登入قدتُ السيارة بلا وجهة لأكثر من نصف ساعة، والشارع يتمدد أمامي كخط مستقيم لا ينتهي إلى شيء. لم أكن أهرب من المنزل وحده، كنتُ أهرب من الصورة التي بقيت عالقة في ذهني: راما، جالسة، يداها هادئتان، تضغط زر "إرسال" وعيناها مفتوحتان عليّ، كأنها تتحداني أن أوقفها، وتعرف في الوقت نفسه أنني لن أستطيع. أوقفتُ السيارة على جانب الطريق أخيراً، أمام بناية لا أعرفها، في حيّ لم أقصده، وأطفأتُ المحرك. الصمت الذي ملأ السيارة كان أثقل من كل صراخ سمعتُه في حياتي. كنتُ أظن أنني أعرفها. هذه الفكرة وحدها كافية لتُحطّمني. كل ليلة جلستُ فيها أمام المرآة معها، كل لحظة ظننتُ أنني أعيد تشكيلها، أصنع منها امرأة جديدة بيدي، كنتُ في الحقيقة أصنع شيئاً لا أملك سلطة عليه. صنعتُ سيفاً، ثم استُغرِبتُ حين اخترق يدي. ضربتُ المقود بكفي، مرة، مرتين، حتى شعرتُ بألم خافت يصعد إلى ذراعي. لم يكن الألم عن راما. كان عن نفسي، عن صورتي التي تحطمت في تلك الغرفة، صورة الرجل المتحكم، الهادئ، الذي يحسب كل خطوة قبل أن يخطوها. وقفتُ هناك، أتوسل، وهذا ما يقتلني أكثر من أي شيء آخر: أنني توسلتُ، وهي لم تتوقف. أحمد. اسمه وحده كافٍ ليُشعل
رحل كريم قبل أن تصل خطوات أحمد إلى الباب. لم أُحاول إيقافه. رأيتُه يجمع قميصه عن ظهر الكرسي بحركة مرتبكة، يداه لا تطاوعانه كما كانتا منذ ساعة، ووجهه يحمل شيئاً جديداً عليّ: الخوف. ليس خوفاً مني، بل من نفسه، من اللحظة القادمة التي لا يملك فيها نص يحفظه ولا دور يقوم به بثقة. "لا أستطيع أن أكون هنا حين يدخل،" قال، بصوت يشبه اعتراف رجل يكتشف حدود شجاعته للمرة الأولى. لم أرد. فقط أشرتُ نحو الباب الخلفي، والباب الذي عرفه جيداً منذ كان طفلاً يركض بين هذا البيت وبيت أهله. بقيتُ وحدي. جلستُ على الكنبة، لا في غرفة النوم، لأن المواجهة القادمة تحتاج مساحة مفتوحة، لا فراشاً يحمل ذكريات لم تعد تخصني. وضعتُ الهاتف على الطاولة أمامي، الشاشة مقفلة، لكنها لا تزال تحمل في داخلها الصور التي غيّرت كل شيء. سمعتُ السيارة أولاً، ثم الباب الخارجي يُفتح بعنف غير معتاد، كأن يده ضربت المقبض قبل أن يلتقطه بشكل صحيح. "راما!" صوته اخترق البيت قبل أن تخترقه قدماه. دخل، وجهه أحمر، عروق رقبته بارزة، والهاتف في يده مرفوعاً كسلاح يُشهر في وجهي. "ما هذا؟ ما هذا الذي أرسلتِه؟!" لم أتحرك. بقيتُ جالسة، يدي مطوية على
كان واقفاً عند النافذة حين فتحتُ محادثة أحمد. لم ألتفت إليه، لكنني شعرتُ بثقل عينيه ينتقل من الزجاج إلى الهاتف في يدي، كأن جسده يقرأ نياتي قبل أن تصل أصابعي إلى الصورة الأولى. "ما هذا؟" صوته جاء حاداً، يقطع الصمت الذي بنيناه طوال الساعة الماضية. لم أرفع عيني عن الشاشة. "شيء يخصني." اقترب. سمعتُ خطواته على البلاط، كل خطوة أثقل من التي قبلها، كأنه يحاول أن يصل قبل أن تسبقه الكارثة. "راما. انظري إليّ." لم أنظر. اخترتُ الصورة الأولى، تلك التي كانت كتفي فيها مكشوفة بين يديه، تلك الليلة التي تعلمتُ فيها أن أرى. ضغطتُ عليها. "ضعي الهاتف." أمرٌ. هكذا تكلّم معي دائماً، بصيغة الأمر التي كانت تُسكتني فيما مضى. لكنني لم أعد تلك المرأة التي تخضع لنغمة صوت. "لا." كانت كلمة واحدة، لكنها بدت كأنها أطلقت شيئاً فيه. اقترب أكثر، يده تمتد نحو الهاتف، وأنا أسحبه عن مرماه بحركة سريعة، كأنني توقعتُ هذا منه قبل أن يحدث. "أنتِ لا تفهمين ماذا تفعلين." "أفهم تماماً." "إذا أرسلتِ هذا، لن يكون هناك طريق للعودة. لكِ، ولا له، ولا لي." نظرتُ إليه أخيراً. كان وجهه ممتلئاً بشيء لم أره فيه من قبل، شيء بين
لم نكد ننهي مشهدنا على الكنبة حتى جرتني راما من يدي. لم تتحدث. كانت عيناها فقط هي التي تتكلم. كانت تشتعل بنار مختلفة هذه المرة. ليست نار الشوق فقط، بل نار التحدي والانتقام والسيطرة. دخلنا غرفة النوم. غرفتها. غرفة أحمد. كان الظلام لا يزال مسيطراً، الستائر مسدلة بإحكام. لكن راما لم تشغل الضوء. سحبتني نحو المرآة الكبيرة المقابلة للسرير. كانت معلقة على الحائط، إطارها خشبياً عتيقاً، رأت فيها جسدها عارياً ألف مرة وهي وحدها. رأت فيه دموعها وتجاعيدها وأرقها. أما الآن، فكانت تنظر إلينا. "قف هنا،" همست. وقفت أمام المرآة. رأيت نفسي: صدري العاري المقطر بالعرق، عضلات بطني المشدودة التي لا تزال ترتجف، انتصابي العنيف الذي رفض أن يهدأ. وخلفي، رأيتها تقترب. لم تقف بجانبي. وقفت خلفي. رفعت يديها. وضعتهما على كتفي. كانت أصابعها باردة، ترتعش قليلاً. شعرت بأظافرها تغرس في جلدي. ثم انزلقت يداها إلى أسفل. على صدري. على بطني. إلى ما دون سرتي. التصقت بظهري. شعرت بنهديها يضغطان على كتفي. بحرارتها تخترق جلدي. بأنفاسها الساخنة على رقبتي. "انظر إلى المرآة،" همست في أذني. "انظر إلينا." رفعت عيني. رأيت انع
جرتني راما من يدي ونحن عاريان. كنا نعبر الصالة معاً. جسدها يلمع تحت ضوء الشمس المتسلل من الستائر. شعري المبلل بالعرق يلتصق بجبيني. وقلبي لا يزال يدق كأنه سينفجر. وصلنا إلى الكنبة الرمادية. تلك الكنبة التي رأت أول نظراتي الخائفة. التي شهدت ليالي الفيلم وهمساتها الأولى. التي نامت في حضني ذات ليلة وهي ترتجف من برد الوحدة. كانت شاهدة على كل شيء. والآن، كانت شاهدة على سقوطنا. وقفت أمامها. كانت لا تزال ممسكة بيدي. نظرت إليّ بعينين غارقتين في الشبق. "استلقِ،" همست. نظرت إليها متسائلاً. "استلقِ على ظهرك. أريد أن أراك. أريد أن أتأملك. أريد أن أتذوق كل سنتيمتر من جسدك." لم أنتظر. استلقيتُ على الكنبة. كان القماش باردا على ظهري المحترق. كانت عضلات بطني مشدودة. انتصابي كان لا يزال قائماً، عنيفاً، يلامس سرتي. وقفت راما فوقي. كانت تنظر إليّ من أعلى. شعرها المنسدل كان يلامس صدري. عيناها كانتا تتنقلان على جسدي بجوع لم أره من قبل. "كم أنت جميل،" همست. مدت يدها. لمست وجهي بأطراف أصابعها. مرت على جبيني، على خدي، على شفتيّ. ثم نزلت إلى رقبتي. إلى كتفي. إلى صدري. كانت أصابعها ترسم دوائر حول حلمتيّ
أغلقت راما الباب خلف أحمد. سمعت صوت المزلاج وهو يدور. سمعت خطواته تبتعد في الممر. ثم سمعت باب المصعد يغلق. ثم صمت. صمت لم يقطعه سوى دقات قلبي التي كانت تكاد تمزق صدري. وقفنا ننظر إلى بعضنا. هي عند الباب. أنا في وسط الصالة. كانت المسافة بيننا لا تتجاوز بضعة أمتار، لكنها بدت كعمر كامل من الانتظار. كانت ترتدي ثوباً منزلياً قصيراً باللون الأزرق الفاتح. شعرها منسدل على كتفيها. كانت حافية القدمين. كانت تنظر إليّ بعينين لم أرهما من قبل. لم تكن عيني امرأة خائفة. كانت عيني امرأة قررت. "رحل،" همست. "رحل،" أجبتها. لم نتحرك. كنا ننظر إلى بعضنا. كأننا نستوعب الحقيقة. كأننا نخشى أن نتحرك فنكسر السحر. ثم تنهدت. تنهيدة طويلة، عميقة، كأنها أطلقت سراح كل ما كان محبوساً داخلها لسنوات. "تعال إلى هنا،" قالت بصوت لم أسمعه منها قط. لم يكن صوت الأخت الكبرى. ولا الصديقة الحزينة. كان صوت امرأة تعرف ما تريد. مشيتُ نحوها ببطء. كل خطوة كانت أثقل من التي قبلها. قلبي كان يقرع كالطبول. جسدي كان يشتعل. وصلتُ إليها. وقفتُ أمامها. كانت المسافة بيننا لا تتجاوز بضع سنتيمترات. رفعت يدها. وضعتها على صدري. كانت با







