All Chapters of سيبيريت: Chapter 21 - Chapter 30

103 Chapters

تفعيل الخطة

استيقظتُ في صباح اليوم التالي لقرارنا الانتحاري بالهروب، وأنا أشعر بشيءٍ غريب لم يطرق باب صدري منذ أشهر طويلة: الأمل. لكنه لم يكن ذلك الأمل الوديع للطالب الخائف الذي يترقب منحة دراسية لتنقذه، ولا أمل اللاجئ البائس الذي يبحث عن رقعة أمانٍ صغيرة. كان أملاً من نوعٍ مغاير تماماً؛ أمل المنتقم الذي حدد هدفه، أمل السجين الذي يخطط للخروج من الجحيم بعد أن أحرق بيده كل الجسور التي تربطه بالماضي. ​كان نيكولاي في مكانه المعتاد، جالساً على الأرض الصلبة، يرتشف قهوته السوداء المرة وينفث دخان سيجارته الصباحية. نظر إليّ بعينين ذابلتين ومنتفختين؛ كان من الواضح أنه لم يذق طعم النوم جيداً، حاله كحالي تماماً. ​سألني بصوتٍ أجش: "يوسف.. هل أنت متأكد تماماً مما نحن مقبلون عليه؟" "متأكد من ماذا بالضبط؟" "من كل شيء.. من فكرة الهروب، من قتل فلاديمير، من مواجهة المجهول." حدقتُ في عينيه طويلاً قبل أن أجيب: "هل بدأتَ تتراجع يا نيكولاي؟" "لا، لم أتراجع،" أخذ نفساً عميقاً وتابع: "لكنني أحتاج لسماعك تقولها مرة أخرى بوعيٍ تام، لأتأكد أن هذا القرار نابعٌ من عقلك، وليس تحت تأثير فودكا الليلة الماضية أو سكرات سيبير
last updateLast Updated : 2026-05-06
Read more

مارينا – حليفة الهروب

استيقظتُ في صباح اليوم التالي وأنا أشعر بثقلٍ جاثم في جفوني، كأن النوم لم يكن سوى جولة أخرى من التعب. لم أنم جيداً على الإطلاق؛ كانت أفكاري تدور في حلقة مفرغة ومضطربة حول "رسلان"، ذلك المنافس التتاري الشرس الذي عقدتُ العزم على أن أبيع له "سيبيريت-2". كان حجم الخطر الذي أُلقي بنفسي فيه هائلاً؛ فإذا اكتشف فيكتور بطرقه الملتوية أنني أبيع منتجه وابتكاري لمنافسيه المباشرين، فسأكون جثة هامدة قبل أن أتمكن من نطق كلمة "سيبيريا". لكن تلك المخاطرة، برغم مرارتها، كانت ضرورية وحتمية؛ فالمال وحده لم يعد كافياً لشرائي حريتي، كنتُ بحاجة ماسة إلى حلفاء أقوياء من خارج دائرة نفوذ فيكتور الضيقة.. وكان رسلان هو الباب الوحيد المفتوح أمامنا. ​نيكولاي كان قد استبقني في الاستيقاظ كعادته. كان يجلس على الأرض، يرتشف قهوته السوداء المرة وينفث دخان سيجارته الصباحية، ونظر إليّ بعينين حمراوين أرهقهما السهر الطويل. سألني باقتضاب: "هل أجريتَ الاتصال برسلان؟" "ليس بعد.. سأتصل به في هذه اللحظة." ​أخرجتُ هاتفي، وكان الرقم الذي زودتني به مارينا محفوظاً باسم مستعار "مورد" للتمويه. ضغطتُ على زر الاتصال وقلبي يقرع ف
last updateLast Updated : 2026-05-06
Read more

رجال من قازان

في اليوم التالي لليلة التي أسلمتني فيها مارينا قلبها ومالها، استيقظتُ قبل أن يلامس ضوء الصباح البارد زجاج نافذة المختبر. لم أهنأ بنومٍ عميق؛ فقد كان رأسي يموج بأفكار متشابكة كأنها أسلاك شائكة. كفَّ الثلج عن الهطول خلال الليل، مخلفاً وراءه سماءً صافية بحدة مؤلمة، ونجوماً تتلألأ كشظايا زجاج مهشم فوق رؤوسنا. انخفضت الحرارة إلى ما دون الخامسة عشرة تحت الصفر، وكانت أنفاسي تتصاعد في الفضاء كدخان جنازة بيضاء. ​كان نيكولاي غارقاً في نومه على الأرض، ملتفاً بمعطفه القديم كجنين يبحث عن دفء رحمٍ فقده منذ أمد. رمقتُه طويلاً؛ كان وجهه في النوم يبدو غضاً، أقل قسوة، وكأن الحرب لم تطأه بعد. لكنني كنتُ أدرك يقيناً تلك الندوب التي تواريها ياقته المرتفعة، والكدمات التي لم تندمل على ظهره منذ اختطاف فلاديمير له. تسلل شعور بالذنب إلى صدري، لكنني سارعتُ إلى إخماده كمن يطفئ سيجارة مشتعلة على جلده؛ فالذنب رفاهية، وأنا لم أعد أملك ترف المشاعر. ​نهضتُ بصمت، وتوجهتُ صوب الطاولة المعدنية حيث ترقد بلورات "سيبيريت-2" في كيس بلاستيكي شفاف. استخرجتُ عشرة غرامات بالضبط بوزنٍ لا يحتمل الخطأ، ووضعتها في كيس أصغر محكم ا
last updateLast Updated : 2026-05-07
Read more

اتصال من قازان

في الثالثة فجراً، حين يكون الصمت في سيبيريا أثقل من الجليد نفسه، رن هاتفي. لم أكن نائماً. لم أعد أنام كما ينام البشر منذ أسابيع؛ كنتُ أغفو بعين واحدة كالذئاب، وأستيقظ على أصغر صوت كأن جسدي قرر أن يتحول إلى آلة إنذار مبكر. كنتُ جالساً في المختبر، أحدق في بلورات "سيبيريت-2" وهي تلمع تحت ضوء المصباح الشاحب، وأفكر في رسالة أمي الأخيرة التي لم أرد عليها منذ أسبوع. رن الهاتف مرة ثانية. نظرتُ إلى الشاشة؛ رقم مجهول بمفتاح دولي لا أعرفه. أمسكتُ المسدس بيدي اليسرى قبل أن أرد بيدي اليمنى. "نعم." "يوسف." الصوت كان عميقاً ورخيماً، يحمل لكنة تتارية ثقيلة كوطأة الثلج. "أنا رسلان." توقفتُ عن التنفس للحظة. رسلان يتصل شخصياً في الثالثة فجراً؛ هذا لا يعني أنه أُعجب بالعينة فحسب، بل يعني أنه لم ينم هو الآخر وهو يفكر في الأرقام. "سمعتُك يا رسلان." "المنتج الذي أرسلتَه.." توقف قليلاً كأنه يختار كلماته بعناية جراح، "لم أرَ مثله في حياتي. رجالي جربوه، وكل واحد منهم طلب المزيد في اليوم التالي." "هذا ما توقعتُه." "أريد مئة كيلوغرام." وضعتُ المسدس على الطاولة ببطء. مئة كيلوغرام. في عقلي الكيميائي، بد
last updateLast Updated : 2026-05-07
Read more

آخر ليلة لفلاديمير

في سيبيريا، الليل لا يأتي تدريجياً كما في بلاد أخرى؛ هو يهوي فجأة كغطاء ثقيل يُلقى فوق العالم، ويحول المدينة في لحظة واحدة من رمادي كئيب إلى سواد مطبق لا رحمة فيه. كانت الساعة تقترب من التاسعة حين وقفتُ أنا ونيكولاي أمام مرآة المختبر المكسورة نرتدي ملابسنا الداكنة بصمت. لم يكن هناك ما يقال؛ فقد تجاوزنا مرحلة الكلام منذ زمن، وأصبحنا نتفاهم بطريقة أخرى، بطريقة الرجال الذين عاشوا طويلاً في الظلام حتى أصبحت أعينهم تقرأ الظلام نفسه. ارتديتُ معطفي الأسود وأحكمتُ أزراره حتى الرقبة. تفحصتُ المسدس؛ خمس عشرة رصاصة في المخزن، رصاصة واحدة تكفي لفلاديمير. الباقيات للطوارئ. قال نيكولاي وهو يضع قبعته الصوفية: "هل أنت متأكد من مكانه الليلة؟" "مارينا تأكدت. كل ليلة جمعة يذهب وحده إلى مطعم 'بيريوزا' في شارع لينين. يجلس في نفس الطاولة، يطلب نفس الطعام، ويغادر في نفس الوقت. رجل العادات يا نيكولاي.. وعادات الرجال هي قبورهم." ابتسم نيكولاي ابتسامة مرة: "ومن أخبرك بهذا؟" "آنا.. زوجته." توقف عن الحركة ونظر إليّ بذهول حقيقي، ثم انفجر بضحكة قصيرة وجافة: "أنت تستخدم زوجته لقتله؟" "هي من اتصلت بي أولاً."
last updateLast Updated : 2026-05-07
Read more

قبل الفجر

في سيبيريا، الفجر لا يأتي بالنور؛ يأتي بدرجة أقل من السواد، كأن الليل يتراجع بكسل دون أن يعترف بهزيمته. كانت الساعة تقترب من الثانية فجراً حين جلسنا أنا ونيكولاي ومارينا في شقتها للمرة الأخيرة. كانت الشموع مضاءة، لا من أجل الرومانسية، بل لأن مارينا أطفأت كل الأضواء خشية أن تلفت الانتباه. كانت تجلس على حافة الأريكة البيضاء، ترتدي معطفها الفروي الثقيل كأنها جاهزة للرحيل منذ ساعات، وعيناها تتنقلان بين الباب والنافذة بقلق لا تحاول إخفاءه. وضعت على الطاولة الزجاجية ثلاثة جوازات سفر. قالت بصوت منخفض: "وصلت قبل ساعتين. دفعتُ ثلاثة عشر ألفاً مقابلها." التقطتُ جوازي وفتحته؛ كان مصنوعاً بإتقان مخيف. الصورة حقيقية، الاسم جديد، الجنسية كازاخستانية. نظرتُ إلى الاسم المكتوب فوق صورتي: "داود مراتوف." همستُ دون أن أقصد: "داود." قال نيكولاي وهو يتفحص جوازه: "أفضل من يوسف في هذا الوضع." ثم نظر إليّ بعيون جادة: "الأموال؟" "مئة وسبعون ألفاً في الحقيبة الجلدية السوداء، موزعة على ثلاث حزم. لا تُفتح الحقيبة على الحدود مهما حدث." أومأ نيكولاي برأسه. قالت مارينا فجأة: "الطريق إلى الحدود الكازاخستانية
last updateLast Updated : 2026-05-08
Read more

المطاردة

في سيبيريا، الطريق لا يكذب؛ هو يمتد أمامك مستقيماً حتى يختفي في الأفق، ولا مكان للاختباء فيه، ولا منعطف ينقذك من شيء قرر ملاحقتك. "كم تبعد أقرب مدينة؟" سألتُ نيكولاي بهدوء مصطنع. "سبعون كيلومتراً." "والحدود؟" "مئتان وخمسون." نظرتُ في المرآة؛ السيارة السوداء لا تزال هناك، ثابتة على بُعدها كأنها مربوطة بحبل غير مرئي. لم تُطلق رصاصة واحدة، ولم تُحاول الاقتراب. كانت تنتظر شيئاً ما. "إنهم يسوقوننا،" قلتُها بصوت بارد. "ماذا تقصد؟" سألت مارينا. "لو أرادوا إيقافنا، لفعلوا منذ البداية. إنهم يتركوننا نسير ويراقبون إلى أين نذهب. يريدون معرفة من ينتظرنا على الحدود." صمت نيكولاي، ثم قال بنبرة من يفهم اللعبة: "رسلان." "فيكتور يريد الوصول إلى رسلان عبرنا." قالت مارينا بحدة: "إذن نحن فخ متحرك." "كنا كذلك منذ غادرنا المدينة." في تلك اللحظة، ظهرت سيارة ثانية من الأفق الأمامي. كانت تسير باتجاهنا ببطء مريب، تملأ نصف الطريق وتترك لنا نصفه الآخر. سيارة بيضاء هذه المرة، مختلفة في اللون لكن متشابهة في النية. "أمامنا أيضاً،" قال نيكولاي بهدوء لا يختلف عن هدوء رجل يلاحظ تغيراً في الطقس. "كم معن
last updateLast Updated : 2026-05-08
Read more

الكمين

في سيبيريا، الطرق الطويلة تعلمك شيئاً واحداً؛ أن الخطر لا يأتي دائماً من خلفك، أحياناً يجلس أمامك ويشرب قهوته ببرود وينتظر. قطعنا أربعين كيلومتراً في صمت مطبق. كان نيكولاي يتنفس بصعوبة خلفي، ومارينا تضغط بيدها على الضماد البدائي الذي ربطتُه على جرحه. لم يشكُ، لم يئن، فقط كان يحدق في السقف بعينين زرقاوين تحسب شيئاً لا أعرفه. كنتُ أقود بيد واحدة والأخرى على المسدس. قالت مارينا فجأة بصوت منخفض: "السيارة البيضاء التي ذكرها نيكولاي.. إذا كانت تعرف وجهتنا، فهذا يعني—" "أن شخصاً ما أخبرهم،" قاطعتُها ببرود. صمت ثقيل. ثم قال نيكولاي من الخلف دون أن يغير نظرته من السقف: "ثلاثة أشخاص فقط يعرفون الطريق والوجهة." لم يكمل الجملة. لم يكن بحاجة لإكمالها. نظرتُ في المرآة الداخلية؛ مارينا كانت تحدق من النافذة بوجه لا يبوح بشيء. لكن يدها التي كانت تضغط على جرح نيكولاي شدت قليلاً بشكل لا يلاحظه إلا من يبحث عنه. لاحظتُه. بعد عشرة كيلومترات، ظهرت نقطة التفتيش. لم تكن نقطة تفتيش رسمية؛ كانت سيارتين سوداوين متقاطعتين تقطعان الطريق، وأربعة رجال يقفون بينهما ببنادق لا تعني المداعبة. أبطأتُ السيار
last updateLast Updated : 2026-05-08
Read more

الثلج لا يسمع

أقدام الإنسان تترك أثراً في الثلج، لكن الثلج لا يحزن على من مشى فيه. لم أوقف السيارة. كان عقلي يأمرني بالتوقف، لكن قدمي كانت تضغط على دواسة البنزين بإصرار أعمى. كان الطريق يمتد أمامي والرصاص يتوقف خلفنا تدريجياً كلما ابتعدنا، وكانت يدي على المقود تبدو يد شخص آخر لا أعرفه. "يوسف،" صوت نيكولاي كان منخفضاً وثقيلاً. "أعرف." "يوسف، أوقف السيارة." "أعرف." "يوسف!" أوقفتُ السيارة. الصمت الذي ملأ السيارة حين انطفأ المحرك كان من نوع لم أسمعه من قبل؛ لم يكن صمت الغابة، ولا صمت المختبر، ولا حتى صمت الليل في سيبيريا. كان صمتاً حياً، يتنفس، كأن الهواء نفسه يعرف أنه يجب أن يصمت احتراماً. التفتُّ ببطء. كانت مارينا في نفس الوضعية التي رأيتُها فيها في المرآة. رأسها مائل نحو النافذة اليمنى، وعيناها مفتوحتان تحدقان في الأشجار المتجمدة كأنها تقرأ شيئاً مكتوباً بين جذوعها. يدها اليمنى كانت لا تزال تمسك يد نيكولاي. لم يكن في وجهها ألم. هذا ما صدمني أكثر من أي شيء؛ أنها بدت هادئة. كأن الموت في سيبيريا يأتي بهدوء يليق بالمكان. نزل نيكولاي من السيارة ببطء شديد، يداه الاثنتان تضغطان على جرحه. واج
last updateLast Updated : 2026-05-09
Read more

العودة

الرجل الذي يعود إلى المكان الذي هرب منه ليس نفس الرجل الذي هرب. استيقظتُ قبل الفجر بساعة. كان نيكولاي لا يزال نائماً، تنفسه منتظم لكنه ثقيل، ووجهه في النوم يبدو أصغر من عمره بسنوات. كانت الغرفة باردة والشمعة قد احترقت حتى آخرها وتركت خلفها بقعة شمع بيضاء على الطاولة الخشبية. نظرتُ إليه طويلاً. كان هذا الرجل هو أول من رآني حين وصلتُ إلى سيبيريا؛ مستلقياً على سريره، يدخن بلا مبالاة، وعيناه الزرقاوان تقيسانني بنظرة تعرف أكثر مما تُظهر. كان آخر شيء يربطني بذلك الفتى الذي جاء حاملاً حقيبة واحدة وظناً واهماً بأن العلم وحده يكفي. أخرجتُ الورقة والقلم من جيبي وكتبتُ: "ابقَ هنا حتى تتعافى. لا تتصل بأحد. لا تتحرك. سأتصل بك حين يحين الوقت." وضعتُها بجانب يده النائمة. خرجتُ إلى الفجر السيبيري. كانت السماء تبدأ بتحولها من الأسود إلى الرمادي ببطء كأنها تفعل ذلك على مضض. الثلج توقف عن الهطول خلال الليل وترك خلفه عالماً أبيض ناصعاً يبدو نظيفاً بشكل زائف، نظافة الأشياء التي تخفي تحتها ما لا تريد أن تُظهره. جلستُ في السيارة وحدي. أخرجتُ هاتفي ونظرتُ إلى آخر رسالة من أمي؛ كانت قبل أسبوعين: "ي
last updateLast Updated : 2026-05-09
Read more
PREV
123456
...
11
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status