لم تكن مهنة "يونس" اختياراً، بل كانت قدراً جرى في عروقه كما يجري الدم. في قرية "كفر السحاب"، حيث يختلط زفير المزارع بضباب الجبل، كان بيت عائلة "المرسي" يرتكن وحيداً في طرف القرية، بيتاً قديماً تفوح من جدرانه رائحة الورق العتيق والبخور الذي لا ينطفئ.بعد وفاة جده، وجد يونس نفسه وحيداً مع "العهدة". لم يكن الأمر يتعلق بتوزيع فواتير الكهرباء أو خطابات الغرام، بل كان يتعلق بـ "البريد الآخر".كانت الساعة تقترب من الثانية صباحاً حين شعر يونس بتلك "النفضة" المألوفة في قلبه؛ علامة أن الصندوق قد امتلأ. تنهد بضيق، وحمل مصباحه الزيتي، متوجهاً نحو باب خشبي صغير في زاوية الصالة. انفتح الباب بصرير حاد كأنه صرخة مكتومة، كاشفاً عن سلالم حجرية ضيقة، تآكلت أطرافها بفعل الزمن، تهبط به إلى قبو المنزل.كل درجة ينزلها يونس كانت الحرارة تنخفض فيها بشكل غير منطقي. في القبو، كانت الرطوبة ترسم لوحات كئيبة على الجدران، وفي نهاية الممر، كان هناك تجويف خشبي محفور داخل الحائط الحجري.. "صندوق بريد الموتى".مد يونس يده المرتجفة، وسحب الظرف (الجواب) الوحيد القابع هناك.توقف نَفَسه للحظة. المظروف لم يكن عادياً؛ كان
Last Updated : 2026-04-21 Read more