جميع فصول : الفصل -الفصل 80

103 فصول

لقاء في المدخل

خرجتُ من الشقة بعد يومين من زيارة ليلى. كنت بحاجة إلى الهواء، إلى أي شيء يخرجني من تلك الجدران التي بدأت تضيق عليّ. أحمد كان جالساً في الصالة، يتحدث في الهاتف بصوته العملي البارد عن صفقة جديدة. راما كانت في المطبخ تعد الغداء، ولم تنظر إليّ عندما أخبرتها أنني سأذهب لأشتري شيئاً من الصيدلية. قالت فقط: "لا تتأخر. الغداء جاهز بعد ساعة". نزلتُ في المصعد وحدي. كنت أنظر إلى انعكاسي في المرآة المعدنية: عيون منهكة، هالات سوداء، لحية خفيفة أهملت حلقها منذ أيام. كنت أبدو أكبر من عمري. كنت أبدو كرجل يخبئ سراً ثقيلاً. فتحت أبواب المصعد في الطابق الأرضي، وسرت نحو مدخل البناية. وهناك رأيتها. سارة. كانت تقف عند صندوق البريد، تسحب بعض الرسائل من صندوقها. ترتدي بنطالاً جينزاً ضيقاً وتيشيرتاً أبيض بسيطاً، وشعرها الأسود مربوط في كعكة عالية. عندما نظرت إليّ، تجمدت للحظة. ثم ابتسمت ابتسامة حزينة. "كريم. لم أرك منذ أيام". "أهلاً سارة. كنت مشغولاً بالدراسة". أغلقت صندوق البريد، ووقفت أمامي. كانت المسافة بيننا لا تتجاوز ذراعاً. رأيت عينيها تتفحصان وجهي، ترى ما يحاول إخفاءه. "تبدو مرهقاً. أ
اقرأ المزيد

العد التنازلي

بقيت خمسة أيام على سفر أحمد. خمسة أيام. مائة وعشرون ساعة. سبعة آلاف و دقيقتان. كنت أحسبها في رأسي كل ليلة، كل صباح، كل لحظة أنفاسي فيها تصبح أثقل. لم أعد أنام جيداً. كنت أستلقي على سريري، أتأمل السقف الأبيض الذي رأى مني أشياء لا يجب أن يراها. أتأمل تلك البقعة الصغيرة في الزاوية التي تشبه وجه امرأة. في الغرفة المجاورة، كان أحمد ينام بهدوء غريب. أحياناً أسمع شخيره الخفيف، ذلك الصوت الذي كان يطمئنني في السابق، أما الآن فيجعل دمي يغلي. كيف ينام وهو يفعل ما يفعل؟ كيف يغفو ضميره بهذه السهولة؟ أما راما كانت تتقلب. أعرف ذلك لأنني كنت أسمع حركتها الخفيفة، صرير السرير عندما تغير وضعها، أحياناً تنهيدة طويلة مكبوتة تخرج منها كأنها تئن من حلم مزعج. خلال النهار، كنا نتصرف كالعائلة المثالية. أحمد يذهب إلى عمله باكراً، وقبل أن يغادر يطبع قبلة باردة على جبين راما، يربت على كتفي كالأخ الكبير، ويقول: "اهتما بالبيت". ثم يختفي خلف الباب. وراما تنظر إليّ من ثم، عيناها تقولان: "بدأ العد". نعود إلى صمتنا. في أحد الأيام، كان أحمد قد غادر منذ ساعة. كنت جالساً على الطاولة الزجاجية، أحاول أن أركز في كتاب عن
اقرأ المزيد

أربعة أيام

بقيت أربعة أيام على سفر أحمد. كنت أجلس في الصالة وحدي في ذلك المساء. أحمد كان لا يزال في العمل، يتصل كل ساعة ليخبر راما أنه سيتأخر أكثر. كانت راما في غرفتها تغير ملابسها، أو هكذا قالت. كنت أمسك بهاتفي، أتصفح الصور القديمة دون أن أرى شيئاً. عقلي كان في مكان آخر. سمعت باب غرفتها يفتح. خرجت راما. توقفت أنفاسي. كانت ترتدي فستاناً أسود ضيقاً، قصيراً جداً، يصل إلى منتصف فخذيها البيضاويين. القماش كان يلتصق بجسدها كأنه مرسوم عليها، يبرز كل منحنى، كل تفصيلة. كتفيها كانتا عاريتين، وخصرها النحيل كان يتمايل مع كل خطوة. مشت نحوي كأنها على منصة عرض أزياء، وابتسامة خفيفة على شفتيها. "ما هذا؟" سألتُ، وصوتي خانني. "أحمد قال إنه سيأخذني إلى عشاء عمل مع شركائه. أراد مني أن أبدو... مناسبة". "مناسبة؟" تمتمت. "هذا الفستان لا يخفي شيئاً". ابتسمت. "هذا هو المطلوب". اقتربت مني. وقفت أمامي، قريبة جداً. شممت رائحة عطر جديد، أقوى من الفانيليا، يمزج بين المسك والورد. كان يخنقني. "كريم،" همست. "انظر إليّ". نظرت. كانت عيناها تلمعان. "هل تجدني جميلة؟" "أنتِ تعلمين". "أريد أن أسمعها منك". بلعت ريقي. "ن
اقرأ المزيد

فجر مختلف

استيقظت على شعور غريب. الدفء اختفى. الرائحة تلاشت. فتحت عينيّ، فلم أجد راما بجانبي. لكن وسادتي كانت لا تزال تحمل أثر رائحة شعرها، وانطباعاً خفيفاً على خدي من شفتيها، ربما وضعته هناك وأنا نائم في اللحظات التي سبقت الفجر. نهضت ببطء. كان جسدي متعباً، لكن قلبي كان خفيفاً بطريقة لم أفهمها. نظرت إلى الساعة: السادسة صباحاً. كنت قد نمت ساعتين فقط، بعد أن عادت راما إلى غرفتها قبل أن يضيء الفجر. تذكرتها وهي تهمس: "يجب أن أعود قبل أن يستيقظ". تذكرتها وهي تنزلق من بين ذراعيّ كظل، وتختفي خلف الباب. نهضت. أغلقت باب غرفتي وتوجهت إلى الحمام. غسلت وجهي بالماء البارد، وحاولت إزالة آثار الأرق من عينيّ. نظرت في المرآة: كنت أبدو مختلفاً. ليس أفضل، لكن مختلفاً. كأن شيئاً في داخلي قد تغير. خرجت من الحمام. كان البيت صامتاً. باب غرفة نوم أحمد وراما مغلق بإحكام. لا صوت يصدر من خلفه. مشيت نحو المطبخ بهدوء، حافياً على الرخام البارد. وجدت كوباً من الماء موضوعاً على الطاولة، وبجانبه ورقة صغيرة مطوية. رفعتها. كتبت راما بخطها الناعم: "شكراً على الليلة. لم أشعر بالأمان منذ زمن بعيد. ر." طويت الورقة ووضعتها في ج
اقرأ المزيد

اليوم الأخير

استيقظتُ على صوت مطر خفيف يضرب زجاج النافذة. كان الصباح رمادياً، باهتاً، كأن السماء نفسها تشعر بثقل هذا اليوم. اليوم الأخير قبل أن يسافر أحمد. غداً سنبقى وحدنا. خرجتُ من غرفتي فوجدت أحمد جالساً على الكنبة، يرتدي بنطالاً رياضياً رمادياً وقميصاً أبيض. كان يقلب هاتفه بعصبية. راما في المطبخ تعد القهوة، ثوبها المنزلي القصير يلتصق بجسدها مع كل حركة. "كريم،" قال أحمد دون أن يرفع عينيه. "اليوم سأجهز حقائبي. لا تؤخرونا على الغداء". جلستُ على الطاولة الزجاجية. راما وضعت أمامي كوباً من القهوة السوداء. أصابعها لامست يدي للحظة. كانت باردة. نظرت إليّ، ثم ابتعدت. خرج أحمد . قال إنه سيذهب لشراء آخر مستلزمات سفره من المركز التجاري. نظرتُ إلى راما، فنظرت إليّ. كانت عيناها تقولان شيئاً لم تستطع النطق به أمام زوجها. طبع قبلة باردة على جبينها، وربت على كتفي كعادته، ثم غادر. سمعتُ باب الشقة يغلق. سمعتُ صوت المفتاح يدور. ثم صمت. كانت راما تقف في المطبخ، تولي ظهري للباب. كانت ترتدي ثوباً منزلياً قصيراً باللون البيج، يصل إلى منتصف فخذيها. كانت تعدّ الغداء، لكن يديها كانتا ترتجفان. رأيتُ ذلك من بعي
اقرأ المزيد

وعد الفجر ٧٧

لم أذق طعم النوم. كنت أتقلب على السرير كالسجين الذي يعد الساعات المتبقية قبل إعدامه. لكن إعدامي لم يكن موتاً، بل كان حياة. حياة مختلفة. حياة لا عودة بعدها. الساعة تشير إلى الثانية صباحاً. كان أحمد قد غط في نومه منذ ساعات. سمعت شخيره الخفيف يقطع صمت الليل من وراء الجدار. راما. كانت هي الأخرى نائمة. أو هكذا ظننت. نهضتُ من سريري. حلقي كان يابساً. خرجتُ من غرفتي حافياً، أسير في الممر المظلم نحو المطبخ لأشرب كوباً من الماء. وبينما كنت أعود، سمعت صوتاً. باب غرفة نومهما يفتح ببطء. تراجعتُ بسرعة، اختبأت خلف زاوية الممر. كانت راحة قلبي تكاد تنفجر. من تكون في هذا الوقت؟ أحمد؟ لكن خطواتها كانت خفيفة. ناعمة. خطوات امرأة. خرجت راما من الغرفة. كانت ترتدي قميص نوم قصيراً باللون الأبيض، يصل إلى منتصف فخذيها. مشت نحو المطبخ. يداها ترتجفان. كانت تبحث عن شيء. كوب ماء ربما. مرت بجانبي. لم ترني. انقضضتُ عليها من الخلف. غطيت فمها بكفي قبل أن تصرخ. التصقت بجسدها بالكامل. شعرتُ بجسدها الصغير يرتجف بين ذراعيّ. حاولت أن تصرخ، لكن صوتها كان مكتوماً. ثم توقفت. استسلمت. أزلتُ يدي عن فمها ببطء. "أيها ا
اقرأ المزيد

المطبخ - أول الغيث ٧٨

أغلقت راما الباب خلف أحمد. سمعت صوت المزلاج وهو يدور. سمعت خطواته تبتعد في الممر. ثم سمعت باب المصعد يغلق. ثم صمت. صمت لم يقطعه سوى دقات قلبي التي كانت تكاد تمزق صدري. وقفنا ننظر إلى بعضنا. هي عند الباب. أنا في وسط الصالة. كانت المسافة بيننا لا تتجاوز بضعة أمتار، لكنها بدت كعمر كامل من الانتظار. كانت ترتدي ثوباً منزلياً قصيراً باللون الأزرق الفاتح. شعرها منسدل على كتفيها. كانت حافية القدمين. كانت تنظر إليّ بعينين لم أرهما من قبل. لم تكن عيني امرأة خائفة. كانت عيني امرأة قررت. "رحل،" همست. "رحل،" أجبتها. لم نتحرك. كنا ننظر إلى بعضنا. كأننا نستوعب الحقيقة. كأننا نخشى أن نتحرك فنكسر السحر. ثم تنهدت. تنهيدة طويلة، عميقة، كأنها أطلقت سراح كل ما كان محبوساً داخلها لسنوات. "تعال إلى هنا،" قالت بصوت لم أسمعه منها قط. لم يكن صوت الأخت الكبرى. ولا الصديقة الحزينة. كان صوت امرأة تعرف ما تريد. مشيتُ نحوها ببطء. كل خطوة كانت أثقل من التي قبلها. قلبي كان يقرع كالطبول. جسدي كان يشتعل. وصلتُ إليها. وقفتُ أمامها. كانت المسافة بيننا لا تتجاوز بضع سنتيمترات. رفعت يدها. وضعتها على صدري. كانت با
اقرأ المزيد

الصالة – الكنبة الرمادية

جرتني راما من يدي ونحن عاريان. كنا نعبر الصالة معاً. جسدها يلمع تحت ضوء الشمس المتسلل من الستائر. شعري المبلل بالعرق يلتصق بجبيني. وقلبي لا يزال يدق كأنه سينفجر. وصلنا إلى الكنبة الرمادية. تلك الكنبة التي رأت أول نظراتي الخائفة. التي شهدت ليالي الفيلم وهمساتها الأولى. التي نامت في حضني ذات ليلة وهي ترتجف من برد الوحدة. كانت شاهدة على كل شيء. والآن، كانت شاهدة على سقوطنا. وقفت أمامها. كانت لا تزال ممسكة بيدي. نظرت إليّ بعينين غارقتين في الشبق. "استلقِ،" همست. نظرت إليها متسائلاً. "استلقِ على ظهرك. أريد أن أراك. أريد أن أتأملك. أريد أن أتذوق كل سنتيمتر من جسدك." لم أنتظر. استلقيتُ على الكنبة. كان القماش باردا على ظهري المحترق. كانت عضلات بطني مشدودة. انتصابي كان لا يزال قائماً، عنيفاً، يلامس سرتي. وقفت راما فوقي. كانت تنظر إليّ من أعلى. شعرها المنسدل كان يلامس صدري. عيناها كانتا تتنقلان على جسدي بجوع لم أره من قبل. "كم أنت جميل،" همست. مدت يدها. لمست وجهي بأطراف أصابعها. مرت على جبيني، على خدي، على شفتيّ. ثم نزلت إلى رقبتي. إلى كتفي. إلى صدري. كانت أصابعها ترسم دوائر حول حلمتيّ
اقرأ المزيد

غرفة النوم

لم نكد ننهي مشهدنا على الكنبة حتى جرتني راما من يدي. لم تتحدث. كانت عيناها فقط هي التي تتكلم. كانت تشتعل بنار مختلفة هذه المرة. ليست نار الشوق فقط، بل نار التحدي والانتقام والسيطرة. دخلنا غرفة النوم. غرفتها. غرفة أحمد. كان الظلام لا يزال مسيطراً، الستائر مسدلة بإحكام. لكن راما لم تشغل الضوء. سحبتني نحو المرآة الكبيرة المقابلة للسرير. كانت معلقة على الحائط، إطارها خشبياً عتيقاً، رأت فيها جسدها عارياً ألف مرة وهي وحدها. رأت فيه دموعها وتجاعيدها وأرقها. أما الآن، فكانت تنظر إلينا. "قف هنا،" همست. وقفت أمام المرآة. رأيت نفسي: صدري العاري المقطر بالعرق، عضلات بطني المشدودة التي لا تزال ترتجف، انتصابي العنيف الذي رفض أن يهدأ. وخلفي، رأيتها تقترب. لم تقف بجانبي. وقفت خلفي. رفعت يديها. وضعتهما على كتفي. كانت أصابعها باردة، ترتعش قليلاً. شعرت بأظافرها تغرس في جلدي. ثم انزلقت يداها إلى أسفل. على صدري. على بطني. إلى ما دون سرتي. التصقت بظهري. شعرت بنهديها يضغطان على كتفي. بحرارتها تخترق جلدي. بأنفاسها الساخنة على رقبتي. "انظر إلى المرآة،" همست في أذني. "انظر إلينا." رفعت عيني. رأيت انع
اقرأ المزيد

راما

كان واقفاً عند النافذة حين فتحتُ محادثة أحمد. لم ألتفت إليه، لكنني شعرتُ بثقل عينيه ينتقل من الزجاج إلى الهاتف في يدي، كأن جسده يقرأ نياتي قبل أن تصل أصابعي إلى الصورة الأولى. "ما هذا؟" صوته جاء حاداً، يقطع الصمت الذي بنيناه طوال الساعة الماضية. لم أرفع عيني عن الشاشة. "شيء يخصني." اقترب. سمعتُ خطواته على البلاط، كل خطوة أثقل من التي قبلها، كأنه يحاول أن يصل قبل أن تسبقه الكارثة. "راما. انظري إليّ." لم أنظر. اخترتُ الصورة الأولى، تلك التي كانت كتفي فيها مكشوفة بين يديه، تلك الليلة التي تعلمتُ فيها أن أرى. ضغطتُ عليها. "ضعي الهاتف." أمرٌ. هكذا تكلّم معي دائماً، بصيغة الأمر التي كانت تُسكتني فيما مضى. لكنني لم أعد تلك المرأة التي تخضع لنغمة صوت. "لا." كانت كلمة واحدة، لكنها بدت كأنها أطلقت شيئاً فيه. اقترب أكثر، يده تمتد نحو الهاتف، وأنا أسحبه عن مرماه بحركة سريعة، كأنني توقعتُ هذا منه قبل أن يحدث. "أنتِ لا تفهمين ماذا تفعلين." "أفهم تماماً." "إذا أرسلتِ هذا، لن يكون هناك طريق للعودة. لكِ، ولا له، ولا لي." نظرتُ إليه أخيراً. كان وجهه ممتلئاً بشيء لم أره فيه من قبل، شيء بين
اقرأ المزيد
السابق
1
...
67891011
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status