All Chapters of لعبة المرايا: Chapter 121 - Chapter 130

151 Chapters

راما

اتصلت بي هالة في المساء، صوتها يحمل شيئاً لم أسمعه فيه من قبل: حذراً ممزوجاً بشيء يشبه الدهشة. "راما، وصلني اتصال من وليد سلامة قبل ساعة." جلستُ فوراً، قلبي يتسارع. "ماذا أراد؟" "قال إن موكله يريد إعادة النظر في الاستراتيجية." توقفت هالة لحظة. "راما، هذا غير معتاد. في الغالب حين يتصل محامي الطرف الآخر بهذه الطريقة، يكون خلفه تحول حقيقي في موقف الموكل، لا مجرد مناورة." "هل تعتقدين أنه جاد؟" "لا أعرف بعد." قالت بصراحتها المعتادة. "لكنني أعرف أن اللقاء الذي طلبه وليد غداً في مكتبي ليس لقاء رجل يريد إضاعة الوقت. الرجال الذين يريدون إضاعة الوقت لا يتصلون بمحامية الطرف الآخر مباشرة." أغلقتُ الهاتف وبقيتُ أنظر إلى الجدار أمامي. أخبرتُ كريم حين جاء في المساء، ووجهه يعكس نفس المزيج الذي أشعر به: أمل حذر لا يجرؤ على أن يصبح يقيناً. "ماذا تعتقدين؟" سألني وهو يضع كوب الشاي أمامي. "لا أعرف." قلتُ بصدق. "أحمد لا يزال يفاجئني، حتى بعد كل ما حدث." جلسنا صامتَين لدقائق، والمدينة تتحرك بهدوء خارج النافذة. ثم قلتُ ما كنتُ أفكر فيه منذ انتهى الاتصال مع هالة. "كريم، إن كان أحمد يريد فعلاً إنهاء
Read more

أحمد

وصلتُ إلى مكتب هالة عثمان قبل وليد بدقائق قليلة، جلستُ في ردهة الانتظار أراقب حركة الموظفين، أحاول أن أثبّت نفسي في هذا القرار الذي اتخذتُه البارحة قبل أن يهرب مني صباحاً. وصل وليد، صافحني بنظرة تحمل سؤالاً لم يطرحه بالكلام، وجلسنا معاً لدقائق قبل أن تدخل هالة ثم راما. راما. آخر مرة رأيتُها كانت في تلك المواجهة المبكرة حين جاء بالصور، حين كان غضبي يملأ كل المساحة ولم يترك مجالاً لأي شيء آخر. الآن، وهي تجلس أمامي على الجانب الآخر من الطاولة، رأيتُ شيئاً لم أكن قادراً على رؤيته حينها: امرأة هادئة بطريقة ليست مصطنعة، هدوء من لا تحتاج إلى إثبات شيء لأحد. بدأ وليد بالكلام، الإجراءات المعتادة، الأرقام، البنود. كنتُ أستمع لكنني كنتُ، في الوقت نفسه، أراقب راما. كانت تستمع بتركيز حقيقي، تكتب ملاحظات، تسأل هالة بصوت منخفض عن تفصيل أو آخر. لم تنظر إليّ إلا مرتين، وفي كلتيهما كانت نظرتها مباشرة بلا غضب ولا حنين، فقط تقييم هادئ. حين وصلنا إلى تفصيل الشقة، قلتُ ما قررتُ أن أقوله. "راما تستحق نصفها." صمت قصير. وليد نظر إليّ، هالة رفعت قلمها، وراما لم تتحرك. "هذا البيت كان بيتها بقدر ما كان ب
Read more

كريم

خرجتُ من مكتب هالة وراما بجانبي، والهواء خارجاً يحمل برودة خفيفة لم أنتبه إليها حين دخلنا. ساعتان من الكلام والأرقام والجمل القانونية، وفي نهايتها ورقة تحمل توقيعين وتعد بإنهاء ما امتد لأسابيع بدت أطول من حساباتها الفعلية. مشينا نحو السيارة في صمت، الصمت الذي لا يحتاج ملءً. "كيف تشعرين؟" سألتُها حين جلسنا. فكّرت راما قبل أن تجيب. "كأن شيئاً رُفع عن كاهلي، لكنني لا أزال أشعر بوزنه." نظرت أمامها. "ليس لأنه ثقيل بعد، بل لأن الجسد لا ينسى بسرعة ما اعتاد حمله." أومأتُ. فهمتُ تماماً ما تعنيه. "ماذا لاحظتَ؟" سألتني، وأعرف أنها تقصد أحمد. "لاحظتُ رجلاً يحاول أن يكون شخصاً مختلفاً عمّن كان في الأسابيع الأخيرة." قلتُ بصدق. "لا أعرف إن كان سينجح، لكنه كان يحاول." "رأيتُه حين قال إنني أستحق نصف الشقة." قالت بصوت هادئ. "لم أتوقع هذا. لم أكن مستعدة له." "أنا أيضاً." جلسنا لدقيقة أخرى قبل أن أشغّل المحرك، وأنا أفكر في اللقاء بكامل تفاصيله. في طريقة جلوس أحمد، في صوته حين يتكلم عن الأرقام، في تلك اللحظة القصيرة حين التقت عيناه بعيني راما ولم يقل أي منهما شيئاً. كانت لحظة لا تعلّمها أحد منهما
Read more

ليلى

اتصل بي أحمد في المساء، صوته يحمل شيئاً لم أسمعه فيه منذ وقت طويل: هدوءاً ليس مصطنعاً. "انتهى اللقاء اليوم." قال. "وقّعنا على إطار اتفاق." جلستُ، أستوعب ما يعنيه هذا. "وكيف كان؟" "أفضل مما كنتُ أخطط له." قال. "وأصعب مما كنتُ أتوقعه." بقيتُ صامتة لحظة، أنتظر أن يكمل، لكنه لم يكمل فوراً. وفي ذلك الصمت، أدركتُ أن هذه المكالمة ليست كمكالماتنا السابقة. لم يكن يتصل ليخبرني بتقدم الخطة، ليس يبحث عن دعم لخطوة قادمة. كان يتصل بطريقة مختلفة، بطريقة رجل ينهي شيئاً لا يبدؤه. "أحمد." قلتُ بهدوء. "ماذا تريد أن تقوله؟" توقف. ثم: "أعتقد أننا نحتاج أن نتحدث. وجهاً لوجه. ليس عبر الهاتف." "أعرف." قلتُ، وكانت هاتان الكلمتان صادقتين تماماً. "متى؟" "غداً، إن استطعتِ." أغلقنا الهاتف، وبقيتُ جالسة في صالتي، أنظر إلى لا شيء محدد. كنتُ أعرف منذ أسابيع أن هذا اليوم سيأتي. هناك أشياء يعرفها الإنسان بطريقة لا تحتاج إلى إثبات. في الصباح، جلسنا في مقهى بعيد عن دوائر معارفنا المشتركة، طاولة في زاوية هادئة، قهوتان لم نشربهما بسرعة. نظرتُ إلى وجهه. كان مختلفاً، ليس بشكل كبير ولافت، لكن بشيء صغير في العينين،
Read more

راما

مرّت أسابيع. ليست أسابيع الأسابيع السابقة، تلك التي كانت كل يوم فيها يحمل مواجهة أو تهديداً أو قراراً لا يحتمل التأجيل. هذه الأسابيع كانت مختلفة: أبطأ في مجراها، أكثر عادية في تفاصيلها، وأثقل بطريقة هادئة لا علاقة لها بالأزمات. ثقل إعادة البناء. أيقظتُ نفسي في صباح الثلاثاء، أعدتُ ترتيب الدرج الذي لم يُلمس منذ أشهر، غسلتُ الستائر، فتحتُ النوافذ وتركتُ الهواء يدخل. لم يكن شيئاً كبيراً، لكنه كان شيئاً. هكذا تبدأ إعادة البناء: بتفاصيل صغيرة يرفضها الناس باعتبارها عادية، بينما هي، لمن يعيشها، ثقيلة بالمعنى. اتصلتُ بأمي في ذلك الأسبوع. حديث طويل كنا نحتاجه منذ وقت. لم أخبرها بكل شيء، ليس لأنني أخفي، بل لأن بعض الأشياء تحتاج أن تهضمها قبل أن تشاركها. لكنني أخبرتُها بما يكفي. وحين قالت في نهاية المكالمة "أنا فخورة بك"، شعرتُ بشيء يتشقق في صدري بطريقة جيدة. التقيتُ بهالة مرتين لإتمام التفاصيل القانونية المتبقية. المحادثات أصبحت أقصر وأكثر تقنية، علامة أن الجزء العاطفي منها انتهى وما تبقى هو الإجراء فقط. قالت لي في لقائنا الأخير: "هذا سيكون قد انتهى رسمياً خلال أسابيع." قلتُ لها شكراً، وأ
Read more

أحمد

صدر الحكم النهائي في صباح الثلاثاء. ورقة رسمية تحمل أختاماً وأرقاماً وجملاً قانونية تُعلن أن زواجاً استمر سنوات انتهى بقرار قضائي. وليد أخبرني على الهاتف بهدوء مهني معتاد، وأنا استمعتُ، وقلتُ "شكراً"، وأغلقتُ الخط. جلستُ في شقتي التي أصبحت أصغر مما أتذكرها، الصمت يملأها بطريقة مختلفة عن صمت ما قبل كل هذا. قبل كل هذا كان الصمت مؤقتاً، انتظاراً لشيء يأتي. الآن كان الصمت هو الحالة الأساسية. لم أبكِ. لم أشعر بأي شيء يشبه الانهيار. شعرتُ بشيء أهدأ وأثقل في آن: النهاية الحقيقية لشيء كنتُ، في أعماق ما لا أعترف به بسهولة، أؤجل قبوله منذ وقت طويل. اتصلتُ بأبي لأخبره. "أعرف." قال. "وليد اتصل بي." "ماذا تشعر؟" صمت لحظة. "أشعر بأن ابني دفع ثمناً باهظاً لأشياء كان بإمكانه تجنبها." قال بهدوء لا يخلو من حزن. "وأشعر أيضاً أن دفع الثمن كاملاً هو الشيء الوحيد الصادق الذي بقي." لم أجد ما أرد به على هذا، فلم أرد. "تعال إلى البيت هذا الأسبوع." قال. "ليس لأي شيء محدد. فقط تعال." أغلقتُ الهاتف ونهضتُ، مشيتُ في الشقة دون هدف، توقفتُ أمام الرف حيث لا تزال بعض صور من زمن مختلف. صور من عرس، من رحلة، م
Read more

راما

جاء الإشعار الرسمي في صباح يوم عادي. لا مطر، لا غيوم، لا شيء في الطقس يؤشر على أن هذا اليوم مختلف. شمس خفيفة، هواء بارد بقدر الاعتدال، وطائر يغني في الشجرة التي أمام النافذة منذ أسابيع. فتحتُ المغلف، قرأتُ الجمل القانونية الجافة، وأغلقتُه. انتهى. جلستُ لحظة مع هذه الحقيقة، أتركها تستقر. ليس كصدمة، بل كشيء كنتُ أعرف أنه قادم وأعددتُ له مكاناً في داخلي منذ وقت. تماماً كما تعد مكاناً لضيف تعرف موعد وصوله، فحين يطرق الباب لا تُفاجأ، بل تفتح. اتصلتُ بكريم. "صدر الحكم." قلتُ. توقف ثانية. "كيف تشعرين؟" "لا أعرف بعد." قلتُ بصدق. "اسألني مساءً." "سأكون هناك المساء." أغلقتُ الهاتف، ونهضتُ، ومضيتُ في يومي. هذا ما لم أتوقعه: أن الحياة لا تتوقف لتُعلن أن شيئاً انتهى. تستمر، بنفس إيقاعها، وتترك لك مهمة استيعاب ما انتهى وأنت تسير. ذهبتُ إلى السوق، اشتريتُ خضاراً، تحدثتُ مع البائع عن ارتفاع أسعار الطماطم. عدتُ، طبختُ، أكلتُ وحيدة على الطاولة الصغيرة التي صارت مألوفة بما يكفي. جاء كريم في المساء كما وعد، وجلسنا معاً في تلك الهدأة التي صارت تخصنا. لم يسألني كثيراً، وأنا لم أتك
Read more

كريم

جاءت النتائج في صباح الأربعاء، رسالة على البريد الجامعي بدت كأي رسالة أخرى من الخارج، لكنها حين فُتحت حملت ما كنتُ أتجنب التفكير فيه منذ أسابيع. رسوب في مادة واحدة. فيزياء تطبيقية. المادة التي غبتُ عن نصف محاضراتها في الأسابيع التي كانت فيها المعركة القانونية والعائلية تستهلك كل يوم بأكمله. أغلقتُ الجهاز، ثم فتحتُه مرة أخرى كأنني أتحقق أن ما رأيته حقيقي. كان حقيقياً. اتصلتُ بزياد. "نتائج الفصل وصلت." "وكيف—" بدأ، ثم سمع شيئاً في صوتي توقف عنده. "ماذا حدث؟" "رسبتُ في الفيزياء." صمت قصير. "هذا قابل للحل." "هناك شيء آخر." قلتُ، وفتحتُ بريداً ثانياً وصل في نفس الوقت، من مكتب شؤون الطلاب. "يقولون إنني في خطر فقدان المنحة الدراسية إن تكررت نتيجة مشابهة في الفصل القادم. يطلبون مني حضور اجتماع مع المستشار الأكاديمي." سمعتُ زياد يتنفس بعمق من جهته. "متى الاجتماع؟" "يطلبون مني أن أحجز موعداً. في غضون أسبوع." "إذن احجز اليوم." قال بحزم هادئ لا يفيض. "لا تُؤجّل هذا." أغلقتُ الهاتف وبقيتُ جالساً على حافة سريري، أنظر إلى الجهاز المفتوح أمامي، أستوعب ثقل ما أراه. لم يكن الرسوب في حد ذاته
Read more

كريم

ردّ أبي في الصباح التالي. رسالة قصيرة: "متاح المساء بعد السابعة." بقيتُ أنظر إلى الرسالة لدقيقة كاملة قبل أن أرد. "سأتصل." قضيتُ ذلك اليوم في المحاضرات، أحاول أن أكون حاضراً فعلاً لا بالجسد فقط، لكن جزءاً من تفكيري كان يُراجع ما سأقوله مساءً. ليس تحضير خطاب، بل تحضير نفسي للصدق الذي لا يأتي بسهولة حتى حين تختاره. في السابعة ونصف، جلستُ على حافة سريري في الغرفة الهادئة — زياد خرج لمحاضرة ليلية — وضغطتُ على اسم أبي. رنّ الهاتف مرة واحدة فقط قبل أن يُجيب. "كريم." "أبي." صمت قصير، ليس من عدم معرفة ما يقول، بل كأنه يُعطينا كلينا لحظة لنستقر قبل أن نبدأ. "كيف حالك؟" سأل أخيراً، وفي السؤال البسيط شيء لم يكن موجوداً في مكالماتنا الأخيرة: دفء حذر، كدفء يوم شتائي حين تقترب من موقد لا تعرف بعد إن كانت النار لا تزال مشتعلة. "أحاول." قلتُ بصدق. "هناك أشياء تسير بشكل أفضل. وهناك أشياء لا تزال تحتاج عملاً." "الدراسة؟" "نعم. هذا أحد الأسباب التي أردتُ أن أتحدث معك." أخذتُ نفساً. "رسبتُ في مادة هذا الفصل. غيابي كان كثيراً. ومكتب الشؤون الأكاديمية أخبرني أن المنحة في خطر إن تكرر هذا." سمعتُ
Read more

راما

أخبرني كريم عن مكالمة أبيه حين جاء في ذلك المساء، وجهه يحمل شيئاً لم أره فيه منذ وقت طويل: خفة حقيقية، كأن شيئاً ما كان يجلس على كتفيه قرر أخيراً أن يغادر. جلستُ أستمع وهو يروي، الطريقة التي بدأت بها المكالمة ببرود حذر ثم تليّنت تدريجياً، جملة الأب التي لم يتوقعها: "الغضب والحب لا يتنافيان." والجملة الأخيرة التي أغلقت المكالمة: "أحضر كتاب الفيزياء." "هذا أبٌ يحب ابنه." قلتُ حين انتهى. "أعرف." قال كريم. "كنتُ أعرف دائماً. لكن المعرفة والشعور بها شيئان مختلفان." بقيتُ بعد أن نام كريم في غرفته، جالسة في الصالة الهادئة، أفكر في تلك الجملة. المعرفة والشعور بها شيئان مختلفان. كم مرة عرفتُ شيئاً دون أن أسمح لنفسي بالشعور به كاملاً؟ فكرتُ في أمي. لم أُخبرها بكل شيء. تلك المكالمة التي أجريتُها قبل أسابيع كانت بداية، لكنها لم تكن كاملة. أخبرتُها بما يكفي لتطمئن، لكنني احتفظتُ بالجزء الأثقل لنفسي، كما اعتدتُ دائماً أن أفعل معها. لماذا؟ جلستُ مع السؤال طويلاً في الصمت. الجواب لم يكن مريحاً: لأنني اعتدتُ أن أكون "البنت التي تُحل مشاكلها بنفسها" أمامها. كان هذا دوراً أديتُه منذ صغري، البنت
Read more
PREV
1
...
111213141516
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status