LOGINصوت تكسير العروق الخشبية في السقف كان عامل زي ضربات قدر محتوم، والورشة بدأت تطبق تدريجياً على كل ما فيها. وسط الغبار والملح اللي مالي الجو، كان يونس قاعد في حالة "لا مبالاة" مرعبة. رغم إنه رجع بجسده الحقيقي، ودمه بدأ يجري في عروقه تاني بفضل تضحية مريم، إلا إنه مكنش بيحاول يهرب. كان قاعد ساند ضهره على التابوت، وعينيه تايهة في الفراغ، بيبكي بحرقة ومرار وهو بيبص لإيديه اللي رجعت لحم ودم:"رجعتيني إنسان ليه يا مريم؟ عشان أعيش وحيد تاني؟ أهو المكان بيتهد فوق راسي يا بنت عمي.. أهو اللي خفتِ منه حصل، بس وإحنا بعاد. فاكرة لما جيت لك زمان؟ كنت بقول لك يا مريم إحنا دمنا واحد، وإني مش عايز من الدنيا غير بيت يلمنا. رديتي عليّ بقسوة وقلتِ لي 'المرسي مبيتجوزوش.. المرسي بيخلصوا لوحدهم'. بعتِ ابن عمك وبعتِ حبي عشان خرافات.. ودلوقتي؟ أديكي جثة في تابوت، وأنا رجعت إنسان بس عشان أشوف موتك بعيني!"يونس ضرب قبضة إيده (اللي رجعت حقيقية) في الملح اللي مغطي الأرض وصرخ بوجع:"كنتِ فاكرة إنك بتحميني برفضك؟ أنتي عيشتيني سنين ميت وأنا صاحي، ودلوقتي لما وهبتيني الحياة من تاني، بتمشي وتسبيني لمين؟"في اللحظة
مريم رسمت على وشها ابتسامة باردة، ابتسامة غريبة مكنش فيها أي أثر لمريم اللي يونس يعرفها. وببطء مرعب، بدأت تنزل إيدها بـ بابور الجاز لحد ما استقر على الطاولة الخشب القديمة. يونس في اللحظة دي انهار كيانه؛ "الخطوات المبللة" حوالين مريم بقت عنيفة ومضطربة، وخياله المدادي بدأ يتهز كأنه شعلة في وسط عاصفة. يونس مكنش فاهم حاجة، كان شايف حبيبته بتسلم سلاحها الوحيد لعدوهم، فبدأ يضرب في جدران الورشة بصدمة، وصوت "أنين" خفي ملى المكان كأنه بيترجاها تفوق."عندك حق خلاص يا غنيم.. يونس ضيع نفسه وضيعني معاه." مريم قالتها بنبرة منكسرة ومخادعة وهي بتمسح دمعة مزيفة. "أنا مش هقدر أعيش العمر كله 'علقة' زيه.. لو العهد هو اللي هيرجع لي حياتي ويريح روح أمي، أنا موافقة."غنيم ضحك ضحكة منتصرة، وبدأ يقرب منها وهو بيطلع "ريشة المداد" وسجل العهود:"عشتي يا بنت المرسي.. كدة إنتي بدأتي تفهمي أصول اللعبة. يونس مجرد 'قفل' صدى، لكن إنتي هتبقي صاحبة المفتاح."يونس في اللحظة دي فقد السيطرة تماماً؛ "المداد الأسود" بدأ ينزف من شقوق الخشب، وبدأ يرمي نفسه بين مريم وبين سجل العهود، كان بيحاول يصرخ في ودنها: "لا يا مريم.. م
مريم حطت المفتاح في قفل باب الورشة، والمفتاح لف لوحده كأن الباب "عطشان" يفتح لها. أول ما دخلت، ريحة خشب "السدر" المختلطة بريحة الموتى خبطت في وشها. الورشة كانت ضلمة، مفيش غير لمبة واحدة بتتهز فوق طاولة كبيرة في النص، وتحت اللمبة دي كان فيه "تابوت" نص مفتوح، لسه خشبه طري كأنه مقطوع حالا."اتأخرتي ليه يا بنت المرسي؟"صوت الحاج غنيم جه من الضلمة اللي ورا التوابيت المرصوصة. مريم متهزتش، ضمت شنطة يونس لصدرها أكتر وقالت بصوت زي نصل السكينة:"يونس فين يا غنيم؟ والتمثيلية اللي عملتوها إنت والشيخ الميت دي نهايتها إيه؟"غنيم طلع للنور، بس وشه كان "مخطوف"، وعينه فيها نظرة رعب مش سيطرة. شاور بإيده المرتعشة على التابوت المفتوح وقال:"إحنا مجرد عبيد يا مريم.. عيلتك هي اللي حطت القواعد. 'المرسي' مش مجرد اسم، دي لعنة بدأت من جدك الكبير لما قرر إنه يخلي الملاحة 'مخزن' للأرواح اللي مش عايزة ترحل. يونس مكنش الضحية الأولى، يونس هو 'القفل' اللي عيلتك اختارته عشان يفضل باب الملاحة مقفول على اللي جواه!"مريم قربت من الطاولة، ولقت فوق خشب التابوت "كتاب جلد" قديم، متلطخ بالمداد الأسود. بدأت تقلب في الو
مريم فاقت على برودة بتمشي في عضمها، كأن الملاحة كلها دخلت تحت جلدها. لما فتحت عينها، ملقيتش دخان ولا نار.. لقيت "ثبات مرعب".في نص الحفرة اللي كان فيها القبر، كان فيه كيان واقف ضهره لمريم. الكيان ده كان يونس، بس كتافه بقت أعرض بمرتين، وجلده مابقاش جلد بشر.. بقى عبارة عن "تروس حديد مصدية" طالعة من تحت لحمه. لما لف وشه، مريم كتمت صرختها بإيدها؛ يونس مكنش لابس قناع، وش يونس نفسه كان "بيتمسح" وبيتحول لكتلة معدنية صلبة، والفتحة اللي في جبهته كانت بتبلع الضوء اللي حواليها."يونس؟" همست مريم وهي بتزحف لورا، وصوتها كان بيترعش من الخوف.يونس مردش بصوته، رد بصوت "احتكاك سلاسل" طالع من صدره. مد إيده ناحية الأرض، وفجأة السلاسل اللي كانت بتطارد غنيم وصانع الأقفال القديم طلعت من "تحت ضوافره" هو. السلسلة لفت حوالين الصندوق النحاسي ورفعته في الهوا كأنه ريشة."يونس.. بصلي.. أنا مريم!" صرخت وهي بتحاول تقرب منه رغم الرعب. "إنت عملت كدة عشان تحميني.. متسيبش الحديد ياكل قلبك!"يونس وقف مكانه للحظة، والسلاسل اللي في إيده "اهتزت" كأنها بتتردد. ملامح وش يونس اللي كانت بتختفي ظهرت لثانية واحدة، وعينه د
يونس خرج من الجامع وهو ساند مريم، وخطواته كانت تقيلة كأنه شايل جبال فوق كتافه. الجرح اللي في دراعه مكنش بيوقف "نزيف المداد الأسود"، والحبر ده كان بيسيل على رمل الملاحة ويرسم طريق واضح وسط الضباب، كأن دمه هو اللي بيقودهم لمصيرهم.الملاحة في الوقت ده كانت في حالة "سكون مرعب"، مفيش صوت غير صوت حشرجة أنفاس يونس وخطوات مريم اللي ملمسها على الأرض بقى أوضح بكتير من الأول. صانع الأقفال مكنش بيطاردهم بجسمه، كان سايبهم "للنهاية المحتومة" اللي دم يونس بيشاور عليها."يونس.. اقف!" مريم همست وهي بتمسك دراعه السليم بخوف. "الأثر ده بيودينا لـ 'الخلوة القديمة'.. المكان اللي جدي كان بيقفل فيه على المطاريد."يونس بص للأرض، لقى الحبر الأسود بدأ "يتشعب" كأنه عروق بتجري تحت الملح، وفجأة الأرض بدأت تترعش تحت رجليهم. من وسط الضباب، بدأت تظهر "شجرة جميز" ميتة، أغصانها ناشفة كأنها صوابع هيكل عظمي، ومن أغصانها كانت متعلقة "أقفال حديد" مصدية، بتخبط في بعضها وتعمل صوت رنين بيخرم الودان.وتحت الشجرة، كان فيه "قبر" غريب.. ملوش شاهد، ومبني من طوب أسود مبيلمعش، والحبر اللي نازل من يونس كان "بيغرق" القبر ده كأنه بي
يونس ملقاش وقت يفكر، الكلمات كانت بتنزل على دماغه زي المطارق. مسك إيد مريم اللي بدأت "تشف" وتختفي تدريجياً، وجرى ورا الحاج غنيم اللي كان بيشق الضباب الأحمر بخطوات سريعة ماب تناسبش سنه.الملاحة مكنتش بتخلص، والأرض تحت رجليهم بدأت تطلع صوت "قرقعة" كأنهم ماشيين على قشر بيض. مريم مكنتش بتتكلم، بس عينيها كانت بتلمع بخوف مش طبيعي وهي بتبص للسما، حيث "عيون صانع الأقفال" كانت بدأت تنزل من فوق أسطح البيوت اللي اختفت، وتتجسد على شكل "غربان سوداء" من حديد، بتطير فوق راسهم وتصدر صوت صرير معدني مزعج.وفجأة، ظهر "الجامع الغرقان".مأذنته كانت طالعة من وسط الملح زي صباع بشري مقطوع، والحيطان بتاعته كانت متآكلة والمحراب باين من بعيد وهو "بينضح" مية سودة ريحتها قدم وزمن."ادخلوا المحراب! بسرعة!" زعق غنيم وهو بيزق يونس ومريم لجوه.أول ما دخلوا، يونس حس إن الزمن وقف. الهوا جوه الجامع كان ريحته "بخور ميتين" وقدسية مرعبة. الحاج غنيم وقف في نص المحراب، وطلع من جيبه "سكينة خشبية" محفور عليها طلاسم قديمة، وبص ليونس بجدية خلت ركبه تخبط في بعض:"اقف في بقعة الضوء اللي جاية من فتحة السقف يا يونس.. وخلي مريم ت