All Chapters of حين جلس بقربي ، أحببته متأخرًا: Chapter 51 - Chapter 60

76 Chapters

٥١

حين جلس بقربي، أحببته متأخرًا لم تنم تالين تلك الليلة، ولم تكن المسألة مجرد أرقٍ عابر أو اضطرابٍ بسبب خبرٍ ثقيل؛ كان الأمر أعمق من ذلك، كأن جسدها نفسه رفض فكرة النوم بعد أن سمع صوت شهاب يعود للحياة للحظات داخل التسجيل، ثم يختفي من جديد كأن وجوده كله صار مرتبطًا بالاختفاء. كلما أغمضت عينيها، عاد صوته من تلك الشاشة الباردة، لا كذكرى، بل كحقيقة قصيرة تشبه الخطف، ثم يترك خلفه فراغًا أكثر قسوة مما كان قبل ظهوره. المفتاح الذي أعطاها إياه، والرسالة، وصورته في الفيديو… كلها كانت تدور في داخلها كدوامة لا تهدأ، حتى صار الصباح امتدادًا لتلك الليلة لا نهايتها. حين دخل الضوء الخافت إلى الغرفة، كانت ما تزال جالسة على طرف السرير، كأنها لم تغيّر مكانها منذ ساعات. المفتاح بين أصابعها بارد وثقيل على نحو غير منطقي، والرسالة مفتوحة أمامها كجرح لم يُغلق، ويدها الأخرى لا تفارق بطنها، كأنها تحاول أن تثبّت شيئًا داخليًا يخشى السقوط. كانت تتنفس ببطء، لكن أنفاسها لم تكن كافية لتهدئة ذلك الشعور الذي يضغط على صدرها من الداخل، شعور بأنها أصبحت مسؤولة عن أكثر مما تستطيع احتماله وحدها. دخلت رند بهدوء، ونظرة واحد
last updateLast Updated : 2026-04-23
Read more

٥٢

حين جلس بقربي، أحببته متأخرًالم تنتظر تالين أكثر، وكأن جسدها قرر قبل عقلها أن التردد لم يعد خيارًا. بعد أقل من ساعة كانت السيارة تشق الطريق خارج المدينة، تتقدم نحو ذلك الامتداد القديم الذي تعرفه جيدًا؛ الطريق الذي أخذها إليه شهاب أول مرة، حين كان كل شيء بينهما ما يزال يحتمل البساطة، قبل أن تتحول المسافات إلى أسئلة، واللقاءات إلى احتمالات مهددة بالاختفاء. السماء فوقهم كانت رمادية ثقيلة، لا تمطر ولا تشرق، فقط معلقة بين حالتين، كأنها تعكس ما بداخلها تمامًا، بينما الهواء الحار يتسلل إلى السيارة خانقًا، يلتصق بالجلد ويزيد من توتر الصمت الذي يملأ المقصورة.كان عمار يقود بصمت مركز، عيناه لا تتركان الطريق، ورند تراقب ما خلفهم كل لحظة، تلتفت إلى المرآة الخلفية كما لو أن النظر وحده يمكن أن يغيّر ما يحدث. أما تالين فكانت مختلفة عنهما؛ لم تكن تراقب الطريق ولا الخلف، بل كانت غارقة في نفسها، يدها اليمنى تحتضن بطنها بحركة لا واعية، واليد الأخرى تضغط على المفتاح الصغير بقوة متزايدة حتى شعرت بألمه في كفها، وكأنها تحاول أن تثبّت نفسها في شيء واحد وسط كل هذا الانفلات.قطعت الصمت فجأة بسؤالها، بصوت منخف
last updateLast Updated : 2026-04-23
Read more

٥٣

حين جلس بقربي، أحببته متأخرًاتحطم الباب الخارجي بالكامل، وارتدّ صوت الخشب المتناثر في أرجاء البيت المهجور كأنه طلقة فتحت نهاية مرحلة لم تعد قابلة للتراجع. في اللحظة التالية لم يعد هناك فراغ، بل امتلأ المكان بخطوات سريعة ومتداخلة، أكثر من شخص يقتحم الصمت القديم الذي تراكم في الجدران، كأن البيت نفسه استيقظ على خطر متأخر.لم يحتج عمار إلى شرح إضافي، فقط قال بحدة أن النافذة هي الطريق الآن، وصوته كان أقرب إلى أمر غريزي لا يحتمل النقاش. تحرك بسرعة، التقط الملف الأحمر والهاتف القديم من الطاولة، ودفعهما إلى رند وهو يقول لها أن تحافظ عليهما مهما حدث، كأن تلك الأشياء لم تعد أوراقًا أو أجهزة بل حياة كاملة معلقة في يدها. رند أمسكت بهما دون تردد، لكن عينيها كانتا تبحثان عن تالين، التي كانت في تلك اللحظة غارقة في شيء مختلف تمامًا، تحدق في الخاتم داخل كفها والورقة المرتجفة بين أصابعها كأن الزمن توقف عندها وحدها.صرخت رند باسمها، فانتفضت تالين كأن الصوت أعادها بالقوة إلى الجسد، واندفعت نحو النافذة الخلفية مع الآخرين. صعد عمار أولًا، ثم ساعد رند على العبور، وعندما جاء دورها، كان الصوت القادم من الممر
last updateLast Updated : 2026-04-23
Read more

٥٤

حين جلس بقربي، أحببته متأخرًا رنّ الهاتف مرة واحدة فقط، ثم انطفأ كأن صوته لم يكن سوى خدعة قصيرة أطلقتها اللحظة قبل أن تسحبها إلى العدم. ظل الصمت بعدها أثقل من أي صوت، كأن الغرفة نفسها توقفت عن التنفس. اندفعت تالين نحو عمار فورًا، ويدها ترتجف قبل صوتها وهي تطلب الهاتف، فأعطاها إياه بسرعة وكأنه يشاركها القلق نفسه. ضغطت زر التشغيل مرة تلو أخرى، لكن الشاشة بقيت سوداء، باردة، لا تستجيب وكأنها ترفض الاعتراف بأن شيئًا حدث للتو. قال عمار وهو يحاول فهم ما يجري إن البطارية كانت فارغة تمامًا، وإنه من غير المنطقي أن يصدر رنين من جهاز ميت، لكن رند قاطعته بحدة، نظرتها مشتعلة بالتوتر، وكأنها لم تعد تقبل أي تفسير منطقي في عالم انهار فيه المنطق أصلًا. بحث عمار في السيارة حتى وجد شاحنًا متنقلًا، ووصله بالهاتف، وانتظروا في توتر ثقيل امتد كالساعات رغم أنه لم يكن إلا دقائق. وحين أضاءت الشاشة أخيرًا، كان الضوء خافتًا لكنه بدا لهم كنجاة صغيرة وسط الظلام. ظهرت مكالمة فائتة برقم مخفي، وتحتها رسالة صوتية غير مستلمة. شعرت تالين أن قلبها يسقط مرة واحدة، وطلبت من عمار تشغيلها فورًا. ضغط الزر، فخرج صوت مشوش أو
last updateLast Updated : 2026-04-23
Read more

٥٥

حين جلس بقربي، أحببته متأخرًاتوقفت تالين عند العتبة، وكأن قدميها فقدتا القدرة على التقدم خطوة إضافية. الرسالة التي لمحتها على هاتف عمار قبل لحظات كانت لا تزال تدور في رأسها بشكل متكرر، كصدى لا يهدأ: “تمّ إدخالهم”. لم تكن كلمتان عاديتان، بل إحساس كامل بأن هناك من سبقهم إلى كل شيء، وأن ما ظنوه قرارًا حرًّا كان في الحقيقة جزءًا من خطة لم يفهموها بعد.دخلت رند أولًا، ثم عمار، بينما تقدمت تالين ببطء، لكن عينيها لم تفارقا ظهر عمار وكأنها تحاول أن تقرأ الحقيقة من طريقة وقوفه، من أي ارتباك صغير قد يفضحه. البيت من الداخل كان أقدم مما توقعت، كأن الزمن توقف فيه منذ سنوات. الجدران متشققة، والسقف مرتفع بشكل يبعث على برودة غريبة، والهواء نفسه يحمل رائحة غبار ورطوبة وذكريات مهجورة. في منتصف الصالة طاولة كبيرة تتناثر فوقها خرائط وصور وأجهزة اتصال، وكأن المكان لم يعد بيتًا بل غرفة عمليات مؤقتة لشيء أكبر من الجميع.كان صوت سامر حادًا وهو يشرح ما حدث، أن شهاب اختُطف من مخزن قرب المنطقة الصناعية، وأن العملية لم تستغرق سوى ساعة واحدة فقط. اقتربت تالين فورًا وكأن جسدها سبق تفكيرها، وسألت بصوت يرتجف إن كان
last updateLast Updated : 2026-04-23
Read more

٥٦

حين جلس بقربي، أحببته متأخرًالم تنتهِ الكلمات عند لحظة واحدة، بل تكسّرت داخل الضجيج الذي انفجر فجأة في المكان، كأنّ هذا الانفجار الصغير عند الباب الخلفي لم يكن طارئًا بل موعدًا مؤجلاً مع الفوضى. الهواء نفسه تغيّر، صار أثقل، مشبعًا برائحة الوقود والغبار المحترق، فيما انطفأت الأضواء دفعة واحدة كأن المخزن ابتلع آخر أنفاسه. وفي تلك العتمة التي ابتلعت كل شيء، لم يعد هناك فرق بين الجدران والفراغ، بين الأرض والظل، فقط أصوات متداخلة: صراخ متقطع، ارتطام صناديق تتساقط، خطوات تركض بلا اتجاه، وطلقات نار تشقّ الهواء كخيوط حادة تمزق ما تبقى من الوعي بالمكان.كانت تالين في قلب ذلك الانهيار، لكن ليس كما كانت تتخيل نفسها يومًا. لم تكن تركض إلى شهاب هذه المرة، بل كانت تُسحب بعنف عبر الممر الضيق نحو الخارج، ذراع قوية تطبق على معصمها وتمنعها من الالتفات. حاولت أن تقاوم، أن تلتقط أي تفصيلة من الفوضى حولها، لكن كل شيء كان أسرع من قدرتها على الفهم. صوت أنفاسها أصبح أعلى من الأصوات كلها، قلبها يضرب داخل صدرها كأنه يحاول الهرب قبلها، وعيناها تبحثان بشكل غريزي عن وجه واحد وسط الظلام: شهاب. كان هناك، مقيدًا، ل
last updateLast Updated : 2026-04-23
Read more

٥٧

حين جلس بقربي، أحببته متأخرًااهتزّ البيت مع الانفجار الثاني كأن الأرض نفسها فقدت توازنها، وتبعثرت الأضواء في الداخل لحظة خاطفة قبل أن تعود إلى خفوتها المريض. تناثر الغبار في الهواء كستارة رمادية كثيفة، وارتدّ صوت الزجاج المتشقق في أرجاء الغرفة، بينما اندفع شهاب رغم الألم، يلتقطها بذراع واحدة ويجذبها إلى الأرض خلف الطاولة الخشبية وكأنه يحاول أن يضعها خارج حدود الخطر حتى لو على حساب جسده المثقل بالرصاص. كانت تالين تسمع نبضها أعلى من أي صوت آخر، تشعر به في أطراف أصابعها، في بطنها، في حلقها الجاف، كأن جسدها كله صار أداة إنذار واحدة لا تهدأ.دخلت رند مسرعة من الخارج، وجهها مغطى بالغبار وعيونها تلمع بقلق حاد، وهي تلهث لتقول إن الانفجار كان رسالة لا أكثر، وإن السيارة المفخخة عند البوابة لم تُنهِ ما بدأوه بل فتحت بابًا لشيء أكبر. أما عمار، فكان يغلق الباب الداخلي بعنف، نظراته تدور في المكان كمن يحاول أن يحسب كل الاحتمالات في ثوانٍ معدودة، ثم قال بصوت منخفض إنهم لم يأتوا للتهديد فقط، بل إنهم سيعودون، وهذه المرة لن يتركوا خلفهم تحذيرًا.وسط هذا كله، كانت عين تالين لا تفارق شهاب. الدم الذي عاد
last updateLast Updated : 2026-04-23
Read more

٥٨

حين جلس بقربي، أحببته متأخرًالم ينتظروا الفجر، وكأن الليل نفسه لم يعد يملك رفاهية الاستمرار. خلال دقائق معدودة فقط، كانت الفوضى قد تحولت إلى خطة هروب مضطربة، أُنجزت على عجل داخل بيت خلفي معزول، ثم خرجوا عبر ممر ترابي ضيق يبتلع آثارهم بسرعة، كأن الأرض نفسها لا تريد أن تعترف بمرورهم.شهاب أصرّ أن يقود. لم يكن في صوته مساحة للنقاش، بل ذلك النوع من اليقين المتعب الذي لا يأتي من قوة بقدر ما يأتي من عناد شخص يعرف أن الوقت لم يعد في صفّه. اعترضوا جميعًا، لكن اعتراضهم كان يذوب أمام جفاف كلماته حين قال: إنه إذا كان الموت قادمًا في الطريق، فهو على الأقل يريد أن يكون ممسكًا بالمقود. لم تكن جملة بطولية بقدر ما كانت اعترافًا خافتًا بأن الخيارات بدأت تضيق حتى على الحذر نفسه.تالين لم تنتظر طويلاً قبل أن تقطع ذلك الصمت بحدة مفاجئة، صوتها خرج كأنه محاولة لإعادة ترتيب العالم بالقوة. أعلنت أنها ستقود هي. للحظة، بدا وكأن الفكرة وحدها تجرؤ على تحدي كل ما حولها. نظر إليها شهاب، ثم ابتسم رغم الإرهاق الذي كان ينهش ملامحه، ابتسامة قصيرة تحمل شيئًا من الدهشة القديمة. سألها بصوت خافت منذ متى أصبحت تصدر الأوام
last updateLast Updated : 2026-04-23
Read more

٥٩

حين جلس بقربي، أحببته متأخرًاتردّد صوت الرجل الأصلع خلف الباب الحديدي كأنه لا يأتي من الخارج فقط، بل من داخل القبو نفسه، من جدرانه الباردة ومن الهواء الثقيل الذي بدأ يضيق شيئًا فشيئًا: افتحوا… أو نحرق المكان بمن فيه. ارتجّ المكان مع كل كلمة، وتحوّلت المساحة المغلقة إلى صندوق خوف يضرب صدر الجميع دون توقف. حتى الصمت لم يعد صمتًا، بل شيء مشحون ينتظر الانفجار.كانت تالين واقفة قرب الطاولة، ما تزال تمسك الرسالة بيد مرتجفة، والصندوق المفتوح باليد الأخرى، كأنها لا تعرف أيهما أثقل: الحقيقة أم الخطر. أمامها، شهاب لم يكن مجرد رجل يقف، بل حاجزًا بشريًا ثابتًا، وضع نفسه بشكل غريزي بينه وبينها وبين ما يزحف نحوهم من خلف الباب. رغم الدم الجاف على كتفه وتعب ملامحه، إلا أن حضوره كان مشدودًا كوتر لا يُسمح له بالانقطاع.في الخلف، بدأ عمار يحسب بقلق عدد المخارج، وصوته يكشف أكثر مما يخفي. مخرج واحد تقريبًا، وممر خدمة قديم خلف غرف الحفظ، لكنه مغلق منذ سنوات. رند طالبت بفتحه فورًا، لكن الموظف المرتبك كان يعرف الحقيقة الأثقل: المفتاح عند المدير، والمدير على الأغلب لم يعد في موقع يتيح له إنقاذ أحد. ضحكة قصير
last updateLast Updated : 2026-04-23
Read more

٦٠

حين جلس بقربي، أحببته متأخرًادوّى صوت الرصاصة في الساحة الضيقة كأنه مزّق الهواء نفسه قبل أن يصل إلى الأرض، ثم ساد صمت مفاجئ، ليس صمت نهاية، بل صمت ارتباك، ذلك النوع الذي يسبق الفهم بثوانٍ ثقيلة. الصندوق المعدني ارتطم بالإسفلت وتدحرج بعيدًا، يترك خلفه صدى معدنيًا يشبه قلبًا فقد انتظامه. أحدهم سقط، لكن الزمن، لثانية كاملة، رفض أن يحدد من هو ذلك الجسد الذي انهار.فتحت تالين عينيها ببطء، كانت قد أغمضتهما لحظة الانفجار، وكأن الجسد يحاول حماية نفسه من الحقيقة قبل أن تراها. يدها كانت لا تزال على بطنها، وأنفاسها متقطعة، تتداخل فيها الرهبة مع غريزة واحدة لا تفكر بل تنجو. ثم جاء الصوت الذي مزق ذلك التعليق القصير بين الحياة واللاشيء، أنين مألوف، خافت لكنه كافٍ ليقلب كل شيء: شهاب.التفتت بسرعة، وقلبها سبق بصرها. كان على الأرض أمامها، راكعًا على ركبة واحدة، يده تضغط على جانبه الأيمن، والدم يتسلل بين أصابعه ببطء قاسٍ، كأنه يعلن امتداد الإصابة بدلًا من إيقافها. صرخت باسمه وركضت نحوه دون وعي، وكأن المسافة بينهما لم تعد أرضًا بل خوفًا يجب عبوره.رفع رأسه بصعوبة، وخرج صوته متعبًا يحاول أن يبدو مطمئنًا
last updateLast Updated : 2026-04-23
Read more
PREV
1
...
345678
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status