِ، فقد أمرني بإتلافها فورًا."انتفضت رهف، وفتحت عينيها المبللتين بالدموع لتحدق في المظروف الذي يحمله المحامي في يده.تسارعت نبضات قلبها بجنون، وامتدت يدها ببطءٍ لتتسلم الرسالة.ساد توترٌ خانق بين الثلاثة الآخرين في الغرفة، وتعلقت أبصارهم جميعًا بالرسالة التي استقرت بين يديها.بأصابعٍ ترتجف، فتحت المظروف وأخرجت الورقة المطوية من داخله.كان خط سهيل يعكس روحه؛ نبيلًا وأنيقًا، ينضح بالرقة والهدوء....إلى زوجتي، رهف.أربع سنواتٍ وأربعة أشهرٍ من العمر المديد، أمضيتها
اقرأ المزيد

الفصل 184

رمقت إلهام ابنها شادي بنظرة محذرة، وسحبت قدمها بعيدًا عنه.لكن شادي أصر على لفت انتباهها، فمد ساقه مجددًا محاولًا ركل قدم والدته بخفة، وحين تفادت حركته للمرة الثانية، فقد صبره ونادى بصوتٍ متذمر: "أمي..."ذلك النداء الممطوط والمثقل بالتذمر جذب انتباه المحامي ورهف معًا.بدت الحيرة على وجه المحامي، لكن رهف كانت تدرك تمامًا ما تحمله كلمة "أمي" هذه من دلالات خفية.منذ طفولتهما، كلما استعصى عليه انتزاع شيء من يديها، كان يلجأ لهذه النبرة الممزوجة بالتدلل والانكسار لينادي والدته. وحينها، كانت إلهام تلبي رغبته فورًا، وتنتزع ما في يد رهف لتقدمه له على طبقٍ من ذهب.وكانت العبارة الخالدة التي تتردد دائمًا: "إنه شقيقك الأصغر، وبصفتك أخته الكبرى، يجب أن تتنازلي له."بسبب اعتياده على سلب كل شيء، شعر شادي أن أي شيء ثمين في هذا المنزل هو ملكٌ خالص له، وحقٌ لا يقبل النقاش.وقبل أن تتفوه رهف بحرف، خالفت إلهام عادتها القديمة، ورمقته بنظرة حادة قائلةً بحزم: "نداؤك لي لن يجدي نفعًا."استشاط شادي غيظًا، وضم قبضته وهو يطلق زفرةً متذمرة، ثم التفت نحو رهف قائلًا: "رهف، أنتِ لا تزالين شابة، والمستقبل أمامك حافل
اقرأ المزيد

الفصل 185

بعد سنواتٍ من العمل في المحاماة، واجهت رهف الكثير من الوجوه المظلمة للطبيعة البشرية، لذا كان من البديهي أن تفهم عقلية النساء التقليديات اللواتي يؤمنّ بمبدأ "الابن هو سند الشيخوخة".بسبب إدراكهن المحدود وانبهارهن الدائم بالأقوى، فهن في نهاية المطاف تحكمهن الأنانية.أولويتهن المطلقة هي محبتهن لأنفسهن.فعندما تكون قدرات الابنة متواضعة وتعاني من الفقر، يكون همهن الأكبر هو تزويجها في أسرع وقت، للحصول على المهر واستخدامه لدعم الابن، أملًا في أن يعاملهن الابن ببرٍ أكبر، فلا يواجهن شيخوخةً بائسة.بيد أنه إذا انقلبت الموازين، وباتت الابنة تملك المال وتفوق شقيقها قدرةً بمئات المرات، فإن نزعتهن في تقديس الأقوى تتجلى بأبشع صورها، لتبدأ كفة الحب في الميل تدريجيًا نحو الطرف الذي يملك الثروة.وفي هذه اللحظة، كان ذلك "الحب الأمومي المتأخر" في طريقه للزيادة والتضخم، بما يتناسب طرديًا مع حجم ثروتها ونفوذها.ورغم ما يحمله هذا الواقع من بؤسٍ شديد، إلا أنها الحقيقة المجردة.في هذا العالم القاسي، لم يعد هناك من سيمنحها حبًا خالصًا وتضحياتٍ بلا مقابل كما فعل سهيل.فقد كان بوسعه بكل سهولة أن يوكل المحامي بنقل
اقرأ المزيد

الفصل 186

ولكنها وحدها من كانت تدرك حقيقة ما تعانيه. ففي الزوايا الخفية، حيث لا يراها أحد، كانت منهكة... منهكةً حد العجز عن النطق بكلمةٍ واحدة، ومنهكةً لدرجة البكاء بلا سببٍ واضح.كانت تنهار في نوبات بكاءٍ مريرة بين الحين والآخر، دون أن تدري سببها، فكل ما كانت تشعر به هو ألمٌ يعتصر صدرها.وحين كانت تنتزع الانتصارات واحدة تلو الأخرى لموكليها، لم تكن تلك الكلمات المفعمة بالشكر، ولا نظرات الامتنان، ولا حتى دموع التأثر، قادرةً على تحريك ساكنٍ في قلبها المتبلد، فكانت تكتفي برسم ابتسامةٍ متكلفة، وتلقي على مسامعهم بضع كلماتٍ تشجيعية، بدافع اللياقة المهنية لا أكثر.بدت تلك الواجهة الاجتماعية المتماسكة والمثالية منها وكأنها شخصٌ غريب يرتدي قناعًا يحمل ملامحها، وليس ذاتها الحقيقية.في الماضي، لم تكن تدرك المعنى الحقيقي لكون المرء "جسدًا خاويًا بلا روح" أو "دميةً تحركها الخيوط".أما اليوم، فقد باتت تعيش هذا المعنى وتذوق مرارته.فقدت حياتها كل معانيها، وباتت تتنفس لمجرد أن رئتيها لا زالتا تعملان، دون أن تعرف سببًا لاستمرارها في العيش.لم تعد المناظر الطبيعية، ولا صخب العالم، ولا البشر، ولا حتى الأشياء، تثير
اقرأ المزيد

الفصل 187

انتهرتها رهف: "كُفي عن نسج هذه الأوهام العبثية." ثم قالت وهي تنهض من مكانها: "سأذهب للتحدث مع طبيبكِ المعالج مجددًا."وفي طريقها نحو الباب، رمقت شادي بنظرةٍ جانبية، وهو يطلق سيلًا من الألفاظ النابية. كان صوت اللعبة مرتفعًا للغاية، وتتخلله شتائمه الفجة بين الحين والآخر. أي رعايةٍ للمريض يمكن أن تُرجى من هذا المشهد؟"عُد إلى منزلك. سأتولى أنا رعاية أمي الليلة."غير شادي وضعية جلوسه باسترخاء وقال: "لن أعود. إن رجعت، سأتعرض لتوبيخٍ مستمر من زوجتي وحماتي، ولن يسمحا لي بلعب ألعابي، وسأُطالَب بتجهيز الحليب تارةً، وتغيير الحفاضات تارةً أخرى. إنه أمرٌ مثير للأعصاب. البقاء هنا لرعاية أمي أكثر راحةً بكثير."بالطبع سيكون مريحًا؛ أن يتمدد هنا كجثةٍ هامدة يلعب بهاتفه، دون أن يهتم لأمر أحد، ودون أن يحرك ساكنًا!"اغرب عن وجهي." صاحت رهف بنبرةٍ غاضبة، ففزع شادي من كلامها، ورفع رأسه ليرمقها بذهول.استطردت رهف بنبرةٍ جليديةٍ صارمة: "قلت لك أن تغرب عن وجهي، ألم تسمع؟"هب شادي واقفًا، واكتست ملامحه بالغضب والشراسة وهو يصرخ: "أريد البقاء لرعاية أمي، فبأي حقٍ تطردينني؟""بحق أن ضجيجك يزعجها ويسلبها راحتها."
اقرأ المزيد

الفصل 188

في مستشفى الرازي، انقضت عدة أشهرٍ أخرى بين تلقي العلاج ومحاولات التشخيص، حتى تمكنوا أخيرًا من تحديد العلة التي تنهش جسد والدتها.بيد أن النتيجة كانت بمثابة فاجعة."الالتهاب الوعائي المترافق مع ANCA"، وهو يُصنف ضمن الأمراض النادرة. ومنذ ظهور الأعراض الأولى وحتى التوصل إلى هذا التشخيص، كان عامٌ كامل قد انقضى. والآن، باتت والدتها تعاني من فقر دمٍ حاد، يرافقه فشلٌ رباعي يضرب القلب، والكلى، والكبد، والجهاز التنفسي معًا، لتصبح حالتها حرجةً للغاية.ورغم التطور الطبي الملحوظ في مدينة العمران، إلا أن سجلاتهم خلت من أي حالاتٍ مشابهة لهذا المرض النادر. ولضمان أقصى درجات الأمان، قدم الأطباء نصيحتهم الأخيرة:"الخيار الأمثل هو نقلها فورًا إلى مدينة السرايا لتلقي العلاج هناك. هذا المرض النادر سُجلت له حالات شفاءٍ ناجحة في المستشفى التخصصي هناك.""يمكننا المخاطرة ومحاولة علاجها هنا، لكن فرص الشفاء حتمًا لن تقارن بتلك المتاحة في المستشفى التخصصي بمدينة السرايا."وُضع هذا القرار المصيري بين يدي رهف وشادي.داخل غرفة المرضى...كانت إلهام تستلقي على السرير، وقد أمسكت بيد رهف بأصابعها الشاحبة والهزيلة، وهمس
اقرأ المزيد

الفصل 189

شهر يونيو في مدينة السرايا...كان المستشفى التخصصي يعج بالحشود المتدفقة، وتتداخل أصوات الضجيج الخانقة مع رائحة المعقمات الطبية اللاذعة لتضفي على المكان جوًا من الكآبة والضيق.وسط كل هذا الزحام، جلست رهف على مقعدٍ معدني بمحاذاة الممر الطويل، غارقةً في أفكارها، وتفرك بين أصابعها البطاقة المصرفية التي تركها لها سهيل.عامٌ وشهران بالتمام والكمال، لم تمس خلالهما هذه البطاقة قط.بيد أن التدهور السريع في حالة والدتها قذف بها الآن داخل وحدة العناية المركزة في المستشفى، وقد قدّر الأطباء تكلفة العلاج الأولية بحوالي ستين ألف دولار، سيغطي التأمين الصحي جزءًا منها، وبما أن فترة العلاج قد تمتد لشهرين أو ثلاثة، سيتعين عليها استئجار غرفة في فندق أو شقة سكنية للإقامة في مدينة السرايا.حياة والدتها الآن على المحك، وهي شخصيًا تغرق في مستنقع الاكتئاب، فلم يعد أمامها خيارٌ سوى إنفاق أمواله.بقلبٍ يئن تحت وطأة الهموم، وبعد تفكيرٍ عميق، التقطت رهف حقيبتها ونهضت، موجهةً خطواتها نحو صالة الدفع.أخذت إيصال التكاليف المحرر من الطبيب، وسددت مبلغ عشرين ألف دولار كدفعةٍ مبدئية عند نافذة الحسابات.ثم دست الإيصال في
اقرأ المزيد

الفصل 190

فكلما كانت مريم حاضرة، لم يكن لسهيل أي أملٍ في الاقتراب منها.ولحسن حظها، كانت مريم الابنة الأكثر دلالًا وحظوةً في العائلة آنذاك، وإلا لكان سهيل قد أوسعها ضربًا.اصطحبتها مريم إلى أحد أشهر المطاعم المتخصصة في المشويات الأصيلة في المدينة.طلبت تشكيلةً من أشهر أطباق اللحوم المشوية، بالإضافة إلى أصنافٍ أخرى مميزة، والمفارقة أن جميعها كانت من الأطباق المفضلة لرهف.في الماضي، لم يكن حب مريم لها يقل بأي حالٍ عن حب سهيل. ورغم انقضاء ست سنواتٍ كاملة، لم تنسَ مريم ذائقتها في الطعام قط.ورهف بدورها كانت ولا زالت تكن لمريم حبًا كبيرًا؛ فقد كانت تفيض بإشراقة زهرة عباد الشمس، بهيةً، منطلقةً، ودائمة البحث عن النور.تنهدت مريم قائلة: "لقد انقضت ست سنواتٍ على آخر لقاءٍ جمعنا، أليس كذلك؟""أجل، ست سنواتٍ وشهران."رمقتها مريم بنظرةٍ فاحصة، ورفعت حاجبيها وهي تسألها بنبرةٍ مازحة: "يا لها من ذاكرةٍ دقيقة! لا بد أنه التاريخ الذي انفصلتِ فيه عن شقيقي الأوسط؟"تملك رهف شعورٌ بالارتباك، فرسمت ابتسامةً متكلفة، وأطرقت رأسها وهي تأخذ قطعةً من اللحم المشوي، لتدسه في فمها ببطء محاولةً إخفاء حرجها."في العام قبل الم
اقرأ المزيد
السابق
1
...
171819202122
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status