جميع فصول : الفصل -الفصل 90

135 فصول

الواحد والثمانون

81***— ماذا؟ ألن تُرني إياه؟!قالها لوكا ضاحكًا وهو يمد يده مرة أخرى محاولًا انتزاع جدولي من بين أصابعي.— مستحيل!صرختُ فورًا، ثم التفتُّ بسرعة ووضعتُ ظهري على ذراع الأريكة، ودسستُ قدميّ بيننا كحاجز دفاعي، مستعدةً لركله إن لزم الأمر. فقد نشأتُ وسط إخوة وأبناء عمومة، وأعرف جيدًا كيف تُخاض معارك الأرائك حتى النهاية.— لم ألقِ نظرة عليه بعد!ضحك لوكا من جديد، وقد بدا أن الأمر يزداد تسلية بالنسبة له، ثم مال إلى الأمام وقال:— حسنًا، إذًا أخبريني ما هو مسارك الدراسي—قاطعته بسرعة، ممسكة بالورقة بإحكام حتى غطّت نصف وجهي وكأنني أختبئ خلفها:— لا أستطيع... إنه سر من أسرار الدولة.انفجر ضاحكًا، ثم انحنى نحوي وهمس بمكر:— أنت جاسوس.وفي لحظة خاطفة، كالأفعى، شد الورقة من أمام وجهي.تراجع فورًا إلى الخلف، رافعًا إياها بعيدًا عن متناول يدي.— أعدها!صرختُ ضاحكة، ثم اندفعتُ نحوه دون تفكير، حتى سقط نصف جسدي تقريبًا في حضنه وأنا أحاول الوصول إليها.لكن لوكا كان أسرع، يرفع ذراعه الطويلة فوق الأريكة، فوق راف، كمن يعلن تفوقه في معركة غير متكافئة.غير أن راف، بابتسامة هادئة، مدّ يده بخفة وانتزع الورقة
اقرأ المزيد

الثاني والثمانون

82*****بقي بن ولوكا مستيقظين معنا حتى ساعة متأخرة من الليل، لكن ليس إلى الحد الذي يفقدهما القدرة على النهوض في الصباح. كانا عالقين بين حماسةٍ مشتعلة تجعل النوم شبه مستحيل، ورغبةٍ ملحّة في الحصول على قسطٍ كافٍ من الراحة ليستقبلا يوم الغد بكامل نشاطهما.وفوق ذلك، كانت الغرفة دافئة على نحوٍ يبعث على الاسترخاء. جلسنا لساعاتٍ طويلة نتبادل الضحكات والأحاديث حول ألسنة النار الهادئة، بينما كانت مصابيح الزيت التي أشعلها راف تنثر ضوءًا ذهبيًا ناعمًا في أرجاء المكان، فتغمره بأجواءٍ مريحة تكاد تشبه الحلم. أما كعكة القهوة فكانت شهية إلى درجةٍ جعلتنا جميعًا نبالغ قليلًا في تناولها، إلى جانب ما توفر من حلوى ووجبات خفيفة، نعوّض أسبوعين كاملين من وجبات الكافتيريا الباهتة التي اعتدناها في الثكنة.ومع انقضاء الوقت، بدأت أشعر براحةٍ عميقة تتسلل إلى أوصالي. فالتففت بالبطانية الخضراء الناعمة التي أهداها لي راف، أستمتع بدفئها فيما كنت أراقب، بين الحين والآخر وجه لوكا المشرق بالضحك. شيئًا فشيئًا، آثرت الصمت، تاركةً دفة الحديث للشبان، واكتفيت بالاستماع. كانت أصواتهم تتداخل في أذني حتى تحولت إلى همهمةٍ هادئة
اقرأ المزيد

الثالث والثمانون

83***عندما فتحتُ عينيّ للمرة التالية، لم أشعر بدهشةٍ حقيقية حين وجدتُ نفسي وسط غابة البتولا ذات الأوراق الذهبية، تلك الغابة التي بدت وكأنها خرجت من لوحةٍ حالمة، تتراقص فيها خيوط الضوء بين الأغصان كشظايا شمسٍ ضلّت طريقها إلى الأرض.أطلقتُ زفرةً خافتة، ثم غطّيتُ وجهي بكفّيّ محاولةً تهدئة الارتباك الذي اجتاحني، لكن الحماس كان أقوى من أن يُخفى. ففي النهاية... أنا هنا لأنني أردتُ أن أكون هنا، أليس كذلك؟ هذا الحلم لا يتشكل من تلقاء نفسه، بل لا يظهر إلا حين يُستدعى، حين يطلب أحدنا من الآخر أن يلتقيه بين حدوده الغامضة.**إنه قادم!** هتفت ذئبتي بحماسٍ لا يمكن احتواؤه.ارتجف قلبي بعنف."يا إلهي... يا إلهي..." همستُ وأنا أمرر يدي على وجهي وأدير نظري بين الأشجار باحثةً عنه.فالأمر لم يعد لعبةً عابرة أو مصادفةً بريئة.لقد أصبح جادًا أكثر مما ينبغي.كان من المستحيل ألا يلاحظ لوكا أن شيئًا غير مألوف يحيط بهذه الأحلام.ونظراته تلك الليلة...والطريقة التي استقرت بها يده على ساقي للحظاتٍ أطول مما ينبغي...وإشارته الخفية إلى الأحلام وهو يراقبني بعينيه الثاقبتين، يحاول انتزاع حقيقةٍ أخفيها خلف ابتسامةٍ
اقرأ المزيد

الرابع والثمانون

84***"حسنًا..." قلتُ بصوتٍ هادئ، لكن قلبي لم يكن هادئًا على الإطلاق.ففي اللحظة التي لامست فيها أصابعه ذراعيّ، ظهرت تلك الشرارات المضيئة من جديد، تتراقص بيننا في الهواء كأنها انعكاسٌ مرئي لذلك السر الغامض الذي يربطنا كلما اقتربنا من بعضنا. عندها امتلأت معدتي بفوضى جميلة من التوتر والترقب.رفعتُ بصري إليه وهمست:"وماذا لو لم يكن الأمر مجرد تجربة؟"توقفت ابتسامته للحظة، لكنه لم يبتعد.بل جذبني نحوه قليلًا."وكيف لا يكون كذلك؟" سأل بصوتٍ منخفض.وللأسف...تركته يفعل.حاولتُ أن أقاوم، حاولتُ أن أتمسك بكل الأسباب التي دفعتني إلى وضع تلك الحدود بيننا، لكن وجوده كان يربك كل شيء. دفء أنفاسه، قربه، رائحته المألوفة التي أصبحت قادرة على إضعاف عزيمتي في لحظات.كان الأمر يفوق قدرتي على المقاومة.وكنتُ أنا الوحيدة التي ما زالت تحاول التمسك بشيءٍ من المنطق بيننا."لوكا..." تنهدتُ وأنا أميل نحوه دون وعي، وعيناي معلقتان بعينيه. "ماذا لو لم يكن هذا حلمًا؟ ماذا لو كان حقيقيًا؟"لكن كلماتي بدت وكأنها ضاعت في مكانٍ ما بيننا.لأنه همس فجأة:"هل تعلم أنني قضيتُ الليل كله أفكر؟"ثم شدّ ذراعيه حولي أكثر، حتى
اقرأ المزيد

الخامس والثمانون

85***"لا!"انطلقت الصرخة مني قبل أن أتمكن من منعها.دفعتُه بقوة واندفعت مبتعدة من بين ذراعيه، متعثرةً في خطواتي فوق العشب الذهبي الرطب.تراجعت عدة خطوات، أتنفس بصعوبة، بينما كان الذعر يشتعل في صدري.رفع لوكا رأسه نحوي، وقد ارتسم الإحباط بوضوح على وجهه."آري!"صاح باسمي وهو يتقدم نحوي."ما الذي يحدث بحق السماء؟!"كانت نبرته مزيجًا من الغضب والحيرة والعجز.أما أنا فرفعتُ يدي بسرعة وأشرتُ إليه بإصبعي المرتجف."ابقَ مكانك!"خرج صوتي أعلى مما قصدت، حادًا ومشحونًا بالتوتر.واصلتُ التراجع إلى الخلف، بينما كان هو يحاول الاقتراب خطوة أخرى."لا!"هتفتُ مجددًا، هذه المرة بقوةٍ أكبر.توقف لوكا أخيرًا في مكانه.لكن ذلك لم يكن يعني أنه استسلم.أغمض عينيه بقوة حتى برز التوتر على ملامحه، وتكورت يداه عند جانبيه في قبضتين مشدودتين، وكأنه يحارب رغبةً عارمة تدفعه إلى التقدم نحوي مجددًا أو منعي من الابتعاد. كان صدره يعلو ويهبط بعنف، إلا أنه، رغم كل شيء التزم بمكانه ولم يتحرك خطوة واحدة."أجل توقف!" صرختُ وكأن صراخي هو ما جمده بأرضه، لكنني كنت أتراجع بسرعة أكبر مما ينبغي.وفجأةً ارتطم ظهري بشجرةٍ خلفي أقس
اقرأ المزيد

86***

86***"ماذا، أم أن عقلك الباطن مُعدٍ للمثليين؟" سألته وما زال عدم إدراكه لكوني فتاة يثير استيائي على نحوٍ لا يُحتمل.كنتُ أقف أمامه أكشف له حقيقةً خطيرة وأمنحه جزءًا من سرٍّ عن عالم الاحلام… كل ذلك من أجل أن يفهم ما يحدث بيننا... ومع ذلك كان يصرّ على النظر إليّ وكأنني أروي قصةً خيالية.بصراحة كان ذلك مستفزًا للغاية… أنا أبذل كل هذا الجهد لأكون صادقة معه وهو لا يكلف نفسه حتى عناء التفكير أو حتى تصديقي.تنهد لوكا وهز كتفيه بلا مبالاة لكن عينيه لم تغادرا وجهي."ربما يكون كلامك صحيحًا."ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة جانبية مستفزة."لم أكن أتوقع يومًا أن أصل إلى هذه المرحلة لكن ها نحن ذا… وما زلت ترفضني حتى الآن رغم كل محاولاتي لفهم ما يجري."هز رأسه ساخرًا وأضاف:"بصراحة يا آري، أن يتم رفضي مرارًا بسبب شخص يفترض أنه مجرد نتاج خيالي... أمر محبط للغاية."أطلقتُ زفرة غاضبة."أنا حقيقي!"خرجت الكلمات هذه المرة من بين أسناني المشدودة… رفع حاجبًا واحدًا وقال ببساطة:"أثبت ذلك."رمشتُ بدهشة."اسألني أي شيء."لكن لوكا هز رأسه فورًا."لن ينجح الأمر.""ولماذا؟""لأن أي شيء ستقوله سيكون شيئًا أعرفه با
اقرأ المزيد

87***

87***أدرتُ رأسي بعيدًا وأطبقتُ جفنيّ بقوة أتمنى لو أنني أستطيع انتزاع نفسي من ذلك الحلم كل ما تمنّيته حينها أن ينتهي... أن يختفي ويتركني بسلام.ثم فتحتُ عينيّ فجأة لأجد نفسي في سريري أضغط على أسناني بقوة بينما تسلّل أنينٌ مكتوم من بين شفتيّ فاستدرتُ سريعًا ودفنتُ وجهي في الوسادة أخنق ذلك الصوت قبل أن يسمعه أحد. بقيتُ هكذا طويلًا، غارقةً في وسادتي، أرقب شفقةً مريرة تتسلل إلى قلبي. وللمرة الألف لعنتُ ضميري العنيد وإرادتي الصلبة التي دفعتني إلى إيقاف لوكا ومنعه من ارتكاب شيء قد يندم عليه لاحقًا.لأن الحقيقة التي لم أعد قادرة على إنكارها كانت واضحة ومؤلمة.لقد أردتُ أن أقبّله.بل أكثر من ذلك... كنتُ أريد تلك القبلة بكل ذرة في داخلي.والآن؟ من يدري متى قد تتكرر تلك اللحظة؟فلوكا لم يكن يحاول تقبيل آري الحقيقية بل تلك الصورة الخيالية التي رسمها في ذهنه، تلك النسخة التي تشبهني والتي أراد من خلالها أن يفهم مشاعره المضطربة. لكن ماذا سيحدث عندما يكتشف أن تلك الصورة ليست خيالًا أصلًا؟ عندما يدرك أن الفتاة التي يبحث عنها كانت أمامه طوال الوقت في صورة الطالب آري؟أطلقتُ ضحكة قصيرة خالية من المرح
اقرأ المزيد

88***

88***أدرتُ نظري في أرجاء القاعة، مأخوذةً بروعتها المهيبة. كانت الطاولات المستديرة مصطفةً بتناغمٍ أخّاذ داخل مساحةٍ أشبه بكاتدرائية ملكية أكثر منها قاعة طعام. فوق رؤوسنا ارتفعت الأسقف الشاهقة على امتداد أربعة طوابق كاملة، بينما تسللت أضواء الثريات العملاقة عبر ظلال الأعمدة الحجرية، فتمنح المكان رهبةً ساحرة. أما النوافذ الضخمة الممتدة عبر ثلاثة طوابق على طول الجدار الغربي، فقد أغرقت القاعة بضوء الصباح الذهبي، تاركةً الزوايا البعيدة غارقةً في نصف عتمةٍ تضفي على المشهد سحرًا غامضًا.همستُ بانبهار وأنا أتبع راف نحو إحدى الطاولات الفارغة:"يا إلهي... هل هذه حقًا قاعة الإفطار؟"ابتسم راف وهو يسحب أحد المقاعد ويجلس، ثم أشار لي ولجيسي أن نفعل المثل.حولنا كانت عشرات الطاولات تعجّ بالطلاب أصحاب الزي العسكري الأسود الأنيق. بعضهم يتبادل الأحاديث والضحكات، وبعضهم غارق في قراءة كتابه وكأن هذا المكان الفخم جزء طبيعي من يومه. بدا معظمهم أكبر سنًا وأكثر خبرة، مما أضفى على القاعة جوًا من الهيبة والانضباط.قال راف وهو يستند إلى كرسيه:"كانت هذه القاعة الكبرى للقلعة، مثل القاعة الرئيسية في القصر عندنا."
اقرأ المزيد

89***

89***"صباح الخير!" قلتُ بسرعة، مجبرةً وجهي على ارتداء تلك الابتسامة الأميرية المشرقة التي أتقنتها عبر سنواتٍ طويلة من التظاهر بالهدوء. ثم أشرتُ إلى إبريق القهوة أمامنا مضيفةً بخفة:"هناك قهوة ساخنة... تعال واجلس."توقفت نظرات لوكا عليّ لثانية أطول مما ينبغي وهو ضيّق عينيه قليلًا، وكأنه يحاول كشف سرٍ أحاول دفنه بعناية. كان الشك واضحًا في نظرته إلى درجة جعلت أنفاسي تتعثر للحظة.ثم، من دون أن يقول كلمة، تابع طريقه حول الطاولة.لكن بدلًا من الجلوس بجانبي كما يفعل دائمًا، اتجه إلى الجهة المقابلة وجلس إلى جوار جيسي.لا أعرف لماذا، لكن شيئًا ما انقبض بقوة داخل صدري.لوكا يجلس بجانبي دائمًا.دائمًا تقريبًا.أما اليوم، بقيتُ أراقب لوكا وهو يستقر في مكانه الجديد.كان الأمر سخيفًا.حقًا سخيفًا.ومع ذلك لم أستطع تجاهل ذلك الشعور المزعج الذي استقر في معدتي.والأسوأ من ذلك كله أن لوكا لم يتوقف عن مراقبتي.حتى أثناء التفافه حول الطاولة، وحتى بعدما جلس، بقيت عيناه معلقتين بي بطريقة جعلت أعصابي تتوتر شيئًا فشيئًا.يا إلهي...أشعر وكأنني أرنب صغير عالق في العراء، يراقبه ذئب جائع لا يحيد بنظره عنه.نحن
اقرأ المزيد

90***

90***"لا تكذب يا آري،" قال جيسي ضاحكًا وهو يهز رأسه ويقضم قطعة أخرى من الخبز المحمص بلا مبالاة، وكأنه ألقى قنبلة صغيرة في منتصف الطاولة ثم واصل إفطاره… ثوانٍ وزاد الطين بلة وهو يضيف:"الجميع يعلم أنك لا تحبين كعكة الشوكولاتة أصلًا."توقفت أنفاسي لجزء من الثانية.بينما التفت لوكا فجأة نحو جيسي، واتسعت عيناه كأن الكلمات أصابته مباشرة في منتصف رأسه. "جيس—" بدأتُ أحاول التدخل، لكن جيسي لم يمنحني فرصة حتى لإكمال الجملة.بل واصل بلا رحمة، مستمتعًا تمامًا بما يفعله:"نكهتك المفضلة،" قال وهو يمضغ الخبز ويتحدث في الوقت نفسه، "هي آيس كريم الفراولة، مع كريمة مخفوقة، ورشّات سكر ملونة فوقها لدرجة تجعلها مزعجة بصريًا."ضحك بخفة وهو يهز رأسه، وكأنه يستعيد عشرات أعياد الميلاد التي لم ألمس فيها الكعكة أصلًا، بل كنت أكتفي بملاعق متتالية من آيس كريم الفراولة حتى يذوب كل شيء حولي.كريمة الفراولة…تجمد الدم في عروقي.شعرتُ بوجهي يفقد لونه تدريجيًا وأنا أرفع عينيّ ببطء نحو لوكا.كان يحدق بي.لكن ليس كعادته.بل بصدمة كاملة، صدمة جعلت فكه ينخفض قليلًا وكأنه لم يعد يسيطر عليه.ساد الصمت على الطاولة.صمت ثقي
اقرأ المزيد
السابق
1
...
7891011
...
14
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status