Home / التشويق / الإثارة / رواية ساعي بريد الموتي / الفصل الرابع: عيون صانع الأقفال

Share

الفصل الرابع: عيون صانع الأقفال

last update Petsa ng paglalathala: 2026-04-21 23:49:00

يونس خد خطوة لبره البيت، ولأول مرة يحس إن "الأرض" تحت رجليه مابقتش أرض الكفر اللي يعرفها. التراب كان مالح، والشوارع الضيقة كانت غرقانة في ضباب أحمر تقيل زي لون الدم، وصوت "تزييق" القفل اللي كان على باب القبو لسه بيرن في ودنه كأنه بيطارد دقات قلبه.

​"افتح يا يونس.. عيون 'صانع الأقفال' وصلت!"

​كلمة الحاج غنيم كانت لسه بتطن في دماغه، ولما رفع عينه للسما، شاف "العيون" فعلاً. فوق أسطح البيوت القديمة، كانت فيه خيالات طويلة جداً بتبص عليه، عيون بترممش ببطء وبتلمع بلون فوسفوري مرعب، كأنها مستنية اللحظة اللي يونس يغلط فيها عشان تنقض عليه.

​يونس بدأ يجري في اتجاه "قاع الملاحة"، والشنطة الجلدية في إيده بقت تقيلة وكأنها حجر. فجأة، لقى الشيخ فوزي واقف قدامه في نص الطريق، بس منظره مكنش يطمن.. كان واقف في "ثبات" غريب، وهدومه مرشوش عليها ملح، وعينه اليمين "ممسوحة" تماماً كأنها فص ملح.

​"يا شيخ فوزي! الحقني.. أنا رايح الملاحة لمريم!" صرخ يونس وهو بيلهث.

​الشيخ فوزي ماردش عليه باللسان، هو بس شاور بصباعه اللي كان لونه "أسود" زي الحبر ناحية طريق الملاحة، وضحك ضحكة مكتومة مكنش فيها أي رحمة:

​"مريم مش هناك يا يونس.. مريم 'جواك'. صانع الأقفال بعتك هنا عشان يفتح القفل اللي في قلبك إنت، مش اللي في جثة مريم. الشنطة دي هي 'القبر'، وإنت اللي شايل الميت على كتافك!"

​يونس تراجع لورا وهو بيترعش، وافتكر المواجهة اللي فاتت في الملاحة لما الشيخ فوزي حاول يغرق كفن مريم. أدرك يونس إن الشيخ فوزي اللي قدامه ده ما هو إلا "بوابة" تانية لصانع الأقفال، أو روح ملوثة بالملح.

​"إنت مش الشيخ فوزي.. إنت الرسالة الغلط!" يونس محّسش بنفسه غير وهو بيجري بعيد عن الشيخ، وبدأ يدخل في عمق الملاحة، والبوصلة في جيبه بدأت "تصفر" بصوت حاد، كأنها بتحذره إن صانع الأقفال مابقاش وراه.. صانع الأقفال بقى "قدامه" ومستنيه عند أول شروق للشمس الحمراء.

​وفجأة، وسط الضباب الأحمر، لمح يونس "بيت مريم القديم" واقف في نص الملاحة، والباب بتاعه موارب، وطالع منه صوت "غُنا" مريم وهي صغيرة.. الصوت اللي كان بيحبه، بس المرة دي كان صوته "يخوف".

​لم يتردد يونس للحظة. رغم الضباب

الأحمر الذي كان يبتلع شواهد القبور المحيطة، وصوت ضحكات مريم الطفولية التي تحولت لفحيح مخيف، دفع باب البيت بقدمه ودخل. لم يكن البيت كما يتذكره؛ لم تكن الجدران مطلية باللون الأزرق السماوي، ولا ريحة الخبز الطازج تملأ المكان. كان البيت "ميتاً".

​جدران الطين كانت متآكلة بفعل الملح، وكأن البيت نفسه قد "غرق" في الملاحة منذ زمن طويل. الأثاث القليل المتبقي كان مغطى بطبقة كثيفة من الغبار الرمادي، وفي الزاوية، كانت هناك "عنزة" ميتة، عيناها مفقوءتان ومكانهما فصان من الملح يلمعان بجمود.

​يونس مشى بخطوات ثقيلة فوق الأرضية المتشققة. كانت كل خطوة "تعصر" مية مالحة من تحت قدميه، وكان يسمع صوت "همس" قادم من وراء الحيطان، أصوات رسايل قديمة، ذكريات ميتة.

​وفي وسط الصالة الكبيرة، كان هناك "صندوق بريد" ضخم، أكبر بكثير من الذي يملكه يونس في منزله، مصنوع من خشب التوابيت الأسود القديم، ومفتوح ببطء، ويخرج منه "دخان" أسود ريحته مسك محروق.

​"وصلت يا ابن المرسي.. بيت مريم مش بيتك، ده 'المسلخ' اللي صانع الأقفال بيدبح فيه الروح عشان يأخد قلبها!"

​الصوت لم يكن قادماً من شخص محدد، بل كان قادماً من "كل مكان". يونس التفت حوله بذعر، ليرى الشيخ فوزي واقفاً خلفه مباشرة. لم يكن الشيخ فوزي الذي يعرفه؛ كان وجهه مغطى بـ "خيوط كفن" بيضاء تمنعه من الكلام، وعيناه مفقوءتان ومكانهما ثقبان أسودان ينزفان حبراً.

​الشيخ فوزي مد يده السوداء المتآكلة وأمسك ذراع يونس التي تحمل اسم "الشيخ فوزي". الوجع كان لا يُطاق،

والاسم بدأ يتغير، الحروف كانت تسيح وتتشكل من جديد لاسم آخر، اسم يونس كان يخشى سماعه: "ابن المرسي".

​"الرسالة اللي في الشنطة يا يونس.. مش لمريم. مريم مبعتتش رسالة ليك، مريم بعتت 'أجزاء منها' في كل جواب، وصانع الأقفال هو اللي 'لمها' في الشنطة دي!" الشيخ فوزي ضحك ضحكة مكتومة من وراء خيوط الكفن، وفجأة، الشنطة الجلدية بدأت "تنبض" في يد يونس، وكأن بداخلها قلب حي.

​"افتح الشنطة يا يونس.. ودفن 'مريم' في الموقد اللي في نص البيت!"

​يونس نظر حوله، ليجد في وسط الصالة "موقداً" حجرياً قديماً، وطالع منه نار خضراء باردة. يونس لمح في النار دي "خيال" لمريم وهي واقفة، شعرها

الأسود الطويل مغطي وشها، وبتشاور له بصباعها النحيل على الشنطة.

​في تلك اللحظة، سمع يونس صوت "خبط" عنيف على باب البيت، وصوت الحاج غنيم يصرخ من بره:

"متصدقوش يا يونس! الشيخ فوزي هو اللي خيط كفن مريم، وصانع الأقفال هو اللي 'قفل' عليها في النار دي! اهرب من الشباك!"

​يونس وجد نفسه في مواجهة اختيار انتحاري: هل يصدق الشيخ فوزي ويفتح الشنطة ويدفن مريم في موقد النار؟ أم يصدق الحاج غنيم ويهرب من الشباك ويضيع فرصة معرفة السر للأبد؟

يونس وقف في نص الصالة، وعينه رايحة جاية بين الشيخ فوزي اللي واقف وراه كأنه خيال مشؤوم، وبين صوت الحاج غنيم اللي بيزلزل الباب من بره. ريحة المسك المحروق اللي طالعة من الموقد بدأت تخدر أعصابه، والشنطة في إيده بقت بتنبض بقوة كأن فيها قلب "بينازع".

يونس مسمعش كلام غنيم ومهربش من الشباك. الرغبة في إنه ينهي الوجع اللي في دراعه، والاشتياق لمريم اللي ملقاش منها غير "رسايل"، خلاه يقرب من الموقد الحجري. النار الخضراء كانت باردة بشكل مرعب، لدرجة إنها بتطلع "بخار ملح" بدل الدخان.

​"افتحها يا يونس.. ريحها وريحنا!" فحيح الشيخ فوزي كان قريب جداً من ودنه، وصوابعه السوداء كانت بدأت تلمس كتف يونس.

​يونس، بإيد بتترعش، فتح "إبزيم" الشنطة الجلدية. أول ما الشنطة انفتحت، مطلعش منها ورق.. طلع منها "سيل من الحبر الأسود" غرق أرضية البيت في ثانية، وبدأت تطلع من الحبر ده خصلات شعر سوداء طويلة بتلف حوالين رجل يونس وبتمسك فيها بقوة.

​يونس صرخ وهو بيحاول يرمي اللي جوه الشنطة في النار الخضراء، لقى اللي بيقع في النار مش كفن ولا رسالة.. اللي وقع كان "دمية خشبية" صغيرة منحوتة بدقة مرعبة على شكل مريم وهي صغيرة، وفي صدر الدمية كان فيه "قفل حديدي" مصدي.

​بمجرد ما الدمية لمست النار الخضراء، صرخة مريم الحقيقية شقت سكون

الملاحة كلها. مكنتش صرخة راحة، كانت صرخة "غدر".

​الشيخ فوزي ضحك ضحكة هزت جدران البيت الملحية، ووشه اللي كان متخيط بدأ "يتحلل" ويقع، وظهر من تحته وش "صانع الأقفال" الحقيقي!

​"شكراً يا ابن المرسي.. إنت اللي فتحت القفل بإيدك. مريم مكنتش محبوسة في الموقد.. مريم كانت 'محمية' فيه، وإنت دلوقتي قدمتها لي على طبق من فضة!"

​في اللحظة دي، الباب اتحطم تماماً، ودخل الحاج غنيم وهو ماسك في إيده "منشار خشب" كبير، ووشه غرقان دم. غنيم محاولش يهجم على صانع الأقفال، هو جرى على يونس وشدّه من دراعه بقوة:

​"الحق الكفن قبل ما يدوب في الحبر! لو الحبر ده وصل لقلب الموقد، مريم هتبقى 'طابع' جديد على رسايل الموتى

للأبد!"

​يونس بص للأرض، لقى الحبر الأسود بيقرب من النار، والدمية الخشبية بدأت "تتحرق" وتتحول لرماد أبيض. وسط الرماد ده، ظهر "مفتاح ذهبي" صغير بيلمع.

​يونس رمى الشنطة الفاضية، وهجم بوسط الحبر البارد عشان يلحق المفتاح. صانع الأقفال مد إيده الطويلة عشان يمنعه، بس غنيم وقف في طريقه وهو بيزعق ليونس:

​"اكسر المراية اللي في سقف الموقد يا يونس! هي دي اللي حابسة روحها.. المفتاح ده مش للباب، المفتاح ده لقلبها!"

​يونس رفع راسه، وشاف فعلاً مراية صغيرة متثبتة في سقف الموقد من جوه، بتعكس صورة مريم وهي بتغرق في مية سودة. يونس مسك المفتاح، وبدل ما يحطه في قفل، "رزعه" بكل قوته في نص المراية.

يونس فتح عينه وهو بينهج، لقى الحبر

الأسود اللي كان مغرق الأرض بيبدأ "يتسحب" لجوه شقوق البلاط كأنه بيهرب من الضوء. بص ناحية الموقد، لقى النار الخضراء انطفت، وحل مكانها "دخان أبيض" ريحته زي ريحة الورد البلدي اللي كان في جنينة بيت مريم زمان.

​صانع الأقفال (اللي كان واخد شكل الشيخ فوزي) رجع لورا وهو بيداري وشه بإيديه اللي بدأت "تتقشر" وتتحول لورق محروق. صرخ بصوت يشرخ الحجر:

​"عملتها يا ابن المرسي! فتحت الباب اللي مقفول من سنين.. بس إنت متعرفش إيه اللي كان مستني ورا المراية!"

​وفجأة، وسط الدخان الأبيض، بدأت تظهر "إيد" رقيقة وناصعة البياض طالعة من قلب الموقد. الإيد مسكت في حافة الحجر، وطلعت منها مريم.

​بس مكنتش مريم الخيال ولا مريم الدمية؛ كانت مريم بملامحها الحقيقية، بفستانها اللي كان فيه بقع ملح، وعينيها اللي كان فيها حزن يهد جبال. بصت ليونس نظرة طويلة، نظرة خلت الوجع اللي في دراعه يختفي تماماً، وكأن لمسة عينيها داوت الجرح.

​"يونس.." همست باسمه، وصوتها كان كأنه جاي من مسافة بعيدة أوي.

​الحاج غنيم جرى عليها وهو بيعرج، ووشه فيه مزيج من الرعب واللهفة:

​"مريم! الحقي يا بنتي.. صانع الأقفال مش هيسيبك، هو لسه معاه 'القفل

الأكبر'.. لسه معاه 'قلب الجد'!"

​يونس قام ووقف جنب مريم، وحس ببرودة جسمها اللي كانت بتطلع "بخار" في جو البيت الساقع. مسك إيدها، ولقاها ملمسها زي الملح الناعم بس فيها نبض ضعيف جداً.

​صانع الأقفال ضحك ضحكة هستيرية وهو بيختفي وسط الضباب اللي بدأ يدخل من الشباك:

​"مبروك يا يونس.. رجعت الحبيبة. بس مريم اللي قدامك دي ملهاش 'ظل'.. وعشان تعيش في عالمك، لازم تديها 'ظلك' إنت. الفجر طلع يا ابن المرسي.. والعد التنازلي بدأ!"

​بص يونس للأرض تحت رجل مريم، واتصدم.. مريم فعلاً ملهاش ظل، والضوء اللي جاي من الشباك بيعدي من خلال جسمها كأنها إزاز. وفجأة، البيت كله بدأ "يدوب". الحيطان الطين بدأت تتحول لـ "رمل ملحي" بينزل فوقيهم، وصوت "تزييق" السلاسل رجع يملا المكان من تاني، بس المرة دي الصوت جاي من تحت الأرض.

​الحاج غنيم مسك يونس من كتفه وزعق فيه:

​"لازم نخرج من البيت ده حالا! الملاحة بتبلع 'الذكريات' عشان تقفل الفجوة.. اجري يا يونس، خد مريم واجري لـ 'محراب الجامع الغرقان'.. هناك بس الظل ممكن يرجع!"

يونس كان بيجري وهو ماسك إيد مريم، اللي كانت باردة برودة تخلي الدم يتجمد في العروق. البيت وراهم كان بيتحول لتراب مالح، وصوت غنيم كان بيطارد صدى رجليهم في الملاحة وهو بيلهث:

​"اسمعني يا يونس! مريم اللي معاك دي 'صدى'.. الروح الحقيقية لسه في عهدة صانع الأقفال، والظل هو 'الوصلة' اللي بينا وبينهم. لو وصلنا للجامع قبل الفجر ما يخلص، هنقدر نسحب ظلك ونقسمه بينك وبينها.. وساعتها بس هتقدر تخرجها لبر الأمان

Patuloy na basahin ang aklat na ito nang libre
I-scan ang code upang i-download ang App

Pinakabagong kabanata

  • رواية ساعي بريد الموتي    الفصل العاشر والاخير: وداع في جوف الانهيار.

    ​صوت تكسير العروق الخشبية في السقف كان عامل زي ضربات قدر محتوم، والورشة بدأت تطبق تدريجياً على كل ما فيها. وسط الغبار والملح اللي مالي الجو، كان يونس قاعد في حالة "لا مبالاة" مرعبة. رغم إنه رجع بجسده الحقيقي، ودمه بدأ يجري في عروقه تاني بفضل تضحية مريم، إلا إنه مكنش بيحاول يهرب. كان قاعد ساند ضهره على التابوت، وعينيه تايهة في الفراغ، بيبكي بحرقة ومرار وهو بيبص لإيديه اللي رجعت لحم ودم:​"رجعتيني إنسان ليه يا مريم؟ عشان أعيش وحيد تاني؟ أهو المكان بيتهد فوق راسي يا بنت عمي.. أهو اللي خفتِ منه حصل، بس وإحنا بعاد. فاكرة لما جيت لك زمان؟ كنت بقول لك يا مريم إحنا دمنا واحد، وإني مش عايز من الدنيا غير بيت يلمنا. رديتي عليّ بقسوة وقلتِ لي 'المرسي مبيتجوزوش.. المرسي بيخلصوا لوحدهم'. بعتِ ابن عمك وبعتِ حبي عشان خرافات.. ودلوقتي؟ أديكي جثة في تابوت، وأنا رجعت إنسان بس عشان أشوف موتك بعيني!"​يونس ضرب قبضة إيده (اللي رجعت حقيقية) في الملح اللي مغطي الأرض وصرخ بوجع:​"كنتِ فاكرة إنك بتحميني برفضك؟ أنتي عيشتيني سنين ميت وأنا صاحي، ودلوقتي لما وهبتيني الحياة من تاني، بتمشي وتسبيني لمين؟"​في اللحظة

  • رواية ساعي بريد الموتي    الفصل التاسع: سكرة الخيانة وكِيان الفأس

    مريم رسمت على وشها ابتسامة باردة، ابتسامة غريبة مكنش فيها أي أثر لمريم اللي يونس يعرفها. وببطء مرعب، بدأت تنزل إيدها بـ بابور الجاز لحد ما استقر على الطاولة الخشب القديمة. يونس في اللحظة دي انهار كيانه؛ "الخطوات المبللة" حوالين مريم بقت عنيفة ومضطربة، وخياله المدادي بدأ يتهز كأنه شعلة في وسط عاصفة. يونس مكنش فاهم حاجة، كان شايف حبيبته بتسلم سلاحها الوحيد لعدوهم، فبدأ يضرب في جدران الورشة بصدمة، وصوت "أنين" خفي ملى المكان كأنه بيترجاها تفوق.​"عندك حق خلاص يا غنيم.. يونس ضيع نفسه وضيعني معاه." مريم قالتها بنبرة منكسرة ومخادعة وهي بتمسح دمعة مزيفة. "أنا مش هقدر أعيش العمر كله 'علقة' زيه.. لو العهد هو اللي هيرجع لي حياتي ويريح روح أمي، أنا موافقة."​غنيم ضحك ضحكة منتصرة، وبدأ يقرب منها وهو بيطلع "ريشة المداد" وسجل العهود:​"عشتي يا بنت المرسي.. كدة إنتي بدأتي تفهمي أصول اللعبة. يونس مجرد 'قفل' صدى، لكن إنتي هتبقي صاحبة المفتاح."​يونس في اللحظة دي فقد السيطرة تماماً؛ "المداد الأسود" بدأ ينزف من شقوق الخشب، وبدأ يرمي نفسه بين مريم وبين سجل العهود، كان بيحاول يصرخ في ودنها: "لا يا مريم.. م

  • رواية ساعي بريد الموتي    الفصل الثامن: جذور العائله

    مريم حطت المفتاح في قفل باب الورشة، والمفتاح لف لوحده كأن الباب "عطشان" يفتح لها. أول ما دخلت، ريحة خشب "السدر" المختلطة بريحة الموتى خبطت في وشها. الورشة كانت ضلمة، مفيش غير لمبة واحدة بتتهز فوق طاولة كبيرة في النص، وتحت اللمبة دي كان فيه "تابوت" نص مفتوح، لسه خشبه طري كأنه مقطوع حالا.​"اتأخرتي ليه يا بنت المرسي؟"​صوت الحاج غنيم جه من الضلمة اللي ورا التوابيت المرصوصة. مريم متهزتش، ضمت شنطة يونس لصدرها أكتر وقالت بصوت زي نصل السكينة:​"يونس فين يا غنيم؟ والتمثيلية اللي عملتوها إنت والشيخ الميت دي نهايتها إيه؟"​غنيم طلع للنور، بس وشه كان "مخطوف"، وعينه فيها نظرة رعب مش سيطرة. شاور بإيده المرتعشة على التابوت المفتوح وقال:​"إحنا مجرد عبيد يا مريم.. عيلتك هي اللي حطت القواعد. 'المرسي' مش مجرد اسم، دي لعنة بدأت من جدك الكبير لما قرر إنه يخلي الملاحة 'مخزن' للأرواح اللي مش عايزة ترحل. يونس مكنش الضحية الأولى، يونس هو 'القفل' اللي عيلتك اختارته عشان يفضل باب الملاحة مقفول على اللي جواه!"​مريم قربت من الطاولة، ولقت فوق خشب التابوت "كتاب جلد" قديم، متلطخ بالمداد الأسود. بدأت تقلب في الو

  • رواية ساعي بريد الموتي    الفصل السابع: قيد روح

    مريم فاقت على برودة بتمشي في عضمها، كأن الملاحة كلها دخلت تحت جلدها. لما فتحت عينها، ملقيتش دخان ولا نار.. لقيت "ثبات مرعب".​في نص الحفرة اللي كان فيها القبر، كان فيه كيان واقف ضهره لمريم. الكيان ده كان يونس، بس كتافه بقت أعرض بمرتين، وجلده مابقاش جلد بشر.. بقى عبارة عن "تروس حديد مصدية" طالعة من تحت لحمه. لما لف وشه، مريم كتمت صرختها بإيدها؛ يونس مكنش لابس قناع، وش يونس نفسه كان "بيتمسح" وبيتحول لكتلة معدنية صلبة، والفتحة اللي في جبهته كانت بتبلع الضوء اللي حواليها.​"يونس؟" همست مريم وهي بتزحف لورا، وصوتها كان بيترعش من الخوف.​يونس مردش بصوته، رد بصوت "احتكاك سلاسل" طالع من صدره. مد إيده ناحية الأرض، وفجأة السلاسل اللي كانت بتطارد غنيم وصانع الأقفال القديم طلعت من "تحت ضوافره" هو. السلسلة لفت حوالين الصندوق النحاسي ورفعته في الهوا كأنه ريشة.​"يونس.. بصلي.. أنا مريم!" صرخت وهي بتحاول تقرب منه رغم الرعب. "إنت عملت كدة عشان تحميني.. متسيبش الحديد ياكل قلبك!"​يونس وقف مكانه للحظة، والسلاسل اللي في إيده "اهتزت" كأنها بتتردد. ملامح وش يونس اللي كانت بتختفي ظهرت لثانية واحدة، وعينه د

  • رواية ساعي بريد الموتي    الفصل السادس: أثر المداد

    يونس خرج من الجامع وهو ساند مريم، وخطواته كانت تقيلة كأنه شايل جبال فوق كتافه. الجرح اللي في دراعه مكنش بيوقف "نزيف المداد الأسود"، والحبر ده كان بيسيل على رمل الملاحة ويرسم طريق واضح وسط الضباب، كأن دمه هو اللي بيقودهم لمصيرهم.الملاحة في الوقت ده كانت في حالة "سكون مرعب"، مفيش صوت غير صوت حشرجة أنفاس يونس وخطوات مريم اللي ملمسها على الأرض بقى أوضح بكتير من الأول. صانع الأقفال مكنش بيطاردهم بجسمه، كان سايبهم "للنهاية المحتومة" اللي دم يونس بيشاور عليها.​"يونس.. اقف!" مريم همست وهي بتمسك دراعه السليم بخوف. "الأثر ده بيودينا لـ 'الخلوة القديمة'.. المكان اللي جدي كان بيقفل فيه على المطاريد."​يونس بص للأرض، لقى الحبر الأسود بدأ "يتشعب" كأنه عروق بتجري تحت الملح، وفجأة الأرض بدأت تترعش تحت رجليهم. من وسط الضباب، بدأت تظهر "شجرة جميز" ميتة، أغصانها ناشفة كأنها صوابع هيكل عظمي، ومن أغصانها كانت متعلقة "أقفال حديد" مصدية، بتخبط في بعضها وتعمل صوت رنين بيخرم الودان.​وتحت الشجرة، كان فيه "قبر" غريب.. ملوش شاهد، ومبني من طوب أسود مبيلمعش، والحبر اللي نازل من يونس كان "بيغرق" القبر ده كأنه بي

  • رواية ساعي بريد الموتي    الفصل الخامس: الجامع الغرقان

    يونس ملقاش وقت يفكر، الكلمات كانت بتنزل على دماغه زي المطارق. مسك إيد مريم اللي بدأت "تشف" وتختفي تدريجياً، وجرى ورا الحاج غنيم اللي كان بيشق الضباب الأحمر بخطوات سريعة ماب تناسبش سنه.الملاحة مكنتش بتخلص، والأرض تحت رجليهم بدأت تطلع صوت "قرقعة" كأنهم ماشيين على قشر بيض. مريم مكنتش بتتكلم، بس عينيها كانت بتلمع بخوف مش طبيعي وهي بتبص للسما، حيث "عيون صانع الأقفال" كانت بدأت تنزل من فوق أسطح البيوت اللي اختفت، وتتجسد على شكل "غربان سوداء" من حديد، بتطير فوق راسهم وتصدر صوت صرير معدني مزعج.​وفجأة، ظهر "الجامع الغرقان".مأذنته كانت طالعة من وسط الملح زي صباع بشري مقطوع، والحيطان بتاعته كانت متآكلة والمحراب باين من بعيد وهو "بينضح" مية سودة ريحتها قدم وزمن.​"ادخلوا المحراب! بسرعة!" زعق غنيم وهو بيزق يونس ومريم لجوه.​أول ما دخلوا، يونس حس إن الزمن وقف. الهوا جوه الجامع كان ريحته "بخور ميتين" وقدسية مرعبة. الحاج غنيم وقف في نص المحراب، وطلع من جيبه "سكينة خشبية" محفور عليها طلاسم قديمة، وبص ليونس بجدية خلت ركبه تخبط في بعض:​"اقف في بقعة الضوء اللي جاية من فتحة السقف يا يونس.. وخلي مريم ت

  • رواية ساعي بريد الموتي    الفصل الثالث: رائحة القبر

    يونس مِفاقش بصرخة.. هو فاق على صوت "نفس" تقيل وجنبه مباشرة. فتح عينه ببطء، لقى نفسه مرمي على أرضية القبو الخرسانية، والضلمة كانت كحل، مفيش غير خيط نور ضعيف جداً جاي من شق باب القبو اللي فوق.​حاول يقوم، بس حس بتقل رهيب على صدره. لما ركز عينه في الضلمة، جسمه اتنفض من الرعب؛ الحاج غنيم مكنش سحبه عشان

  • رواية ساعي بريد الموتي    مقدمة الرواية

    لا تفتح الرسالة.. الفضول هنا هو اللعنة! ✉️🌑​"الرسالة أمانة.. والفضول لعنة.. من يفتح الورق، يفتح عينيه على ما لا يُحتمل."​(يونس) ليس ساعي بريد عادياً، هو الوريث الوحيد لـ "البريد الآخر".. بريد لا يحمل فواتير أو خطابات غرام، بل يحمل وصايا الموتى وصرخات الأرواح التائهة.​لكن ماذا تفعل حين تجد في صن

  • رواية ساعي بريد الموتي    الفصل الاول: امانه الموتي

    لم تكن مهنة "يونس" اختياراً، بل كانت قدراً جرى في عروقه كما يجري الدم. في قرية "كفر السحاب"، حيث يختلط زفير المزارع بضباب الجبل، كان بيت عائلة "المرسي" يرتكن وحيداً في طرف القرية، بيتاً قديماً تفوح من جدرانه رائحة الورق العتيق والبخور الذي لا ينطفئ.​بعد وفاة جده، وجد يونس نفسه وحيداً مع "العهدة".

  • رواية ساعي بريد الموتي    الفصل الثاني: نِجار البيوت الأخيرة

    ريحة الخشب المشقوق والـ "غراء" كانت مالية ورشة الحاج غنيم، بس في مناخير يونس كانت مخلوطة بريحة تانية ميعرفهاش غيره؛ ريحة موت قديم و "عطنة". وقف يونس قدام باب الورشة، وإيده اليمين اللي محفور عليها اسم "الحاج غنيم" كانت بتنبح عليه بوجع يحرق، كأن الحروف عاوزة تطلع من تحت جلده وتصرخ في وش صاحبها.​رفع

Higit pang Kabanata
Galugarin at basahin ang magagandang nobela
Libreng basahin ang magagandang nobela sa GoodNovel app. I-download ang mga librong gusto mo at basahin kahit saan at anumang oras.
Libreng basahin ang mga aklat sa app
I-scan ang code para mabasa sa App
DMCA.com Protection Status