All Chapters of لعبة المرايا: Chapter 131 - Chapter 140

151 Chapters

راما

وصلتُ إلى بيت أهلي في منتصف الضحى، البيت الذي نشأتُ فيه، الذي حفظتُ كل تفصيل فيه منذ الطفولة. الباب الخشبي الذي يحتاج قليلاً من القوة ليُفتح، الدرجة الثالثة في السلم التي تصدر صوتاً لم يُصلحه أحد منذ سنوات، رائحة الهيل من المطبخ التي لم تتغير يوماً واحداً. فتحت أمي الباب قبل أن أطرق، كأنها كانت تنتظر عند النافذة. "راما." احتضنتني بالطول الكامل، بلا أي عجلة، وأنا بقيتُ في حضنها لحظة أطول مما كنتُ أعتزم، أستنشق تلك الرائحة التي لا تتغير، رائحة أمي التي كانت دائماً تعني أن هناك مكاناً آمناً في العالم. دخلنا وجلسنا على الكنبة المعتادة، كوبا شاي بيننا، وأبي في غرفته يمنحنا مساحة بهدوء رجل يعرف متى يغيب. "أنظر إليكِ." قالت أمي، وفي عينيها تلك النظرة التي تقرأ الوجه كأنه كتاب مفتوح. "تبدين أفضل مما توقعت. وأثقل في الوقت نفسه." ابتسمتُ. "هذا وصف دقيق جداً." "أخبريني." فأخبرتُها. هذه المرة بشكل أكمل من المكالمة الهاتفية. الليالي التي كانت فيها الشقة تشعر بالفراغ رغم وجود أحمد. الطريقة التي كنتُ أُبرر بها أشياء لم تكن تستحق التبرير. لحظة المنتزه والصدمة التي لم أسمح لنفسي بأن أُعبّر عنه
Read more

أحمد

اتصلت بي أختي منال في صباح الجمعة، صوتها يحمل ذلك المزيج المعتاد من الفرح المنهك الذي يصاحب الأمهات الجديدات. "أحمد، متى ستتعال لترى يوسف؟ أسبوعان مضيا ولم تأتِ بعد." يوسف. ابن أختي الذي وُلد وسط كل هذا الضجيج الذي ملأ حياتنا. لم أذهب لأزوره، ليس نسياناً بل لأن كل يوم كان يحمل ما يكفيه من أثقال، وإضافة مشاعر جديدة إلى الكومة بدا أكثر مما أستطيع تحمله في تلك الأسابيع. "سآتي هذا المساء." قلتُ، وأنا أُقرر في نفس اللحظة التي أتكلم فيها. "جدياً؟" في صوتها دهشة خفيفة. "جدياً." وصلتُ بعد الظهر، وبيت منال يحمل تلك الفوضى المنظمة التي تصاحب المواليد دائماً: ملابس صغيرة على الكرسي، زجاجات على الطاولة، رائحة مسحوق الأطفال في كل مكان. منال فتحت الباب، وجهها يحمل تعباً جميلاً، وابتسمت حين رأتني بطريقة أدركتُ أنها كانت تنتظرني أكثر مما أخبرتني. "تعال." قالت ببساطة وأشارت نحو الغرفة. كان يوسف نائماً في سريره الصغير، وجهه مكتنز بتلك الدهنية الطفولية التي تجعل وجوه المواليد تبدو وكأنها رُسمت بعناية فائقة. يداه الصغيرتان مطويتان بجانب خديه، وصدره يرتفع وينخفض بانتظام هادئ. وقفتُ عند حافة السري
Read more

كريم

كنتُ في المكتبة الجامعية في منتصف الضحى، أمامي كتاب الفيزياء مفتوحاً على الفصل الثالث، أحاول أن أفهم معادلة كانت واضحة حين درستُها في البداية ثم أصبحت غريبة بعد أسابيع من الغياب عن كل شيء يخص الدراسة، حين اهتزّ هاتفي على الطاولة باسم لم أتوقعه في ذلك الوقت من النهار. أحمد. بقيتُ أنظر إلى الاسم لرنتين كاملتين، لا من تردد بل من دهشة حقيقية لم أعرف كيف أتعامل معها بسرعة. في كل المرات السابقة التي رأيتُ فيها اسمه على شاشة هاتفي في الأسابيع الأخيرة، كانت تأتي معه حالة من التأهب الفوري، استعداد لمواجهة أو لتهديد أو لخبر يتطلب رداً حذراً. هذه المرة لم أعرف ماذا أتوقع. قمتُ من مكاني بهدوء وخرجتُ إلى الممر خارج قاعة الصمت، ثم أجبتُ. "نعم." "كريم." صوته جاء عادياً بشكل أرباكني، بلا مقدمة ثقيلة ولا نبرة رسمية، كأنه يتصل لأمر عابر في يوم عابر. "أعرف أن هذا غير متوقع." "أعرف." قلتُ بصدق. "سمعتُ من أبي أنك مررتَ بفصل دراسي صعب." قال. "أردتُ أن أسأل عن حالك." وقفتُ في الممر، أظهري على الجدار البارد، أحاول أن أُقيّم ما أسمعه. لم يكن في صوته أي شيء يوحي بخطة أو مناورة. لم يكن يبحث عن معلومة يس
Read more

راما

اخترت أمي مقهى قريباً من بيتها، المكان الذي كانت تأخذني إليه حين كنتُ صغيرة بعد زيارات الطبيب وتقول "هذه جائزتكِ على الشجاعة." كنتُ أحب ذلك المقهى لأنه كان يعني نهاية شيء مخيف وبداية شيء حلو. لا أعرف إن كانت اختارته بوعي أم بحدس، لكن حين رأيتُه من نافذة السيارة شعرتُ بشيء يشبه الاطمئنان قبل أن أدخل. كانت موجودة قبلي، تجلس عند طاولة قريبة من النافذة، أمامها كوب شاي مبخّر، وعيناها ترصدان الباب بتلك الطريقة التي تفعلها الأمهات دون أن يعرفن أنهن يفعلنها. رأتني فابتسمت. ليست ابتسامة استقبال اجتماعي، بل ابتسامة من يرى شيئاً كان يبحث عنه وعثر عليه. جلستُ، وطلبتُ قهوة، وبقينا لحظة صامتتين، الصمت الذي يسبق الحديث الحقيقي. "أحسن مما توقعت." قالت أمي، وعيناها تدرسان وجهي. "أنا أيضاً." قلتُ. "في آخر مرة رأيتُكِ كان وجهكِ يحمل شيئاً كنتِ تُخفينه." قالت. "الآن مختلف. لا يزال هناك شيء، لكنه ليس مُخبّأ." نظرتُ إليها. هذه القدرة على القراءة التي تملكها الأمهات، التي تجعلك تتساءل كيف أخفيتَ أشياء عنها طوال هذا الوقت، ثم تدرك أنك ربما لم تُخفِها بالشكل الذي ظننتَه. "مررتُ بأسابيع كثيرة." قلتُ.
Read more

العمة فايزة

دعوتُ أخي لتناول القهوة في بيتي، وحين جلس أمامي في كرسيه المعتاد، رأيتُ في وجهه ما أراه فيه منذ بدأت هذه الأزمة: رجل يحمل أكثر مما يُظهر، ويعرف أكثر مما يقول. "فايزة." قال حين وضعتُ الفناجين على الطاولة. "تدعيني للقهوة في يوم الأربعاء في وقت غير معتاد. هذا يعني أن هناك شيئاً تريدين قوله." ابتسمتُ. أخي يعرفني منذ ستين سنة، وهذه المعرفة لا تحتاج مقدمات. "نعم." قلتُ وجلستُ. "هناك شيء." "تكلمي." شربتُ رشفة من قهوتي أولاً، لا من تهرب بل لأن ما سأقوله يستحق لحظة من الترتيب الداخلي. "حين اتصلتُ بليلى قبل أسابيع وحين التقيتُ بأحمد، كنتُ أحاول أن أفهم الصورة الكاملة." قلتُ. "وحين تحدثتُ مع كريم، فهمتُ شيئاً لم يُخبرك به أحد بالكامل." "ما هو؟" "أحمد بدأ الخيانة أولاً. مع ليلى. قبل أن يبدأ أي شيء بين كريم وراما." توقفتُ. "رأيا أحمد وليلى معاً في المنتزه. هذا ما كان وراء انهيار راما، ووراء ما تلاه." نظر إليّ أخي بعيون تستوعب ببطء ما سمعه. لم ينفجر، لم يتحرك. فقط جلس وعيناه تعملان. "هذا يعني أن الرواية التي قدمها أحمد لم تكن كاملة." قال أخيراً. "نعم." "وأنت كنتِ تعرفين هذا وانتظرتِ."
Read more

أحمد

طرق أبي بابي في مساء الخميس. لم أتوقعه. لم يتصل مسبقاً، لم يرسل رسالة. فقط صوت الطرق، وحين فتحتُ الباب وجدتُه واقفاً في الممر بمعطفه الرمادي الذي يلبسه دائماً في الطقس البارد، وجهه يحمل تعباً لم أره فيه من قبل بهذه الحدة، تعب رجل يحمل شيئاً ثقيلاً قرر أخيراً أن يضعه على الطاولة. "أبي." قلتُ، وفي صوتي دهشة لم أستطع إخفاءها. "تعال نتحدث." قال ببساطة. دخل، وجلس على الكنبة التي لم يجلس عليها من قبل. نظر حوله للحظة، نظرة رجل يقرأ المكان كما يقرأ وجه ابنه. جلستُ أمامه. "أخبرتني فايزة." قال مباشرة، بلا مقدمة ولا دوران. "عن ليلى. عن المنتزه. عن أن كريم وراما رأياكما." شعرتُ بشيء ينزل في معدتي، ليس خوفاً بقدر ما هو إدراك أن آخر ورقة في يدي سقطت. "أعرف." قلتُ بصوت منخفض. "أخبرتني أيضاً أنني سألتُك مرتين." قال، وفي صوته هدوء يشبه هدوء ما قبل العاصفة لكنه لم يتحول إلى عاصفة. "وكذبتَ عليّ مرتين." "نعم." "لماذا؟" السؤال الأبسط والأثقل في آن واحد. "لأنني كنتُ خائفاً." قلتُ أخيراً، والكلمة خرجت بصعوبة من مكان لم أعتد إخراج الكلمات منه. "خائفاً من نظرتك إليّ. خائفاً من أن تفقد الصورة التي
Read more

كريم

قدتُ إلى بيت الأهل في مساء الجمعة، الشارع الذي نشأتُ فيه يبدو في ضوء الغروب كما كان دائماً، لم يتغير شيء في مبانيه ولا في الأشجار على جانبيه، كأن هذا الشارع قرر منذ وقت طويل أن يظل شاهداً لا يتحرك بينما كل من عاش فيه يتغير. أوقفتُ السيارة أمام البيت وبقيتُ لحظة داخلها قبل أن أنزل. الضوء مضاء خلف النوافذ، الستائر المعتادة، والباب الخشبي الذي دخلتُ منه آلاف المرات. لم يكن هناك ما يجعل هذه المرة مختلفة من الخارج. لكنها كانت مختلفة تماماً من الداخل. نزلتُ وطرقتُ الباب. فتحت أمي، ووجهها حمل ابتسامة انتظرتُها من بعيد. احتضنتني بالطريقة التي تفعلها الأمهات حين يعود أبناؤهن بعد غياب طويل، بغض النظر عن سبب الغياب. "كريم." قالت اسمي فقط، وهذا كان يكفي. دخلتُ، والبيت يحمل روائحه المعتادة، رائحة الطبيخ من المطبخ ورائحة الخشب القديم في الصالة ورائحة العطر الذي يستخدمه أبي منذ سنوات طويلة. بعض الروائح تبقى ثابتة في الذاكرة بشكل لا يستطيع الزمن تحريكها. أبي كان في الصالة، جالساً في كرسيه المعتاد. رفع عينيه حين سمع صوت خطواتي. "كريم." قال، وأشار بيده نحو الكرسي المقابل. "اجلس." جلستُ. الصمت
Read more

راما

أرسلتُ طلب التوظيف في منتصف الليل، حين يكون العقل هادئاً بما يكفي ليتوقف عن مقاومة الأشياء التي يؤجلها في النهار. كانت وظيفة في شركة تسويق متوسطة الحجم، إعلان رأيتُه بالصدفة على موقع للتوظيف حين كنتُ أبحث عن شيء آخر. ما لفتني ليس الوصف الوظيفي بحد ذاته، بل جملة واحدة في نهايته: "نبحث عن شخص يمتلك قدرة على فهم الناس وتحويل ذلك الفهم إلى رسائل تصل." جلستُ أمام تلك الجملة لدقيقتين، أفكر في أنني ربما، طوال سنوات الزواج التي قضيتُها أحاول أن أفهم ما يريده أحمد وما لا يريده وكيف أقوله بطريقة تصل، ربما كنتُ أُمارس هذه المهارة دون أن أسميها. ضغطتُ على إرسال. المقابلة كانت بعد أسبوع. أمضيتُ تلك الأيام في تحضير لم يكن مبنياً على قلق، كان مبنياً على فضول حقيقي. فضول من تكتشف أن لديها شيئاً لم تعرف أنه قابل للاستخدام خارج الجدران التي عاشت فيها. في صباح المقابلة وقفتُ أمام المرآة أختار ما سألبسه، وأدركتُ أنني لا أعرف ما الذي "يُناسب" مقابلة عمل. طوال سنوات كانت ملابسي تُختار لمناسبات تخص أحمد. هذه كانت المرة الأولى منذ وقت طويل أن أختار ما سألبسه بناءً على ما أريد أن أُظهره عن نفسي أنا. اختر
Read more

أحمد

وصلتُ إلى العمل في الصباح الباكر، قبل معظم الزملاء، واخترتُ مكتبي الهادئ في الركن البعيد عن الضجيج. لم أكن دائماً من يأتي مبكراً. كانت هذه عادة أحمد القديم، أحمد ما قبل كل شيء، الرجل الذي كان يؤمن بأن الوقت الصباحي الهادئ هو أفضل وقت للتفكير الصافي. ثم جاءت الأشهر الأخيرة وأخذت منه ذلك النظام الداخلي واحداً بعد الآخر. لكن اليوم جاء مبكراً بقرار، لا بعادة. فتحتُ الحاسوب وراجعتُ بريدي، ووجدتُ بين الرسائل واحدة من مديري بعنوان "مشروع جديد - مهتم؟" فتحتُها. كانت تعرض عليّ قيادة مشروع متوسط الحجم لعميل جديد في قطاع الخدمات، مشروع يستغرق ثلاثة أشهر ويتطلب تنسيقاً مع فريق من أربعة أشخاص. ليس المشروع الأضخم في تاريخ الشركة، لكنه كان يتطلب رجلاً يملك حضوراً ذهنياً كاملاً، لا رجلاً كان حضوره الذهني مشتتاً بين محاكم ومعارك عائلية منذ أشهر. قرأتُ تفاصيله مرتين. ثم فكّرتُ. الأشهر الأخيرة أثبتت شيئاً لم أكن أعرفه عن نفسي: أنني حين تُضغط الأشياء من حولي، أميل إلى الانشغال بالحرب بدل الانشغال بما يبنيه الإنسان في زمن السلم. كان وقتي كله يذهب للمواجهات والخطط والانتقامات، وما يجعل الرجل من هو في
Read more

راما

في مساء الثلاثاء، كنا نتجادل على الفيلم. ليس جدالاً حقيقياً، كان من النوع الذي يستمتع فيه الطرفان بالجدال أكثر من اهتمامهما بالنتيجة. كريم يريد فيلماً وثائقياً عن الطبيعة، أنا أريد شيئاً يحمل قصة وشخصيات وحواراً. وكلانا يعرف أن الاختيار النهائي سيكون في مكان وسط لم نصل إليه بعد. "الوثائقيات لها قصص أيضاً." قال كريم، وهو يتصفح قائمة الأفلام على الشاشة. "قصص بلا حوار ليست قصصاً، هي ملاحظات." قلتُ. "هذا تعريف متحيز." "كل التعريفات متحيزة." نظر إليّ بعيون يحاول أن يجعلها تبدو محتجة. "هذه جملة فلسفية لا علاقة لها بالموضوع." "الفلسفة دائماً لها علاقة بالموضوع." "راما." "كريم." وضحكنا كلانا في نفس اللحظة. هذا ما لم أكن أعرف أنني كنتُ أفتقده بشكل محدد: الجدال الخفيف مع شخص تعرفيه كافياً لتعرفي متى يكون جاداً ومتى يلعب، ومتى الضحكة ستأتي حتى قبل أن تأتي. "حسناً." قال كريم وهو يضع الريموت على الطاولة. "أختاري أنتِ." "إذا اخترتُ أنا ستشكو طوال الفيلم." "لن أشكو." "كريم." "وعد." اخترتُ في النهاية فيلماً في منتصف الطريق، قصة إنسانية بصور طبيعية جميلة. حل وسط لم يكن متعمداً بقدر ما
Read more
PREV
1
...
111213141516
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status