All Chapters of عند لقائه بها بعد خمس سنوات، يخرج السيد سهيل عن السيطرة مرة أخرى: Chapter 221 - Chapter 230

456 Chapters

الفصل 221

أرخى الليل سدوله، وعم السكون، ولم يقطع صمت حديقة المستشفى سوى صرصرة الحشرات التي تعلو وتخفت بين الحين والآخر.في الطابق الثالث من قسم التنويم 'قسم الإقامة الداخلية'، خيم سكونٌ مطبق على الغرفة الفردية، وتشبع الهواء برائحة المعقمات الطبية اللاذعة، بينما تسلل ضوءٌ أصفر دافئ وباهت ليسقط على ملامح سهيل الرزينة والوسيمة.جلس سهيل بهدوءٍ تام على الأريكة المريحة، وكأن جبالًا من الهموم قد جثمت على كتفيه العريضين، لتسحقهما بوطأةٍ لا تُحتمل، فأسند ظهره إلى الخلف بوهنٍ شديد، بينما تعلقت عيناه السوداوان العميقتان— في تحديقٍ لا يرمش— برهف التي غاصت في غيبوبة نومٍ عميق على السرير.طوقه شعورٌ عارم بالذنب وندمٌ يمزق الروح، حتى بات عاجزًا عن تخطي عتبة الغرفة ولو لخطوةٍ واحدة.منذ الظهيرة وحتى جوف الليل، استُبدلت أكياس المحاليل الوريدية مرارًا، وما زالت رهف غارقةً في سباتها، ترفض الاستيقاظ.دُفع الباب بخفة، ودلفت مريم بخطواتٍ حذرة لا تكاد تُسمع، تحمل في يدها وجبةً خفيفة، ثم سألت بصوتٍ خافتٍ أقرب للهمس: "ألم تستيقظ رهف بعد؟"هز سهيل رأسه نفيًا دون أن يزيح بصره قيد أنملة.اقتربت مريم منه، ووضعت الطعام على
Read more

الفصل 222

"وقد جاءت زوجة عمي بالفعل، يرافقها حارسان أمنيان، وسرعان ما احتدمت بينها وبين الخالة مشادةٌ كلامية، فحاول الحارسان إبعاد الخالة بالقوة، ونشب اشتباكٌ جسدي.""تدخل سهيل لحمايتها، لكن انفعال الخالة كان قد بلغ ذروته، ففقدت وعيها وسقطت مغشيًا عليها. أُصبنا أنا وشقيقي بذعرٍ شديد، ونقلناها بأقصى سرعة إلى قسم الطوارئ في المستشفى، فلم يخطر ببالنا قط أن تنتهي الأمور بهذه الفاجعة... أنا آسفة يا رهف."مزق ألمٌ حادٌ قلب رهف كالنصل، لكن نبرتها ظلت هادئةً وخاويةً من أي مشاعر، ببرودٍ يفوق الوصف وهي ترد: "لا تلومي نفسكِ، ولا تشعري بالذنب، فالأمر لا علاقة له بكم. لقد أُصيبت أمي بهذا المرض النادر قبل عام، وتأخر تشخيصه طويلًا حتى امتد الفشل العضوي ليضرب عدة أعضاءٍ في جسدها؛ كان المرض شرسًا بطبيعته، وبسبب ضعف عضلة قلبها، حذرنا الأطباء من أي انفعالٍ أو غضب، لكنها كانت عنيدة، حادة الطباع، وترفض الاستماع لأحد... فيبدو أن هذا هو قدرها المحتوم!"ضربت مريم بقبضتها على السرير بغيظ، وقالت بحنق: "بل حدث كل هذا بسبب تدخل زوجة عمي فيما لا يعنيها! لو لم تأتِ إلى المستشفى لتفتعل لكِ المشاكل، لما استشاطت الخالة غضبًا، و
Read more

الفصل 223

"سأتواصل مع إدارة المقابر لترتيب إجراءات الدفن.""هل سننقل الجثمان ونقيم العزاء في مسقط رأسنا؟""أجل، فحتى في غياب والدي، يجب أن نقيم لأمي مراسم عزاءٍ تليق بها.""ولكن أنا... أنا لا أملك المال لتكاليف النقل ومراسم العزاء."كان شادي رجلًا ضعيف الشخصية، عديم الحيلة؛ اعتاد دائمًا الاتكال على شقيقته الكبرى في كل شيء، فلم يحمل يومًا هموم عائلته أو يضطلع بمسؤولياتها، ولم يكن يملك ما يؤهله ليكون عماد البيت من الأساس. وأمام فاجعة وفاة والدته، وقف تائهًا شارد الذهن، عاجزًا عن إدراك ما ينبغي عليه فعله.ردت رهف بحسم: "سأتكفل أنا بذلك."وفي تلك اللحظة، اقتحمت مريم الغرفة بخطواتٍ مسرعة، تلوح ببطاقةٍ مصرفية في يدها وقالت: "هذه تعويضاتٌ أرسلتها زوجة عمي يا رهف، وبداخلها ثمانون ألف دولار."تسمرت رهف في مكانها مذهولة.بينما هب شادي وخلود واقفين في صدمة، وتبادلا نظراتٍ تفيض بالذهول.سأل شادي بصوتٍ يرتجف: "تعويضات عن ماذا؟"سألت رهف بحيرة: "أيُعقل أن تبادر زوجة عمكِ بتقديم تعويضٍ من تلقاء نفسها؟""لم تقدم عليها من تلقاء نفسها، فقد ذهب سهيل إلى منزلها لمواجهتها، وما يزال هناك حتى هذه اللحظة. وقد طلب مني أ
Read more

الفصل 224

"لقد التقيت بها وتحدثت معها بالفعل، ولكن، من أين لي بكل تلك السلطة لأجبرها على الانفصال عنك؟"أسند سهيل ظهره إلى الكرسي باسترخاءٍ يشوبه التعب، ورد بنبرةٍ مثقلة بخيبة الأمل: "أنتِ محقة، فأنتِ لا تملكين السلطة لإجبارها على تركي، لكن الكلمات التي سممتِ بها أذنيها هي ما دفعها لإخفاء الحقيقة عني لست سنوات. وفي ذلك الوقت، فضَّلت رهف تدمير سمعتها، وقبلت بأن توصم بعار الخيانة، على أن تتجرأ وتخبرني بأن السبب الحقيقي لانفصالنا كان دخول والدها السجن.""وحتى لو أخبرتك، ما الذي كان سيتغير؟" استشاطت سلوى غضبًا من كلامه، وارتفع صوتها بحدة مردفةً: "أكنت ستضحي بمستقبلك المهني لتتزوج من ابنة قاتل؟"أطلق سهيل ضحكةً ساخرة، بينما تجمعت الدموع الحارة في عينيه حتى احمرت حوافها، فجزّ على أسنانه بقوة، وسحب نفسًا عميقًا، بينما تحولت قبضتاه إلى حجرٍ صلب من فرط الغضب.وبخت سلوى بصرامة: "لم تحبك رهف بالقدر الذي تتوهمه! على الأقل، لم تصمد أمام ضغطي البسيط، فكيف لها أن تواجه ضغط عائلتنا بأكملها من أجلك؟ لم ترد الزواج بك كي لا تحمل وزر تدمير مستقبلك، وفوق ذلك، هي فتاةٌ فاتنة، وتتمتع بذكاءٍ حاد، والعثور على رجلٍ يفوقك
Read more

الفصل 225

مع حلول الأصيل، بدأت الشمس رحلة الغروب.تسربت حمرة الشفق لتصبغ إحدى زوايا المقهى الهادئ، حيث جلس سهيل وفي الجهة المقابلة له جلست تسنيم. كان قد طلب كوبين من شاي الفواكه.دون أي مقدمات، دخل سهيل في صلب الموضوع مباشرةً، وقال بحسم: "أنا أعتذر، فقد قررت إلغاء زفافنا."عقدت تسنيم أصابعها حول كوب الشاي بتوتر، وأطرقت رأسها غارقةً في دوامةٍ من القلق والارتباك، وسألت بصوتٍ خافت ومرتجف: "أأدركت الحقيقة كاملةً؟"تسمر سهيل في مكانه لثانية، وقرر كتمان السبب الحقيقي مؤقتًا، مكتفيًا بتسليط نظراته الباردة والمشبعة بالاستغراب نحوها.أمام هذا التحديق العميق، تملك تسنيم الرعب، وسارعت بتبرير موقفها: "أثناء دراستي في الخارج، واعدتُ شابًا، لكن علاقتنا لم تدم سوى ستة أشهر قبل أن نفترق، ولولا هذا التدقيق الأمني الروتيني الذي حدثتني عنه، لما علمت قط أن والد حبيبي السابق كان قياديًا في وكالة استخباراتٍ أجنبية."ابتسم سهيل بلامبالاةٍ واضحة.استطردت تسنيم على عجل: "أعلم أن علاقتنا هذه تبدو حساسةً للغاية، لكن زوجة عمكَ أكدت لي أنه يمكننا تقديم تقريرٍ رسمي نثبت فيه جهلي التام بهويته، خاصة وأننا انفصلنا منذ سنواتٍ طو
Read more

الفصل 226

في صالة الانتظار، حيث يمتد الوقت ثقيلًا وموحشًا في ترقب الانتهاء من تجهيز الجثمان، جلست رهف على مقعدٍ في إحدى الزوايا، يغلفها هدوءٌ يبعث على الرهبة.إن رحيل الأحبة ليس حزنًا عابرًا، بل هو غيمةٌ من الكآبة الثقيلة تظلل ما تبقى من العمر، لا شمس تبددها ولا ريح تقتلعها.إنه حزنٌ صامت، وحدادٌ يضرب بجذوره في أعمق نقاط الروح.كان شادي وخلود قد حضرا بالأمس، وبسبب رفضها القاطع منحهما أي جزءٍ من التعويض الذي قدمته سلوى، تشاجرا معها طوال الليل، واستخدما كل أساليب الترغيب والترهيب لثنيها عن قرارها، وحين أدركا استحالة زحزحتها عن موقفها، غادرا عائدين إلى مدينة الوادي وهما يشتعلان غضبًا.لتُترك وحدها في هذا المكان الموحش، تنتظر جثمان والدتها لتعود به إلى الديار.في أشد اللحظات التي احتاجت فيها إلى سندٍ وعائلة، كان والدها يقبع خلف القضبان، وشقيقها قد قطع أواصر الدم من أجل حفنةٍ من المال.يا لها من مأساةٍ تعتصر القلب!رفعت بصرها نحو اللوحة الإلكترونية المعلقة في الممر.إلهام البيطار "53 عامًا"... يجرى تجهيز الجثمان...هذه الكلمات الجافة الخالية من أي دفء، بدت وكأنها حممٌ بركانية حارقة تُدمغ بها على جدرا
Read more

الفصل 227

حدقت رهف في سلسلة المفاتيح المألوفة، بينما راحت يداها ترتجفان بخفة؛ كانت الدمية الصغيرة العتيقة المتدلية من حلقة المفاتيح تحمل معها في كل تفصيلٍ منها ذكرياتٍ لا تُحصى، تختزن بين ثناياها أيامًا جميلة جمعتهما ذات يوم.لم يخطر ببالها قط أن يأتي اليوم الذي ترى فيه هذا المفتاح مجددًا.اغرورقت عيناها بالدموع، وزمّت شفتيها بمرارة، ثم مدت يدها ببطء لتعيد إليه سلسلة المفاتيح، وقالت: "لا أستطيع قبولها. فهذه الشقة تُقدَّر قيمتها بمئات الآلاف، ولم يداهم أمي المرض إلا عند عتبة منزلكم. إن تقديم شقةٍ كاملة تعويضًا عن ذلك لَأمرٌ جنوني، ومبالغٌ فيه بحق.""هذه الشقة فارغة على أي حال ولن يسكنها أحد، فالاحتفاظ بها لن يجلب لي أي نفع.""فلتعرضها للبيع إذن، وادخر ثمنها للإنفاق على زوجتك وأطفالك في المستقبل."انقلبت نبرة سهيل فجأة، وأطلق ضحكةً باردة تقطر سخرية وهو يرد: "بحقك! لِمَ تتصنعين الزهد والتعفف الآن يا رهف؟ ألم تكوني دائمًا من عاشقات المال؟"عقدت رهف حاجبيها بشدة، ورمقته بنظرةٍ تفيض بالذهول والصدمة.رفع سهيل حاجبيه قليلًا، وقال بنبرةٍ يكسوها التعالي والبرود: "كنت أعلم أنكِ قاسية، لكن لم أظن يومًا أن ق
Read more

الفصل 228

"دعي إدارة المستشفى تستكمل تجهيزات نقل الجثمان مؤقتًا، ورافقيني للخارج لبعض الوقت، لننهي إجراءات نقل ملكية الشقة."فركت رهف مفتاح الشقة بين أصابعها وسألته: "هل الأمر بهذه العجلة؟""بالتأكيد." ثم أردف سهيل بنبرةٍ لامبالية: "أريد حسم الأمر بلا مماطلة، فإن طال أمد تواصلنا، ستنزعج خطيبتي وتثير المشاكل."اجتاح قلب رهف ضيقٌ مكتوم، واعتصرها ألمٌ خانق، فآثرت ابتلاع كلماتها ولاذت بالصمت.أطرقت رأسها، وظلت تحدق في حلقة المفاتيح التي تستقر في يدها.كانت من عادتها أن تلقي بمفاتيحها في أي مكان آنذاك، وكثيرًا ما تعاني لتعثر عليها قبل الخروج.فصنع لها سهيل، بيديه، تلك الدمية الصغيرة اللطيفة وعلقها في سلسلة المفاتيح.وإن أضاعت المفتاح، يكفيها أن تضغط زرًا من تطبيقٍ في هاتفها، لتصدر الدمية صوتًا يُرشدها إليه بسهولة.وكثيرًا ما كانت تنسى اصطحاب المفتاح عند خروجها.وبغض النظر عن المكان الذي يتواجد فيه سهيل، كان يكفيها اتصالٌ واحد، ليعود مسرعًا ويفتح لها الباب.كان يمسح على رأسها بحنانٍ ويمازحها: "في المرة القادمة، اتركي عقلكِ في المنزل أيضًا."وكانت تواجهه بتبجحٍ محبب وتعاتبه: "أسئمتَ من العودة خصيصًا لف
Read more

الفصل 229

في تمام الثانية فجرًا...أنهى جاسم أعماله في مركز الشرطة، وعاد إلى منزله يجر جسدًا أنهكه التعب.وما إن دفع باب الشقة، حتى لاحظ أن أضواء غرفة المعيشة ما تزال مضاءة، وبحكم غريزته المهنية كشرطي، توقف لثانيةٍ واحدة، وتأهبت حواسه في ومضة.لكن ما إن وقع بصره على الحذاء الرجالي المألوف المتروك عند المدخل، حتى تنفس الصعداء، فوضع مفاتيح سيارته جانبًا، وأغلق الباب خلفه.دلف إلى غرفة المعيشة، ليجد سهيل جالسًا بوضعيةٍ جانبية على الأريكة، مسندًا مرفقه إلى ظهرها، وأطراف أصابعه تستند إلى جبينه، غارقًا في شرودٍ حزين وهو يحدّق في عتمة الليل خارج الشرفة.وما إن تناهى إلى مسامعه صوت الباب، حتى أدار سهيل رأسه قليلًا، وحيا شقيقه بصوتٍ دافئ: "مرحبًا يا أخي."تلاقت نظرات جاسم بنظرات أخيه، فأطلق تنهيدةً خفيفة، وتقدم ليجلس على الأريكة، أرجع رأسه للخلف بتثاقل وأغمض عينيه ليريح عقله المتعب، ثم سأله: "منذ متى وأنت هنا؟""منذ ثلاث ساعات.""ولمَ لمْ تخبرني بقدومك بدلًا من الانتظار كل هذا الوقت بلا طائل؟"أنزل سهيل مرفقه، واعتدل في جلسته قائلًا: "لم أشأ إزعاجك أثناء عملك، لكنني لم أتوقع قط أن يستمر عملك الإضافي حتى
Read more

الفصل 230

رقّ قلب جاسم لحال شقيقه، فالتقط الملف الذي ألقاه للتو، وقال بنبرةٍ خافتة: "حين يتسنى لي الوقت، سأعيد التحقيق في الأمر جيدًا من أجلك، لكن إياك أن تعلق آمالًا كبيرة، كي لا يكون سقوطك في خيبة الأمل مدويًا.""شكرًا يا أخي." افتر ثغر سهيل عن ابتسامةٍ ممتنة، وأردف: "لقد تأخر الوقت. سأتركك لترتاح."نهض سهيل واتجه نحو الباب، فالتفت جاسم ليراقب ظهره المثقل بالهموم وناداه: "سهيل."التفت سهيل متسائلًا: "ما الأمر؟""هل كنت لتُغير وظيفتك من أجل رهف؟"ابتسم سهيل بمرارةٍ وقال: "لو فعلت... هل تظن أنها كانت ستتأثر بذلك؟""كلا.""بالضبط! سواء غيّرتُ وظيفتي أم لا، يستحيل أن توافق على الارتباط بي مجددًا، وتلك هي المعضلة الحقيقية."عقد جاسم حاجبيه بشدة، وأشار بيده بقلة حيلة ليصرفه، ثم أدار وجهه متمتمًا في سره: "يا له من صداعٍ هذا الذي يُسمى بالحب! الإنسان العاقل ينهي عمله ليرتاح، ولا يجب أن يقحم نفسه في متاهات العشق ليجلب لروحه شقاءً لا طائل منه."ابتسم سهيل بمرارة، وانتعل حذاءه، ثم فتح الباب مغادرًا، وهمس: "طابت ليلتك"، قبل أن يغلق الباب خلفه بهدوء.في الثالثة فجرًا، كانت الشوارع غارقةً في سكونٍ تام، أضاء
Read more
PREV
1
...
2122232425
...
46
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status