LOGINالثاني والثمانون...استرجعت ياسمين تلك اللحظات العصيبة، حين وقفت أمام البناية التي كانت تقطن بها، لتفاجأ بسيارة دفع رباعي تتوقف بحدة أمامها، ويندفع منها عدد من الرجال الأشداء الذين اختطفوها في ثوانٍ معدودة، شعرت ياسمين حينها ببرودة تسري في جسدها؛ فقد ظنت أنها سقطت أخيراً في فخ "حسين الدياش"، فاستسلمت لقدرها وجلست في السيارة بهدوء غريب أثار تعجب الخاطفين المحيطين بها، بعد بضع دقائق تحدث أحدهم في الهاتف، فسمعته ياسمين وقد جذب انتباهها طاعته ومهادنته لمحدثه: _ اطمني يا هانم هي معانا.. لحقناها قبل ما تدخل.صمت الرجل ليستمع للطرف الآخر، ثم أردف بعد دقيقة:_ لا يا فندم محدش ماشي ورانا اطمني، كلها ساعة وهنكون عند حضرتك.سيطرت الحيرة والفضول على ياسمين؛ من تكون تلك المرأة؟ هل هي والدتها التي أرسلت هؤلاء الرجال لإنقاذها؟ لكن صدمتها كانت عنيفة حين وصلت لتجد في استقبالها امرأة غريبة تماماً عنها، ملامحها حادة ونظراتها ثاقبة، سحبتها تلك المرأة من يدها وولجت بها إلى إحدى الغرف، وقالت وهي تشير لها بالجلوس بلهجة آمرة:_ بقى في حد عاقل يغلط غلطتك دي ويرجع للنار برجليه؟ عموماً كويس إنك معايا دلوقتي ع
وصلت أشواق إلى مدينة الأقصر، وكان التوتر ينهش أعصابها، والخوف من رفض ياسمين لها يطاردها كظلّ لا يفارقها. شعر طايع بارتجاف جسدها، فضمها إليه بقوة محاولاً بث الطمأنينة في قلبها وقال بنبرة حانية:_ اهدي يا أشواق واطمني، بنتك عمرها ما هترفض وجودك. والـلي حصل آخر مرة لما شافتك فيها كان دليل إن عندها النية تفتح صفحة جديدة معاكِ، صدقيني أنا حاسس إن الأيام الجاية دي هتتصلح فيها كل حاجة يا حبيبتي، وبعدين متخافيش، أنا جنبك ومعاكي ومش هسيبك أبداً.سكنت أشواق داخل صدر طايع، تشعر بهدوء نسبي يتسلل إلى أعماقها، وتنهدت بعمق وهي تراقب معالم الطريق، وما إن توقف سائق السيارة أمام المنزل الذي تقطن به ابنتها، حتى سارعت بالخروج بلهفة ممزوجة بالرعب، بينما اندفع "مجد" من خلفها يهرول باتجاه الباب، ليطرق عليه بضربات طفولية متلاحقة ومبتهجة.في الداخل، كان جلال يتابع ياسمين وهي تحل بعض المسائل التي أعطاها لها، متجاهلاً تذمرها اللطيف وطلبها المتكرر لفترة راحة، وحين سمع صوت الطرقات، اتجه إلى الباب ليفتحه، ليفاجأ بذلك الصبي الصغير الذي اقتحم المكان بحماس، ثم وقع بصره على تلك المرأة التي كانت تتشبث بذراع رجل غريب لم
تجمدت نظرات ياسمين أمام ذلك القرب الطاغي الذي فرضه جلال، وشعرت بجدران المطبخ تضيق عليها، بينما تسللت أنفاسه لتداعب خصلات شعرها المتمردة، فخفق قلبها بشدة بين أضلعها كعصفور سجين، إلا أن غصة الماضي كانت لا تزال عالقة في حنجرتها كقطعة من الزجاج المكسور، تحول دون أن ينفذ صوته الدافئ إلى أعماقها، فتراجعت خطوة إلى الوراء، ودفعت صدره برفق بيدين مرتجفتين وهي تهز رأسها يميناً ويساراً كأنها تطرد حلماً جميلاً تخشى الاستيقاظ منه على واقع مرير، وقالت بصوت مخنوق تغلبه العبرات: _ وحشتك إزاي يا جلال؟ وحشتك وأنا اللي كنت عبء تقيل عليك؟ أنا مش قادرة أنسى كلام رقية ليا، ولا قادرة أمحي من دماغي وهي واقفة قصادي بتبص في عيني بكل ثقة وجبروت وبتقول لي إن وجودي في حياتك هو أكبر ضرر ليك، وأكدت لي إنك مش متمسك بيا حباً فيا، لأ دي قالت إنك متمسك بيا شفقة، مجرد شفقة على واحدة وحيدة ملهاش حد في الدنيا غيرك، وخايف لو سبتها تضيع. ابتعدت عنه بضع خطوات، محاولةً خلق مسافة أمان تحميها من تأثيره، ومسحت دمعة فرت رغماً عنها بطرف كفها، ثم تابعت بمرارة تقطر من كل حرف: _ قالت لي إني حمل تقيل عليك بسبب أدمان بابا وانتحاري، و
توقف جلال فجأة عن الاسترسال، وشحب لونه حين أدرك أنه يقف على حافة الهاوية؛ فلو أكمل القصة وقص عليها تفاصيل تعنت والدها وما جرى خلف الكواليس، ستنكشف خيوط الماضي، وستعلم ياسمين يقيناً ما حدث بينه وبين رقية، وستدرك دوره في تلك المأساة، وحتماً ستوجه إليه أصابع الاتهام بالجرم والخيانة. نظر إليها بارتباك واضح، ليرى تلك الابتسامة وهي تتلاشى عن شفتيها، وتنطفئ جذوة السعادة في عينيها لتحل محلها صدمة مروعة.تهالكت ياسمين فوق المقعد أمام ذهوله، وانفجرت في بكاء مرير وهي تتخيل حجم الظلم الذي وقع على قلبين لم يتمنيا سوى الحلال، وقالت بصوت يملؤه الرفض والاستنكار: _ والله حرام اللي حصل دا! طيب ليه يرفض أيمن وهو إنسان كويس أوي وبيحبها؟ ليه يحرمها من الإنسان اللي بتحبه؟ وهي.. هي إزاي وافقت تتجوز واحد غيره؟ أنا.. أنا مش فاهمة!أمام صمت جلال المطبق وشروده الذي بدا كأنه يغرق في بحر من تأنيب الضمير، بدأت ياسمين في نسج خيوط جملته التي بترها، ووجهت إليه تساؤلاتها كأنها سهام تخترق صمته: _ طيب أنت محاولتش تعرف عمك رفض أيمن ليه؟ محاولتش تقنعه إنه يغير رأيه؟ ليه سيبته يا جلال يجوز فجر من واحد تاني؟ ليه خليته يك
صرخة جعلته ينتفض فوق فراشه من فرط الرعب، ثم رأى الحقنة تطير في الهواء بعد أن قذفتها بقوة نحو الحائط لتتحطم ويتناثر سائلها القاتل فوق الأرض. التفتت إليه وعيناها تفيضان بمرارة السنين، وقالت بنبرة ممزوجة بالقهر والوعيد: _ أنا لو شيطان يا حسين فدا لأنك أنت وممدوح اللي وصلتوني للي أنا فيه دا! أنت وممدوح اللي طمعتوا في الكيلاني وفي فلوسه وضربتوه وغدرتوا بيه وقتلتوه زي ما قتلتوا نور الدين وولاده، وزي ما غدرتم بياسمين وأشواق واستخسرتوا إني أعيش حياتي.. حرمتوني منه ومن قبله حرمتوني من ابني لما ولعتم بيا المخزن!توقفت للحظة وكأنها تستعيد وهج النيران وصور الدخان، ثم تابعت بصوت مخنوق: _ ابني اللي كنت حامل فيه، والدخان والحريقة والرعب اللي عشته خلاه يموت في بطني وأتسبب إني أشيل الرحم علشان ممتش! كل دا عملتوه ومش عاوزني أكون شيطان؟ دا أنا لو أطول أكون إبليس نفسه هكون وانتقم منكم وأعيد انتقامي مرة واتنين وعشرة ومية، لحد ما أشفي غليلي منكم وآخد حق كل واحد ضربتوه في ضهره، وعلى فكرة يا حسين، اللي أنا عملته فيك دا ولا حاجة، دا لسه كتير وبكرة تشوف بعنيك باقي انتقامي منك ومن ممدوح وابنه هيبقى إزاي!استم
سرقت أصوات محرك سيارة طايع التي لاحت في الأفق "أشواق" من دوامة ذكرياتها المريرة، فانتفضت تستعيد رباطة جأشها، والتفتت إلى صغيرها "مجد" الذي كان يلح عليها بجذب يدها لفت انتباهها، فقالت بصوت يحاول استجماع القوة: _ أهو بابا جه يا مجد، بقولك إيه، تعالى معايا نتمم على البيت ونشوف كل حاجة متظبطة وفي مكانها قبل ما نمشي.أوقف طايع سيارته وترجل منها متجهاً نحو مدخل المنزل، وحين وقعت عيناه على الحقائب المصطفة، تجمدت نظراته عليها وهو يحاول استرجاع تفاصيل اتفاقه الأخير مع "نجلا" بشأن السفر إلى الأقصر، فزم شفتيه بضيق وارتمى بتعب وإنهاك فوق أحد المقاعد، ليهرع إليه مجد ويحتضنه بلهفة طفل طال انتظاره قائلاً: _ اتأخرت أوي يا بابا، وأنت عارف إن ميعاد الطيارة بدري!تجنب طايع تلاقي نظراته مع عيني نجلا، التي لمحت على الفور تجهم وجه زوجها وارتباكه، فزفرت بحدة وقد بدأ الشك يقيناً في صدرها، وقالت بنبرة حادة: _ متقولش إنك نسيت تحجز يا طايع!أومأ طايع برأسه في خجل وانكسار، ورد بصوت خفيض: _ أنا نسيت خالص يا نجلا، بس والله غصب عني، الشغل كان كتير وراح عن تفكيري إني أحجز الطيارة والفندق، بس أقولك، أنا هحاول أحل







