ساد صمت خانق و موحش داخل الصالون الخلفي للسيارة بعد ترجل جيداء. بقيت الأبواب مغلقة، بينما انطلقت المركبة مجدداً تشق عتمة الشوارع الشتوية ببطء. كان ياسين يجلس في مقعده كتمثال من رخام، عيناه معلقتان بزجاج النافذة الجانبية حيث تلاشت آثار طيفها الراحل وسط زحام المشاة. كانت أنفاسه المتلاحقة تدق بعنف في صدره، و فكه المشدود يكاد ينكسر من فرط الغيظ و الندم المكتوم.لقد خسر جسر الثقة الأخير معها. مهلة اليومين التي فرضتها بعنادها المتمرد لم تكن مجرد وقت عابر، بل كانت حبلاً يلتف حول عنقه رغماً عن كل محاولاته المستميتة لإبقائها بعيدة عن ظلام الحكاية. قطع هذا السكون المطبق رنين هاتفه الشخصي. كانت نغمات الهاتف الحادة تصرخ في عتمة السيارة لتعلن عن اتصال لم يكن يحتاج لرؤية الشاشة ليعرف صاحبه زفر بقوه ثم سحب الهاتف بآلية، و تصلبت ملامحه الصارمة بالكامل فور أن لمع الرقم المجهول على الشاشة المضاءة. ضغط على زر الإجابة، و وضع الهاتف على أذنه دون أن يلقي تحية الصباح، بل بادر بنبرة جليدية، قاطعة، و جافة: — ماذا تريد؟جاءه الصوت من الطرف الآخر بارداً، متهك
Read more