ANMELDENشعر سادن بـغليان مرعب، وكأن الدماء تفور وتغلي في عروق رأسه بـهستيريا؛ ضغط على فكه بـغيظ وغضب أعمى، وشعر بـأن هناك فخاً قذراً قد نُصب له بـإحكام لـتدمير بيته، ليردد بـصوت متحشرج - إيه الكلام الفارغ والقذارة دي؟ أنتِ.. أنتِ بـعقلك ونقائك تصدقي التفاهة والفوتوشوب ده؟! تعالي بس هنا وأنا هـفهمك الملعوب ده وراه إيه مسحت فيروز دموعها بـكف متمرش، لتردد بـنبرة حاسمة، ميتة تفيض بـالانكسار الصامت - أصدق ولا مـأصدقش مـبقتش تفرق معايا في حاجة يا سادن.. أنا قولتلك ويوم إلا الخيانة.. وأنت خنتني وكسرت ظهري.. طلقني يا سادن.. طلقني وسبني في حالي.... سيبنى ارجع لاهلى هنا.. تخطت فيروز كل الحدود الحمر معه، لـينقشع قناع الصبر ويظهر ذلك الوجه الآخر المرعب لـسادن الأسيوطي، الوجه الذي تراه وترتعد منه لـأول مرة في حياتها. تقدم منها بـخطوات فهد هائج، وردد بـصوت جهوري متوعد، وعروق وجهه ناتئة من شدة غضبه - أنتِ أكيد اتجننتي...... طلاق إيه البـتنطقي اسمه في بيتي وعمرك الـ مربوط بـعمري؟!ليه مـش عاوزة تشغلي عقلك وتفهمي؟ قولتلك اسمعيني وأنا هـفهمك انهارت فيروز انهياراً كاملاً تلاشت معه كل قواها، وجعلت الدموع
دلف سادن من باب الفيلا بـخطوات مثقلة بـالتعب؛ فـقد عاد من العمل الليلة الماضية في وقت متأخر بـسبب ضغط الصفقات المعلقة، ورغم ذلك الـإنهاك الذي ينهش جسده، اضطر لـلذهاب لـلشركة في الصباح الباكر بـلا نيل قسط كافٍ من الراحة. كان جسده يطالب بـالنوم، لكن روحه كانت تتلهف لـرؤية ملاكه. ولم تكد عيناه ترتفعان نحو السلم، حتى تلاشت كل ذرة تعب من كيانه؛ وجدها في إنتظاره عند منتصف الدرج، تقف بـشموخ طفولي عذب، واضعة كفيها الصغيرتين في وسطها بـتحدٍّ صارخ، بـينما بطنها المنتفخة بـجنينهما تتقدمها بـشكل لطيف. كانت تبدو في هيئتها تلك كـطفلة مشاكسة تتصنع الغضب بـبراعة لـتخطف قلبه، مزمجرة بـشفتيها الكرزيتين بـدلال لا يقاوم. صعد سادن درجات السلم بـسرعة هائلة اختصرت كل مسافات الشوق بـداخله؛ تطلعت عيناه الرماديتان لـتلك الحورية التي بدت في عينه كـقطعة شوكولاتة شهية غارقة في اللذة، واجتاحته رغبة لاهبة في قضمها وضّمها إلى صدره بـعنف عاشق يود لو يخبئها بـين ضلوعه. اقترب منها حتى تلامست أنفاسهما، وانحنى يطبع قبلة عميقة، حارة على جبينها بـعشق جارف، مردداً بـنبرة رجولية دافئة أذابت جمود الموقف - الجميل واقف الوق
اجتمع الأهل والأقارب في المساء البهيج؛ لـحضور ذلك الحفل العائلي الرقيق والدافئ، الذي شهد ميلاداً جديداً لـروحٍ طاهرة.. ميلاد رقية، الاسم الجديد الذي اختارته فيروز لـمارتينا بـكل حب ونقاء، ليصبح واجهتها الجديدة نحو دنيا الإيمان. ولم يكن الحفل مجرد إشهار لإسلامها فحسب، بل كان بـالفعل حفل توثيق لعشقٍ جارف طال لـسنوات طويلة مضت، تآمرت عليها الظروف والمسافات بـالقسوة، دون أن ينقص من طهارته أو صدقه ذرة واحدة؛ بل إن ذلك العشق ازداد بـمرور الأيام وتضاعف حتى بلغ ذروة الـهيام الليلة. أطلت رقية بـطلتها الملائكية الساحرة، ترتدي فستانها الأبيض الرقيق الفضفاض الذي جعلها تبدو كـقطعة من الغيم، ويحيط بـوجهها حجابها الحريري الناصع الذي يزينه تاج ماسي صغير وراقٍ فوق رأسها، فـخطفت بـالفعل قلب ماجد وعقله منذ الوهلة الأولى. تسمر ماجد في مكانه بـذهول عاشق عاد إليه شبابه لـلتو؛ وفور أن وصلت إليه وباتت أمام عينه، تقدم منها بـخطوات مرتعشة من فرط الجلال، وانحنى يطوق كتفيها بـحنو جارف وطبع قبلة عميقة، لاهفة على رأسها طالت لـثوانٍ، وكأنه يختزل فيها اعتذار السنين. ثم اقترب أكثر، وراح يعزف بـهمسات ونبرات صوته ال
يتطلع سادن إليها بـملامح صخرية حادة، مستنكراً بـشدة تلك البراءة المزيفة التي ارتسمت بـبراعة على وجهها، بـينما راحت هي تلوح بـيديها بـعفوية مصطنعة، وتردد بـرقة ونبرة هادئة - وإيه المشكلة بس يا حبيبي؟ حقها طبعاً تفرح.. طنط مارتينا عاشت عمرها كله في حزن، ومن حقها تعوض كل السنين دي بـيوم تفتكره .. متقفلهاش في وشها بقى انتقل سادن في جلسته لـيجلس بـالمواجهة تماماً بـجوار فيروز، مضيقاً ما بين عينيه الرماديتين بـشك لا يرحم؛ فـهو يحفظ كل خلية في وجهها، ويعلم جيداً نظرات المكر اللذيذة تلك التي تخفيها وراء رموشها، فـعيونها النيلتية تلتمع الآن بـشرارات الشغب والمؤامرات النسائية التي يعشقها، ولكنها تثير جنونه في آن واحد. سألها سادن بـنبرة خافتة تحمل الكثير من الحذر والوعيد الدافئ - فجر.. ركزي معايا كدة وبـلاش لف ودوران.. هو أنتِ ليكِ يد في موضوع الفرح والـمهرجان اللى والدتي بـتتكلم فيه ده؟ اتكلمي بـصراحة. تـلجلجت فيروز بـارتباك طفولي، واهتزت نظراتها وهي تحاول النفي جاهدة بـحركات سريعة من رأسها، فـهي في مأزق حقيقي؛ والأسوأ من ذلك، أنه ليس لديها أي طاقة أو قدرة على الركض والهروب منه الآن كما ك
دون أن يحيد بـبصره أو سلاحه عنهما، أخرج هشام هاتفه بـيده الأخرى وقام بـالاتصال بـرئيس المباحث فوراً بـلا تردد، ومبلّغاً عن واقعة زنا مشهودة في منزله. مرت دقائق كـأنها دهور دهرية تحت وطأة تهديد سلاحه ودموع دينا ورعب عشيقها، حتى وصلت الشرطة بـقواتها إلى الفيلا، ودلف الضباط إلى الغرفة ليتم القبض على الإثنين واقتيادهما بـملاءات الفراش والكلابشات في أيديهما وسط فضحية مدوية شهد عليها حرس الفيلا والخدم. بـمجرد أن أُغلق باب الفيلا خلف سيارات الشرطة واستقر السكون، شعر هشام بـراحة عميقة، دافقة اجتاحت صدره بـعد أشهر من الضيق؛ بـالرغم من قسوة تلك الفضيحة المروعة والطعنة التي لاقاها من فعلتها الخائنة في شرفه، ولكن الخلاص منها بـهذه الطريقة كان بـمثابة استئصال لـورم خبيث ومصدر إرهاق نفسي طالما جثم على أنفاسه. التفت هشام بـملامح هائجة كـالبركان نحو إلهام التي كانت تقف في ردهة الفيلا تلطم وجنتيها بـرعب وخزي مما اقترفته ابنتها، وقام بـطردها هي الأخرى بـعنف شديد؛ دفعها نحو الخارج بـقوة، وجعل يصفد الأبواب ويقذف حقائبها خلفها وهو يصفهما بـأبشع، وأحط الألفاظ والشتائم التي تعبر عن قذارتهما. تحولت نبرته
أخيراً، جاء اليوم المنتظر، يوم سبوع مولودة فريدة الصغيرة، لتتحول الشقة إلى خلايا نحل تعج بالحياة والبهجة، وتتجمع العائلتان بـأكملهما تحت سقف واحد احتفالاً بتلك المناسبة السعيدة التي طال انتظارها، ممتزجة بأصوات الأغاني التراثية المبهجة وضحكات الصغار. جلست فيروز على أحد المقاعد الوثيرة في زاوية الصالون، ملامحها تشع حناناً بالرغم من تلك الآلام الطفيفة التي ما زالت تشعر بها في قدمها إثر الحادثة؛ كانت تجلس بـجوارها كايلا التي تبدو كـأميرة يفيض وجهها بالراحة، وأمل التي لا تتوقف عن المشاكسة، وحياة التي كانت تجلس بـوقار حانٍ وهي تحمل الصغيرة بين يديها، تدللها بـنظرات أمومية دافئة. أما في الصالون الرجالي المقابل، فـكانت الأجواء تفيض بـالهيبة والوقار؛ حيث يجلس كل من فاروق الأسيوطي بـجموده المعهود، وفهد، وآدم، وسادن الذي لا يحيد بـبصره عن باب الغرفة متفقداً فجره بين الحين والآخر، وطارق الذي يتبادل مع كايلا نظرات صامتة دافئة، وفريد الزوج الفخور السعيد. خرجت فريدة من المطبخ بـخطوات لاهثة، ممسكة بـأطراف فستانها الناعم بعد أن أدلت بـآخر وأدق تعليماتها الصارمة لتلك الطاهيات اللواتي أتى بهن زوجها ف
انتهت فريدة من اختبارها؛ اليوم هو آخر يوم في اختبارات نهاية العام الدراسي، لتتنفس الصعداء وكأن جبالاً قد أُزيحت عن عاتقها. وعقب خروجها من بوابات الجامعة، استمعت إلى رنين هاتفها، لتجده "فهد"؛ التفتت ببحث، لتلمحه يقف في مكان قبالتها بـانتظارها بكامل أناقته ولهفته، كعادته التي لم يقطعها يوماً طيلة فتر
انتهى سادن من الاطلاع على بعض الملفات الهامة العاجلة، ليترك القلم من يده، وما هي إلا ثوانٍ حتى ظهر شبح صورتها يراوده ما بين الحين والآخر. حاول جاهداً ألا يتذكرها، وألا يشغل باله بتفاصيلها، ولكن هيهات؛ فلقد وقع في ذلك الفخ العذب من دون إرادته. شرد بها وبحديثها العفوي، وارتسمت على شفتيه ابتسامة دافئة
عادت كايلا إلى القصر بعد يوم عمل طويل ومرهق أدارت فيه ملفات كثيرة في شركات شقيقها؛ كانت جسدها يطالب بالراحة وعقلها يبحث عن السكينة، لكن خطتها تعثرت ما إن وطئت قدماها الردهة؛ حيث وجدت دنيا في انتظارها. كانت تقف وعيناها تلمعان ببريق مريب، وقد ارتسمت على شفتيها ابتسامة مطاطة مألوفة، ابتسامة تعرفها كاي
فور أن انتهت فريدة من محاضرتها الأولى، حتى خرجت مسرعة، تسبقها دقات قلبها المضطربة؛ فلقد أرسل إليها يخبرها بأنه ينتظرها بالخارج في أمر بالغ الأهمية لا يحتمل التأجيل. وما إن خطت خارج قاعة المحاضرات، حتى وجدته في وجهها تماماً، واقفاً بثقة ووعيد محبب؛ حيث رفع كتفيه ببساطة وفرد ساعديه على اتساعهما في ح







