All Chapters of لعبة المرايا: Chapter 141 - Chapter 150

151 Chapters

كريم

وصلتُ إلى مكتب الدكتور سليم في الموعد المحدد، الورقة التي أعطاني إياها في لقائنا الأول في يدي، مع ملاحظات كتبتُها الليلة السابقة عن الفصول التي أعدتُ قراءتها وما الذي لا يزال غير واضح. "كريم." استقبلني الدكتور سليم ببساطته المعتادة. "اجلس. كيف سارت المذاكرة؟" "أحسن مما كانت في الأسابيع الأولى." قلتُ بصدق. "الفصل الخامس والسادس كانا المشكلة الأساسية. أعدتُ قراءتهما ثلاث مرات وبدآ يستقران." "ما الذي تغيّر؟" فكرتُ في السؤال. "أعتقد أن الذهن كان مشغولاً بأشياء خارج المادة في الفصل الماضي. الآن تلك الأشياء استقرت، والمساحة الذهنية أصبحت متاحة." أومأ الدكتور سليم برأسه، نظرة رجل يُقدّر الصدق ولا يطلب تفاصيل لم تُعطَ. "سأُعطيك نموذجاً من اختبارات سابقة." قال، وفتح درجاً وأخرج ورقة. "ليس للحل الآن، بل لتعرف ما الذي ينتظرك. الاختبار سيكون بنفس الهيكل." أخذتُ الورقة وتصفحتُها. ثلاثة أسئلة رئيسية، كل منها يتفرع. النوع الذي يتطلب فهماً لا حفظاً. "سؤال." قلتُ. "تفضل." "إذا اجتزتُ الاختبار، هل يُمحى الرسوب من السجل تماماً؟" "تماماً." قال. "تُسجَّل نتيجة اختبار الإعادة وكأنها النتيجة الأص
Read more

سارة

جاءني عرض الوظيفة في مدينة أخرى في نفس الأسبوع الذي قررتُ فيه، بصمت داخلي لم أُعلنه لأحد، أن وقت التغيير قد حان فعلاً. لم يكن قراراً مفاجئاً ولا انفعالياً. كان قراراً تراكم ببطء على مدى أسابيع طويلة، مثل ثلج يتراكم على سطح دون أن تُلاحظه حتى يصل إلى وزن تسمع معه صوت السطح يئنّ قليلاً. لم يكن الوزن كله من قصة كريم وأحمد وما جرى، لكن تلك القصة كانت آخر طبقة أضيفت، الطبقة التي جعلت الثقل الكلي واضحاً لا يمكن تجاهله بعد الآن. أمضيتُ أسبوعاً كاملاً أُعيد قراءة عرض الوظيفة كل يوم. ليس لأنني ترددتُ في القرار، بل لأنني أردتُ أن أتأكد أن ما أراه فيه حقيقي وليس مجرد رغبة في التغيير لذاته. حين قرأتُه في اليوم السابع ووجدتُ نفس الشعور الأول لا يزال موجوداً دون أن يتلاشى، عرفتُ أن القرار جاهز. اتصلتُ بنور في مساء الاثنين. "قبلتُ العرض." قلتُ مباشرة، بلا مقدمة طويلة، لأن نور تعرف متى الكلام يستحق مقدمات ومتى يجب أن يبدأ من الجوهر مباشرة. صمت قصير من جهتها، صمت من تستوعب لا من تُفاجأ. "متى قررتِ؟" "قبل أن يصلني العرض بأسبوعين." قلتُ بصدق. "العرض فقط أعطى القرار شكلاً ملموساً وتاريخاً محدداً."
Read more

أحمد

اتصلتُ بكريم في مساء الأربعاء، وهذه المرة لم أُفكر طويلاً قبل أن أضغط على اسمه. المرة الأولى احتجتُ أسبوعاً لأقرر، وهذه المرة احتجتُ ثانية واحدة. ليس لأن الأمور أصبحت سهلة، بل لأن الخطوة الأولى حين تُخطى، تجعل الخطوة الثانية أخف وزناً بطريقة لا يمكن تفسيرها لمن لم يمر بها. "أحمد؟" صوته جاء بدهشة خفيفة، أقل من المرة الأولى لكنها لا تزال موجودة. "نعم." قلتُ. "عندي وقت. ظننتُ أتصل." "أنا أيضاً عندي وقت." قال، وسمعتُ في الخلفية صوت كتاب يُطوى. "كيف المذاكرة؟" سألتُ. "الاختبار بعد أربعة أيام." قال. "أشعر أنني مستعد. زياد يقول إنه مستعد أيضاً وهو ليس من يمتحن." ضحكتُ. "زياد دائماً كان مستعداً لكل شيء. حتى لامتحانات غيره." "أنت تعرفه؟" سأل كريم بدهشة خفيفة. "رأيتُه مرة أو مرتين في الجامعة حين كنتُ أزورك في الأيام الأولى من دراستك." قلتُ. "قبل أن تتعقد الأمور. كان دائماً يحمل ثلاثة كتب في نفس الوقت." "لا يزال يفعل هذا." قال كريم، وفي صوته شيء دافئ حين تحدث عن صديقه. تحدثنا عن الجامعة، عن الفصل القادم، عن التخصص الذي لم يحسمه بعد. أسئلة وأجوبة لم تكن تحمل ثقلاً أو حذراً مبالغاً فيه،
Read more

الأب

لم أكن من يكتب في دفاتر. هذه عادة تخص النساء والشعراء والناس الذين لديهم وقت فراغ يحتاج ملئاً. أنا رجل عملتُ أربعين سنة، ربيتُ ولدين، وبنيتُ حياة بالأفعال لا بالكلمات. لكن فايزة حين أخبرتني بما أخبرتني به، وجلستُ وحدي في الصالة بعد أن غادرت، شعرتُ بحاجة لأول مرة في حياتي لأن أكتب شيئاً. ليس لأقرأه لاحقاً، بل لأنني احتجتُ أن أُخرج ما في داخلي بطريقة تجعله أقل ضجيجاً في الرأس. فتحتُ دفتراً وجدتُه في درج زوجتي القديم، دفتر أبيض الصفحات كانت تُعدّه لشيء لم أعرف ما هو. وكتبتُ. كتبتُ عن أحمد أولاً. عن الطفل الذي كان، جاد ومتأنٍّ حتى في الصغر، يُرتب ألعابه قبل النوم ويغضب إن تحرك شيء من مكانه. كتبتُ عن الرجل الذي أصبح، الناجح في عمله، المستقر في حياته، الذي ظننتُ أنني أعرفه كاملاً حتى بدأت هذه الأشهر وكشفت لي أنني كنتُ أعرف الصورة التي أراد أن أراها، لا الإنسان بداخلها. كتبتُ عن كريم. عن الطفل الأصغر الذي كان دائماً يصطدم بكل شيء لأنه يُركّض قبل أن يُكمل المشي. عن الشاب الذي فعل ما فعله ثم جاء وقال لي الحقيقة بصوت خافت لم يكن يخفي الخوف بل كان يحمله ويمشي رغمه. كتبتُ عن نفسي. وهذا كان ا
Read more

راما

جاء الاتصال من منى في صباح الثلاثاء، صوتها يحمل ذلك الهدوء المهني الذي يسبق الأخبار الجيدة، هدوء من يعرف ما سيقوله وقرر الطريقة التي سيقوله بها قبل أن يرفع السماعة. "راما، مرحباً. أريد أن أُخبرك بأننا قررنا المضي قدماً معك." جلستُ على الكرسي الذي كنتُ أقف بجانبه، لا من صدمة بل من حاجة جسدية لأن تستقر الكلمات قبل أن أستجيب لها. شعرتُ بشيء يتنفس في صدري بشكل مختلف. "شكراً." قلتُ، والكلمة خرجت بسيطة وكافية بدون أي إضافة. "إجازتك التجريبية ثلاثة أشهر. وتبدأين الأحد القادم إن كان هذا مناسباً." "مناسب تماماً." أغلقتُ الهاتف ووضعتُه على الطاولة وجلستُ لدقيقتين في الصمت، لا أُفكر في شيء محدد، فقط أُتيح لنفسي أن تستوعب ما حدث. قبلتني. ليس فقط وظيفة وليس فقط راتباً، بل منى التي سمعتُ جوابي غير المعتاد ورأت فيه شيئاً يستحق، قالت نعم. أرسلتُ لكريم رسالة واحدة قصيرة: "قبلوني." جاء رده فوراً: "كنتُ أعرف." ابتسمتُ. بعض الردود تكفي بلا توضيح. في الأحد وصلتُ قبل الموعد بعشر دقائق، وقفتُ أمام باب المبنى لثانية واحدة قبل أن أدخل. لم تكن ثانية تردد، بل لحظة صغيرة أعطيتُها لنفسي لأُلاحظ أنني هنا
Read more

كريم

في يوم الجمعة صحوتُ في الصباح الباكر وأنا أعرف أن هذا اليوم مختلف. ليس لأن فيه اختباراً أو موعداً مهماً — الاختبار كان قبل يومين وانتهى. بل لأن مساءه يحمل عشاءً في بيت الأهل، عشاءً طلبه أبي بجملة قصيرة لم تحتاج شرحاً: "أنت وأحمد." كلمتان كافيتان لأن يعرف كل من سمعهما ما الذي تعنيه. أمضيتُ الصباح بهدوء. قرأتُ، شربتُ قهوة أطول من المعتاد، ورسمتُ في ذهني كيف سيكون المساء. ليس تحضيراً لمواجهة، بل محاولة لأن أصل إلى البيت بعقل حاضر لا بعقل مشغول بكل الاحتمالات. أرسلتُ لراما قبل أن أخرج: "سأذهب الآن. أبي وأمي وأحمد." ردّت: "سيكون جيداً. وإن لم يكن، ستعود وتُخبرني وسنتحدث." بسيطة وصادقة كما هي دائماً. قدتُ إلى بيت الأهل في ضوء الغروب. وقفتُ أمام البيت وأنا أنظر إلى سيارة أحمد في المكان المعتاد. وصل قبلي. أخذتُ نفساً واحداً عميقاً، ليس من خوف بل من حاجة لأن أضع كل شيء في حجمه الصحيح قبل أن أدخل. هذا عشاء في بيت أهلي. هذه مائدة أكلتُ عليها آلاف المرات. الرجل داخل كان أخي قبل أن يكون أي شيء آخر، وسيبقى أخي بعد كل شيء آخر. طرقتُ الباب. فتحت أمي، وجهها يحمل تلك الابتسامة التي لا تستطيع إ
Read more

أحمد

وصلتُ إلى بيت الأهل قبل كريم بعشرين دقيقة. لم أكن أعرف إن كان هذا صواباً أم لا، الوصول مبكراً. لكنني أردتُ أن أكون هناك حين يدخل، لا أن أكون من يدخل بعده. فرق نفسي لا أستطيع تفسيره بالكامل، لكنه كان مهماً. استقبلتني أمي بابتسامتها التي لا تتغير، وأبي صافحني في الصالة بيد كانت أدفأ مما توقعتُ. لم يكن هناك كلام كثير في تلك الدقائق الأولى، فقط وجود في نفس الغرفة، وهذا كان كافياً. جلستُ في الكرسي القريب من النافذة. لم أختر كرسي أبي المعتاد، ليس من أدب مصطنع بل لأن تلك المسافة الإضافية بدت صحيحة في ذلك المساء. حين سمعتُ طرق الباب ثم خطوات كريم في الممر، شعرتُ بشيء في صدري يتصلب للحظة ثم يرتخي. شيء يشبه التنفس بعد حبس طويل. دخل كريم وتوقف عند باب الصالة. نظرنا إلى بعضنا. في تلك الثانية رأيتُ أخي. ليس الخصم الذي رسمتُه في ذهني طوال الأشهر الماضية. رأيتُ الرجل الذي كان طفلاً صغيراً يسأل أسئلة لا تنتهي وأنا أحاول أن أُجيب عليها بصبر متفاوت. شيء من ذلك الطفل لا يزال موجوداً في الرجل الواقف أمامي. "كريم." قلتُ أولاً. "أحمد." أجاب. وجلس على الكنبة المقابلة. في صمت نصف الساعة الذي تلا،
Read more

راما

أخبرني كريم بتفاصيل العشاء حين عاد في مساء الجمعة، جلسنا على الكنبة في صالتي وهو يحكي ببطء مدروس، كأنه يُعيد بناء المشهد في ذهنه أولاً قبل أن ينقله إليّ. أسمعه يصف الصالة والكراسي المعتادة وكيف وصل أحمد قبله، ونصف ساعة الصمت الذي لم يكن ثقيلاً بالطريقة التي كانا يخشيانها. أسمعه يحكي عن الضحكة التي خرجت منهم جميعاً دون أن يُخطط لها أحد، تلك الضحكة التي جاءت على جملة بسيطة قالتها أمه عن الجيش. وكيف أن أحمد وكريم التقت عيناهما في تلك الثانية وكلاهما يضحك. استمعتُ بتركيز حقيقي، لكن في مكان ما من داخلي كان هناك شيء آخر يعمل بالتوازي، شيء لم أُسمّه حتى انتهى كريم من كلامه وجلس ينتظر ردّي. بقيتُ صامتة للحظة أطول من المعتاد. "أنتِ بخير؟" سأل. "نعم." قلتُ. ثم بعد ثانية طويلة أضفتُ: "أشعر بشيء لم أكن أتوقعه." "ماذا؟" نظرتُ إلى الجدار أمامي وحاولتُ أن أجد الكلمات الصحيحة. "أشعر بنوع من الوحدة." قلتُ أخيراً، والكلمة خرجت بهدوء لا بحزن. "ليس منك، ولا من أي شيء فعلته. لكن وحدة غريبة من أنني لن أكون أبداً جزءاً من تلك الغرفة بالطريقة التي كنتَ أنتَ فيها الليلة." توقفتُ لحظة ثم تابعتُ. "تلك ا
Read more

كريم

في مساء الثلاثاء، بعد أسبوع من العشاء وثلاثة أيام من انتظار نتيجة الاختبار التي لم تصل بعد، جلسنا أنا وراما في شقتها وتحدثنا بطريقة مختلفة عن كل المرات السابقة. لم يكن الحديث عن الأزمة ولا عن أحمد ولا عن الأسابيع الماضية. كان حديثاً عن المستقبل البعيد الذي لا تزال ملامحه ضبابية ولم نتحدث فيه بصدق من قبل لأن الحاضر كان دائماً يملأ كل المساحة. بدأ الأمر بسؤال بسيط طرحتُه دون أن أُخطط له. "ماذا تريدين بعد سنة من الآن؟" نظرت إليّ راما للحظة كأنها تتأكد أنني أسأل بجدية. "سنة من الآن؟" "نعم. ليس غداً ولا الأسبوع القادم. بعد سنة." فكّرت بصمت لدقيقة كاملة. ولم أملأ الصمت بكلام لأن السؤال كان يستحق وقتاً حقيقياً. "أريد أن أكون في العمل بشكل مستقر." قالت أخيراً. "بعد أن تنتهي فترة التجربة وأعرف أنني بقيتُ لأنني جيدة لا لأنهم لطيفون. وأريد أن أكون على التواصل الطبيعي مع أمي الذي لا يحتاج مناسبة لكل اتصال." توقفت. ثم أضافت بصوت أخفض قليلاً: "وأريد أن أعرف ماذا نحن، أنت وأنا، بشكل أكثر وضوحاً مما نحن عليه الآن." جملتها الأخيرة وقعت في الغرفة بثقل لم تُخففه ولم تستعجل في شرحه. "ماذا تقصدي
Read more

أحمد

حجزتُ الموعد دون أن أُخبر أحداً. ليس سراً بالمعنى الثقيل للكلمة، بل قرار شخصي اتخذتُه وحدي، كما تُتخذ القرارات التي تخص الإنسان في عمقه دون أن تحتاج إعلاناً أو مباركة من أحد. وجدتُ الاسم عبر توصية طبيب صديق، دكتور متخصص في الصحة النفسية، مكتبه في منطقة هادئة من المدينة. وصلتُ قبل الموعد بخمس دقائق، جلستُ في الردهة الصغيرة أمام باب مغلق وأنا أُفكر في الأسئلة التي قد تُطرح عليّ والإجابات التي قد أقولها. ثم توقفتُ عن التفكير لأنني أدركتُ أن التحضير لجلسة مع محلل نفسي يُشبه نوعاً من التحكم الذي كنتُ أمارسه في كل شيء، والغرض من الجلسة بالضبط هو التخلي عن هذا التحكم لفترة. فتح الدكتور الباب في الوقت المحدد تماماً. رجل في الخمسينيات، وجهه يحمل هدوءاً لا يبدو مصطنعاً، نوع الهدوء الذي يأتي من سنوات طويلة من الجلوس مع الناس والاستماع لما يصعب قوله. "أحمد؟ تفضل." المكتب كان بسيطاً أكثر مما توقعتُ، كرسيان مريحان، طاولة صغيرة، نافذة تُطل على شارع هادئ. فقط غرفة تدعوك لأن تجلس. "أخبرني لماذا جئتَ." قال الدكتور ببساطة. "مررتُ بفترة اتخذتُ فيها قرارات لا أفخر بها." قلتُ أخيراً. "وانتهت تلك الف
Read more
PREV
1
...
111213141516
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status