All Chapters of حين جلس بقربي ، أحببته متأخرًا: Chapter 21 - Chapter 30

76 Chapters

٢١

حين جلس بقربي، أحببته متأخرًالم تكن تالين تتوقع أن تبقى الجملة الأخيرة معلّقة في صدرها بذلك الثقل، كأنها لم تكن كلمات قيلت وانتهت، بل شيء أُلقي داخلها واستقر في أعمق نقطة من قلبها. "سأخسرك بطريقة مختلفة." لم تسمع فيها تهديدًا، ولا رجاءً، ولا اعتذارًا متأخرًا. كان في صوته شيء لم تعرفه فيه من قبل، شيء يشبه رجلًا تعب من المقاومة وقرر أن يستسلم قبل أن تبدأ المعركة أصلًا. بقيت واقفة مكانها تحدّق فيه، تشعر بأنفاسها تضيق دون سبب واضح، ثم سألت بصوت منخفض خرج منها أضعف مما أرادت: "كيف مختلفة؟" رفعت السؤال إليه كمن يمد يده نحو باب مغلق، لكنه لم يجب. لم يكن صمته هذه المرة مراوغة، بل انقطاعًا قاسيًا فرضه صوت الباب حين انفتح فجأة.دخل أحد الممرضين مسرعًا، وعلى وجهه ارتباك مهني لا يترك مجالًا للشرح. قال وهو يلهث قليلًا: "دكتور شهاب، هناك مكالمة عاجلة من المستشفى المركزي." وفي اللحظة التي نطق فيها باسم المكان، رأت تالين التبدل الفوري في وجه شهاب. انسحب اللون من ملامحه، وتصلبت عيناه، وانطفأ ذلك الاضطراب الشخصي الذي كان فيه قبل ثوانٍ ليحل مكانه توتر أشد وأقدم، توتر رجل يعرف أن بابًا ثقيلًا قد فُتح من
last updateLast Updated : 2026-04-23
Read more

٢٢

حين جلس بقربي، أحببته متأخرًامرّت ساعات الليل على تالين ببطء غير مألوف، كأن الزمن قرر أن يعاقبها وحدها. لم تكن مجرد ساعات انتظار عادي، بل وقوفًا مرهقًا على حافة مجهولة لا تعرف إن كانت ستنتهي بخبر يطمئنها أو بحقيقة تكسرها. كانت كل دقيقة تمرّ تسحب من داخلها جزءًا من قدرتها على التفكير المتزن، وتترك بدلًا منه قلقًا خامًا يتضخم بصمت. جلست مرة، وقفت مرات، مشت في الغرفة ذهابًا وإيابًا حتى حفظت البلاط عدد خطواتها. تمسك الهاتف، تفتحه، تحدق في الشاشة الفارغة، تغلقه، ثم تعود لتفتحه بعد ثوانٍ كأن الرسالة قد تظهر إذا أرادتها بما يكفي. لكن لا شيء جاء. لا شهاب، ولا تفسير، ولا حتى كلمة قصيرة من كلماته الباردة التي كانت تثير غضبها دائمًا، لكنها في هذه الليلة كانت ستعدّها رحمة. همست وهي تقف عند النافذة، والزجاج البارد يلامس أطراف أصابعها المرتجفة: "هذا ليس طبيعيًا... ليس طبيعيًا أبدًا."في تلك اللحظة بالذات رنّ الهاتف، فشعرت بأن جسدها كله تجمد قبل أن تتحرك يدها نحوه. نظرت إلى الشاشة، رقم مجهول آخر، لكنه ليس الرقم السابق. أجابت بسرعة كادت تفضح ارتباكها: "نعم؟" جاءها صوت رجل لا تعرفه، هادئًا ومباشرًا ع
last updateLast Updated : 2026-04-23
Read more

٢٣

حين جلس بقربي، أحببته متأخرًالم تعد تالين تقف كما وقفت في بداية الحكاية، ثابتة على أرض تعرفها وتفهم حدودها. الصدمة التي تلقتها داخل المستشفى لم تنتهِ عند باب الغرفة حين غادرته، بل خرجت معها، مشت إلى جوارها في الممرات الطويلة، جلست معها في السيارة، ودخلت بيتها قبلها. عادت ذلك المساء صامتة على نحو لم تعهده من نفسها، حتى خطواتها بدت أخف من المعتاد كأنها تخشى أن توقظ شيئًا نائمًا داخلها. جلست على طرف سريرها وحدقت في الفراغ طويلًا، تشعر بأن العالم الذي كانت تظنه واضحًا انقلب فجأة على وجهه الآخر. كل ما عرفته عن شهاب بدا لها الآن مجرد طبقة سطحية مصقولة بعناية؛ شفافة بما يكفي لتبدو حقيقية، لكنها تخفي تحتها حياة كاملة لم تلمسها من قبل. همست لنفسها بصوت خافت، وقد بردت أطراف أصابعها دون سبب: "كيف يمكن لشخص أن يعيش بهذا الشكل... دون أن ألاحظ؟" لكن الجواب جاءها واضحًا، جارحًا في بساطته: لأنه لم يسمح لأحد أن يلاحظ أصلًا.في اليوم التالي دخلت الجامعة متأخرة عمدًا. كانت تؤجل المواجهة، أو تؤجل رؤية مقعده فارغًا، لا تعرف أيهما أدق. سارت في الممر المؤدي إلى القاعة وقلبها يدق بطريقة مزعجة، ثم دفعت الباب
last updateLast Updated : 2026-04-23
Read more

٢٤

حين جلس بقربي، أحببته متأخرًالم تكن الجملة التي قالها شهاب عابرة كما حاول أن ينطقها بهدوء، ولا مجرد عبارة تخرج ثم تتلاشى في الهواء. "هذه أول مرة لا تطلبين مني أن أكون كاملًا." بقيت الكلمات معلّقة بينهما، ثقيلة بما يكفي لتبدّل شكل الغرفة كلها. شعرت تالين أن شيئًا ما انزاح في المسافة التي تفصلها عنه، شيء قديم من التحدي والسخرية والشدّ المستمر، ليترك مكانه لصمت جديد لا يشبه ما سبقه. لم يكن صمت راحة، ولا صمت مصالحة كاملة، بل صمت الحقيقة حين تدخل بين شخصين فلا يجدان ما يقولانه بسرعة.جلست في مكانها تراقبه وهو يرتب ملفاته على الطاولة بحركات دقيقة كعادته، كأنه يحتاج إلى نظام خارجي ليعوض الفوضى التي يسكنها. للمرة الأولى منذ عرفته، لم تشعر بالرغبة في سؤاله كل شيء دفعة واحدة. لم تعد تريد اقتحام أبوابه بالقوة. بل على العكس، بدأت تخاف أن الإجابات نفسها قد تكون أكثر قسوة من الأسئلة، وأن ما سيُكشف لن يمكن إعادته إلى الظل بعد ذلك. نادته بصوت أخف من المعتاد: "شهاب..." رفع عينيه قليلًا وقال: "همم." ترددت قبل أن تسأل: "هل أنا متأخرة فعلًا في فهمك؟"توقف عن الحركة، وبقيت يده فوق أحد الملفات لحظة أطول م
last updateLast Updated : 2026-04-23
Read more

٢٥

حين جلس بقربي، أحببته متأخرًالم تعد تالين تلك النسخة القديمة من نفسها، الفتاة التي كانت تطارد الإجابات بصوت مرتفع، وتلقي الأسئلة عليه كأنها سهام لا تهدأ حتى تصيب هدفًا. شيء ما تبدّل فيها خلال الأيام الأخيرة، لكنه لم يحدث بانفجار واضح أو لحظة درامية يمكن تحديدها، بل جاء ببطء خفي، يشبه انطفاء نار ظلت مشتعلة طويلًا حتى استنفدت خشبها وتركت مكانها رمادًا دافئًا. لم تعد تلاحق شهاب برسائل متتابعة، ولا تقف عند الأبواب بعصبية، ولا ترفع صوتها كلما اصطدمت بصمته. صارت تفعل شيئًا لم تكن تعرفه سابقًا: تصمت. لكن هذا الصمت لم يكن فراغًا، بل امتلاءً جديدًا، فهمًا يولد في الأماكن التي كانت تملؤها الضوضاء من قبل.في صباح بارد داخل الجامعة، جلست في القاعة في مكانها المعتاد، ويديها ملتفتان حول كوب قهوة فقد حرارته منذ دقائق. كان الهواء يلسع أطراف أصابعها، لكنها لم تنتبه إلا حين ارتجفت يدها قليلًا. هذه المرة لم تكن عيناها تبحثان عنه كما اعتادتا؛ لم ترفعا نظرهما كلما فُتح الباب، ولم تتعلقا بخطوات المارة في الممر. كانت تعرف أنه غير موجود، ومعرفة الغياب أهون أحيانًا من انتظار الحضور. ذلك الإدراك وحده جعل جلست
last updateLast Updated : 2026-04-23
Read more

٢٦

حين جلس بقربي، أحببته متأخرًابعد مغادرة شهاب مباشرة، لم تتحرك تالين من مكانها. لم تكن تلك الوقفة شبيهة بوقوفها القديم حين كانت تتمرد أو تحتج أو تستعد للحاق به قبل أن يبتعد أكثر. لم يكن فيها غضب، ولا رغبة في مطاردته، ولا حتى حاجة ملحّة لاستكمال ما انقطع من الكلام. كانت فقط واقفة، ساكنة على نحو غريب، كأن جسدها تأخر قليلًا عن فهم ما أدركه قلبها منذ لحظة خروجه: أن شيئًا ما انكسر في داخلها بصمت، دون ضجيج يستحق الالتفات، ودون دموع تعلن الحادثة. كان الممر داخل الجامعة ممتلئًا بالحركة كعادته؛ طلاب يمرون مسرعين، أصوات متداخلة، ضحكات ترتد من الجدران، وقع أحذية، أبواب تُفتح وتُغلق. لكن كل ذلك بدا بعيدًا عنها، كأنه يحدث خلف زجاج سميك لا ينقل إلا صورة بلا صوت. وعلى ملامحها استقر حزن خفيف لا يشبه الانهيار، ولا يفضح نفسه بسهولة، بل شيء أعمق، أشبه بانطفاء مصباح صغير داخل غرفة لا يلاحظ أحد عتمتها إلا من يعرف مكان الضوء أصلًا.اقتربت منها رند بحذر، كما لو أنها تخشى أن تلمس شيئًا هشًا. نادتها بصوت منخفض: "تالين..." لم تلتفت فورًا، ثم رفعت عينيها ببطء. سألتها رند: "أنتِ بخير؟" بقيت صامتة لثوانٍ، وكأن ال
last updateLast Updated : 2026-04-23
Read more

٢٧

حين جلس بقربي، أحببته متأخرًالم يتحرك شهاب فورًا حين بدأ الهاتف يهتز في جيبه من جديد. ظل واقفًا أمام تالين كأن الرنين صادر من مكان بعيد لا يعنيه، أو كأنه ينتظر من هذه اللحظة نفسها أن تمنحه جوابًا واضحًا عمّا يجب أن يفعله. لكن اللحظات الحاسمة نادرًا ما ترشد أحدًا؛ هي فقط تقف صامتة وتترك البشر يختارون ثم يتحملون النتائج. استمر الهاتف في الاهتزاز، قصيرًا متكررًا، بينما كان الممر من حولهما يمتلئ بحركة الطلاب، بأصوات عابرة، بخطوات تتقاطع وتمضي، وبضوء النهار الذي ينساب من النوافذ العالية ببرودة باهتة. أما تالين فكانت تنظر إليه بطريقة لم يعهدها منها. لم يكن في عينيها ذلك القلق القديم الذي يسبق الأسئلة، ولا الاندفاع الذي كان يدفعها نحوه مهما ابتعد، ولا الغضب الذي يشتعل حين يصمت. كان هناك هدوء غريب، يشبه شخصًا فهم الطريق أخيرًا لكنه فقد الحماس للجري فيه.قالت بصوت منخفض، صافٍ، كأنها تضع شيئًا على الطاولة وتنتهي منه: "اذهب."لم تكن الكلمة أمرًا، ولا رجاءً، ولا تضحية معلنة. كانت مجرد حقيقة.التفت إليها بسرعة، وفي وجهه شيء من الارتباك الذي لا يظهر عليه كثيرًا. قال: "تالين..." لكنها قاطعته، بنفس
last updateLast Updated : 2026-04-23
Read more

٢٨

حين جلس بقربي، أحببته متأخرًالم تكن رسالة تالين، "أنا بدأت أكون بخير أيضًا"، جملة عابرة بالنسبة لشهاب كما قد تبدو لأي شخص آخر. جلس في الممر البارد داخل المستشفى، تحت ضوء أبيض قاسٍ لا يعرف الرحمة، يقرأها مرة بعد مرة، وكأنه يحاول أن يستخرج من حروفها ما لم يُكتب صراحة. هل كانت تقصدها فعلًا؟ هل بدأت تتعافى من فوضاه؟ أم أنها فقط اختارت عبارة لطيفة تخفف بها ثقل الأيام بينهما؟ كان يعرفها بما يكفي ليعلم أن الكلمات البسيطة عندها نادرًا ما تكون بسيطة حقًا. لكن ما لم يعرفه بعد، أن تالين لم تكتب لتطمئنه، ولا لتواسيه، ولا لتخفف شعوره بالذنب. كانت تكتب لأنها تغيّرت فعلًا، لأن شيئًا داخليًا فيها بدأ يعيد ترتيب نفسه بعيدًا عن إيقاع حضوره وغيابه.في صباح اليوم التالي دخلت الجامعة بهدوء غير معتاد، كأن خطواتها نفسها أصبحت أخف. لم تعد عيناها تذهبان تلقائيًا نحو الباب كل دقيقة، ولم تعد تلتفت كلما انفتح فجأة. كانت تعلّم نفسها ببطء أن الحياة لا تتوقف على صوت خطوات شخص واحد، وأن انتظار أحدهم لا يجب أن يبتلع النهار كله. جلست في مكانها، وضعت دفترها أمامها، ومررت يدها على غلافه بحركة لا واعية، ثم أخذت نفسًا عم
last updateLast Updated : 2026-04-23
Read more

٢٩

حين جلس بقربي، أحببته متأخرًاعاد شهاب إلى الجامعة بعد أيام، لكن عودته هذه المرة لم تشبه أي عودة سابقة. لم يكن يرتدي ذلك الهدوء المصطنع الذي اعتاد أن يضعه على ملامحه حين يريد أن يبدو طبيعيًا، ولا تلك السخرية الخفيفة التي كان يستخدمها درعًا كلما اقترب أحد من أسئلته الحقيقية. دخل القاعة بخطوات أبطأ، وكتفين مثقلتين بشيء لا يُرى، كأن شيئًا داخله انكسر بصمت ثم جُمعت أجزاؤه على عجل، فعاد بصورة قريبة من القديم لكنها ليست هي. كان التعب واضحًا في عينيه، ليس تعب السهر فقط، بل تعب من يحمل أكثر مما يستطيع قوله.جلس بجانب تالين دون أن يبدأ بالكلام. لكنها شعرت بوجوده فورًا، قبل أن يلامس المقعد، قبل أن يتحرك الهواء قربها. لم تشعر به بصوته ولا بحركته، بل بثقله؛ ذلك الثقل الذي صار جزءًا لا ينفصل عنه، كأن حضوره لم يعد يُقاس بالقرب بل بما يتركه في المكان من صمت مشدود. أبقت نظرها على دفترها المفتوح أمامها، تتحسس بأصابعها طرف الورقة كي تخفي الارتباك الصغير الذي مرّ في صدرها، ثم قالت بهدوء: "رجعت."أجاب بعد لحظة: "نعم."قالت، وعيناها لا تزالان أمامها: "أقصر مما توقعت."سكت، ثم التفت قليلًا نحوها وقال: "كنت
last updateLast Updated : 2026-04-23
Read more

٣٠

حين جلس بقربي، أحببته متأخرًالم يكن الليل لطيفًا تلك المرة. كان ساكنًا أكثر مما ينبغي، حتى بدا أن المدينة كلها قررت أن تحبس أنفاسها في اللحظة نفسها التي اختار فيها قلب تالين الصمت. جلست قرب النافذة، تسند كتفها إلى الحائط البارد، والضوء الخافت ينساب على أطراف الغرفة كأنه يخشى الاقتراب أكثر. الهاتف فوق الطاولة القريبة، شاشته سوداء، بلا رسالة جديدة من شهاب، بلا إشارة صغيرة توحي بأنه ما يزال قريبًا من هذا العالم الذي تجلس فيه. ومع ذلك، لم تكن كما كانت من قبل. لم تعد تنهار سريعًا أمام الفراغ، ولم تعد تفتش عن تفسير لكل دقيقة تأخير. كان هناك ثقل هادئ يستقر في صدرها، يشبه انتظارًا طويلًا تعلّمت أخيرًا كيف تجلس داخله دون أن تسقط.كانت تسمع أصواتًا بعيدة من الشارع؛ سيارة تمر ببطء، باب يُغلق في بناية مجاورة، نباحًا متقطعًا لكلب لا يُرى. أما داخلها، فكان كل شيء أكثر هدوءًا وأكثر تعبًا. مدّت يدها نحو الهاتف ثم سحبتها قبل أن تلمسه. لم تعد تريد أن تقيس يومها بعدد الرسائل، لكنها أيضًا لم تصل بعد إلى مرحلة اللامبالاة. كانت عالقة بين نضج جديد وحنين قديم، بين امرأة بدأت تفهم حدودها وفتاة ما زالت تتلفت
last updateLast Updated : 2026-04-23
Read more
PREV
1234568
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status