Home / التشويق / الإثارة / رواية ساعي بريد الموتي / الفصل الاول: امانه الموتي

Share

الفصل الاول: امانه الموتي

last update publish date: 2026-04-21 20:56:15

لم تكن مهنة "يونس" اختياراً، بل كانت قدراً جرى في عروقه كما يجري الدم. في قرية "كفر السحاب"، حيث يختلط زفير المزارع بضباب الجبل، كان بيت عائلة "المرسي" يرتكن وحيداً في طرف القرية، بيتاً قديماً تفوح من جدرانه رائحة الورق العتيق والبخور الذي لا ينطفئ.

​بعد وفاة جده، وجد يونس نفسه وحيداً مع "العهدة". لم يكن الأمر يتعلق بتوزيع فواتير الكهرباء أو خطابات الغرام، بل كان يتعلق بـ "البريد الآخر".

​كانت الساعة تقترب من الثانية صباحاً حين شعر يونس بتلك "النفضة" المألوفة في قلبه؛ علامة أن الصندوق قد امتلأ. تنهد بضيق، وحمل مصباحه الزيتي، متوجهاً نحو باب خشبي صغير في زاوية الصالة. انفتح الباب بصرير حاد كأنه صرخة مكتومة، كاشفاً عن سلالم حجرية ضيقة، تآكلت أطرافها بفعل الزمن، تهبط به إلى قبو المنزل.

​كل درجة ينزلها يونس كانت الحرارة تنخفض فيها بشكل غير منطقي. في القبو، كانت الرطوبة ترسم لوحات كئيبة على الجدران، وفي نهاية الممر، كان هناك تجويف خشبي محفور داخل الحائط الحجري.. "صندوق بريد الموتى".

​مد يونس يده المرتجفة، وسحب الظرف (الجواب) الوحيد القابع هناك.

توقف نَفَسه للحظة. المظروف لم يكن عادياً؛ كان بلون الرماد، ملمسه خشن كجلد جاف، وفي الزاوية اليمنى، استقر "الطابع الأسود". لم يكن طابعاً حكومياً، بل كان رسماً دقيقاً لزهرة "لوتس" ذابلة، يتصاعد منها خيط رفيع من الدخان وكأنه مرسوم بدموع سوداء.

​قلب يونس الظرف(الجواب)، فصعقته المفاجأة. الاسم المكتوب بخط مهتز، يكاد يُمحى، كان:

"إلى: مريم الشاذلي"

​تجمد يونس في مكانه. مريم؟ ابنة خاله التي لم يمر على دفنها سوى ثلاثة أيام؟ مريم التي كانت تضحك في وجهه قبل أسبوع، الآن يمسك برسالة موجهة إليها في صندوق الموتى؟

​صعد يونس السلالم الحجرية بسرعة، وكأن شيئاً ما يلاحقه من الأسفل. جلس في صالته الواسعة، وضع الرسالة تحت ضوء المصباح. كان يعلم القاعدة الذهبية التي نقشها جده على باب القبو: "الرسالة أمانة.. والفضول لعنة.. من يفتح الورق، يفتح عينيه على ما لا يُحتمل".

​لكن الفضول كان ينهش صدره. "كيف لمريم أن تستلم رسالة وهي في قبرها؟ ومن الذي يجرؤ على مراسلة ميت؟".

​نظر يونس إلى الطابع الأسود، وفجأة، خُيل إليه أن الدخان المرسوم في الطابع بدأ "يتحرك" فعلاً. فرك عينيه، لكن الحركة لم تتوقف. اقترب بأذنه من المظروف، فسمع صوتاً خافتاً جداً، كأنه زفير طويل يخرج من خلف الورق.

​لم يتمالك نفسه. وبحركة لا إرادية، غرس نصل سكينه في طرف الظرف(الجواب) الرمادي، ليشق الختم الأسود.. دون أن يدري أنه بهذا الشق، قد مزق الحجاب الذي كان يحميه من عالم لا يرحم.

بمجرد أن اخترق نصل السكين طرف المظروف الرمادي، حدث شيء لم يكن يونس يتخيله؛ لم تخرج ورقة، بل خرج "نفس". زفير طويل وبارد اندفع من جوف المظروف وكأنه كان محبوساً لقرون، صفق أبواب الغرفة بقوة، وانطفأ المصباح الزيتي تاركاً يونس في عتمة خانقة، لا يكسرها إلا ضوء القمر الشاحب الذي يرتسم على الأرض ككفن.

​سقط المظروف من يد يونس، لكنه لم يستقر على الأرض. ظل معلقاً في الهواء للحظة قبل أن ينفتح تماماً وتخرج منه خصلة شعر سوداء طويلة، التفت حول معصم يونس كأفعى جائعة. صرخ يونس محاولاً نفضها، لكنها كانت تزداد إحكاماً، وبدأ يشعر ببرودة الأطراف تتسلل إلى قلبه.

​في تلك اللحظة، لمعت في ذاكرته كلمات جده "الشيخ منصور"، الرجل الذي قضى عمره في هذا القبو. تذكر يونس الليلة التي سأله فيها وهو طفل: "يا جدي، ليه إحنا اللي بنوصل رسايلهم؟".

​كان جده ينظر للفراغ بعينين غائمتين ويجيبه: "يا ولدي، الموت مش نهاية، الموت أحياناً بيبقى 'تعليقة'. فيه أرواح بتموت وهي شايلة سر، أو مظلمة، أو كلمة محشورة في زورها. الأرواح دي بتفضل 'تايهة' بين عالمنا وعالمهم، وبتهدد توازن الكون. جدودك زمان عملوا 'عهد' مع حراس البرزخ؛ إحنا بنكون الجسر. بنوصل رسايلهم عشان يرتاحوا ويعدوا بسلام، ومقابل ده.. الحراس بيحمو بيتنا وبيدونا 'عمر' فوق عمرنا. بس الشرط كان واحد: إياك تفتح الرسالة، لأنك لو فتحتها، السر اللي فيها هيتلبسك أنت.. وهتبقى أنت 'الرسالة' الجديدة".

​الآن، فهم يونس معنى "العقاب".

بدأت خصلة الشعر المحيطة بمعصمه تغوص تحت جلده. صرخ يونس من الألم وهو يرى خطوطاً سوداء، تشبه عروق الشجر الميت، تبدأ في الزحف من يده نحو ذراعه. لقد انتقل "السر" من الورق إلى دمه.

​فجأة، اهتزت المرآة الكبيرة في الصالة. لم يعد يونس يرى وجهه فيها. رأى مشهداً من الماضي؛ رأى مريم وهي واقفة في ليلتها الأخيرة، كانت تبكي وهي تكتب هذه الرسالة بالذات، وخلفها كان يظهر "خيال" لكيان أسود لا ملامح له، يضع يده على كتفها.

​التفتت مريم في المرآة، ونظرت مباشرة إلى عيني يونس. لم تكن عيناها جميلتين كما يتذكرهما، كانت محجرتان خاليتان ينضح منهما سواد سائل. همست بصوت بدا وكأنه يأتي من تحت الأرض:

"فتحتَها يا يونس.. والآن، عليك أن تُكمل ما بدأته.. أو تأخذ مكاني في القبر."

​انفجرت المرآة إلى ألف شظية، وسقط يونس على الأرض فاقداً للوعي، بينما كانت العروق السوداء على يده تتشكل لتكتب اسماً جديداً سيتوجب عليه زيارته غداً.. اسم شخص ما زال حياً، لكنه محكوم عليه بالموت في الرسالة القادمة.

استفاق يونس من غيبوبته القصيرة على صوت أذان الفجر، لكن الصوت لم يكن مطمئناً؛ كان يبدو وكأنه يأتي من بئر عميقة. حاول النهوض، فشعر بثقل غريب في ذراعه اليمنى.

​عندما رفع كمه، تراجع للخلف حتى اصطدم بالجدار. العروق السوداء التي زحفت تحت جلده شكلت كلمات ناتئة بلون الدم المتجلط: "الحاج غنيم.. صانع التوابيت".

​نظر يونس إلى بقايا المظروف الرمادي الممزق على الأرض، ودارت الأسئلة في رأسه كالإعصار. مريم ماتت، هو من حمل نعشها وبكى خلفها حتى جفت دموعه.. فمن الذي يجرؤ على مراسلة امرأة في قبرها؟ لم يكن الخط خط مريم، بل كان خطاً خشناً، غريباً، وكأن من كتبه لم يكن يستخدم حبراً، بل كان يغرس مخالبه في الورق.

​"هل كان الراسل يريدني أن أفتحها؟" همس يونس لنفسه بصدمة. أدرك الآن أن فضوله وحبه لمريم كانا هما "الفخ" الذي نُصب له بعناية. الراسل المجهول يعلم أن يونس لن يصمد أمام رسالة تحمل اسم حبيبته الراحلة.

​التفت يونس للمرآة المنفجرة، ولم يجد مريم هناك هذه المرة، بل وجد أثراً لخطوات مبللة بالماء والتراب تبدأ من عند شظايا الزجاج وتتجه نحو باب القبو.. ثم تختفي. لقد تحررت روح مريم من محبسها الورقي بسببه، لكنها لم تذهب للسماء، بل أصبحت "علقة" في هذا البيت، ظلاً يراقبه من الزوايا المظلمة، لا هي حية فتُكلمه، ولا هي ميتة فترحل.

​حمل يونس حقيبته الجلدية التي أصبحت الآن "قيداً" لا مهنة. خرج من باب البيت والضباب يلف القرية ككفن رمادي. عند نهاية الشارع، رأى ورشة "الحاج غنيم". كان الرجل واقفاً هناك، وسط التوابيت الخشبية التي يصنعها، ينظر إلى يونس بنظرة خالية من التعجب، وكأنه كان ينتظره.

​أدرك يونس أن اسم مريم في الرسالة كان مجرد البداية، وأن السر الحقيقي وراء وفاتها مدفون في مكان ما داخل ورشة هذا الرجل الذي يصنع بيوت الموتى.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • رواية ساعي بريد الموتي    الفصل العاشر والاخير: وداع في جوف الانهيار.

    ​صوت تكسير العروق الخشبية في السقف كان عامل زي ضربات قدر محتوم، والورشة بدأت تطبق تدريجياً على كل ما فيها. وسط الغبار والملح اللي مالي الجو، كان يونس قاعد في حالة "لا مبالاة" مرعبة. رغم إنه رجع بجسده الحقيقي، ودمه بدأ يجري في عروقه تاني بفضل تضحية مريم، إلا إنه مكنش بيحاول يهرب. كان قاعد ساند ضهره على التابوت، وعينيه تايهة في الفراغ، بيبكي بحرقة ومرار وهو بيبص لإيديه اللي رجعت لحم ودم:​"رجعتيني إنسان ليه يا مريم؟ عشان أعيش وحيد تاني؟ أهو المكان بيتهد فوق راسي يا بنت عمي.. أهو اللي خفتِ منه حصل، بس وإحنا بعاد. فاكرة لما جيت لك زمان؟ كنت بقول لك يا مريم إحنا دمنا واحد، وإني مش عايز من الدنيا غير بيت يلمنا. رديتي عليّ بقسوة وقلتِ لي 'المرسي مبيتجوزوش.. المرسي بيخلصوا لوحدهم'. بعتِ ابن عمك وبعتِ حبي عشان خرافات.. ودلوقتي؟ أديكي جثة في تابوت، وأنا رجعت إنسان بس عشان أشوف موتك بعيني!"​يونس ضرب قبضة إيده (اللي رجعت حقيقية) في الملح اللي مغطي الأرض وصرخ بوجع:​"كنتِ فاكرة إنك بتحميني برفضك؟ أنتي عيشتيني سنين ميت وأنا صاحي، ودلوقتي لما وهبتيني الحياة من تاني، بتمشي وتسبيني لمين؟"​في اللحظة

  • رواية ساعي بريد الموتي    الفصل التاسع: سكرة الخيانة وكِيان الفأس

    مريم رسمت على وشها ابتسامة باردة، ابتسامة غريبة مكنش فيها أي أثر لمريم اللي يونس يعرفها. وببطء مرعب، بدأت تنزل إيدها بـ بابور الجاز لحد ما استقر على الطاولة الخشب القديمة. يونس في اللحظة دي انهار كيانه؛ "الخطوات المبللة" حوالين مريم بقت عنيفة ومضطربة، وخياله المدادي بدأ يتهز كأنه شعلة في وسط عاصفة. يونس مكنش فاهم حاجة، كان شايف حبيبته بتسلم سلاحها الوحيد لعدوهم، فبدأ يضرب في جدران الورشة بصدمة، وصوت "أنين" خفي ملى المكان كأنه بيترجاها تفوق.​"عندك حق خلاص يا غنيم.. يونس ضيع نفسه وضيعني معاه." مريم قالتها بنبرة منكسرة ومخادعة وهي بتمسح دمعة مزيفة. "أنا مش هقدر أعيش العمر كله 'علقة' زيه.. لو العهد هو اللي هيرجع لي حياتي ويريح روح أمي، أنا موافقة."​غنيم ضحك ضحكة منتصرة، وبدأ يقرب منها وهو بيطلع "ريشة المداد" وسجل العهود:​"عشتي يا بنت المرسي.. كدة إنتي بدأتي تفهمي أصول اللعبة. يونس مجرد 'قفل' صدى، لكن إنتي هتبقي صاحبة المفتاح."​يونس في اللحظة دي فقد السيطرة تماماً؛ "المداد الأسود" بدأ ينزف من شقوق الخشب، وبدأ يرمي نفسه بين مريم وبين سجل العهود، كان بيحاول يصرخ في ودنها: "لا يا مريم.. م

  • رواية ساعي بريد الموتي    الفصل الثامن: جذور العائله

    مريم حطت المفتاح في قفل باب الورشة، والمفتاح لف لوحده كأن الباب "عطشان" يفتح لها. أول ما دخلت، ريحة خشب "السدر" المختلطة بريحة الموتى خبطت في وشها. الورشة كانت ضلمة، مفيش غير لمبة واحدة بتتهز فوق طاولة كبيرة في النص، وتحت اللمبة دي كان فيه "تابوت" نص مفتوح، لسه خشبه طري كأنه مقطوع حالا.​"اتأخرتي ليه يا بنت المرسي؟"​صوت الحاج غنيم جه من الضلمة اللي ورا التوابيت المرصوصة. مريم متهزتش، ضمت شنطة يونس لصدرها أكتر وقالت بصوت زي نصل السكينة:​"يونس فين يا غنيم؟ والتمثيلية اللي عملتوها إنت والشيخ الميت دي نهايتها إيه؟"​غنيم طلع للنور، بس وشه كان "مخطوف"، وعينه فيها نظرة رعب مش سيطرة. شاور بإيده المرتعشة على التابوت المفتوح وقال:​"إحنا مجرد عبيد يا مريم.. عيلتك هي اللي حطت القواعد. 'المرسي' مش مجرد اسم، دي لعنة بدأت من جدك الكبير لما قرر إنه يخلي الملاحة 'مخزن' للأرواح اللي مش عايزة ترحل. يونس مكنش الضحية الأولى، يونس هو 'القفل' اللي عيلتك اختارته عشان يفضل باب الملاحة مقفول على اللي جواه!"​مريم قربت من الطاولة، ولقت فوق خشب التابوت "كتاب جلد" قديم، متلطخ بالمداد الأسود. بدأت تقلب في الو

  • رواية ساعي بريد الموتي    الفصل السابع: قيد روح

    مريم فاقت على برودة بتمشي في عضمها، كأن الملاحة كلها دخلت تحت جلدها. لما فتحت عينها، ملقيتش دخان ولا نار.. لقيت "ثبات مرعب".​في نص الحفرة اللي كان فيها القبر، كان فيه كيان واقف ضهره لمريم. الكيان ده كان يونس، بس كتافه بقت أعرض بمرتين، وجلده مابقاش جلد بشر.. بقى عبارة عن "تروس حديد مصدية" طالعة من تحت لحمه. لما لف وشه، مريم كتمت صرختها بإيدها؛ يونس مكنش لابس قناع، وش يونس نفسه كان "بيتمسح" وبيتحول لكتلة معدنية صلبة، والفتحة اللي في جبهته كانت بتبلع الضوء اللي حواليها.​"يونس؟" همست مريم وهي بتزحف لورا، وصوتها كان بيترعش من الخوف.​يونس مردش بصوته، رد بصوت "احتكاك سلاسل" طالع من صدره. مد إيده ناحية الأرض، وفجأة السلاسل اللي كانت بتطارد غنيم وصانع الأقفال القديم طلعت من "تحت ضوافره" هو. السلسلة لفت حوالين الصندوق النحاسي ورفعته في الهوا كأنه ريشة.​"يونس.. بصلي.. أنا مريم!" صرخت وهي بتحاول تقرب منه رغم الرعب. "إنت عملت كدة عشان تحميني.. متسيبش الحديد ياكل قلبك!"​يونس وقف مكانه للحظة، والسلاسل اللي في إيده "اهتزت" كأنها بتتردد. ملامح وش يونس اللي كانت بتختفي ظهرت لثانية واحدة، وعينه د

  • رواية ساعي بريد الموتي    الفصل السادس: أثر المداد

    يونس خرج من الجامع وهو ساند مريم، وخطواته كانت تقيلة كأنه شايل جبال فوق كتافه. الجرح اللي في دراعه مكنش بيوقف "نزيف المداد الأسود"، والحبر ده كان بيسيل على رمل الملاحة ويرسم طريق واضح وسط الضباب، كأن دمه هو اللي بيقودهم لمصيرهم.الملاحة في الوقت ده كانت في حالة "سكون مرعب"، مفيش صوت غير صوت حشرجة أنفاس يونس وخطوات مريم اللي ملمسها على الأرض بقى أوضح بكتير من الأول. صانع الأقفال مكنش بيطاردهم بجسمه، كان سايبهم "للنهاية المحتومة" اللي دم يونس بيشاور عليها.​"يونس.. اقف!" مريم همست وهي بتمسك دراعه السليم بخوف. "الأثر ده بيودينا لـ 'الخلوة القديمة'.. المكان اللي جدي كان بيقفل فيه على المطاريد."​يونس بص للأرض، لقى الحبر الأسود بدأ "يتشعب" كأنه عروق بتجري تحت الملح، وفجأة الأرض بدأت تترعش تحت رجليهم. من وسط الضباب، بدأت تظهر "شجرة جميز" ميتة، أغصانها ناشفة كأنها صوابع هيكل عظمي، ومن أغصانها كانت متعلقة "أقفال حديد" مصدية، بتخبط في بعضها وتعمل صوت رنين بيخرم الودان.​وتحت الشجرة، كان فيه "قبر" غريب.. ملوش شاهد، ومبني من طوب أسود مبيلمعش، والحبر اللي نازل من يونس كان "بيغرق" القبر ده كأنه بي

  • رواية ساعي بريد الموتي    الفصل الخامس: الجامع الغرقان

    يونس ملقاش وقت يفكر، الكلمات كانت بتنزل على دماغه زي المطارق. مسك إيد مريم اللي بدأت "تشف" وتختفي تدريجياً، وجرى ورا الحاج غنيم اللي كان بيشق الضباب الأحمر بخطوات سريعة ماب تناسبش سنه.الملاحة مكنتش بتخلص، والأرض تحت رجليهم بدأت تطلع صوت "قرقعة" كأنهم ماشيين على قشر بيض. مريم مكنتش بتتكلم، بس عينيها كانت بتلمع بخوف مش طبيعي وهي بتبص للسما، حيث "عيون صانع الأقفال" كانت بدأت تنزل من فوق أسطح البيوت اللي اختفت، وتتجسد على شكل "غربان سوداء" من حديد، بتطير فوق راسهم وتصدر صوت صرير معدني مزعج.​وفجأة، ظهر "الجامع الغرقان".مأذنته كانت طالعة من وسط الملح زي صباع بشري مقطوع، والحيطان بتاعته كانت متآكلة والمحراب باين من بعيد وهو "بينضح" مية سودة ريحتها قدم وزمن.​"ادخلوا المحراب! بسرعة!" زعق غنيم وهو بيزق يونس ومريم لجوه.​أول ما دخلوا، يونس حس إن الزمن وقف. الهوا جوه الجامع كان ريحته "بخور ميتين" وقدسية مرعبة. الحاج غنيم وقف في نص المحراب، وطلع من جيبه "سكينة خشبية" محفور عليها طلاسم قديمة، وبص ليونس بجدية خلت ركبه تخبط في بعض:​"اقف في بقعة الضوء اللي جاية من فتحة السقف يا يونس.. وخلي مريم ت

  • رواية ساعي بريد الموتي    الفصل الرابع: عيون صانع الأقفال

    يونس خد خطوة لبره البيت، ولأول مرة يحس إن "الأرض" تحت رجليه مابقتش أرض الكفر اللي يعرفها. التراب كان مالح، والشوارع الضيقة كانت غرقانة في ضباب أحمر تقيل زي لون الدم، وصوت "تزييق" القفل اللي كان على باب القبو لسه بيرن في ودنه كأنه بيطارد دقات قلبه.​"افتح يا يونس.. عيون 'صانع الأقفال' وصلت!"​كلمة ا

  • رواية ساعي بريد الموتي    الفصل الثالث: رائحة القبر

    يونس مِفاقش بصرخة.. هو فاق على صوت "نفس" تقيل وجنبه مباشرة. فتح عينه ببطء، لقى نفسه مرمي على أرضية القبو الخرسانية، والضلمة كانت كحل، مفيش غير خيط نور ضعيف جداً جاي من شق باب القبو اللي فوق.​حاول يقوم، بس حس بتقل رهيب على صدره. لما ركز عينه في الضلمة، جسمه اتنفض من الرعب؛ الحاج غنيم مكنش سحبه عشان

  • رواية ساعي بريد الموتي    مقدمة الرواية

    لا تفتح الرسالة.. الفضول هنا هو اللعنة! ✉️🌑​"الرسالة أمانة.. والفضول لعنة.. من يفتح الورق، يفتح عينيه على ما لا يُحتمل."​(يونس) ليس ساعي بريد عادياً، هو الوريث الوحيد لـ "البريد الآخر".. بريد لا يحمل فواتير أو خطابات غرام، بل يحمل وصايا الموتى وصرخات الأرواح التائهة.​لكن ماذا تفعل حين تجد في صن

  • رواية ساعي بريد الموتي    الفصل الثاني: نِجار البيوت الأخيرة

    ريحة الخشب المشقوق والـ "غراء" كانت مالية ورشة الحاج غنيم، بس في مناخير يونس كانت مخلوطة بريحة تانية ميعرفهاش غيره؛ ريحة موت قديم و "عطنة". وقف يونس قدام باب الورشة، وإيده اليمين اللي محفور عليها اسم "الحاج غنيم" كانت بتنبح عليه بوجع يحرق، كأن الحروف عاوزة تطلع من تحت جلده وتصرخ في وش صاحبها.​رفع

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status