Share

الفصل السادس: أثر المداد

last update publish date: 2026-04-23 08:07:43

يونس خرج من الجامع وهو ساند مريم، وخطواته كانت تقيلة كأنه شايل جبال فوق كتافه. الجرح اللي في دراعه مكنش بيوقف "نزيف المداد الأسود"، والحبر ده كان بيسيل على رمل الملاحة ويرسم طريق واضح وسط الضباب، كأن دمه هو اللي بيقودهم لمصيرهم.

الملاحة في الوقت ده كانت في حالة "سكون مرعب"، مفيش صوت غير صوت حشرجة أنفاس يونس وخطوات مريم اللي ملمسها على الأرض بقى أوضح بكتير من الأول. صانع الأقفال مكنش بيطاردهم بجسمه، كان سايبهم "للنهاية المحتومة" اللي دم يونس بيشاور عليها.

​"يونس.. اقف!" مريم همست وهي بتمسك دراعه السليم بخوف. "الأثر ده بيودينا لـ 'الخلوة القديمة'.. المكان اللي جدي كان بيقفل فيه على المطاريد."

​يونس بص للأرض، لقى الحبر الأسود بدأ "يتشعب" كأنه عروق بتجري تحت الملح، وفجأة الأرض بدأت تترعش تحت رجليهم. من وسط الضباب، بدأت تظهر "شجرة جميز" ميتة، أغصانها ناشفة كأنها صوابع هيكل عظمي، ومن أغصانها كانت متعلقة "أقفال حديد" مصدية، بتخبط في بعضها وتعمل صوت رنين بيخرم الودان.

​وتحت الشجرة، كان فيه "قبر" غريب.. ملوش شاهد، ومبني من طوب أسود مبيلمعش، والحبر اللي نازل من يونس كان "بيغرق" القبر ده كأنه بيرويه.

​"هو ده القبر اللي كان يقصده؟" يونس سأل وهو بيقرب بخطوات مهزوزة.

​مريم كانت مرعوبة، وشها بقى شاحب أكتر من الملح اللي حواليها:

​"المكان ده ملوش اسم في دفاتر الكفر يا يونس.. القبر ده مدفون فيه 'العهد'. الجد المرسي لما حب يخلص من صانع الأقفال زمان، مدفنوش.. هو 'حبسه' هنا، بس الثمن كان إنه يدفن معاه حد غالي عليه."

​يونس مد إيده ولسه هيلمس الطوب الأسود، لقى الحاج غنيم واقف ورا الشجرة، بس مكنش معاه الرسالة السوداء المرة دي.. كان معاه "فأس" قديم، وعينه كانت مبرقة بجنون:

​"اتأخرت ليه يا يونس؟" غنيم قال بصوت غريب، كأن فيه مية في زوره. "المداد اللي نزفته ده هو 'الزيت' اللي هيفتح القفل اللي بقاله مية سنة مصدي. القبر ده مبيفتحش بالحديد.. بيفتح بالندم."

​يونس بص لغنيم بحدة:

​"مين اللي مدفون هنا يا غنيم؟ مريم واقفة جنبي.. يبقى مين اللي في القبر؟"

​غنيم ضحك ضحكة هستيرية وبدأ يضرب الفأس في الرخام الأسود:

​"اللي واقفة جنبك دي 'حكايتها'.. لكن اللي في القبر ده هو 'السر' اللي مريم بلعته وهي بتموت. إنت مش جاي تفتح قبر يا يونس.. إنت جاي تفتح 'بطن' الحقيقة!"

​مع أول ضربة فأس، طلع من القبر "صوت صرخة" مكتومة، ويونس حس بنغزة في بطنه هو شخصياً، وكأن الفأس بتضرب في جسمه مش في الطوب.

​مع كل ضربة فأس بينزل بيها غنيم على الرخام الأسود، كان بيطلع من القبر "صوت صرخة" مكتومة، ويونس يحس بنغزة في بطنه هو شخصياً، وكأن الفأس بتضرب في جسمه مش في الطوب.

​يونس وقع على الأرض وهو بيكتم بطنه بوجع هستيري، وجسمه بيتنفض مع كل خبطة. غنيم مكنش شايف قدامه، كان بيضرب بكل غل، وعيونه مبرقة بجشع وهو بيشوف الرخام بيتشقق. مريم صرخت وهي شايفة يونس بينهار وجلده بدأ يتفتح لوحده قصاد كل ضربة فأس غنيم بيوجهها للقبر:

​"كفاية يا غنيم! يونس بيموت في إيدك.. القبر مربوط بروحه!"

​لكن غنيم مسمعش، ونزل بضربة تانية وتالتة. مع كل خبطة، كان بيسمع صوت "كسر عضم" واضح طالع من صدر يونس، والمداد الأسود بدأ ينفجر من مسام جلد يونس ويغرق هدومه، ويزحف على

الأرض لوحده كأنه كائن حي بيدور على شقوق القبر عشان يسكن فيها.

​مع آخر ضربة من غنيم، الرخام انشق تماماً وطلع منه غبار مالح كثيف، وفي وسطه ظهر "الصندوق المعدني". الصندوق مكنش مصدي، كان بيلمع بلون نحاسي مطفي، وعليه "عروق" بارزة بتنبض كأنه قلب حي محبوس في معدن.

​غنيم رمى الفأس وقرب بلهفة وهو بيمد إيده يلمس الصندوق، بس صانع الأقفال ظهر من ورا جِذع شجرة الجميز، وصوت السلاسل بتاعته عمل صدى مرعب في المكان:

​"إيدك يا غنيم.. الصندوق ده مبيفتحش

بالحديد.. ده بيفتح بـ 'البصمة' اللي اتقطعت زمان."

​يونس رفع راسه بوهن، وشاف مريم وهي بتعيط وبتحاول تخبي إيدها اليمين ورا ضهرها. فهم يونس في لحظة واحدة ليه مريم كانت دايماً بتبعد عنه كل ما يحاول يلمس إيدها.. مريم كانت عارفة إن "صوابعها المقطوعة" هي المفتاح الوحيد للصندوق ده، وإن جرح يونس (المداد) هو اللي "سخن" القفل عشان يفتح.

​صانع الأقفال قرب خطوة، ومد إيده اللي عبارة عن مخالب حديد:

​"هاتوا الصندوق.. وإلا الملاحة هتتحول لقبر' كبير ليكم إنتوا الاتنين.. دلوقتي مفيش وقت للندم يا ابن المرسي."

يونس كان مرمي على الأرض، صدره بيطلع وينزل بصعوبة وكأن الرخام اللي اتكسر هو قفصه الصدري فعلاً. المداد الأسود غرق الملح حوله، ومريم كانت واقفه مرعوبة، بتبص للصندوق اللي بينبض وكأنه بيستدعيها.

​صانع الأقفال مكنش مستني رد، مد إيده الحديدية وسحب مريم من دراعها بقوة خلت عضمها يزييق. صرخت مريم، بس صوته كان كأنه صادر من بئر غريق.

​"سيبيها يا صانع الأقفال!" يونس حاول يقوم، بس غنيم داس برجله على صدر يونس المفتوح، والوجع خلى يونس يشوف الدنيا سواد.

​"خليك مكانك يا ابن المرسي،" غنيم

قالها بصحيح العبارة وهو عينه على الصندوق، "إنت قمت بدورك وفتحت لنا السكة بدمك، دلوقتي 'الضحية' لازم تفتح القفل."

​صانع الأقفال لوى إيد مريم اليمين ورفعها قدام الصندوق النحاسي. العروق اللي على الصندوق بدأت تلمع بلون أحمر غامق أول ما شمت ريحة مريم.

​"حطي إيدك يا مريم،" صوت صانع الأقفال كان كأنه احتكاك تروس مصدية، "رجعي الأمانة لصاحبها، وعوضي الصوابع اللي جدي قطعها زمان عشان يحبسني."

​مريم كانت بتترعش ودموعها بتنزل ملح صافي على الصندوق:

​"لو لمسته يا يونس.. السر هيخرج، وصانع الأقفال هيملك الكفر كله.. مكنش لازم تفتح القبر!"

​يونس، وهو بيصارع رجل غنيم فوق صدره، لمح حاجة غريبة؛ الحبر الأسود اللي نازل من جرحه وبدأ يغرق رجل غنيم، مكنش مجرد سائل.. الحبر كان بدأ "يتسلق" رجل غنيم ويربطها في الأرض. يونس فهم إن دمه مش بس لعنة، ده هو الأداة الوحيدة اللي لسه بيتحكم فيها.

​يونس ركز كل قوته في "المداد" اللي على الأرض، وبدل ما يحاول يقوم، خلى الحبر يندفع زي السهم ويضرب الصندوق قبل ما إيد مريم تلمسه.

​أول ما المداد لمس الصندوق، الصندوق "عوى" صوت بشري مرعب، وطلع منه دخان أسود كثيف عمى عيون صانع

الأقفال للحظة.

​"اجري يا مريم!" يونس صرخ وهو بيشد رجل غنيم بكل قوته ويوقعه على ظهره.

​مريم استغلت اللحظة وفلتت من إيد صانع الأقفال، بس وهي بتجري، كعب رجلها خبط في الصندوق، فانفتح منه "شرخ" صغير.. ومن جوه الشرخ ده، طلعت "همسة" مئات الأصوات المحبوسة اللي بدأت تنادي على أسامي أهل الكفر واحد واحد.

​صانع الأقفال وقف مكانه، وضحكته المرعبة رجت الملاحة كلها:

​"فتحتوه يا مجانين.. السر مابقاش في الصندوق.. السر بقى في الهوا!"

بمجرد ما الكلمة طلعت من بوق صانع

الأقفال، الهوا حواليهم اتحول لـ "سكاكين" من الملح. الأصوات اللي طلعت من شرخ الصندوق مكنتش مجرد وشوشة، دي كانت صرخات مكتومة لأهل الكفر اللي ماتوا والسر مدفون معاهم.

​يونس كان لسه على الأرض، بس الوجع اللي في صدره اتغير؛ مابقاش طعنات، بقى كأن فيه "مغناطيس" بيشد ذرات جسمه لبره. بص لمريم لقاها واقفة مذهولة، والأصوات حواليها بتهتف باسمها: "يا مريم.. يا بنت اللي باعونا.. السر فاح!"

​"يونس.. قوم!" مريم صرخت وهي بتسد ودانها بإيدها الناقصة صباعين. "الأصوات دي 'سم'.. اللي بيسمع سر غيره في

الملاحة بيبقى ملك لصانع الأقفال!"

​غنيم كان مرمي على الأرض، بس مكنش خايف، كان بيضحك بهستيريا وهو بيحاول "يلم" الهوا بإيده كأنه بيقبض على فلوس:

​"أيوة.. اسمعوا! اسمعوا فضايح الكفر! كل قفل اتفتح.. كل باب اتكسر! أنا بقيت سيدكم!"

​صانع الأقفال وقف في نص الهيصة دي، ورفع إيده اللي فيها السلسلة، وفجأة السلسلة "طالت" وبدأت تلف حوالين "

الأصوات" الطايرة في الهوا، كأنه بيصطاد دخان. وبص ليونس بعيون مفيهاش رحمة:

​"السر اللي خرج ده يا ابن المرسي.. هو 'المداد' اللي هيكتب موتك. إنت فاكر إنك فتحت الصندوق عشان تنقذ مريم؟ إنت فتحته عشان 'تتوزع' على أهل الكفر كلهم. كل واحد هيسمع سر، هياخد حتة من روحك!"

​يونس حس فجأة بضعف رهيب، لدرجة إنه مابقاش قادر يرفع راسه. بص لإيده لقى لون جلده بدأ "يبهت"، كأنه بيتحول لورق شفاف. الحقيقة المرة بدأت تظهر؛ يونس مش بس "ساعي بريد"، يونس هو "الورقة" اللي مكتوب عليها كل خطايا الكفر، ولما الصندوق اتفتح، الورقة بدأت "تتمزق".

​مريم جرت على يونس وحضنت راسه:

​"لازم نقفل الوعاء يا يونس! لو الأصوات دي وصلت لبيوت الكفر، إنت هتتلاشى.. مش هيفضل منك غير حبر على رمل الملاحة!"

​يونس وهو بيطلع أنفاسه بصعوبة:

​"أقفلها إزاي.. والصندوق انكسر؟"

​مريم بصت للجرح اللي في صدر يونس، وبصت لإيدها المقطوعة، وقالت بقرار انتحاري:

​"فيه قفل واحد لسه منكسرش.. 'قفل اللحم'. هات إيدك يا يونس.. لازم نربط وجعنا ببعض عشان نكتم السر جوه جسمنا إحنا الاتنين!"

​صانع الأقفال هجم عليهم بالسلسلة وهو بيصرخ: "محدش هيقفل اللي أنا فتحته!"

صانع الأقفال هجم بالسلسلة الحديدية، وكان صوت حركتها في الهوا زي صوت منشار بيقطع في الصمت. السلسلة مكنتش بتتحرك كجماد، دي كانت بتلتوي كأنها تعبان بيدور على رقبة يونس.

​يونس، وهو لسه ساند على ركبته وصدره بينزف، لقى السلسلة لفت حوالين دراعه المصاب بالظبط فوق الجرح. صانع الأقفال شد السلسلة بقوة خلت يونس يترفع من على الأرض، والعضم في كتفه بدأ يزييق تحت ضغط الحلقات المصديّة.

​"الوجع ده هو اللي هيخليك تسمع صح!" صانع الأقفال صرخ وهو بيقرب وشه الحديدي من يونس، والفتحة اللي في جبهته بدأت تطلع دخان أسود. "

الأسرار اللي خرجت دي محتاجة 'لحم' يغذيها، وإنت أصلح جثة للموضوع ده!"

​يونس، والدم (المداد) بيغلي في عروقه من الضغط، بص لمريم ولقاها بتحاول تشد السلسلة بإيدها عشان تخفف عنه، بس السلسلة كانت بتحرق جلدها.

​في اللحظة دي، يونس مابقاش يفكر في الهرب. مسك السلسلة بإيده التانية، وبدل ما يشدها لبره، جذبها ناحيته بكل قوته، لدرجة إن صانع الأقفال نفسه اختل توازنه واتسحب ناحية يونس.

​"لو عايز لحم.. خد!" يونس نط على صانع الأقفال وهو ماسك "نصل الفأس" المكسور اللي كان جنبه، وغرزه في الفتحة اللي في جبهة القناع الحديدي.

​صوت صرخة صانع الأقفال المرة دي كان "زلزال" هز أرض الملاحة كلها. السلسلة اللي كانت لافة على يونس "احمرت" فجأة كأنها طالعة من فرن، وبدأ جسم صانع الأقفال "يسرب" الأصوات اللي كان حابسها جوه القبر.

​مريم صرخت وهي شايفة الجحيم اللي بينفجر قدامها:

​"يونس! سيبه! هو بيسحبك جواه!"

​فعلاً، يونس حس إن إيده اللي ماسكة النصل بدأت "تدوب" جوه راس صانع

الأقفال، كأن الكيان ده عبارة عن مغناطيس بيسحب الأجسام الحية.

الأصوات اللي كانت في الهوا بدأت ترجع تاني، بس المرة دي مكنتش بتدخل الصندوق.. كانت بتدخل في جسم يونس وصانع الأقفال وهما ملتحمين.

​يونس حس بآلاف الحكايات بتتحفر في عضمه في ثانية واحدة.. شاف موته، وشاف سر مريم، وشاف جده وهو بيمضي العهد. الوجع خلاه مابقاش عارف هو "يونس" ولا هو "صانع الأقفال".

​وفجأة، شجرة الجميز اللي وراهم بدأت "تتحرق" بنار لونها أزرق باهت، والأقفال اللي عليها بدأت تنفجر واحد ورا التاني كأنها طلقات رصاص.

​الحاج غنيم، اللي كان بيراقب من بعيد، قام جرى وهو بيصرخ:

​"العهد بيتحرق! اللعنة بتنتهي بدم 'الكاتب' و 'السجان' مع بعض!"

​يونس بص لمريم لآخر مرة قبل ما الدخان الأسود يغطيهم تماماً، وهمس بصوت مكنش طالع من حنجرته:

​"اجري يا مريم.. متبصيش وراكي.. القبر اتقفل عليا أنا وهو!"

​انفجار صامت حصل في نص الخلوة، ومريم اترمت لورا بفعل الموجة، وغابت عن الوعي وهي شايفة شجرة الجميز بتهوي على الأرض، وصانع الأقفال ويونس بيختفوا وسط بركة من الملح والمداد.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • رواية ساعي بريد الموتي    الفصل العاشر والاخير: وداع في جوف الانهيار.

    ​صوت تكسير العروق الخشبية في السقف كان عامل زي ضربات قدر محتوم، والورشة بدأت تطبق تدريجياً على كل ما فيها. وسط الغبار والملح اللي مالي الجو، كان يونس قاعد في حالة "لا مبالاة" مرعبة. رغم إنه رجع بجسده الحقيقي، ودمه بدأ يجري في عروقه تاني بفضل تضحية مريم، إلا إنه مكنش بيحاول يهرب. كان قاعد ساند ضهره على التابوت، وعينيه تايهة في الفراغ، بيبكي بحرقة ومرار وهو بيبص لإيديه اللي رجعت لحم ودم:​"رجعتيني إنسان ليه يا مريم؟ عشان أعيش وحيد تاني؟ أهو المكان بيتهد فوق راسي يا بنت عمي.. أهو اللي خفتِ منه حصل، بس وإحنا بعاد. فاكرة لما جيت لك زمان؟ كنت بقول لك يا مريم إحنا دمنا واحد، وإني مش عايز من الدنيا غير بيت يلمنا. رديتي عليّ بقسوة وقلتِ لي 'المرسي مبيتجوزوش.. المرسي بيخلصوا لوحدهم'. بعتِ ابن عمك وبعتِ حبي عشان خرافات.. ودلوقتي؟ أديكي جثة في تابوت، وأنا رجعت إنسان بس عشان أشوف موتك بعيني!"​يونس ضرب قبضة إيده (اللي رجعت حقيقية) في الملح اللي مغطي الأرض وصرخ بوجع:​"كنتِ فاكرة إنك بتحميني برفضك؟ أنتي عيشتيني سنين ميت وأنا صاحي، ودلوقتي لما وهبتيني الحياة من تاني، بتمشي وتسبيني لمين؟"​في اللحظة

  • رواية ساعي بريد الموتي    الفصل التاسع: سكرة الخيانة وكِيان الفأس

    مريم رسمت على وشها ابتسامة باردة، ابتسامة غريبة مكنش فيها أي أثر لمريم اللي يونس يعرفها. وببطء مرعب، بدأت تنزل إيدها بـ بابور الجاز لحد ما استقر على الطاولة الخشب القديمة. يونس في اللحظة دي انهار كيانه؛ "الخطوات المبللة" حوالين مريم بقت عنيفة ومضطربة، وخياله المدادي بدأ يتهز كأنه شعلة في وسط عاصفة. يونس مكنش فاهم حاجة، كان شايف حبيبته بتسلم سلاحها الوحيد لعدوهم، فبدأ يضرب في جدران الورشة بصدمة، وصوت "أنين" خفي ملى المكان كأنه بيترجاها تفوق.​"عندك حق خلاص يا غنيم.. يونس ضيع نفسه وضيعني معاه." مريم قالتها بنبرة منكسرة ومخادعة وهي بتمسح دمعة مزيفة. "أنا مش هقدر أعيش العمر كله 'علقة' زيه.. لو العهد هو اللي هيرجع لي حياتي ويريح روح أمي، أنا موافقة."​غنيم ضحك ضحكة منتصرة، وبدأ يقرب منها وهو بيطلع "ريشة المداد" وسجل العهود:​"عشتي يا بنت المرسي.. كدة إنتي بدأتي تفهمي أصول اللعبة. يونس مجرد 'قفل' صدى، لكن إنتي هتبقي صاحبة المفتاح."​يونس في اللحظة دي فقد السيطرة تماماً؛ "المداد الأسود" بدأ ينزف من شقوق الخشب، وبدأ يرمي نفسه بين مريم وبين سجل العهود، كان بيحاول يصرخ في ودنها: "لا يا مريم.. م

  • رواية ساعي بريد الموتي    الفصل الثامن: جذور العائله

    مريم حطت المفتاح في قفل باب الورشة، والمفتاح لف لوحده كأن الباب "عطشان" يفتح لها. أول ما دخلت، ريحة خشب "السدر" المختلطة بريحة الموتى خبطت في وشها. الورشة كانت ضلمة، مفيش غير لمبة واحدة بتتهز فوق طاولة كبيرة في النص، وتحت اللمبة دي كان فيه "تابوت" نص مفتوح، لسه خشبه طري كأنه مقطوع حالا.​"اتأخرتي ليه يا بنت المرسي؟"​صوت الحاج غنيم جه من الضلمة اللي ورا التوابيت المرصوصة. مريم متهزتش، ضمت شنطة يونس لصدرها أكتر وقالت بصوت زي نصل السكينة:​"يونس فين يا غنيم؟ والتمثيلية اللي عملتوها إنت والشيخ الميت دي نهايتها إيه؟"​غنيم طلع للنور، بس وشه كان "مخطوف"، وعينه فيها نظرة رعب مش سيطرة. شاور بإيده المرتعشة على التابوت المفتوح وقال:​"إحنا مجرد عبيد يا مريم.. عيلتك هي اللي حطت القواعد. 'المرسي' مش مجرد اسم، دي لعنة بدأت من جدك الكبير لما قرر إنه يخلي الملاحة 'مخزن' للأرواح اللي مش عايزة ترحل. يونس مكنش الضحية الأولى، يونس هو 'القفل' اللي عيلتك اختارته عشان يفضل باب الملاحة مقفول على اللي جواه!"​مريم قربت من الطاولة، ولقت فوق خشب التابوت "كتاب جلد" قديم، متلطخ بالمداد الأسود. بدأت تقلب في الو

  • رواية ساعي بريد الموتي    الفصل السابع: قيد روح

    مريم فاقت على برودة بتمشي في عضمها، كأن الملاحة كلها دخلت تحت جلدها. لما فتحت عينها، ملقيتش دخان ولا نار.. لقيت "ثبات مرعب".​في نص الحفرة اللي كان فيها القبر، كان فيه كيان واقف ضهره لمريم. الكيان ده كان يونس، بس كتافه بقت أعرض بمرتين، وجلده مابقاش جلد بشر.. بقى عبارة عن "تروس حديد مصدية" طالعة من تحت لحمه. لما لف وشه، مريم كتمت صرختها بإيدها؛ يونس مكنش لابس قناع، وش يونس نفسه كان "بيتمسح" وبيتحول لكتلة معدنية صلبة، والفتحة اللي في جبهته كانت بتبلع الضوء اللي حواليها.​"يونس؟" همست مريم وهي بتزحف لورا، وصوتها كان بيترعش من الخوف.​يونس مردش بصوته، رد بصوت "احتكاك سلاسل" طالع من صدره. مد إيده ناحية الأرض، وفجأة السلاسل اللي كانت بتطارد غنيم وصانع الأقفال القديم طلعت من "تحت ضوافره" هو. السلسلة لفت حوالين الصندوق النحاسي ورفعته في الهوا كأنه ريشة.​"يونس.. بصلي.. أنا مريم!" صرخت وهي بتحاول تقرب منه رغم الرعب. "إنت عملت كدة عشان تحميني.. متسيبش الحديد ياكل قلبك!"​يونس وقف مكانه للحظة، والسلاسل اللي في إيده "اهتزت" كأنها بتتردد. ملامح وش يونس اللي كانت بتختفي ظهرت لثانية واحدة، وعينه د

  • رواية ساعي بريد الموتي    الفصل السادس: أثر المداد

    يونس خرج من الجامع وهو ساند مريم، وخطواته كانت تقيلة كأنه شايل جبال فوق كتافه. الجرح اللي في دراعه مكنش بيوقف "نزيف المداد الأسود"، والحبر ده كان بيسيل على رمل الملاحة ويرسم طريق واضح وسط الضباب، كأن دمه هو اللي بيقودهم لمصيرهم.الملاحة في الوقت ده كانت في حالة "سكون مرعب"، مفيش صوت غير صوت حشرجة أنفاس يونس وخطوات مريم اللي ملمسها على الأرض بقى أوضح بكتير من الأول. صانع الأقفال مكنش بيطاردهم بجسمه، كان سايبهم "للنهاية المحتومة" اللي دم يونس بيشاور عليها.​"يونس.. اقف!" مريم همست وهي بتمسك دراعه السليم بخوف. "الأثر ده بيودينا لـ 'الخلوة القديمة'.. المكان اللي جدي كان بيقفل فيه على المطاريد."​يونس بص للأرض، لقى الحبر الأسود بدأ "يتشعب" كأنه عروق بتجري تحت الملح، وفجأة الأرض بدأت تترعش تحت رجليهم. من وسط الضباب، بدأت تظهر "شجرة جميز" ميتة، أغصانها ناشفة كأنها صوابع هيكل عظمي، ومن أغصانها كانت متعلقة "أقفال حديد" مصدية، بتخبط في بعضها وتعمل صوت رنين بيخرم الودان.​وتحت الشجرة، كان فيه "قبر" غريب.. ملوش شاهد، ومبني من طوب أسود مبيلمعش، والحبر اللي نازل من يونس كان "بيغرق" القبر ده كأنه بي

  • رواية ساعي بريد الموتي    الفصل الخامس: الجامع الغرقان

    يونس ملقاش وقت يفكر، الكلمات كانت بتنزل على دماغه زي المطارق. مسك إيد مريم اللي بدأت "تشف" وتختفي تدريجياً، وجرى ورا الحاج غنيم اللي كان بيشق الضباب الأحمر بخطوات سريعة ماب تناسبش سنه.الملاحة مكنتش بتخلص، والأرض تحت رجليهم بدأت تطلع صوت "قرقعة" كأنهم ماشيين على قشر بيض. مريم مكنتش بتتكلم، بس عينيها كانت بتلمع بخوف مش طبيعي وهي بتبص للسما، حيث "عيون صانع الأقفال" كانت بدأت تنزل من فوق أسطح البيوت اللي اختفت، وتتجسد على شكل "غربان سوداء" من حديد، بتطير فوق راسهم وتصدر صوت صرير معدني مزعج.​وفجأة، ظهر "الجامع الغرقان".مأذنته كانت طالعة من وسط الملح زي صباع بشري مقطوع، والحيطان بتاعته كانت متآكلة والمحراب باين من بعيد وهو "بينضح" مية سودة ريحتها قدم وزمن.​"ادخلوا المحراب! بسرعة!" زعق غنيم وهو بيزق يونس ومريم لجوه.​أول ما دخلوا، يونس حس إن الزمن وقف. الهوا جوه الجامع كان ريحته "بخور ميتين" وقدسية مرعبة. الحاج غنيم وقف في نص المحراب، وطلع من جيبه "سكينة خشبية" محفور عليها طلاسم قديمة، وبص ليونس بجدية خلت ركبه تخبط في بعض:​"اقف في بقعة الضوء اللي جاية من فتحة السقف يا يونس.. وخلي مريم ت

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status