جميع فصول : الفصل -الفصل 200

220 فصول

الفصل 191

لكن من خلال كلمات مريم، أدركت أن سهيل ليس سعيدًا، ولا يعيش بسلام، بل وتهاون في قرار زواجه المصيري لدرجة الاستهتار.أسندت مريم ظهرها إلى الكرسي، وأرخت كتفيها قبل أن تسأل بنبرةٍ مشبعة بالجدية: "هل تدركين ما يعنيه 'الانجذاب الفطري' يا رهف؟"كانت رهف غارقةً في كآبةٍ خانقة، ينهش قلبها ألمٌ يمزق الصدر، والدموع الحبيسة تتراقص في مآقيها، فلم تملك الشجاعة لترفع رأسها وتواجه سؤال مريم، واكتفت بصمتٍ أثقل من أي جواب.أجابت مريم على سؤالها بنفسها: "ما يحمله شقيقي لكِ هو انجذابٌ فطريٌ طاغٍ لا يُقهر. فمنذ النظرة الأولى، خفق قلبه لكِ، وحبه كان أعظم من أن يُخفى. لقد رأى كل فردٍ من عائلتنا ذلك في عينيه، ومهما بدر منكِ تجاهه، ومهما طالت السنين، فيكفي أن تقع عيناه عليكِ حتى ينتفض قلبه رغمًا عنه، ويندفع مقتربًا منكِ بلا وعي. بما أنكِ لا تزالين عزباء، لِمَ لا تعيدين التفكير في أمر شقيقي؟ أنا حقًا أخشى أن يضيع عمره في زواجٍ تعيس."هزت رهف رأسها رافضةً، بينما كان الشعور بالذنب ينهش روحها.لقد ارتكبت في حقه "خيانةً" قبل ست سنوات، ومع ذلك، لم يكترث سهيل للأمر، وحتى مريم لم تحمل في قلبها أي ضغينة. فما أعظم هذا ا
اقرأ المزيد

الفصل 192

قبل ذهابها، راسلت رهف مريم لتحديد موعد الزيارة، وحرصت على التأكيد بوضوح على رغبتها في تجنب لقاء سهيل.طمأنتها مريم بعهدٍ قاطع: "أضمن لكِ ألا تلتقي بشقيقي؛ إنه غارقٌ في عمله، بل إنني أرسلت له رسالةً خصيصًا لأسأله إن كان ينوي القدوم إلى منزل جدي اليوم، فأكد لي أنه لا يملك أي وقت."وفي وقت الظهيرة، حيث كانت الشمس ساطعةً ومشرقة...ارتدت رهف فستانًا طويلاً وبسيطًا مزينًا بنقوش الزهور، وجمعت خصلات شعرها الحريرية السوداء خلف رأسها، واكتفت بلمساتٍ من مساحيق التجميل الرقيقة التي زادتها أناقةً ووقارًا. حملت هديتها، واهتدت بذاكرتها نحو ذلك المنزل ذي الفناء الداخلي العتيق القابع في أحد الأزقة الضيقة."رهف!" وقفت مريم عند الباب تستقبلها بابتسامةٍ عريضة، ثم تشبثت بذراعها لتقودها نحو الداخل: "هيا لندخل، فجدي في انتظارنا."كان الفناء العتيق ينضح بعبق الماضي؛ تملؤه الأزهار والنباتات الخضراء، وفي إحدى زواياه امتزجت صخور الزينة مع أزهار الياسمين المتدلية لتضفي على المكان سحرًا شاعريًا، وتدلى من إحدى العوارض الخشبية قفصٌ يضم ببغاوين داكني الريش، وما إن مرتا بجانبهما حتى شرعا في الثرثرة بأصواتٍ صاخبة ومتقط
اقرأ المزيد

الفصل 193

خرجت رهف من المطبخ تحمل كوبًا من عصير التفاح على صينيَّةٍ بكلتا يداها، وترافقها مريم التي كانت تحمل طبقًا مزينًا بقطع البطيخ والشمام.سألت مريم بفضول: "مع من كنت تتحدث على الهاتف يا جدي؟"أنهى الجد المكالمة، ووضع هاتفه جانبًا، ثم رمقها بابتسامةٍ ماكرة وقال: "لن أخبركِ. هيهي.""تفضل عصيرك يا جدي." تقدمت رهف وناولته الكوب بكلتا يديها باحترام.أخذه الجد قائلًا: "شكراً لكِ يا رهف." وارتشف منه رشفة، لتتقوس عيناه كالهلال من فرط الرضا وهو يهمهم: "ممم، ما ألذه."جلست رهف على الأريكة الخشبية الطويلة، فجلست مريم إلى جوارها مباشرة، وتشبثت بذراعها لتميل بجسدها نحوها، ورغم انقطاع التواصل بينهما لسنوات، لم يكن هناك أي أثرٍ للجفاء، بل بدتا وكأنهما صديقتان مقربتان لم تفترقا يومًا.وضع الجد كوب العصير، وسألها بنبرةٍ حنونة: "أجئتِ إلى مدينة السرايا من أجل العمل يا رهف؟""كلا يا جدي، بل لأن والدتي مريضة، وقد جئت لمرافقتها لتلقي العلاج في المستشفى التخصصي.""السفر كل هذه المسافة من أجل العلاج... أيعني هذا أن حالتها خطيرة؟"لاذت رهف بالصمت لثوانٍ. ولم تشأ أن تثير قلقهم، فاعتصرت شفتيها بابتسامةٍ هادئة وقالت
اقرأ المزيد

الفصل 194

أجابتها رهف بأدب: "أمي في حالٍ مستقرة. شكرًا على السؤال يا عمتي."فركت أحلام أصابع رهف النحيلة بأصابعها، ولم تملك إلا أن تحني رأسها لتتأمل يديها عن كثب، فعقدت حاجبيها وسألت بنبرةٍ تقطر حنانًا وإشفاقًا: "نحن في ذروة الصيف، فلماذا يداكِ باردتان كالثلج؟ لم أركِ منذ سنوات، وقد هزل جسدكِ كثيرًا. أكنتِ تهملين طعامكِ؟"سؤالٌ واحد "أكنتِ تهملين طعامكِ؟" كان كفيلًا بأن يفجر سد الدموع في عيني رهف.اخترق هذا السؤال أعمق نقطةٍ وأكثرها هشاشةً في قلبها؛ بدت لها كطوق نجاةٍ يطفو فجأةً في محيطٍ تغرق فيه، أو كمصباحٍ يضيء عتمة كهفٍ موحش.اجتاحتها غصةٌ حارقة.فحتى والدتها البيولوجية لم تكترث يومًا لمعرفة ما إن كان جسدها قد هزل، أو إن كانت يداها باردتين، ولا حتى ما إن كانت تتناول طعامها كما ينبغي.وبعد فراقٍ دام ست سنوات، هاهي تتذوق دفء الأمومة من جديد على يد أحلام.شعرت بغيرة شديدة من سهيل وإخوته؛ لقد نشأوا في كنف أسرةٍ تفيض بالحب، يمتلكون والدين عظيمين، وجدًا يحمل روحًا مرحةً ومُحِبّة.استجمعت رهف كل ذرة قوةٍ لديها لتكبح الدموع التي تجمعت في عينيها، واعتصرت شفتيها بابتسامةٍ متكلفة لتتظاهر بالهدوء والسكين
اقرأ المزيد

الفصل 195

نفت رهف سريعًا: "لا."أطلق الطبيب تنهيدةً خفيفة وقال: "تظنين أنكِ تجاوزتِ الأمر، وتجاوزتِ أحزانكِ وتصالحتِ مع الماضي، لكن في الحقيقة، هذا التبلد ليس سوى عرضٍ من أعراض تضرر مسارات قلبك."هبت رهف واقفةً بعنف، والتقطت حقيبتها بارتباكٍ جلي، وقالت: "أعتذر أيها الطبيب، لكن تشخيصك خاطئٌ تمامًا... أنا... أنا أتمتع بصحةٍ جيدة."وبعد أن ألقت كلماتها، أحنت رأسها معتذرةً للجد: "أرجو المعذرة يا جدي، لقد تذكرت للتو أن هناك أمرًا طارئًا في المستشفى يجب عليّ العودة لإنجازه، لذا لن أتمكن من البقاء لتناول العشاء."ثم التفتت لتودع والدي سهيل: "أعتذر منكما يا عمي وعمتي. أستأذنكما بالانصراف."لم تجرؤ على المكوث لثانيةٍ أخرى، وبعد أن ألقت الوداع، مضت بخطواتٍ مسرعة نحو الخارج تحت أنظارهم المليئة بالقلق.في الخارج، كان الفناء غارقًا في ضباب الشفق.حثت رهف خطاها، وما إن كادت تبلغ الباب الرئيسي، حتى توقفت فجأة، وتسمرت في مكانها كتمثالٍ حجري.في تلك اللحظة التي بدأ فيها الليل يطغى على النهار بظلاله الباهتة، استقرت عيناها على الرجل الذي كان يخطو للتو نحو الداخل، انتفض قلبها بجنون، وأخذ يخفق بقوةٍ وعنف حتى كاد يحط
اقرأ المزيد

الفصل 196

دارت مريم حول نفسها إثر حركة تلك اليد الكبيرة، وحين رفعت بصرها، طالعتها ملامح رجولية صارمة تشع بالوسامة.تهللت أساريرها وصاحت بحماس: "أخي جاسم، أعدت أنت أيضًا؟"ابتسم جاسم الصالح بعطفٍ وقال: "ما الذي كنتِ تتمتمين به يا صغيرة؟""أصادفت رهف أثناء دخولك يا أخي؟" سألت مريم، وحين لاحظت حيرته، سارعت بتوضيح الأمر: "أقصد حبيبة أخي سهيل السابقة، رهف الحسيني."أجابها جاسم: "لمحت فتاةً في الخارج تستند إلى الجدار وتترنح في مشيتها، كانت ترتدي فستانًا طويلًا، لكن الظلام كان قد بدأ في الهبوط، فلم أتبين ملامحها."دفعت مريم يد جاسم جانبًا وركضت سريعًا نحو الخارج، لكن طيف رهف كان قد ابتلعه الزحام، ولم يعد لها أي أثر.هبط الليل، وأشعلت المدينة أنوارها الساطعة.كانت رهف تسير في شوارع المدينة التي تتلألأ بأضواء النيون الباهرة، ورغم أن رياح حزيران كانت تلفح الوجوه بحرارةٍ خانقة، إلا أن صقيعًا قاسيًا كان ينبعث من قاع قلبها، ليسري في دمائها ويجمد عروقها.شعرت وكأن أثقالًا هائلة رُبطت بقدميها، فباتت خطواتها بطيئة ومجهدة، حتى إن المسافة القصيرة إلى مدخل المحطة تطلبت منها جهدًا شاقًا فاق احتمالها.كانت كل خطوةٍ
اقرأ المزيد

الفصل 197

رغم تلقيها للصفعة والشتائم، لم تنبس رهف بكلمةٍ واحدة، بل اتصلت بالشرطة على الفور.وما إن وصل أفراد الشرطة، حتى انتهزت ميسم الفوضى لتنسل هاربةً من المكان.اقتيدت المرأة التي صفعتها إلى مركز الشرطة، بينما توجهت رهف برفقة شرطيٍ آخر لإجراء فحصٍ طبي، وبمجرد استلامها للتقرير الطبي، توجهت بدورها إلى المركز.سُجل في التقرير: إصابة في الأنسجة الرخوة للوجه، سلامة طبلة الأذن، وسلامة حاسة السمع، مع معاناة المريضة من طنينٍ في الأذن.داخل مركز الشرطة...علمت رهف أن هذه المرأة ليست سوى خطيبة سهيل، وتُدعى تسنيم الراشد، تبلغ من العمر ثمانيةً وعشرين عامًا، وتشغل منصبًا إداريًا رفيعًا في إحدى شركات مدينة السرايا الكبرى، ويبدو أنها صدقت وشايات ميسم الشقير المسمومة، فجاءت لتصفعها.حاول الشرطي مرارًا التوسط بينهما، راجيًا من رهف ألا تلجأ إلى رفع دعوى قضائية.وبطبيعة الحال، لم تكن رهف تملك ذرة طاقةٍ لخوض نزاعاتٍ قانونية، ولم تكن ترغب في التورط في كل هذا العناء، لذا نطقت بكلمةٍ واحدة، حاسمة وقاطعة: "عشرون ألف دولار."أفلتت ضحكةٌ ساخرة من الشرطي لسماع هذا الرقم.أما تسنيم، فما إن سمعت المبلغ، حتى ضربت الطاولة
اقرأ المزيد

الفصل 198

رفعت رهف بصرها نحو تسنيم التي بدا عليها الذعر جليًا، ثم تتبعت مسار نظراتها واستدارت نحو الباب الرئيسي.كانت رهف أول من وقعت عليه عينا سهيل لحظة دلوفه إلى الغرفة.وفي اللحظة التي استدارت فيها نحوه، تلاقت أعينهما دون سابق إنذار؛ ليتلاشى صخب العالم في لمح البصر، ويغرق المكان في صمتٍ مطبق لا يقطعه سوى تحديقٍ عميق، ومثقلٍ بالتعقيدات.انقطعت أنفاس رهف، وشعرت وكأن ضربةً عنيفة قد هوت على قلبها، فسارعت بسحب نظراتها، واستدارت لتسند ظهرها إلى الكرسي، بينما راحت أصابعها التي استقرت على فخذيها ترتعد رغمًا عنها، لتقبض على قماش تنورتها بشدة.في تلك الأثناء، دخل الشرطي إلى الغرفة.قال سهيل: "مرحبًا، أنا خطيب تسنيم الراشد. ما الذي حدث لها؟"أجابه الشرطي: "لقد صفعت هذه الآنسة التي تدعى رهف في المستشفى، وأهانتها علنًا متهمةً إياها بإغواء خطيبها، أي بإغوائك أنت. والآن، تطالب الآنسة رهف بتعويضٍ قدره عشرون ألف دولار، وإلا فلن تقبل بتسوية النزاع.""سأدفع أنا." قال سهيل ثم تقدم ليقف إلى جوار تسنيم، ووجه حديثه لرهف الجالسة في الجهة المقابلة بنبرةٍ هادئة وراكدة كبركة ماء: "أعتذر لكِ نيابةً عنها. أنا آسفٌ حقًا.
اقرأ المزيد

الفصل 199

أحاطت بسهيل هالةٌ تنفر كل من يحاول الاقتراب منه.سألها بنبرةٍ باردة وقاطعة: "لماذا صفعتِها يا آنسة؟"عقدت تسنيم حاجبيها وقالت: "أآلمك قلبك عليها؟"شدد سهيل نبرة صوته، وقد أخذ الغضب الذي يكبته يفور في صدره، ليسألها مجددًا: "سؤالي واضح: لماذا ضربتِها؟"زفرت تسنيم بضيق، وثبتت نظرها إلى الأمام وهي تبرر قائلةً: "أعلم أنها حبك الأول، وأنكما ارتبطتما لأربع سنوات، ثم عدتما إلى بعضكما لستة أشهر بعد فراقٍ دام خمس سنوات. والآن، مرّ عام وشهران على انفصالكما الأخير، وهي تتخذ من مرض والدتها ذريعةً للمجيء إلى مدينة السرايا، بينما هدفها الحقيقي هو ملاحقتك والإيقاع بك. لقد ذهبت عمدًا إلى منزل جدك لتلتقي بك هناك... وهي بذلك لا تبالي بكوني خطيبتك من الأساس. أما ذهابي إلى المستشفى فلم يكن إلا لتحذيرها من الاستمرار في ملاحقتك، فنحن، في النهاية، على وشك الزواج.""ومن أين لكِ بكل هذه التفاصيل؟""ميسم الشقير.""وهل أخبرتكِ ميسم الشقير أنها مغرمةٌ بي منذ الطفولة، وأن غايتها الكبرى هي الزواج بي؟"عقدت الصدمة لسان تسنيم، واتسعت عيناها ذهولًا وهي تحدق في سهيل.أطلق سهيل ضحكةً ساخرة، وقال: "أنا حقًا أتساءل... كيف
اقرأ المزيد

الفصل 200

أجابها ببرود: "لا أستطيع القول بأنني أحب شيئًا فيكِ، لكن زوجة عمي ارتأت أننا مناسبان لبعضنا.""بمعنى أن أي امرأةٍ أخرى كانت لتفي بالغرض، أليس كذلك؟""أجل."تسارعت أنفاس تسنيم واضطربت، وأخذ صدرها يعلو ويهبط بانفعالٍ وغيظ. رسمت ابتسامةً باهتة على شفتيها بصعوبة، والتفتت لتتأمل ملامحه الوسيمة وقالت: "ألزامًا عليك أن تكون صريحًا وجارحًا إلى هذا الحد؟""أنتِ من تملكين الخيار؛ إما الزواج بي أو الرفض."أطلقت تنهيدةً طويلة وقالت: "يبدو أن حبيبتك السابقة، التي تخلت عنك مرتين، قد تركت بداخلك جرحًا غائرًا لا يندمل!"لاذ سهيل بالصمت، وركز انتباهه على القيادة.غادرت السيارة مركز الشرطة، وانطلقت في طريقها لتمر بجوار الرصيف الذي كانت تسير عليه رهف.كان سهيل يقود بيدٍ واحدة، بينما أسند مرفقه الآخر بخفةٍ على حافة النافذة المفتوحة. وما إن تجاوزوها، حتى انزلقت نظراته رغمًا عنه نحو مرآة الرؤية الخلفية ليتتبع طيفها، واكتست ملامحه بظلالٍ متزايدة من القتامة.سألته تسنيم بفضول: "لو عادت حبيبتك السابقة الآن لتطلب منك الرجوع، أستقبل؟"أجابها سهيل بصرامةٍ وبلا أدنى تردد: "كلا."اتسعت ابتسامة تسنيم بسعادة وسألته:
اقرأ المزيد
السابق
1
...
171819202122
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status