جميع فصول : الفصل -الفصل 60

103 فصول

نار تحت الرماد

بعد لحظات من الصمت الذي كان أثقل من أي كلام، عدلت راما جلستها على الكنبة. لم تبتعد عني، لكنها انسحبت قليلاً لتجلس مواجهتي، ضامة ساقيها العاريتين إلى صدرها تحت الرداء القطني الأبيض الذي كان قد انحسر قليلاً ليكشف عن ركبتيها الناعمتين. بدت في تلك الوضعية كطفلة تخاف من الظلام، لكن عينيها كانتا تقولان إنها ليست طفلة على الإطلاق. كانت امرأة تبحث عن جواب لسؤال لم تجرؤ على طرحه على نفسها طوال حياتها. نظرت في عينيّ طويلاً، بعمق لم أعهده من قبل. كانت عيناها العسليتان تبحثان داخل عينيّ الزرقاوين كأنها تقرأ كتاباً مفتوحاً على مصراعيه. شعرتُ بأنها ترى كل شيء؛ خوفي، شوقي، ذنبي، وكل ليالي الوحدة التي قضيتها في السكن الجامعي وأنا أحلم بها. شعرتُ بأنها تقرأ روحي قبل أن تسمع كلماتي. "كريم.." همست بصوت خفيض لدرجة أنني كدتُ أستمع لقلبي بدلاً من صوتها. "هل تراني جميلة؟" ابتسمت ابتسامة مريرة في داخلي. بعد كل ما حدث، بعد كل ما رأته عيناها من خيانة زوجها وخيانة صديقتها، بعد أن اكتشفت أن العالم الذي آمنت به كان مجرد سراب، كانت لا تزال تشك في جمالها. يا لها من جريمة اقترفها أحمد بحق هذه الروح الرقيقة التي ت
اقرأ المزيد

الزائر الذي هز الأركان

لم أذق طعم النوم في تلك الليلة. لا لأن الكنبة الرمادية كانت قاسية، ولا لأن برد الصالة تسلل إلى عظامي، بل لأن شفتيّ كانتا لا تزالان تحفظان حرارة قبلة راما، وكفي كان لا يزال يرتجف من ملمس صدرها الذي وضعته عليه بيديها هي، قبل أن تهرب كظبية جريحة إلى غرفتها وتغلق الباب خلفها بساعة من الزمن الثقيل. سمعتُها تبكي خلف الخشب. بكاءً متقطعاً، خافتاً، كأنها تخشى أن يفضحها الصوت. ثم سمعتُ صمتاً أطول، ثم تحركاً خفيفاً، ثم لا شيء. نامت أخيراً بعد أن استنزفها البكاء والندم والرغبة المختلطة بالذنب. بقيتُ جالساً على الكنبة حتى أضاء خيط الفجر البارد السماء خلف الستائر. كانت الساعة تقترب من السادسة صباحاً. لم أستطع حتى إغلاق جفنيّ لدقيقة. كلما حاولت، رأيت وجهها وهي تنحني نحوي، ورأيت عينيها العسليتين تلمعان بضعف لم أعهده فيها، ورأيت أصابعها المرتعشة وهي تلتقط يدي وتضعها على صدرها. كنتُ أحاول إقناع نفسي بأن ما حدث كان خطأ، وأنه لا يمكن أن يتكرر، لكن قلبي كان يصرخ بعكس ذلك. ثم سمعتُ باب غرفتها يفتح. تجمدتُ مكاني. خرجت راما بخطوات بطيئة، كمن يمشي على زجاج مكسور. كانت قد استبدلت ملابسها برداء منزلي قطنياً
اقرأ المزيد

جدار من ورق

أمضيتُ ذلك النهار كسجين تحت حراسة جلاّد لا يغفل. أبي، الذي كان في قريتنا مثال الصلابة والحكمة، تحول في هذه الشقة الفاخرة إلى ظلٍّ يلاحقني أينما ذهبت. كان يجلس في الصالة، يحتسي قهوته ببطء، وعيناه تتابعان كل حركة لي وحركة راما كأنهما كاميرتان لا تغفلان. في الصباح، بعد أن تناولنا الفطور في صمت مطبق، طلب مني أبي مرافقته إلى الحديقة الخلفية للبناية. مشى بجانبي بين الأشجار الصغيرة، وكان صوته هادئاً لكنه يحمل نبرة لم أشأ فهمها. "كريم،" قال وهو يتأمل وردة صفراء تتفتح على غصن قريب. "أحمد دائماً مسافر. وهذا يحدث كثيراً في حياته الزوجية، أليس كذلك؟" تمتمتُ بكلمات غير محددة، وشعرتُ بأن كفي يبتلان بالعرق. "لكن الأغرب،" تابع أبي وهو يتوقف فجأة وينظر في عينيّ، "أن أجدك أنت هنا بدلاً من سكنك الجامعي. أنت الذي كنت متشوقاً للاستقلالية، فجأة تفضل العيش تحت سقف أخيك؟" قلتُ له إنني كنت مريضاً، وأن راما أصرت على أن أبقى للرعاية. ابتسم ابتسامة لم تصل إلى عينيه، ومشى أمامي عائداً إلى البناية دون أن ينبس بحرف. أما راما، فكانت تتحرك في البيت كشبح مذعور. استبدلت رداء نومها بثوب طويل فضفاض يخفي تفاصي
اقرأ المزيد

ريح قادمة من الباب

كان اليوم الثالث لوجود أبي في الشقة أشبه بالخناق الذي يضيق كلما حاولنا أن نتنفس. في الصباح، بينما كنتُ أحاول شرب قهوتي بصمت، أعلن أبي أنه سيبقى أسبوعاً آخر. لم يكن إعلاناً، بل حكماً. نظرتُ إلى راما، فرأيتُ خيطاً من الذهول يعبر وجهها، ثم اختفى تحت قناع من اللامبالاة المتكلفة. "حسناً يا أبي،" قالت وهي تبتسم بابتسامة لم تلامس عينيها. "البيت يزداد دفئاً بوجودك." ابتسم أبي ابتسامة هادئة، وقال: "لا أريد أن أكون عبئاً عليكِ يا راما. سأساعد في الطهو والتنظيف، وأنا أعلم أن أحمد غائب معظم الوقت، فوجودي سيكون سنداً لكِ." خرج أبي لشراء احتياجاته من السوق القريب. كان قلبي يخفق بجنون وأنا أسمع باب المصعد يغلق خلفه. نظرتُ إلى راما. كانت تقف عند نافذة الصالة، تنظر إلى الخارج بظهرها لي. كان ثوبها القطني البسيط يرتفع مع كل نفس ثقيل، وشعرها الحريري يتمايل على كتفيها. "كريم،" قالت دون أن تلتفت، وصوتها كان مخنوقاً، "لا تقترب." لكنني كنت قد اقتربتُ بالفعل. وقفتُ خلفها، وشعرتُ برائحة الفانيليا التي تطاردني. "راما،" همستُ. "أبي سيغيب ساعتين. نحن وحدنا." التفتت إليّ ببطء. كانت المسافة بيننا لا ت
اقرأ المزيد

أحلام مؤجلة

لا يمكنني أن أتجاوز حقيقة أنني نمت تلك الليلة ويدي لا تزال تحتفظ بحرارة جسدها. كان صدرها قد التصق بي لدقائق، وكانت أنفاسها قد اختلطت بأنفاسي، وكان صمتها أبلغ من ألف كلمة. لكن بيننا الآن جداران: جدار الخشب الذي يفصل غرفتنا، وجدار أبي الذي يجلس في غرفة الضيوف يرقبنا كالصقر. عند الفجر، استيقظتُ على صوت أبي وهو يتوضأ في الحمام المجاور. كانت عادته منذ كنت طفلاً: يستيقظ قبل الجميع، يصلي الفجر، ثم يعد قهوته بيديه. في القرية كان هذا المشهد يمنحني الطمأنينة. أما هنا، في هذه الشقة الفاخرة، كان صوته يذكرني بأنني لست في مكاني. خرجتُ إلى الصالة فوجدته جالساً على الكنبة، يقلب سبحته بين أصابعه. "صباح الخير يا أبي،" تمتمتُ وأنا أجلس بعيداً عنه. "صباح النور يا كريم،" قال دون أن يرفع عينيه عن السبحة. "لم تنم جيداً، على ما يبدو." "قلق الدراسة،" كذبتُ. رفع عينيه إليّ للحظة، ثم عاد إلى سبحته. "الدراسة لا تمنع النوم يا بني. ما يمنع النوم هو ما يشغل القلب." لم أعلق. كنتُ أعلم أنه لا يقصد ما يوحي به ظاهر كلامه. لكنني كنتُ أعلم أيضاً أنه لا يقصد شيئاً آخر. خرج أحمد من غرفة نومه بعد قليل. كان يرتدي بدل
اقرأ المزيد

وداع قبل الرحيل

لم أذق طعم النوم في تلك الليلة. كنتُ أرقد على الأرض في غرفة الضيوف، أسمع دقات الساعة تعلن اقتراب موعد رحيلي. كان أبي قد قرر: سأعود إلى السكن الجامعي اليوم. مع أول خيوط الفجر، سمعتُ حركةً في الشقة. أحمد يخرج من غرفة النوم مرتدياً بدلته الرسمية. تثاءب وهو يمشي نحو المطبخ، تناول كوباً من الماء، ثم عاد أدراجه. وقفت راما عند باب غرفتها. كانت ترتدي ثوباً منزلياً قطنياً أبيض، وشعرها منسدلاً على كتفيها. نظرت إليه بعينين باردة، لكنه لم يلحظ. "سأتأخر اليوم،" قال أحمد ببرود. "اجتماعات مطولة." اقترب منها. طبع قبلة جافة على خدها. قبلة روتينية، كمن يوقع معاملة ورقية. لم تلمس يده جسدها، ولم تقترب هي منه. ثم التفت وغادر دون أن ينبس بكلمة وداع. سمعنا باب الشقة يغلق. صمت. كان أبي قد استيقظ باكراً وصلى الفجر في غرفته. خرج إلينا بعد قليل، وقد ارتدى ثوبه القروي البسيط. "سأذهب لإحضار الخبز الطازج،" قال. "أعود بعد قليل." نظرتُ إلى الساعة. الخامسة وأربعون دقيقة. كان الظلام لا يزال يغطي المدينة خلف الزجاج. خرج أبي. سمعتُ باب المصعد يغلق. بقيتُ أنا وراما وحدنا. كانت لا تزال واقفة عند باب غرفتها. نظ
اقرأ المزيد

صدى اللمسة المحرمة

ارتميتُ على السرير وأنا ألهث، أحاول استنشاق الهواء لعلّه يطفئ هذا الحريق الذي يسري في دمي. لكن رائحة الفانيليا، رائحة أنوثتها الطاغية، كانت لا تزال عالقة في ذاكرتي، تخنقني، وتجعلني أشتهي السقوط أكثر فأكثر في هاويتها المحرمة. كنت وحدي في غرفتي الباردة في السكن الجامعي، أتقلب على السرير الحديدي الذي يئن تحت جسدي. كلما أغمضت عينيّ، رأيت وجهها. عيناها العسليتان تنظران إليّ من تحت رموشها. يدها وهي تلعب بشعري ببطء قاتل. فخذها الناعم تحت أصابعي. ذلك الملمس لا يزال محفوراً في كفي كأنه وشم من نار. لم أكن أعرف كيف سأنام. كنت أعرف فقط أن جسدي كان يئن من فرط الكبت، وأن كل عضلة كانت مشدودة كوتر كمان يوشك على الانقطاع. وفجأة، في تلك اللحظة المشتعلة، اهتز الهاتف الموضوع على الطاولة الخشبية باهتزازة قوية حبست أنفاسي. سحبتُ الجهاز بسرعة، وأصابعي ترتعش فوق الشاشة. وعندما فتحتُ رسالتها، شعرتُ وكأن موجة من اللذة الحارة قد ضربت رأسي مباشرة. كانت راما. تراسلني من تلك الشقة. وكلماتها كانت تقطر شهوة صريحة لا تعرف الخوف: "كريم... المكان هنا بارد وموحش بدونك. الشقة أصبحت كالقبر بعد أن غادرتني وعدت
اقرأ المزيد

حرارة الماء الساخن

كانت الساعة قد تجاوزت منتصف الليل بقليل، والصمت يطبق على أرجاء السكن البارد، عندما أضاء هاتفي مجدداً على الطاولة الخشبية. أحدث طنينه المكتوم رعشة في عمودي الفقري. التقطته بنبضات قلب متسارعة، لتفتح الشاشة على رسالة من راما. لم تكن مجرد كلمات. كانت مقطعاً مرئياً من الجحيم يصف مشهداً حركياً تشتعل له الأبدان. كتبت لي بنبرة تفيض بالإغواء المستفز والشبق العاري: "الدنيا هادئة ومظلمة جداً هنا يا كريم. أحمد غارق في نومه الثقيل كالعادة في الغرفة المجاورة، ربما هو يحلم الآن بليلى وعشب البحيرة. أما أنا، فمستلقية الآن بكامل عُريي وسط مياه البانيو الساخنة. البخار الكثيف يملأ الحمام، والرغوة البيضاء تداعب بشرتي بنعومة، وتغطي حلمات صدري كلما تنفست. لكنني لا أشعر بالدفء أبداً. أنا أرتجف، وأتخيل أن هذه المياه الساخنة التي تنساب بين فخذي وعلى منحنيات بطني هي كف يدك الضخمة والغليظة. أتمنى لو كنت هنا معي في هذه اللحظة، تتأمل جسدي المبلل وسط هذا البخار، وتفعل بي ما يحرمه القانون وتطلبه عيناك." انقطع النفس في صدري تماماً. شعرتُ بغليان يجري في عروقي وكأنني أنا من أُلقيت في ذلك الماء الساخن. ألقيت ا
اقرأ المزيد

الدانتيل الأسود واليد المحرمة

في ليلة الجمعة التالية، انهار ما تبقى من جدران العقل، ووجدتُ نفسي منقاداً بالكامل إلى قاع الهاوية. لم يكن الصمت في غرفتي بالسكن الجامعي صمتاً عادياً، بل كان مشبعاً برائحة الشبق العارم والتوقع الذي يجعل الجلد يقشعر. كنتُ أستلقي على السرير، عارياً من الأعلى، والعرق يبلل صدري رغم برودة الغرفة، وعيناي معلقتان بشاشة الهاتف كالمسحور. كنتُ أنتظر جرعتي من المخدر الرقمي الذي تصنعه راما بذكاء شيطاني. وفجأة، اهتز الجهاز في يدي، ليعلن عن وصول وسائط جديدة. تطلب الأمر ثانيتين قاتلتين لتنزيل الصورة. وعندما ظهرت بالكامل، شعرتُ بصدمة كهربائية عنيفة تضرب رأسي، وتجمد الدماء في عروقي قبل أن تندفع بجنون كاسح إلى أسفل بطني. كانت الصورة لراما. مستلقية على سريرها. كانت الإضاءة المحيطة بها خافتة ومصبوغة بلون أحمر قرمزي مثير، يفيض بالغموض والغواية. لم تكن ترتدي سوى طقم رقيق وشفاف جداً من الدانتيل الأسود. يلتصق ببشرتها الناعمة بجرأة مرعبة لا تخفي شيئاً. كان الدانتيل الشفاف يظهر منحنيات خصرها المنحوت وتفاصيل جسدها الغض بوضوح يذهب بالعقل. خصرها النحيل الذي طوقته بيدي ذات صباح، كان يبدو الآن أكثر إثارة تحت ا
اقرأ المزيد

أنفاس في ظل الصفصاف

لم تعد الشاشات والرسائل الافتراضية كافية لإطفاء الحريق الكاسح الذي يلتهم أحشاءنا ويحرق عروقنا. كان لا بد من لقاء حقيقي، مواجهة جسدية مباشرة نلمس فيها هذا الشبق المكتوم الذي يعذبنا. عبر رسائل مشفرة وسريعة، اتفقنا على لقاء خاطف. حديقة عامة هادئة ومنعزلة تماماً على أطراف المدينة، في وقت متأخر من المساء. بعيداً عن أعين المعارف وفضول البشر. وصلتُ أولاً. جلستُ على مقعد خشبي متهالك، تختبئ زواياه تحت ظل شجرة صفصاف كثيفة الأغصان تتدلى أوراقها كستار يحجبنا عن العالم. كانت عيناي تراقبان الممر المظلم بحذر وتوجس، وقلبي يقرع في صدري بعنف كطبل حرب. جسدي كله كان مشدوداً بين الرغبة والخوف. ثم ظهرت. خرجت راما من بين الأشجار، ترتدي عباءة سوداء فضفاضة تخفي تفاصيلها. لكنها بالنسبة لي كانت تبدو كغلاف عاهر ومثير يضم داخله كنزاً مشتعلاً أعرف أدق خباياه بالصورة والكلمة. زحفت نحو المقعد وجلست بجانبي مباشرة، دون أن تترك أي مسافة بيننا. الحرارة اللاهبة التي كانت تنبعث من جسدها ألغت كل الحواجز، وجذبتني نحوها كالمغناطيس. "كريم..." همست بصوت مبحوح يرتجف خوفاً وإثارة، والتفتت إليّ بعينين واسعتين تلمعان تحت ضوء
اقرأ المزيد
السابق
1
...
45678
...
11
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status